العلاقة بين العلم والدين ٣
العلاقة بين العلم والدين -٣
خريطة الأديان وأوجه الاشتراك والاختلاف في العلاقة بالعلم عند الإسلام والمسيحية
هذا هو الجزء الثالث من السلسة الثانية تحت عنوان رئيسي " العلاقة بين العلم والدين" وعنوان فرعي خريطة الأديان وأوجه الاشتراك والاختلاف في العلاقة بالعلم عند الإسلام والمسيحية، والتي بدأت في الجزء الأول بعنوان فرعي : إثارات في معنى العلاقة بينها، والجزء الثاني بعنوان فرعي سير ومواقف بعض العلماء. وستستمر الى أن نغطي كل جوانب الموضوع (تقريبا ١٢ جزء قد تزيد قليلا أو تنقص جزء). هذه السلسلة تتكامل، في محور آخر، لكن مرتبط جدا بهذا العنوان ، مع ٢١ جزء كنا قد انتهينا منها وكانت تحت عنوان (في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور؟). وستتنوع العناوين الفرعية، هنا، لتعكس محتوى كل جزء، من هذه السلسلة.
في الجزء السابق كان مخصصا لسير مجموعة من العلماء الغربيين المميزين والمهتمين بموضوع العلم والدين، وقبله، أثرنا بعض الأسئلة التي تبرز المواضيع التي ينبغي تناولها كي تكتمل الصورة في معالجة العنوان هذا كإثارة للحديث عنه، ولم أ ذكرنا سير مجموعة من العلماء الغربيين سميها مقدمة. ليأخذنا ذلك في الإجابة عن معني العلم للحديث عن انواعه والفروقات بينها مما يصعب السؤال عن" العلاقة بين العلم والدين"، للتأكيد أولا عن الحاجة للإجابة عن أي علم نتحدث عنه! وكذا الحال في موضوع الدين. فماذا نقصد من الدين، عند سؤالنا عن علاقته بالعلم. وهنا نتفرع في الحديث عن النص وصحته وموثوقيتنا به، وفهمنا له ومشروعية تعدد الفهم له، وطبعا أي دين نقصد في ساحات الأديان.
1. مقدمة
بعد أن ألقينا نظرة على العلاقة بين المسيحية والعلم، وما رافقها من تحولات فكرية ولاهوتية ومؤسسية عبر التاريخ الغربي، قد يبدو من الطبيعي الانتقال مباشرة إلى دراسة الإسلام وعلاقته بالعلم. غير أن المنهج العلمي يقتضي التوقف أولاً عند سؤال سابق على ذلك، وهو تبرير اختيار هذين الدينين بالذات عند دراسة العلاقة بين الدين والعلم؟ وهل يعود هذا الاختيار إلى اعتبارات تاريخية فقط، أم إلى عوامل أعمق تتصل بحضورهما في التجربة الإنسانية وبحجم انخراطهما في الأسئلة المعرفية الكبرى؟
لم نقم بالحديث عن تفحص بأي الأديان ينبغي أن نبدأ، قبل معالجة موضوع الدين وعلاقته بالعلم، في المجتمع المسيحي، لسبب واضح يتعلق بطبيعة العصر الحديث نفسه. فالعلم الحديث، بثوراته الكبرى ومؤسساته ومنجزاته، تشكل في بيئة أوروبية كانت مسيحية في ثقافتها العامة ومؤسساتها التعليمية والفكرية. ومن ثم فإن فهم العلاقة بين الدين والعلم في العالم المعاصر يستدعي بالضرورة دراسة التجربة المسيحية الغربية التي احتضنت الثورة العلمية الحديثة وشهدت التوترات والتوافقات والتنافر التي رافقتها. ولهذا كان من الصعب الحديث عن تاريخ العلم الحديث وعن علاقة العلم بالدين، دون المرور عبر هذه التجربة.
لكن الوقوف عند المسيحية وحدها لا يكفي، فالعلاقة بين الدين والعلم ليست قضية مسيحية خالصة، بل قضية إنسانية أوسع. ولذلك يصبح من الضروري توسيع طيف الأديان، وبناء خريطة أشمل للأديان العالمية المؤثرة في التاريخ الإنساني. وعند هذه النقطة لا يكون المعيار هو مجرد عدد الأتباع، بل ينبغي اتخاد العوامل المؤثرة والتي يمكن أن تكون متداخلة، والتي تعكس مكانة الدين في علاقته مع العلم. وتشمل هذه العوامل، عدة أمور أولها الامتداد التاريخي، يتبعها الحضور الحضاري، وحجم الإنتاج الفكري، والتأثير الاجتماعي، والبنية العقدية والفكرية وطبيعة الموقف من المعرفة والعقل والطبيعة، ومدى انخراطه في النقاشات المتعلقة بالعلم والإنسان والكون.
وعندما تُرسم الخريطة وفق هذه المعايير أو أهمها، تظهر مجموعة من التقاليد الدينية الكبرى التي تركت أثراً عميقاً في التاريخ الإنساني، وفي مقدمتها المسيحية والإسلام والهندوسية، والبوذية، واليهودية، وغيرها. غير أن الأديان لا تتساوى جميعها في درجة اشتباكها مع الأسئلة التي يعالجها هذا الكتاب. فبعضها انشغل بدرجة أكبر بقضايا الخلاص الفردي أو التجربة الروحية أو التحرر الداخلي، بينما ارتبط بعضها الآخر بمشروعات حضارية واسعة أنتجت أنظمة معرفية وقانونية ومؤسسات تعليمية ونقاشات فلسفية وعلمية امتدت قروناً طويلة.
ويتقدم كل من الإسلام والمسيحية بوصفهما الأكثر أهمية في الخريطة عند تطبيق المعايير. فالإسلام، شأنه شأن المسيحية، لم يكن مجرد منظومة شعائرية أو تجربة روحية فردية، بل أصبح أساساً لحضارة واسعة النطاق امتدت من الأندلس إلى حدود الصين، واحتضنت خلال قرون طويلة نشاطاً علمياً وفلسفياً ومعرفياً بالغ التأثير. والأهم من ذلك أن النصوص المؤسسة للإسلام نفسه جعلت قضايا المعرفة والعقل والتفكر والنظر في الخلق جزءاً من الخطاب الديني منذ بداياته الأولى.
الانتقال من المسيحية إلى الإسلام ليس انتقالاً اعتباطياً بين دينين كبيرين، بل انتقال بين تجربتين دينيتين كان لهما الدور الأوسع في تشكيل النقاش التاريخي حول العلاقة بين الإيمان والمعرفة، والوحي والعقل، والدين والعلم. وإذا كانت التجربة المسيحية قد قُدمت أولاً بحكم ارتباطها المباشر بنشأة العلم الحديث في الغرب، فإن التجربة الإسلامية تستحق الدراسة بموازاتها، بحكم حجم حضورها التاريخي، وبحكم مركزية المعرفة والعلم في تراثها الفكري والحضاري.
وعند هذه النقطة تحديداً يبدأ السؤال الذي ستتناوله الفصول اللاحقة، ومنها كيفية تعامل الإسلام مع المعرفة منذ لحظاته التأسيسية الأولى؟ وسبب اهتمام المسلمين بالعلم نتيجة تطورات تاريخية لاحقة، فهل فرضتها الفتوحات والاحتكاك بالحضارات الأخرى، أم أن جذور هذا الاهتمام كانت حاضرة منذ البداية في النص المؤسس نفسه؟ الإجابة على هذا التساؤل، تقودنا بالضرورة إلى العودة إلى اللحظة الأولى للوحي، وإلى الكلمة الأولى التي افتتحت بها الرسالة الإسلامية ﴿اقرأ﴾. فمن هذه الكلمة تبدأ رحلة مختلفة لفهم العلاقة بين الإسلام والمعرفة، وهي الرحلة التي ستشكل محور الصفحات القادمة.
قبل أن نبدأ الحديث عن علاقة الإسلام بالعلم، تستوجب الأمانة الفكرية أن نقف عند سؤال منهجي أساسي، وهو ماذا نعني حين نتحدث عن العلم والدين في هذا الكتاب؟ فالإجابة عن هذا السؤال ليست تفصيلاً هامشياً، بل هي التي تُحدد طبيعة كل ما يأتي بعدها، وتُجنّب القارئ الوقوع في خلط مفاهيمي يُشوّه الصورة ويُضعف الفهم. ويمكن النظر لهذا السؤال على أنه تفصيل إضافي في الإثارات التي بدأنا بها الحديث عن العلاقة بين العلم والدين، لكن هنا بصيغة محددة لهدف واحد تعنى بموضوع الإسلام وموقعه في خريطة الحديث عن علاقة العلم بالدين.
حين نقول "العلم والدين" في حديثنا هذا، لا نعني العلاقة بين مفهومين مجردين يسبحان في الفراغ بلا أصحاب ولا تاريخ ولا مجتمع. فالعلم ليس كياناً قائماً بذاته منفصلاً عن الناس الذين يُمارسونه، والدين ليس نصاً معلقاً في الفضاء بلا بشر يحملونه ويُفسّرونه ويعيشون به. في هذا الصفحات، نقصد بالعلاقة بين الدين والعلم، هو شيء أكثر تجذراً في الواقع وأكثر ارتباطاً بالتاريخ، فنحن نعني العلاقة بين العلم كممارسة إنسانية وحضارية من جهة، وبين جماعة دينية بعينها تحمل تصوراتها وقيمها ومؤسساتها وتاريخها من جهة أخرى.
وبهذا المعنى الدقيق، حين تحدثنا عن المسيحية والعلم في الفصل السابق، كنا نتحدث عن المسيحيين بوصفهم جماعة دينية وحضارية، وتعامل كنائسهم مع الاكتشافات العلمية؟ وكيف وثّق علماؤهم المؤمنون العلاقة بين إيمانهم وبحثهم؟ وكيف أثّرت منظومتهم العقدية في الأسئلة التي طرحوها والإجابات التي قبلوها أو رفضوها؟ وما الأثر الذي تركته مؤسساتهم الدينية في مسيرة المعرفة العلمية عبر القرون؟ وهذا الحديث عن المسيحية بعينها، نابع من ان حاضنتها هي البيئة العلمية العالمية التي تزخر بحراك علمي ينظر اليه، من قبل البعض، أنه أطروحة جديدة لفهم كل شيء.
وحين ننتقل للحديث عن الإسلام والعلم، فنحن نعني بالضبط الشيء المقابل، وهم المسلمون بوصفهم جماعة دينية وحضارية كان لها حضور قوي في الكثير من مفاصل الحراك العلمي والحضاري العالمي خلال ال أربع عشرة قرنا الماضية. وبالتالي، معرفة كيف تعامل علماؤهم المؤمنون مع الطبيعة والكون والمعرفة، وكيف أثّرت رؤيتهم العقدية في المنهج الذي اتبعوه والأسئلة التي طرحوها، وما الذي أنتجته حضارتهم من معرفة علمية أصيلة، وما الذي اقتبسوه من الآخرين ونقدوه وطوّروه، وكيف تطوّرت هذه العلاقة عبر الزمن من الصعود إلى الانتكاس إلى محاولات الاستعادة، كلها أسئلة تكشف عن طبيعة العلاقة بين العلم والإسلام.
هذا التمييز الذي نرسّخه هنا ليس ترفاً منهجياً، بل هو دفاع عن دقة الفهم في مواجهة ثلاثة مواطن للخلل الشائعة، تعتري معظم الكتابات في هذا الموضوع. الخلل الأول يتمثل في تجريد العلم من سياقه الإنساني ومعاملته كظاهرة محايدة خالية من القيم والتصورات والانتماءات. فالواقع أن العلم عبر التاريخ لم يُمارَس في فراغ ثقافي، بل مارسه بشر ينتمون إلى جماعات وتقاليد وحضارات، وكانت هذه الانتماءات تُشكّل الأسئلة التي يطرحونها والطريقة التي يُفسّرون بها نتائجهم. فحين أسّس ابن الهيثم منهجه التجريبي في القرن الحادي عشر، لم يفعل ذلك في فراغ، بل فعله في سياق ثقافي إسلامي يُعلي من شأن العلم بوصفه قراءة لآيات الله في الكون. وحين أحجمت أوروبا المسيحية في القرون الوسطى عن بعض الأسئلة العلمية، لم يكن ذلك لقصور عقلي فردي، بل لأن البيئة المؤسسية الكنسية كانت تُحدد حدود المعرفة المقبولة.
أما الخلل الثاني فهو الحديث عن "الإسلام" أو "المسيحية" كأنهما كيانان متجانسان وحيدان لا تنوع فيهما ولا تحول، وخصوصا فيما يتعلق بموضوعنا. فالمسيحية ليست شيئاً واحداً، وكذلك الإسلام. فالكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية لها تاريخ مختلف مع العلم. والسنة والشيعة والمعتزلة والأشاعرة والصوفية تعاملوا مع السؤال المعرفي بطرق متباينة. ولذلك حين نقول في هذه الصفحات، "المسلمون والعلم" أو "المسيحيون والعلم"، فنحن نتحدث عن اتجاهات عامة ومحاور كبرى مع الاعتراف الكامل بأن التنوع الداخلي في كل منهما بالغ الثراء.
والخلل الثالث، هو المقارنة المجتزأة التي تأخذ أسوأ لحظات تقليد وأفضل لحظات تقليد آخر ثم تُقارن بينهما. فمقارنة محاكمة غاليليو بازدهار ابن الهيثم، أو مقارنة الفكر الخرافي في بعض البيئات الإسلامية المتأخرة بعصر التنوير الأوروبي، تتعبران مقارنتان انتقائيتان مُضلّلتان. فالأمانة تقتضي مقارنة الحضارات في مراحلها المتماثلة ومن الداخل لا من زاوية الانتصار المسبق لأحد الطرفين. في المادة التالية، نقوم بدراسة الأديان هذ في ضوء العوامل التي تحددان مكان كل منها من العلاقة بي العلم والدين، لنصل الى تبرير علمي ومنطقي لأخذنا فيما يلي ذلك، للحديث عن الإسلام وعلاقته بالعلم كخطوة تأتي بعد النقاش الموسع الذي قمنا به عن العلاقة بين العلم والدين في البيئة المسيحية.
المسلمون بوصفهم جماعة دينية وحضارية حملوا منذ البداية رؤية كونية تُعلي من شأن المعرفة وتجعل طلبها فريضة دينية لا نشاطاً ثانوياً. وهذه الرؤية أنتجت في مرحلتها الكلاسيكية حضارة علمية استثنائية بكل المعايير، وأنتجت لاحقاً إشكاليات حين أصاب هذه الحضارة الوهن من الداخل والضربات من الخارج. وهي تواجه اليوم سؤالاً مركزياً مطروحاً على كل مسلم مفكر، وهو كيف تُقرأ العلاقة بين الإرث العقدي الإسلامي والمعرفة العلمية المعاصرة في عالم تغيّرت فيه أدوات المعرفة وتراكماتها تراكماً هائلاً؟
هذا هو السؤال الذي سيُشكّل محور الفصل التالي. وهو سؤال لا يُجاب عنه بجملة واحدة ولا بإعادة إنتاج الصراع المسيحي-العلمي على أرض إسلامية مختلفة، بل يُجاب عنه بفهم عميق للخصوصية التي تُميّز علاقة المسلمين بالعلم عن علاقة المسيحيين به، مع الإقرار الكامل بما يشتركان فيه من أسئلة إنسانية كونية لا تُحلّها أي حضارة وحدها.
إن الحديث عن العلاقة بين الدين والعلم يقتضي قبل كل شيء تحديد الدين الذي نتحدث عنه. فالبشرية عرفت عبر تاريخها الطويل آلاف المعتقدات والديانات والتقاليد الروحية، من الشامانية في المجتمعات البدائية الأولى إلى الديانات الحضارية الكبرى التي ما زالت حاضرة في عالمنا المعاصر. غير أن هذه الأديان لا تحتل الموقع نفسه في التاريخ الإنساني، ولا تمتلك الدرجة نفسها من التأثير الحضاري أو الحضور الفكري أو الانخراط في الأسئلة التي يعالجها العلم الحديث. فالهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية واليهودية والمسيحية والإسلام وغيرها من التقاليد الدينية الكبرى أسهمت جميعها بدرجات متفاوتة في تشكيل وعي الإنسان وثقافته، إلا أن حضورها في النقاش المعاصر حول العلم يختلف تبعاً لانتشارها، وأثرها الحضاري، وطبيعة بنيتها العقدية، ومدى انخراطها التاريخي في تفسير الكون والإنسان والمعرفة.
وقبل رسم خريطة للأديان وعلاقتها بالعلم، يبرز سؤال أكثر عمقاً يتعلق بأصل الدين نفسه. فالباحث يواجه هنا روايتين مختلفتين للتاريخ. الأولى هي الرواية الإيمانية التي ترى أن الدين يبدأ مع الوحي الإلهي والأنبياء، وأن الإنسان لم يوجد قط منقطعاً عن الهداية السماوية. أما الثانية فهي الرواية التاريخية التي يتبناها المؤرخون وعلماء الأديان المقارنة، والتي تنطلق من الآثار والنقوش والشواهد المادية المتاحة، فتتبع تطور أنماط التدين البشرية منذ الشامانية والأرواحية وعبادة الأسلاف وصولاً إلى الديانات الكبرى المعروفة اليوم. ولا يلزم من اختلاف الروايتين أن تكونا متناقضتين، لأن كلاً منهما تجيب عن سؤال مختلف وتستخدم أدوات معرفية مختلفة.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى بناء خريطة واضحة للأديان قبل الدخول في دراسة علاقتها بالعلم. فهذه الخريطة لا تقتصر على بيان أعداد الأتباع وانتشارهم الجغرافي، بل تشمل أيضاً تاريخ نشأة الأديان، وأفكارها المركزية، وموقعها من الأسئلة الكبرى المتعلقة بالكون والإنسان والمعرفة، ومدى مساهمتها في تشكيل الحضارات والمؤسسات العلمية والفكرية. وعبر هذا المسار يمكن فهم الأسباب التي جعلت بعض الأديان تحتل موقعاً محورياً في النقاش الحديث حول العلم، في حين بقي حضور بعضها الآخر محدوداً أو محصوراً في دوائر فلسفية وثقافية متخصصة.
١.١ خريطة الأديان وعلاقتها مع العلم
حين يُطرح سؤال العلاقة بين العلم والدين، يبدو للوهلة الأولى، أنه سؤالاً عاماً يخص جميع البشر وجميع الحضارات على السواء. غير أن التأمل التاريخي يكشف أن السؤال بصيغته الحديثة لم ينشأ في فراغ، ولم يتشكل بصورة متطابقة داخل جميع البيئات الدينية والثقافية. فالطريقة التي نفهم بها اليوم العلاقة بين العلم والدين هي نتاج مسار تاريخي طويل ارتبط بتجربة حضارية محددة، ثم انتقل لاحقاً ليصبح سؤالاً عالمياً.
ولهذا فإن أول خطوة منهجية في دراسة هذا الموضوع هي التحرر من الافتراض الضمني القائل إن جميع الأديان واجهت العلم بالطريقة نفسها، أو أن جميع المجتمعات الدينية خاضت الصراعات ذاتها مع المعرفة الطبيعية. فالعلاقة بين الدين والعلم ليست علاقة واحدة تتكرر في كل مكان، بل هي مجموعة من العلاقات المختلفة التي تحددها طبيعة كل دين، وبنيته العقدية، ومصادر سلطته المعرفية، وموقفه من العقل والطبيعة، وتاريخه مع المؤسسات السياسية والثقافية.
فالدين الذي يمتلك نصوصاً تشجع على التأمل في الكون ليس بالضرورة كالدين الذي تركز نصوصه على الخلاص الروحي الفردي، والدين الذي نشأت داخله مؤسسة كهنوتية مركزية قادرة على احتكار التفسير ليس كالدين الذي توزعت فيه السلطة الدينية بين مدارس واجتهادات متعددة. كما أن الدين الذي ارتبط قيام دوله ومؤسساته بالتوسع العلمي والمعرفي ليس كالدين الذي عاش قروناً طويلة تحت ضغوط سياسية أو اجتماعية مختلفة، وبمثل ذلك تنطبق الكثير من الافتراقات في القناعات المختلفة.
ومن هنا يصبح من الضروري، قبل الخوض في تفاصيل العلاقة بين الإسلام والعلم أو المسيحية والعلم، أن نرسم خريطة أوسع للأديان الكبرى في العالم، وأن نفهم طبيعة حضورها في التاريخ الإنساني، ومدى انخراطها في الأسئلة المتعلقة بالطبيعة، والإنسان، والكون، والمعرفة.
إن دراسة العلاقة بين العلم والدين لا يمكن أن تبدأ مباشرة من دين واحد، لأن ذلك قد يؤدي إلى تعميمات غير دقيقة أو إلى إسقاط تجربة حضارية خاصة على بقية التجارب الإنسانية. ولذلك تقتضي المنهجية العلمية أولاً تحديد الأديان التي كان لها حضور واسع وممتد في التاريخ البشري، ثم دراسة مدى مساهمتها في تشكيل الرؤية الإنسانية للكون والمعرفة.
وعند القيام بهذا المسح الواسع تظهر مجموعة من الديانات الكبرى التي تركت أثراً عميقاً في الحضارة الإنسانية، مثل الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية واليهودية والمسيحية والإسلام، إضافة إلى بعض التقاليد الدينية والفلسفية الأخرى. غير أن درجة حضور هذه الأديان في النقاش المعاصر حول العلم ليست واحدة.
فبعضها ركز تاريخياً على قضايا الخلاص الروحي أو السلوك الأخلاقي أو الانسجام الاجتماعي أكثر من تركيزه على تفسير العالم الطبيعي. وبعضها لم ينتج مؤسسات علمية واسعة النطاق، أو لم يشهد احتكاكاً مباشراً بالثورات العلمية الحديثة بالصورة التي شهدتها أوروبا والعالم الإسلامي. ولهذا فإن حضورها في الجدل الحديث حول العلم يبقى محدوداً نسبياً مقارنة بغيرها.
عند الانتقال من الخريطة العامة للأديان إلى دراسة العلاقة المباشرة مع العلم، يبرز الإسلام والمسيحية بصورة خاصة. وليس ذلك بسبب انحياز ثقافي أو تفضيل مسبق، بل نتيجة عوامل موضوعية يمكن رصدها تاريخياً. ولا يعد هذا تناقضا مع ما قلنا قبل قليل، عن محاذير التعميمات التي تكتنف بداية النقاش من دين واحدا. فالمسيحية ارتبطت بالمجتمعات الأوروبية التي شهدت الثورة العلمية الحديثة، والثورة الصناعية، وبروز المؤسسات العلمية المعاصرة. ولذلك فإن كثيراً من الأسئلة التي تشكل اليوم جوهر النقاش حول العلم والدين ظهرت أصلاً داخل بيئة مسيحية، أو في مجتمعات كانت الثقافة المسيحية تمثل خلفيتها الحضارية الأساسية. أما الإسلام، فيمثل الحالة الدينية الكبرى الأخرى التي امتلكت تاريخاً طويلاً من الانشغال بقضايا المعرفة والطبيعة والعقل، وأسهمت حضارته قروناً عديدة في إنتاج العلوم الرياضية والطبيعية، والطبية والفلكية والفلسفية. كما أن نصوصه التأسيسية، منذ اللحظات الأولى للوحي، تضمنت حضوراً كثيفاً لمفردات العلم والعقل والنظر والتفكر والتدبر، وهو ما جعل العلاقة بين الدين والمعرفة جزءاً من النقاش الإسلامي الداخلي منذ مراحل مبكرة جداً.
ولهذا فإن التركيز على المسيحية والإسلام لا يعني تجاهل بقية الأديان، بل يعكس حقيقة أن هاتين التجربتين تمثلان أكثر الحالات ثراءً وتأثيراً في تاريخ العلاقة بين الدين والعلم، سواء من حيث حجم المجتمعات التي تنتمي إليهما، أو من حيث عمق الجدل الفكري الذي نشأ داخلهما، أو من حيث أثرهما في تشكيل الحضارة العالمية الحديثة. انطلاقاً من هذه الخلفية، نسعى هنا إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأساسية، كالسؤال عما هي الأديان الكبرى التي أسهمت في تشكيل الرؤية الإنسانية للعالم؟ وما طبيعة العلاقة التي نشأت بين كل منها وبين المعرفة العلمية؟ ولماذا يحتل الإسلام والمسيحية موقعاً مركزياً في هذا النقاش؟ وهل يمكن الحديث عن نموذج واحد للعلاقة بين العلم والدين؟ وما الفوارق الجوهرية بين التجربتين الإسلامية والمسيحية في التعامل مع العقل والطبيعة والمعرفة؟ وهذا يمثل خطوة ضرورية قبل الانتقال إلى دراسة الإسلام نفسه، وكيف تعامل الوحي القرآني منذ بداياته مع قضايا العلم والمعرفة والعقل، وكيف تشكلت داخل الحضارة الإسلامية رؤى متعددة لفهم الكون والإنسان والطبيعة.
١.٢. نشأة الأديان بين الوحي والتاريخ
حين نبحث في علاقة الدين بالعلم، قد نحتاج أولاً إلى فهم الكيفية التي نشأت بها التصورات الدينية البشرية الأولى عن الكون والطبيعة والإنسان. ذلك أن كل موقف ديني من العلم اليوم يقف فوق طبقات تاريخية عميقة من التصورات عن العالم، وعن مصدر المعرفة، وعن العلاقة بين الإنسان والقوى التي تحكم الوجود.
ومن هنا تظهر أهمية سؤال نشأة الأديان البشرية. فالسؤال عن نشأة الدين من أكثر الأسئلة تعقيداً في تاريخ الفكر الإنساني، لأنه يقف عند نقطة التقاء ثلاثة حقول معرفية كبرى: الدين، والتاريخ، والأنثروبولوجيا. فحين نتساءل: ما أول دين عرفه الإنسان؟ لا نكون في الحقيقة أمام سؤال واحد، بل أمام مجموعة من الأسئلة المتداخلة التي تختلف إجاباتها باختلاف المنهج الذي ننطلق منه.
فالمؤمن المنتمي إلى دين سماوي ينظر إلى الدين بوصفه ظاهرة تبدأ من الوحي الإلهي، ويرى أن الإنسان لم يوجد في العالم مجرداً من الهداية، بل ارتبط منذ لحظة وجوده الأولى برسالة إلهية تهديه إلى معرفة خالقه وموقعه في الكون. أما المؤرخ وعالم الأديان المقارن فينظر إلى الدين بوصفه ظاهرة بشرية قابلة للرصد والتحليل، ولا يستطيع أن يتجاوز حدود الأدلة المادية المتاحة من نقوش وآثار ونصوص ومدافن ومواقع أثرية. ومن هنا تبدأ أولى الإشكاليات المنهجية في دراسة تاريخ الأديان.
ففي الرؤية الإسلامية، على سبيل المثال، يبدأ تاريخ الدين مع آدم عليه السلام، الذي لا يُنظر إليه بوصفه أول إنسان فحسب، بل بوصفه أول نبي أيضاً. ومن ثم فإن سلسلة النبوات الممتدة من آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام تمثل تاريخ الهداية الإلهية للبشرية. أما في الدراسات التاريخية الحديثة فإن المؤرخ لا يملك وثائق معاصرة لآدم أو نوح أو إدريس عليهم السلام يمكنه إخضاعها للفحص التاريخي، ولذلك يبدأ عادةً من أقدم الظواهر الدينية التي تركت آثاراً مادية يمكن تتبعها.
وهذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أن إحدى الرؤيتين تُبطل الأخرى، بل يعني أن كل واحدة منهما تجيب عن سؤال مختلف. فالمؤمن يسأل عن أصل الهداية، بينما يسأل المؤرخ عن أقدم شكل من أشكال التدين الذي يمكن إثبات وجوده تاريخياً. ومن دون إدراك هذا الفرق المنهجي تتحول كثير من النقاشات حول تاريخ الأديان إلى حوار بين طرفين يتحدث كل منهما عن موضوع مختلف. وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة في كتاب يبحث علاقة الدين بالعلم. فالمؤرخ حين يتحدث عن الشامانية أو الأرواحية أو الديانات الزراعية لا يقصد بالضرورة أنها كانت أول دين في الحقيقة المطلقة، وإنما يقصد أنها أقدم الأشكال الدينية التي تركت آثاراً يمكن دراستها. أما المؤمن فيرى أن هذه الأشكال تمثل مراحل لاحقة من تاريخ الإنسان بعد أن ابتعدت بعض المجتمعات بدرجات متفاوتة عن الهداية الأصلية. وإدراك هذا الفرق المنهجي يمنع الخلط بين الرواية الدينية والرواية التاريخية، ويُجنب تحويل النقاش إلى جدل عقائدي لا يخدم موضوع الكتاب.
ومن هذا المنظور تصبح دراسة تاريخ الأديان جزءاً من دراسة تاريخ المعرفة الإنسانية ذاتها. فقبل أن يظهر العلم الحديث كانت الأسئلة الكبرى عن أصل الكون وطبيعة الإنسان ومصيره وأسس النظام الأخلاقي تُطرح داخل الأطر الدينية. ولذلك فإن فهم تطور الأديان ليس موضوعاً منفصلاً عن فهم علاقة الدين بالعلم، بل هو في كثير من الأحيان المدخل الضروري لفهم كيف نشأت هذه العلاقة، وكيف تطورت، ولماذا اتخذت أشكالاً مختلفة في الحضارات والديانات المختلفة.
ومن أجل تفسير نشأة الدين بوصفه ظاهرة إنسانية يمكن دراستها بأدوات البحث العلمي، حاول عدد من أبرز علماء الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وتاريخ الأديان خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وتكتسب هذه المحاولات أهمية خاصة في سياق حديثنا عن العلاقة بين العلم والدين، لأنها تمثل إحدى اللحظات التي تحوّل فيها الدين نفسه من كونه مصدراً للمعرفة إلى موضوع للدراسة والتحليل داخل العلوم الإنسانية الحديثة.
فقد رأى عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد برنت تايلور ١٩١٧م، أحد مؤسسي الأنثروبولوجيا الثقافية الحديثة، في كتابه الشهير الثقافة البدائية الصادر سنة ١٨٧١م، أن الأصل الأول للدين يكمن فيما أسماه مذهب الأرواح، أي اعتقاد الإنسان القديم بوجود أرواح تسكن البشر والحيوانات والأشياء والظواهر الطبيعية. واعتبر تايلور أن محاولات تفسير الأحلام والموت والإغماء قادت الإنسان البدائي إلى تصور وجود روح مستقلة عن الجسد، ومن هنا بدأت البذور الأولى للتفكير الديني.
أما عالم الأنثروبولوجيا الأسكتلندي السير جيمس جورج فريزر١٩٤١م، فقد قدّم في عمله الموسوعي الضخم الغصن الذهبي، الذي صدرت طبعته الأولى عام ١٨٩٠م ثم توسع لاحقاً إلى اثني عشر مجلداً، رؤية مختلفة تقوم على أن الفكر الإنساني مر بثلاث مراحل كبرى، تبدأ بمرحلة السحر، ثم مرحلة الدين، ثم مرحلة العلم. فالسحر عنده كان محاولة للسيطرة المباشرة على الطبيعة، والدين مرحلة يلجأ فيها الإنسان إلى قوى فوق طبيعية، ثم يأتي العلم بوصفه المرحلة التي تعتمد على الملاحظة والتجربة والقوانين الطبيعية.
ومن زاوية اجتماعية، رأى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم ١٩١٧م، أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع الحديث، في كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية الصادر سنة ١٩١٢م، أن الدين في جوهره ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون ظاهرة فردية. فالمقدسات والطقوس والرموز الدينية ليست سوى تعبير عن وحدة الجماعة وتماسكها، وأن المجتمع في نهاية المطاف يقدّس نفسه بصورة رمزية من خلال الدين.
وقدم الطبيب النمساوي ومؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد ١٩٣٩، تفسيراً نفسياً للدين في عدد من أعماله، ولا سيما في كتاب مستقبل وهم، الصادر سنة ١٩٢٧م، حيث اعتبر الدين استجابة نفسية لحاجات الإنسان العميقة إلى الحماية والأمان في مواجهة عالم مليء بالمخاطر. فالإله عند فرويد يمثل امتداداً رمزياً لصورة الأب الحامي الذي يلجأ إليه الإنسان لتجاوز شعوره بالعجز والخوف.
وفي مقابل هذه التفسيرات الاختزالية نسبياً، قدّم مؤرخ الأديان الروماني ميرسيا إلياده ١٩٨٦م، المتخصص في تاريخ الأديان المقارن، رؤية مختلفة في أعماله، وعلى رأسها المقدس والدنيوي الصادر سنة ١٩٥٧م، وأنماط في الدين المقارن الصادر سنة ١٩٤٩م. فقد رأى إلياذة أن التدين ليس مرحلة عابرة في تطور الإنسان، بل بُعد أصيل من أبعاد الوجود الإنساني نفسه. فالإنسان، في نظره، يسعى منذ أقدم العصور إلى التمييز بين المقدس والعادي، وإلى البحث عن المعنى والنظام وسط عالم متغير، ولذلك فإن الظاهرة الدينية أعمق من أن تُختزل في مجرد تفسير اجتماعي أو نفسي أو معرفي. الجدول ١ يلخص مواقف ونتاج مسيرة مؤرخي نشأة الأديان المختصرة وموقف كل منهم من العلم ومن الدين.
ورغم اختلاف هذه الأطروحات، فإن أياً منها لم ينجح في تقديم تفسير نهائي يحظى بإجماع الباحثين. وما زال أصل الدين واحداً من أكثر الأسئلة المفتوحة في العلوم الإنسانية المعاصرة. ونحتاج أن نؤكد هنا على أن أهمية هذه النظريات في سياق هذا الكتاب، لا تكمن في نجاحها أو إخفاقها في تفسير أصل الدين، بل في أنها تكشف عن تحوّل عميق في طبيعة العلاقة بين العلم والدين في العصر الحديث. فبينما كان الدين، في المراحل السابقة من التاريخ، يقدّم نفسه حديثا، بوصفه أحد المصادر الأساسية لفهم الإنسان والعالم ومعنى الوجود، بينما جاءت العلوم الإنسانية الحديثة لتجعل الدين ذاته موضوعاً للدراسة والتفسير والتحليل. وبذلك لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت الاكتشافات العلمية تتفق مع النصوص الدينية أو تتعارض معها، بل أصبح يشمل سؤالاً أكثر جذرية، يتمثل في إمكانية العلم تفسير الدين، وهل التدين استجابة لوحي إلهي كما ترى الأديان، أم نتاج لعمليات نفسية واجتماعية وثقافية كما تقترح بعض النظريات الحديثة؟
ومن هنا نشأ مستوى جديد من الحوار بين العلم والدين يختلف عن الجدل التقليدي حول نشأة الكون أو أصل الحياة أو حركة الكواكب. فالعلم لم يعد يناقش فقط القضايا التي تناولتها النصوص الدينية، بل أصبح يحاول فهم الظاهرة الدينية ذاتها، بما فيها كيف نشأت؟ ولماذا استمرت؟ وما الوظائف التي تؤديها في حياة الإنسان والمجتمع؟ وهذا التطور جعل العلاقة بين العلم والدين أكثر تعقيداً واتساعاً من أي وقت مضى، إذ انتقل النقاش من دراسة العالم الخارجي إلى دراسة الإنسان نفسه بوصفه كائناً متديناً. ولذلك فإن فهم هذه النظريات يُعد خطوة ضرورية لفهم كثير من النقاشات المعاصرة التي ستظهر لاحقاً في هذا الكتاب، سواء في التجربة المسيحية أو الإسلامية أو في غيرهما من التقاليد الدينية الكبرى
وعندما ينتقل المؤرخ إلى دراسة أقدم أشكال التدين التي يمكن تتبعها تاريخياً، فإنه يجد نفسه أمام ما يُعرف بالشامانية. والشامانية ليست ديناً واحداً بالمعنى المعروف للكلمة، بل نمط واسع من التدين ظهر في مناطق متعددة من العالم قبل ظهور الدول والمدن والكتابة. وقد وُجدت أشكال شامانية في سيبيريا وآسيا الوسطى وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا وأجزاء من أفريقيا. وتقوم الشامانية على الاعتقاد بأن العالم مليء بالأرواح والقوى غير المرئية، وأن بعض الأشخاص يمتلكون قدرة خاصة على التواصل مع هذه العوالم الخفية. وكان الشامان يؤدي دور المعالج والكاهن والمفسر والوسيط بين عالم البشر وعالم الأرواح. ومن منظور تاريخ الأديان تمثل الشامانية أول محاولة منظمة لفهم المرض والموت والأحلام والطبيعة والظواهر الغامضة التي أحاطت بالإنسان القديم.
ومع الثورة الزراعية، قبل نحو عشرة آلاف عام بدأت أنماط جديدة من التدين بالظهور. فاستقرار الإنسان حول الأرض والمحاصيل الزراعية أوجد اهتماماً متزايداً بقضايا الخصوبة والمطر، والفصول، ودورة الحياة، والموت. ومن هنا ظهرت الديانات الزراعية التي تمحورت حول آلهة الخصب والأم الكبرى وقوى الطبيعة. ثم تطورت هذه الأنماط تدريجياً مع ظهور المدن الكبرى في بلاد الرافدين ومصر القديمة.
أما في بلاد الرافدين، فظهرت أولى النظم الدينية الحضرية المعقدة. وأصبحت المعابد مؤسسات دينية واقتصادية وسياسية في آن واحد. وارتبطت مراقبة السماء والنجوم بالشعائر الدينية، مما أسهم في نشوء تقاليد فلكية ورياضية مبكرة. وفي مصر القديمة نشأ نظام ديني شديد التعقيد تمحور حول آلهة وارتبط ارتباطاً وثيقاً بفكرة الخلود والحياة بعد الموت، مثل رع (إله الشمس والخالق الأعظم) وأوزيريس (إله الموت والبعث)، وهم من أشهر الآلهة في الديانة المصرية القديمة، وقد لعبوا دوراً مركزياً في التصورات المصرية عن الكون، والحياة والموت والخلود. وفي شبه القارة الهندية ظهرت الديانة الفيدية التي تمثل الجذر التاريخي للهندوسية اللاحقة. وقد ركزت على التراتيل المقدسة والطقوس النارية وآلهة الطبيعة، ومنها ستنبثق لاحقاً تقاليد دينية وفلسفية، واسعة كالهندوسية والبوذية والجينية.
غير أن واحدة من أهم المحطات في تاريخ الأديان كانت ظهور الزرادشتية في إيران القديمة. فقد مثلت الزرادشتية انتقالاً نوعياً من التركيز على قوى الطبيعة إلى التركيز على البعد الأخلاقي للوجود. ويدور جوهر رسالتها حول الإله الأعلى أهورا مزدا، والصراع الكوني بين الخير والشر، ومسؤولية الإنسان الأخلاقية في هذا الصراع. وقد قدمت مفاهيم ستصبح لاحقاً مألوفة في كثير من التقاليد الدينية الكبرى، مثل الحساب الأخروي والجنة والجحيم والملائكة والشياطين وانتصار الخير في نهاية التاريخ. ولهذا ينظر عدد كبير من مؤرخي الأديان إلى الزرادشتية بوصفها واحدة من أهم الجسور الفكرية بين الديانات القديمة متعددة الآلهة وبين الأديان الأخلاقية والتوحيدية التي ستظهر لاحقاً. كما أن تأثيرها المحتمل في البيئة الدينية للشرق الأدنى القديم ما زال موضوعاً مهماً في الدراسات المقارنة للأديان. ويمكن تلخيص التسلسل التاريخي التقريبي للأديان والأنماط الدينية وفق المنهج التاريخي في الجدول ٢.
وفي المقابل، إذا أعدنا رسم المشهد من منظور الأديان السماوية، فإن التسلسل يختلف جذرياً، لأن نقطة البداية ليست الشامان ولا المعبد السومري ولا الطقوس الزراعية، بل الوحي الأول الذي ارتبط بالإنسان منذ بدايات وجوده. ومن هنا تنشأ رواية أخرى للتاريخ ترى أن أصل التدين ليس البحث البشري عن المقدس، بل استجابة الإنسان لنداء السماء. ويمكن اعطاء تواريخ تقريبية للأديان السماوية في التسلسل من النبي آدم عليه السلام الى النبي محمد ص، ويجب التنبيه، إلى أن هذه التواريخ تقريبية للغاية، وأنها تختلف جذرياً بين المنظور الديني والمنظور التاريخي. فبالنسبة للأنبياء آدم وإدريس ونوح وهود وصالح عليهم السلام لا توجد تواريخ تاريخية متفق عليها بين المؤرخين، ولا توجد وثائق معاصرة يمكن من خلالها تحديد زمنهم بدقة. أما الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، عليهم السلام فيقعون داخل أطر تاريخية أقرب إلى إمكانية التأريخ. ويمكن وضع الجدول ٣ الذي يحوي تسلسلا بوصفه تقديراً تقريبياً شائعاً في الدراسات الإسلامية والتاريخية، مع التأكيد على أن الأرقام الأولى أقرب إلى التقديرات التراثية منها إلى الحقائق التاريخية القابلة للإثبات.
ومن المهم الإشارة إلى أن المؤرخين عادةً يبدؤون الحديث بثقة أكبر عند النبي إبراهيم عليه السلام، لأننا نقترب عنده من عالم الحضارات المدونة في بلاد الرافدين ومصر والشام. أما ما قبل إبراهيم فيُعد من "التاريخ المقدس" أو "التاريخ الديني" أكثر من كونه تاريخاً موثقاً بالمعنى الأكاديمي الحديث. ولهذا نجد في كتب تاريخ الأديان أن أول شخصية نبوية يمكن مناقشة زمنها ضمن إطار تاريخي معقول هي غالباً النبي إبراهيم عليه السلام، بينما يبقى الأنبياء آدم وإدريس ونوح وهود وصالح عليهم السلام ضمن نطاق الإيمان الديني والتراث التفسيري أكثر من نطاق التاريخ القابل للتحقق الوثائقي.
وفي المجمل، تبقى دراسة نشأة الأديان مثالاً نادراً على التقاء الرؤية الإيمانية بالرؤية التاريخية دون أن تذوب إحداهما في الأخرى. فالرؤية الإيمانية تفسر أصل الهداية، بينما تفسر الرؤية التاريخية تطور الظواهر الدينية كما تظهر في السجل البشري. وكلما أدرك الباحث حدود كل منهما وأدواتها، أصبح أكثر قدرة على فهم الدين بوصفه أحد أكثر الظواهر تأثيراً في تاريخ الإنسان وحضارته.
١.٣ لماذا هذه الأديان تحديداً؟
قبل الحديث عن الإسلام أو المسيحية أو غيرهما في علاقتهما بالعلم، نحن بحاجة للإيضاح للقارئ أن دراسة آلاف الأديان والمعتقدات، عمليا وعلميا، بالقدر نفسه من التفصيل في هذا الجهد الذي بين يديه ليس ممكنا. فالعالم المعاصر يعرف ما يزيد على أربعة آلاف دين ومعتقد ديني موثّق، تتوزع بين الأديان العالمية الكبرى، والأديان القومية والمحلية، والحركات الروحية الحديثة، والتقاليد الشفوية التي ما زالت حية في مجتمعات متعددة حول العالم. فمن الشامانية في آسيا الوسطى وسيبيريا، إلى الزرادشتية في إيران، والجينية والسيخية في الهند، والمورمونية في أمريكا الشمالية، مروراً بعشرات المعتقدات الإفريقية والأمريكية الأصلية، نجد أمامنا تنوعاً دينياً هائلاً يجعل أي حديث عن "الدين" بصيغة المفرد حديثاً مضللاً منذ البداية.
ولهذا فإن أي دراسة جادة للعلاقة بين الدين والعلم تحتاج أولاً، إلى الإجابة عن سؤال منهجي أساسي، وهو أي الأديان ينبغي أن تكون موضوعاً للدراسة والتحليل؟ ولماذا؟ فالمشكلة ليست في وجود عدد كبير من الأديان فحسب، بل في أن هذه الأديان لا تشترك جميعها في الخصائص التي تجعل علاقتها بالعلم موضوعاً ذا أهمية تاريخية أو حضارية أو معرفية.
والإجابة عن هذا السؤال لا تتضمن حكماً على قيمة دين أو مكانته الروحية أو صدقه العقدي، لأن هذه قضايا تختلف باختلاف القناعات. وإنما المقصود هو تحديد الأديان الأكثر صلة بالموضوع محل البحث وفق معايير قابلة للرصد والتحليل والمقارنة. فكما لا يدرس مؤرخ الاقتصاد جميع الشركات التي وُجدت عبر التاريخ، بل يركز على الأكثر تأثيراً في حركة الاقتصاد العالمي، كذلك لا يمكن لدارس العلاقة بين الدين والعلم أن يمنح الوزن نفسه لجميع الأديان والمعتقدات.
ومن هنا تظهر أهمية المعيار الديموغرافي. فالأديان التي تضم مئات الملايين أو مليارات البشر تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل وعي نسبة كبيرة من سكان الأرض، وفي تحديد مواقفهم من التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والأخلاق العامة. ولهذا لا يمكن تجاوز المسيحية، أو الإسلام، أو الهندوسية، أو البوذية عند دراسة الدين في العالم المعاصر. فحجم الأتباع هنا ليس مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر على حجم التأثير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي للدين.
لكن الانتشار العددي وحده لا يكفي. فهناك أديان واسعة الانتشار نسبياً لم تلعب دوراً محورياً في تشكيل تاريخ العلم العالمي. ولهذا يضاف معيار آخر هو الأثر الحضاري والمعرفي. فبعض الأديان لم تكتفِ بتوجيه الحياة الروحية لأتباعها، بل ساهمت في بناء مؤسسات تعليمية، وإنشاء جامعات، ورعاية الترجمة، وتطوير الفلسفة، والرياضيات، والطب، والفلك. وعندما نتحدث عن تاريخ العلم العالمي لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، أو الدور الذي لعبته أوروبا المسيحية في نشوء العلم الحديث. فهنا يصبح الدين جزءاً من تاريخ المعرفة نفسها، لا مجرد خلفية ثقافية لها.
ويأتي بعد ذلك معيار البنية العقدية ذاتها. فليس كل دين يقدم تفسيراً للكون أو للإنسان أو للتاريخ، وبعض الأديان لا تهتم أصلاً بالإجابة عن أسئلة عن بداية الكون، نشأت الحياة، وطبيعة الإنسان، ومصيره. بينما توجد أديان أخرى تجعل هذه الأسئلة في قلب رسالتها العقدية. وكلما ازداد حضور هذه القضايا في النصوص المقدسة والعقائد الأساسية، ازداد احتمال نشوء حوار أو تقاطع أو توتر مع العلم.
ولهذا نجد أن الإسلام والمسيحية يحتلان موقعاً خاصاً في هذا النقاش. فكلاهما يقدمان روايات عن الخلق، والإنسان، والتاريخ، والنهاية، ويحتويان على نصوص دينية تتناول موضوعات أصبحت اليوم جزءاً من البحث العلمي. وعندما يدرس العلماء نشأة الكون أو تطور الحياة أو تاريخ الأرض فإنهم يتحركون داخل مساحة تلامس موضوعات ناقشتها النصوص الدينية أيضاً، مما يجعل العلاقة بين الدين والعلم قضية حية ومستمرة.
أما أديان أخرى مثل البوذية، فتركيزها الأساسي ينصرف إلى معاناة الإنسان وسبل التحرر منها أكثر من انصرافه إلى تفسير نشأة الكون أو آليات الخلق. ولذلك فإن مساحة التماس بينها وبين العلوم الطبيعية تبقى أقل بكثير. وبالمثل فإن الطاوية والكونفوشيوسية تميلان إلى تقديم رؤى أخلاقية وحياتية أكثر من تقديم منظومات عقدية تفصيلية حول أصل الكون وتاريخه.
كما أن الدين الذي يمتلك تراثاً فقهياً أو لاهوتياً ضخماً، أو يمتلك مؤسسات تعليمية ودينية راسخة، يكون قادراً على إنتاج مواقف واضحة من القضايا العلمية الجديدة. ولذلك نجد أن مواقف الكنائس المسيحية من نظرية التطور، أو مواقف المؤسسات الإسلامية من قضايا الطب الحيوي والاستنساخ والهندسة الوراثية، أصبحت موضوعات قابلة للدراسة والتحليل. أما في التقاليد التي تفتقر إلى مثل هذه المؤسسات فإن تتبع الموقف الديني من العلم يصبح أكثر صعوبة وأقل وضوحاً.
ويضاف إلى ذلك، الحضور في النقاش الأكاديمي المعاصر كمعيار. فخلال القرن العشرين والحادي والعشرين نشرت آلاف الكتب والدراسات وعقدت الكثير من المؤتمرات الجامعية التي تبحث العلاقة بين الدين والعلم، وتكاد الغالبية الساحقة منها تتركز حول المسيحية والإسلام بدرجة أولى، ثم حول اليهودية والهندوسية والبوذية بدرجة أقل. وهذا الحضور الأكاديمي الكثيف ليس مصادفة، بل نتيجة طبيعية لكون هذه الأديان تمتلك حضوراً حضارياً ومعرفياً يجعل دراسة علاقتها بالعلم ذات قيمة تفسيرية عالية.
وعندما تُجمع هذه المعايير معاً يظهر أن الأديان ليست سواءً من حيث أهمية حضورها في هذا النقاش. فبعضها يحقق جميع المعايير تقريباً، وبعضها يحقق جزءاً منها، وبعضها الآخر لا يحقق إلا القليل. ولهذا فإن التركيز على مجموعة محددة من الأديان لا يُعد إقصاءً للأديان الأخرى، بل استجابة لمقتضيات البحث العلمي نفسه. وإذا طبقنا هذه المعايير مجتمعة على خريطة الأديان العالمية، فإن المسيحية والإسلام يبرزان في المقدمة بصورة واضحة. فهما يجمعان بين الانتشار الواسع، والتأثير الحضاري العميق، والبنية العقدية الغنية بالموضوعات الكونية والإنسانية، ووجود مؤسسات دينية منتجة للمعرفة والمواقف، والحضور الكثيف في الدراسات الأكاديمية الحديثة. ولهذا السبب تحديداً سيحتلان الموقع المركزي في الصفحات القادمة عند معالجة العلاقة بين الدين والعلم. وسنتحدث عن كل من هذه الابعاد ببعض اسهاب.
وليس المقصود من ذلك أن بقية الأديان غائبة عن المشهد أو غير مهمة، بل إن دراسة الأديان الأخرى تظل ضرورية لفهم الصورة الكاملة. غير أن الإسلام والمسيحية يقدمان النموذجين الأكثر تأثيراً والأكثر غنىً من حيث المادة التاريخية والفكرية المتاحة، والأكثر حضوراً في الجدل العالمي حول العلم والمعرفة. ومن ثم فإن الانتقال إليهما ليس اختياراً اعتباطياً، بل نتيجة منطقية لخريطة الأديان نفسها عندما تُقرأ من منظور العلاقة بين الدين والعلم.
١.٣.١ الوزن الديموغرافي - من يمثل البشرية؟
أول المعايير التي يصعب تجاوزها عند رسم خريطة الأديان العالمية هو الوزن الديموغرافي، أي عدد البشر الذين يعيشون داخل الفضاء الثقافي والعقائدي لكل دين. فحين نتحدث عن علاقة الدين بالعلم، لا نتحدث فقط عن نصوص مقدسة أو أفكار لاهوتية مجردة، بل عن جماعات بشرية ضخمة تتشكل رؤيتها للعالم، وللمعرفة، وللتعليم، وللطبيعة، من خلال انتمائها الديني. ومن هنا تصبح أعداد الأتباع عاملاً مهماً في تقدير حجم التأثير الحضاري لأي دين.
ولا يعني ذلك أن القيمة الفكرية أو الروحية للدين تُقاس بعدد أتباعه؛ فالحقيقة لا تُحددها الأغلبية، والعمق الفلسفي لا يُقاس بالإحصاءات السكانية. لكننا هنا لا نبحث عن صدق العقائد أو سموها الروحي، بل نبحث عن مدى حضورها وتأثيرها في تشكيل التجربة الإنسانية العامة. فالدين الذي ينتسب إليه مليارا إنسان ستكون رؤيته للعلم والتعليم والطبيعة أكثر تأثيراً في مسار البشرية من دين لا يتجاوز أتباعه بضعة ملايين، حتى لو كانت النصوص الفلسفية للأخير أكثر تعقيداً أو عمقاً.
وتزداد أهمية هذا المعيار حين ندرك أن المؤسسات التعليمية والبحثية والسياسات الثقافية والتصورات العامة للمعرفة تتأثر بدرجات متفاوتة بالانتماءات الدينية للمجتمعات. فحين يعيش أكثر من ملياري مسيحي في عشرات الدول، ويعيش ما يقرب من ملياري مسلم في فضاء جغرافي يمتد من المحيط الأطلسي إلى جنوب شرق آسيا، فإن مواقف هذين التقليدين من العلم لا تبقى شأناً داخلياً يخص المؤمنين بهما فقط، بل تتحول إلى عامل مؤثر في الثقافة العالمية وفي السياسات التعليمية وفي النقاشات الفكرية الكبرى. وتُظهر الإحصاءات المعاصرة أن المسيحية والإسلام يتصدران المشهد العالمي بوضوح. فالمسيحية تضم ما يقارب ثلث سكان العالم، بينما يأتي الإسلام في المرتبة الثانية مباشرة بما يقارب ربع البشرية. ويعني ذلك أن أكثر من نصف سكان الأرض يعيشون داخل أحد هذين الإطارين الدينيين. وهذه الحقيقة وحدها تجعل دراسة رؤيتهما للعلم أمراً يتجاوز الفضول الأكاديمي ليصبح ضرورة لفهم جانب كبير من التاريخ الإنساني المعاصر.
ومع ذلك فإن الحجم السكاني، على أهميته، لا يكفي وحده لتحديد موقع الدين في هذا النقاش. فالهندوسية، على سبيل المثال، تضم ما يزيد على مليار نسمة، وهو رقم يجعلها من أكبر التجمعات الدينية في العالم. لكن حضورها في النقاش العالمي حول العلم والدين لا يوازي حضور الإسلام أو المسيحية. والسبب أن الوزن الديموغرافي يحتاج إلى أن يُستكمل بمعايير أخرى تتعلق بطبيعة العقيدة، ودرجة مركزية المؤسسات الدينية، وحجم المشاركة في الجدل العلمي والفلسفي المعاصر، والأثر التاريخي في إنتاج المعرفة.
ولهذا فإن الوزن الديموغرافي يعمل بوصفه "معياراً أولياً للفرز، وليس معياراً نهائياً للحكم". فهو يحدد الأديان التي لا يمكن تجاهلها بسبب حجم حضورها البشري، لكنه لا يحدد وحده مقدار أهميتها في دراسة العلاقة بين العلم والدين. فهناك أديان صغيرة نسبياً كان لها أثر فكري يتجاوز حجمها العددي، كما أن هناك أدياناً كبيرة من حيث عدد الأتباع لكن حضورها في هذا المجال يبقى محدوداً لأسباب بنيوية أو تاريخية.
ومن الناحية المنهجية، يمكن القول إن الوزن الديموغرافي يجيب عن سؤا ل "من يمثل أكبر نسبة من البشر؟"، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال: "من أنتج أكثر النقاشات تأثيراً حول العلم والدين؟". ولهذا كان لا بد من الانتقال بعد هذا المعيار إلى معايير أخرى أكثر عمقاً، تتعلق بالأثر الحضاري والعلمي، والبنية العقدية، والمؤسسات الدينية، والحضور في النقاش الأكاديمي المعاصر. فالصورة الكاملة لا تتشكل من الأرقام وحدها، بل من تفاعل الأرقام مع التاريخ والأفكار والمؤسسات.
١.٣.٢ الأثر الحضاري العلمي المباشر
يمثل الأثر الحضاري والعلمي البعد الثاني في معايير اختيار الأديان الجديرة بالدراسة في موضوع العلم والدين. فالحجم السكاني وحده لا يكفي لتبرير الحضور في هذا النقاش، لأن التاريخ الإنساني لا يُقاس بعدد المؤمنين فقط، بل أيضاً بما أنتجته المجتمعات المنتمية إلى هذه الأديان من معرفة ومؤسسات علمية ومناهج بحثية أسهمت في تشكيل مسيرة الحضارة البشرية. فالدين الذي ارتبط بحضارة كان لها حضور مؤثر في تاريخ العلم يختلف عن دين ظل تأثيره محصوراً في المجال الروحي أو الأخلاقي دون أن يترك أثراً مباشراً في تطور المعرفة الإنسانية.
ومن هنا يصبح السؤال الأكثر دقة هو عنما أنتجته الحضارة المرتبطة بالدين من تراث علمي يمكن ملاحظته وقياسه. وهل أسهمت في تطوير أدوات المعرفة أو مؤسساتها أو مناهجها؟ وهل تركت بصمة مستمرة في تاريخ العلوم الطبيعية، والرياضية، والطبية، والفلكية؟ هذه الأسئلة تجعل معيار الأثر الحضاري والعلمي معياراً مستقلاً عن الحجم الديموغرافي، وإن كان يتقاطع معه أحياناً.
في هذا المعيار، من الواضح أن المسيحية تحتل موقعاً متقدماً، بسبب الدور الذي لعبته أوروبا المسيحية في تشكيل العلم الحديث. فمن داخل البيئة المسيحية نشأت الجامعات الأوروبية الأولى التي أصبحت لاحقاً حواضن للبحث العلمي، مثل بولونيا وباريس وأكسفورد وكامبريدج. كما أن كثيراً من الشخصيات المؤسسة للثورة العلمية الحديثة كانوا أبناء هذه البيئة الثقافية والدينية. فكوبرنيكوس كان رجل كنيسة، وغاليليو ظل يعتبر نفسه مؤمناً مسيحياً، ونيوتن أمضى سنوات طويلة في الدراسات اللاهوتية وكتب فيها أكثر مما كتبه في العلوم الطبيعية، وغريغور مندل مؤسس علم الوراثة الحديث كان راهباً أوغسطينياً، ولويس باستور كان مؤمناً كاثوليكياً ملتزماً. ولهذا فإن كثيراً من المؤرخين يميزون بين نقد بعض مواقف الكنيسة التاريخية وبين إنكار الدور الذي لعبته البيئة المسيحية الأوروبية في نشوء المؤسسات العلمية الحديثة.
ومع ذلك فإن أهمية المسيحية في هذا المجال لا تنبع فقط من إنتاج علماء كبار، بل من كونها ارتبطت بالحضارة التي قادت الثورة العلمية منذ القرن السابع عشر. فالميكانيكا النيوتونية، والكيمياء الحديثة، والبيولوجيا التجريبية، والفيزياء المعاصرة، كلها تطورت داخل مجتمعات كانت لا تزال تحمل هوية مسيحية واضحة، حتى عندما أخذت بعض النخب الفكرية بالابتعاد التدريجي عن المرجعيات الدينية التقليدية.
أما الإسلام فيمثل حالة مختلفة، ولكنها لا تقل أهمية. فبين القرن الثامن والثالث عشر الميلاديين شهد العالم الإسلامي واحدة من أكثر الفترات خصوبة في تاريخ المعرفة الإنسانية. وخلال هذه المرحلة، شارك المسلمون في إعادة بناء المعرفة وتطويرها وإنتاج معرفة جديدة تركت آثاراً بعيدة المدى على الحضارة العالمية. وقد لاحظ المؤرخ الأمريكي جورج سارتون، الذي يُعد من مؤسسي علم تاريخ العلوم الحديث، أن مركز النشاط العلمي العالمي انتقل خلال عدة قرون إلى المدن الإسلامية الكبرى، حتى إنه سمّى فترات كاملة بأسماء علماء مسلمين مثل عصر الخوارزمي وعصر الرازي وعصر البيروني.
ولم يكن هذا النشاط مقتصراً على فرع علمي واحد. ففي الرياضيات ظهر الخوارزمي الذي ارتبط اسمه بنشأة علم الجبر، وانتقلت كلمة Algorithm إلى اللغات الأوروبية من تحوير اسمه. وفي البصريات أسس ابن الهيثم منهجاً تجريبياً جديداً اعتبره كثير من مؤرخي العلم خطوة مبكرة نحو المنهج العلمي الحديث، ويمكن الاستزادة اكثرعن تفاصيل إنجازاته ومساهماته في إرساء مفهوم المنهج التجريبي في جزء المنهج وتطوره، سياق الحديث عن تطور المنهج العلمي، وأيضا في الجزء الذي يتحدث عن علماء مسلمون رائدون وعلوم رائدة. وفي الطب أصبحت مؤلفات الرازي وابن سينا مراجع معتمدة في الجامعات الأوروبية لقرون طويلة. وفي الفلك طور البيروني وابن الشاطر والطوسي نماذج رياضية وفلكية كان لها تأثير غير مباشر في التطورات اللاحقة التي قادت إلى الثورة الكوبرنيكية.
واللافت أن هذا الإنتاج العلمي لم يكن نشاطاً هامشياً في الحضارة الإسلامية، بل كان جزءاً من مشروع حضاري واسع شمل بيت الحكمة في بغداد، ودار العلم في القاهرة، والمراصد الفلكية الكبرى في بغداد ومراغة وسمرقند، والمكتبات الضخمة التي احتوت مئات الآلاف من المخطوطات. وقد أدى هذا كله إلى جعل العالم الإسلامي لعدة قرون المركز الأبرز للإنتاج العلمي العالمي.
أما الهندوسية فتمثل نموذجاً مختلفاً. فالحضارة الهندية القديمة والوسيطة قدمت إسهامات علمية لا يمكن تجاهلها، خاصة في الرياضيات والفلك. فمفهوم الصفر والنظام العشري وتطورات مهمة في علم المثلثات ارتبطت بعلماء هنود كان لهم تأثير عميق في تاريخ الرياضيات العالمي. كما شهدت الهند مدارس فلكية متقدمة وأعمالاً رياضية معقدة سبقت بعض التطورات الأوروبية بقرون. غير أن العلاقة بين هذه الإنجازات وبين العقيدة الهندوسية لم تكن علاقة مباشرة وواضحة بالدرجة التي نجدها في التقليدين الإسلامي والمسيحي. ولهذا فإن الهندوسية تحضر في تاريخ العلم بقوة، لكنها لا تحضر بنفس القوة في نقاش "العلم والدين" بوصفه إشكالية فلسفية أو لاهوتية مستقلة.
أما البوذية فقد تركت بصمتها الأساسية في مجالات المنطق والتحليل النفسي والتأمل الفلسفي أكثر من العلوم الطبيعية. وقد طورت المدارس البوذية، خاصة في الهند والتبت، تقاليد فكرية دقيقة في دراسة العقل والإدراك والوعي. ولهذا نجد أن الاهتمام المعاصر بالبوذية يتركز غالباً في ميادين علم النفس وعلم الأعصاب ودراسات الوعي. وقد شارك الدالاي لاما الرابع عشر في حوارات علمية واسعة مع علماء الأعصاب والفيزياء المعاصرين، مما جعل البوذية شريكاً مهماً في بعض النقاشات الحديثة حول العقل والوعي. ومع ذلك فإن هذا الحضور يبقى محدوداً مقارنة بالتأثير التاريخي الواسع الذي مارسته الحضارتان الإسلامية والمسيحية في العلوم الطبيعية والرياضية والطبية.
وإذا جُمعت هذه المعطيات معاً، يتضح أن معيار الأثر الحضاري والعلمي لا يقود إلى النتيجة نفسها التي يقود إليها الوزن الديموغرافي. فبعض الأديان الكبيرة سكانياً لم تنتج حضوراً مماثلاً في تاريخ العلم، بينما استطاعت تقاليد دينية أخرى أن ترتبط بحضارات لعبت أدواراً حاسمة في تشكيل المعرفة الإنسانية. ولهذا فإن الإسلام والمسيحية لا يتقدمان في هذا الكتاب فقط بسبب عدد أتباعهما، بل لأن كلاً منهما ارتبط بحضارة كانت في مرحلة من مراحل التاريخ العالمي مركزاً رئيسياً لإنتاج المعرفة العلمية.
١.٣.٣ البنية العقدية وتقاطعها مع الأسئلة العلمية
أحد أهم الأسباب التي تجعل بعض الأديان أكثر حضوراً من غيرها في نقاشات العلم والدين هو طبيعة بنيتها العقدية نفسها. فليس كل دين يتحدث عن العالم بالطريقة ذاتها، ولا كل دين يطرح الأسئلة نفسها التي يطرحها العلم. ولهذا فإن احتمال التوافق أو التوتر مع المعرفة العلمية لا ينشأ بالدرجة الأولى من موقف الدين من العلم، بل من طبيعة الموضوعات التي يتناولها الدين نفسه، ومدى اقترابها من المجالات التي يبحثها العلماء.
فالعلم الحديث، منذ القرن السابع عشر وما بعده، انشغل بمجموعة من الأسئلة الكبرى من قبيل، كيف نشأ الكون؟ كيف تشكلت الأرض؟ كيف ظهرت الحياة؟ كيف تطور الإنسان؟ ما طبيعة الزمان والمكان والمادة؟ وما القوانين التي تحكم العالم؟ وعندما نجد ديناً يمتلك أجوبة أو تصورات واضحة حول هذه الموضوعات، يصبح التفاعل بينه وبين العلم أمراً شبه حتمي، سواء أكان ذلك التفاعل في صورة توافق، أم حوار، أم مراجعة، أم صراع، آو غير ذلك.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل المسيحية والإسلام يحتلان مركز النقاش العالمي حول العلاقة بين العلم والدين. فكلاهما دين توحيدي يمتلك نصوصاً مقدسة تتحدث بصورة مباشرة عن الخلق والكون والإنسان، والتاريخ، والنهاية، والمصير. كما أن كليهما نشأ ضمن تقاليد تؤمن بأن للكون خالقاً، وأن لهذا الخالق إرادة وقصداً في الوجود، وأن الإنسان جزء من مشروع كوني ذي معنى. ولذلك فإن أي اكتشاف علمي كبير يتعلق بنشأة الكون أو أصل الإنسان أو تاريخ الحياة يجد نفسه بصورة أو بأخرى في حوار مع هذه الرؤية الدينية.
ففي المسيحية، على سبيل المثال، ظلت روايات الخلق الواردة في سفر التكوين حاضرة بقوة في الوعي الديني والثقافي الغربي لقرون طويلة. وحين ظهرت الجيولوجيا الحديثة ثم نظرية التطور ثم علم الكونيات الحديث، نشأت أسئلة جديدة حول كيفية فهم تلك النصوص وعلاقتها بالمعرفة العلمية المستجدة. ومن هنا وُلد جزء كبير من الجدل الذي أصبح يُعرف اليوم بعلاقة العلم والدين.
والأمر نفسه ينطبق على الإسلام، وإن كان في سياق مختلف. فالقرآن يتحدث عن خلق السماوات والأرض، وعن خلق الإنسان، وعن نشأة الحياة، وعن السنن التي تحكم العالم، وعن العلاقة بين الخالق والمخلوق. ولذلك وجد المسلمون أنفسهم، عبر تاريخهم الطويل، أمام الحاجة إلى فهم هذه النصوص في ضوء المعارف المتاحة في كل عصر، وهو ما أوجد تقاليد واسعة من التفسير والكلام والفلسفة والبحث في الطبيعة.
لكن من المهم ملاحظة أن مجرد وجود حديث ديني عن الكون أو الإنسان لا يعني بالضرورة نشوء صراع مع العلم. فالأمر يتوقف على طبيعة اللغة المستخدمة، وعلى مدى تفصيل الروايات المقدمة، وعلى الطريقة التي يفهم بها أتباع الدين تلك النصوص. فهناك فرق كبير بين نص يُقدِّم وصفاً تفصيلياً ودقيقاً للآليات الطبيعية، وبين نص يُقدِّم رؤية وجودية أو أخلاقية أو غائية للكون دون الدخول في التفاصيل التقنية.
وعندما ننتقل إلى الهندوسية، تتغير الصورة بصورة ملحوظة. فالهندوسية ليست نظاماً عقائدياً موحداً بالمعنى المعروف في الأديان الإبراهيمية، بل هي منظومة واسعة من التقاليد والمدارس والنصوص والأساطير والرؤى الفلسفية. ولهذا لا نجد فيها قصة خلق واحدة ملزمة لجميع المؤمنين. ففي بعض النصوص يظهر الكون على أنه نتاج خلق إلهي، وفي نصوص أخرى ينبثق من مبدأ كوني أزلي، وفي نصوص ثالثة يتكرر ظهوره واختفاؤه ضمن دورات كونية لا نهائية. هذا التنوع الهائل جعل العلاقة بين الهندوسية والعلم أقل توتراً في كثير من الأحيان، لأن غياب الرواية الواحدة يقلل من احتمالات التصادم المباشر مع النظريات العلمية.
ويلاحظ عدد من الباحثين أن كثيراً من المفكرين الهندوس المعاصرين وجدوا سهولة نسبية في استيعاب أفكار مثل عمر الكون الهائل أو التطور البيولوجي، ليس لأن النصوص الهندوسية تنص عليها صراحة، بل لأن مرونة البنية العقائدية تسمح بإعادة تأويل واسعة دون الشعور بأن أساس الدين نفسه أصبح مهدداً.
أما البوذية فتقدم نموذجاً مختلفاً جذرياً. فالقضايا التي أصبحت لاحقاً محور النقاش بين العلم والدين لم تكن أفي الأساس من ضمن اهتمام بوذا التاريخي المركزية. فالتراث البوذي الكلاسيكي ينشغل أساساً بمعاناة الإنسان وأسبابها وطرق التحرر منها، أكثر مما ينشغل بمسألة بداية الكون أو آلية الخلق. وتروي النصوص البوذية أن بوذا اعتبر بعض الأسئلة الميتافيزيقية المتعلقة بأصل الكون أو نهايته أسئلة لا تساعد الإنسان على معالجة معاناته المباشرة، ولذلك لم يجعلها جزءاً مركزياً من رسالته.
ولهذا السبب يرى عدد من الدارسين أن العلاقة بين البوذية والعلم اتخذت غالباً شكل الحوار أكثر من الصراع. فالعلم يبحث في كيفية عمل العالم الخارجي، بينما ركزت البوذية تاريخياً على فهم التجربة الإنسانية والوعي والألم والتحرر الداخلي. ومن هنا جاءت الاهتمامات المعاصرة المشتركة بين البوذية وعلوم الأعصاب وعلم النفس الإدراكي ودراسات الوعي.
أما الطاوية والكونفوشيوسية فتقعان في موقع مختلف مرة أخرى. فهاتان المدرستان لا تقدمان نفسيهما بوصفهما وحياً إلهياً يحتوي على سردية تفصيلية للخلق أو للكون. فالطاوية تركز على الانسجام مع "الطاو" بوصفه المبدأ الكوني الشامل، بينما تنشغل الكونفوشيوسية أساساً بالأخلاق والنظام الاجتماعي والتربية والحكم الرشيد. ولذلك فإن احتمال التعارض المباشر مع النظريات العلمية يبقى محدوداً، لأن موضوعات الاهتمام الأساسية مختلفة منذ البداية.
ولهذا كله، فإن هيمنة الإسلام والمسيحية على النقاش الحديث حول العلم والدين ليست مجرد نتيجة للنفوذ السياسي أو الثقافي، رغم أهمية هذا العامل، بل تعود أيضاً إلى طبيعة هذين الدينين نفسيهما. فكلاهما يتناول أسئلة الوجود الكبرى التي يتناولها العلم أيضاً. وكلما ازداد اشتراك الدين والعلم في طرح الأسئلة نفسها، ازدادت الحاجة إلى الحوار بينهما، وازدادت احتمالات الاتفاق والاختلاف في آن واحد.
ومن هنا يصبح من المفهوم لماذا كان تاريخ العلاقة بين العلم والدين في العالمين المسيحي والإسلامي أغنى وأكثر تعقيداً من مثيله في كثير من التقاليد الدينية الأخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود علماء أو مؤسسات دينية، بل بطبيعة الأسئلة التي يحملها كل دين في قلب رؤيته للعالم والإنسان والوجود. وهذه الحقيقة ستكون مدخلاً أساسياً لفهم خصوصية التجربة الإسلامية عندما ننتقل لاحقاً إلى دراسة كيفية تعامل القرآن والنبوة والتراث الإسلامي مع المعرفة والعقل والطبيعة والبحث العلمي.
١.٣.٤ وجود مؤسسات دينية ذات حضور علمي وثقافي
وجود مؤسسة دينية قادرة على إنتاج خطاب منظم ومستمر حول قضايا المعرفة والعلم يمثل أحد أهم المعايير التي تحدد مدى حضور دين ما في النقاش العالمي حول العلاقة بين الدين والعلم. فالأديان لا تتفاعل مع التحولات العلمية الكبرى من خلال نصوصها المقدسة وحدها، بل من خلال المؤسسات التي تتولى تفسير تلك النصوص، وتقديم المواقف الرسمية أو شبه الرسمية تجاه القضايا المستجدة. ولهذا فإن الدين الذي يمتلك مؤسسات تعليمية وفقهية ولاهوتية راسخة يكون أكثر قدرة على الدخول في حوار طويل ومؤثر مع العلوم الطبيعية والإنسانية، بينما تبقى الأديان التي تفتقر إلى هذه المؤسسات أقرب إلى مجموعة من الآراء الفردية المتفرقة التي يصعب جمعها تحت موقف موحد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن تاريخ العلاقة بين العلم والدين ليس تاريخ نصوص مجردة، بل تاريخ مجتمعات ومؤسسات. فعندما ندرس موقف المسيحية من نظرية التطور أو من علم الفلك أو من قضايا البيولوجيا الحديثة، فإننا لا ندرس فقط ما ورد في الإنجيل، بل ندرس أيضاً ما قالته الكنائس، والمجامع الكنسية، والبابوات، والجامعات اللاهوتية، والهيئات العلمية التابعة لها. وكذلك الحال في الإسلام؛ فالباحث لا يكتفي بدراسة القرآن والحديث، بل يتتبع أيضاً ما صدر عن الأزهر، أو عن المجامع الفقهية، أو عن الحوزات العلمية، أو عن كبار العلماء والمراجع والمؤسسات التعليمية الإسلامية.
ولهذا يمكن القول إن المؤسسة الدينية تعمل بوصفها حلقة وصل بين النصوص التأسيسية والواقع المتغير. فهي التي تواجه الأسئلة الجديدة التي لم تكن مطروحة في زمن النصوص الأولى، كالأسئلة عن الاستنساخ، والهندسة الوراثية، وزراعة الأعضاء، والذكاء الاصطناعي، وأبحاث الخلايا الجذعية، والتطور البيولوجي، وعلم الكونيات الحديث وكثير غيرها. ومن خلال مواقفها يمكن للباحث أن يرصد كيف يتفاعل الدين مع المعرفة الجديدة، وكيف يعيد تفسير تراثه في ضوء الاكتشافات المتعاقبة.
وتُعد الكنيسة الكاثوليكية المثال الأوضح على هذا النموذج المؤسسي. فهي واحدة من أكثر المؤسسات الدينية تنظيماً واستمرارية في التاريخ الإنساني. فمنذ القرون الوسطى طورت الكنيسة شبكات واسعة من الجامعات والأديرة ومراكز التعليم، وأصبحت لاعباً رئيسياً في الحياة الفكرية الأوروبية. وقد سمح لها هذا البناء المؤسسي بإنتاج مواقف رسمية يمكن تتبعها عبر القرون. فعندما نشأ الخلاف الشهير حول مركزية الأرض والشمس، كان هناك موقف كنسي واضح يمكن توثيقه. وعندما أعادت الكنيسة النظر في قضية غاليليو، صدر اعتراف رسمي عام ١٩٩٢ من البابا يوحنا بولس الثاني بوقوع خطأ في طريقة معالجة القضية. كما صدرت عن الفاتيكان بيانات متعددة تؤكد أن الإيمان بالله لا يتعارض من حيث المبدأ مع نظرية التطور البيولوجي، وأن البحث العلمي جزء مشروع من سعي الإنسان لفهم العالم.
ولم يقتصر الأمر على المواقف الرسمية، بل إن الفاتيكان نفسه يدير مؤسسات علمية مهمة، مثل الأكاديمية البابوية للعلوم التي تضم علماء من خلفيات دينية وغير دينية، وتناقش قضايا الفيزياء، والبيولوجيا والبيئة والطب. وهذا الحضور المؤسسي يجعل العلاقة بين الكاثوليكية والعلم من أكثر العلاقات قابلية للرصد والتحليل الأكاديمي.
وفي العالم الإسلامي، الصورة هنا، أكثر تنوعاً وتعقيداً. فالإسلام لم يعرف تاريخياً مؤسسة مركزية عالمية واحدة تماثل البابوية الكاثوليكية. ومع ذلك شهدت المؤسسات العلمية الإسلامية بمختلف مدارسها الفقهية تفاعلاً متواصلاً مع التطورات العلمية الحديثة. فناقشت مؤسسات كالأزهر الشريف ومجمع الفقه الإسلامي الدولي وهيئات الإفتاء المختلفة قضايا زراعة الأعضاء والتلقيح الصناعي والهندسة الوراثية والبصمة الوراثية والحسابات الفلكية. وتناولت الحوزات العلمية في النجف وقم وكربلاء والمرجعيات الدينية الكبرى القضايا نفسها تقريباً، وأنتجت أدبيات فقهية واسعة حول الموت الدماغي وزراعة الأعضاء وتقنيات الإنجاب المساعد والاستنساخ والبصمة الوراثية وإثبات الأهلة بالحسابات الفلكية. ويكشف ذلك أن التفاعل مع العلم الحديث لم يكن حكراً على مدرسة فقهية بعينها، بل مثّل ظاهرة عامة داخل الفكر الإسلامي، وإن اختلفت بعض النتائج والتفصيلات تبعاً لاختلاف المناهج الاجتهادية.
غير أن الفرق الجوهري بين هذه المؤسسات وبين الفاتيكان يتمثل في طبيعة السلطة نفسها. فالموقف الصادر عن الأزهر أو عن مرجع ديني كبير يحظى بثقل علمي وأخلاقي واسع، لكنه لا يمتلك بالضرورة سلطة إلزامية عالمية على جميع المسلمين. ولهذا نجد في القضايا العلمية المعاصرة تعدداً في الآراء والاجتهادات أكثر مما نجده في النموذج الكاثوليكي. وهذا التعدد قد يُنظر إليه أحياناً بوصفه نقطة ضعف تنظيمية، لكنه من زاوية أخرى يعكس الطبيعة اللامركزية للتقليد الإسلامي وإمكانية تعدد القراءات والاجتهادات.
ومع ذلك فإن هذه المؤسسات الإسلامية أنتجت عبر العقود الأخيرة قدراً كبيراً من النقاش حول القضايا العلمية الحديثة. فقد صدرت فتاوى وبيانات ودراسات حول الاستنساخ، ونقل الأعضاء، وأبحاث الأجنة، والذكاء الاصطناعي، والعلاج الجيني، وغيرها من القضايا التي فرضها التقدم العلمي المعاصر. وأصبح من الممكن للباحث أن يتتبع تطور هذه المواقف وأن يدرس منطقها وأسسها المعرفية.
وعندما ننتقل إلى البوذية نجد نموذجاً مختلفاً تماماً. فالبوذية لا تمتلك سلطة مركزية موحدة تُلزم جميع أتباعها. كما أن مدارسها متعددة وموزعة جغرافياً بين جنوب آسيا وشرقها ووسطها. ومع ذلك برز خلال العقود الأخيرة صوت مؤثر تمثل في الدالاي لاما الرابع عشر، الذي لعب دوراً مهماً في بناء جسور الحوار بين البوذية والعلم الحديث. وقد كان من أبرز تجليات هذا التوجه تأسيس "معهد العقل والحياة" عام ١٩٨٧، وهو مؤسسة تجمع علماء الأعصاب وعلماء النفس والفيزياء مع الرهبان والمفكرين البوذيين في حوارات منتظمة حول طبيعة الوعي والإدراك والعقل البشري. ولهذا أصبحت البوذية حاضرة في بعض النقاشات العلمية المعاصرة، لا سيما في مجالات الوعي وعلم النفس والعلوم الإدراكية.
أما الهندوسية فتقدم حالة مختلفة. فهي تفتقر إلى مؤسسة مركزية عالمية يمكن أن تتحدث باسم جميع الهندوس. ويرجع ذلك إلى طبيعتها التاريخية نفسها، إذ تضم عدداً كبيراً من المدارس الفلسفية والطقوسية والعقائدية التي تطورت عبر آلاف السنين دون وجود سلطة موحدة تديرها. ولهذا فإن المواقف الهندوسية تجاه العلم تأتي غالباً من مفكرين أو جماعات أو معاهد معينة، لا من مؤسسة تمثل التقليد الهندوسي بأسره. ويجعل ذلك دراسة موقف الهندوسية من العلم أكثر صعوبة، لأن الباحث يجد نفسه أمام طيف واسع من الآراء المتنوعة بدلاً من موقف مؤسسي واحد.
ومن خلال هذا المنظور يتضح أن أهمية المؤسسة الدينية لا تكمن فقط في تنظيم أتباع الدين، بل في قدرتها على تحويل الدين من مجموعة معتقدات فردية إلى فاعل حضاري يدخل في حوار مستمر مع الأسئلة التي يطرحها العلم. ولهذا فإن دراسة العلاقة بين الدين والعلم تصبح أكثر ثراءً ووضوحاً كلما وُجدت مؤسسات قادرة على إنتاج خطاب معرفي مستمر، وتفسير النصوص، والاستجابة للتحديات العلمية المتجددة. ففي النهاية، لا يتحاور العلم مع النصوص وحدها، بل يتحاور أيضاً مع المجتمعات والمؤسسات التي تتبنى تلك النصوص وتفسرها وتعيش في ظلها.
١.٣.٥ الحضور في النقاش الأكاديمي المعاصر
يمثل الحضور في النقاش الأكاديمي المعاصر أحد أكثر المعايير موضوعية في قياس أهمية دين ما، داخل حقل العلاقة بين العلم والدين. فبعد أن نظرنا إلى حجم الأتباع، والأثر الحضاري، والبنية العقدية، ووجود المؤسسات الدينية، يبقى ان نتعرف على كيف يتجلى هذا الحضور اليوم داخل الجامعات، والمجلات العلمية المحكمة، والمؤتمرات الدولية، ومراكز البحث المتخصصة. هذا الأمر يكشف لنا أين يُدار الحوار الفعلي في عصرنا، وأي التقاليد الدينية ما تزال فاعلة في إنتاج الأسئلة والمقاربات الجديدة.
فالعلاقة بين الدين والعلم لم تعد مجرد نقاش فلسفي أو لاهوتي يجري داخل المؤسسات الدينية، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى حقل أكاديمي مستقل نسبياً، له مجلاته المحكمة، ومراكزه البحثية، وبرامجه الجامعية، ومؤتمراته الدورية. وقد أصبح بالإمكان تتبع حجم الاهتمام بكل دين من خلال عدد الدراسات المنشورة، والرسائل الجامعية، والتمويل البحثي، والمشروعات العلمية المخصصة لدراسة العلاقة بينه وبين المعرفة الحديثة.
ومن اللافت أن هذا الحقل الأكاديمي نشأ في الأساس داخل البيئة الغربية التي كانت منشغلة بإعادة تقييم تاريخ العلاقة بين المسيحية والعلم. فبعد قرون من الجدل حول غاليليو، ونظرية التطور، ونقد الكتاب المقدس، بدأت الجامعات الغربية منذ منتصف القرن العشرين في بناء برامج متخصصة لدراسة هذه العلاقة بصورة أكثر توازناً وتعقيداً. ولم يعد السؤال المطروح هو: "هل يتعارض الدين مع العلم؟"، بل أصبح: "كيف تفاعلت التقاليد الدينية المختلفة مع التحولات العلمية عبر التاريخ؟".
ولهذا ليس من المستغرب أن تحتل المسيحية مكانة متقدمة في هذا الحقل. فهي الدين الذي نشأت في ظله الجامعات الأوروبية الحديثة، والذي شهد أشهر الصراعات التاريخية المرتبطة بالعلم، كما أنه الدين الذي أنتج أكبر كمية من الأدبيات اللاهوتية والفلسفية حول هذه القضايا. ومن هنا نجد أن كثيراً من المراجع التأسيسية في حقل العلم والدين انطلقت أساساً من دراسة التجربة المسيحية.
وتُعد مجلة زايقون من أبرز الأمثلة على هذا الحضور. فمنذ تأسيسها عام ١٩٦٦م، أصبحت واحدة من أهم المنصات الأكاديمية العالمية المتخصصة في دراسة العلاقة بين العلم والدين والفلسفة. وعند مراجعة أعدادها عبر العقود يظهر بوضوح أن الجزء الأكبر من النقاشات انصب على المسيحية بمختلف تياراتها، سواء فيما يتعلق بالتطور البيولوجي، أو علم الكونيات، أو الأخلاق الحيوية، أو فلسفة العقل والوعي. غير أن المشهد بدأ يتغير تدريجياً منذ أواخر القرن العشرين، مع تزايد الدراسات المتعلقة بالإسلام، والبوذية، وبعض التقاليد الدينية الآسيوية.
كما لعبت مؤسسات التمويل البحثي دوراً حاسماً في توجيه هذا الحقل. ولعل أشهر مثال على ذلك مؤسسة جون تمبلتون التي استثمرت مليارات الدولارات في دعم الأبحاث المتعلقة بالعلم، والدين، والفلسفة، والأخلاق. وقد موّلت المؤسسة مئات المشروعات التي تتناول قضايا مثل نشأة الكون، والوعي، والتطور، والحرية الإنسانية، وأبعاد المعنى والغائية في الطبيعة. وتقدم مؤسسة جون تمبلتون جائزة سنوية تنافس في قيمتها المادية قيمة جوائز نوبل، بل تزيد عنها. وبالرغم من أن كثيراً من هذه المشروعات نشأ داخل السياق المسيحي، فإنها فتحت المجال تدريجياً لدراسة الإسلام وغيره من التقاليد الدينية.
ومن أبرز المؤشرات على صعود الاهتمام بالإسلام في هذا الحقل ما شهدته العقود الثلاثة الأخيرة من ظهور برامج ومراكز بحثية متخصصة. فبعد أن كان الإسلام غالباً موضوعاً هامشياً في دراسات العلم والدين، بدأ يتحول إلى محور مستقل للبحث والتحليل. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها اتساع الدراسات التاريخية حول الحضارة الإسلامية، وازدياد حضور المسلمين في الجامعات الغربية، وتنامي الاهتمام بأسئلة الأخلاق الحيوية والذكاء الاصطناعي والبيئة في السياقات الإسلامية.
ويُعد مشروع مبادرة العلم والتقنية والديانة STARS) ) ، ومشروع SALAM وهو مشروع الإسلام والعلم واللاهوت الذي أسّسته جامعة بيركلي المرتبطة بالإسلام والعلم واللاهوت، أمثلة واضحة على هذا التحول. فهذه البرامج لا تدرس الإسلام بوصفه موضوعاً تاريخياً فحسب، بل بوصفه تقليداً حياً يمتلك تراثاً فلسفياً وكلامياً وعلمياً يمكن أن يساهم في النقاشات المعاصرة حول المعرفة والطبيعة والإنسان.
كما أن عدداً متزايداً من الجامعات العالمية أصبح يخصص مؤتمرات ودورات دراسية تتناول موضوعات مثل الإسلام والتطور، الإسلام وعلم الكونيات، الأخلاق الإسلامية والتقنيات الحيوية، الفلسفة الإسلامية وفلسفة العلم، وغيرها من القضايا التي كانت تُناقش سابقاً بصورة أكبر داخل الإطار المسيحي.
ومن المظاهر المهمة أيضاً ظهور جيل من الباحثين المسلمين العاملين داخل المؤسسات الأكاديمية العالمية، الذين يسعون إلى بناء حوار جديد بين التراث الإسلامي والعلوم الحديثة. ومن بين الأسماء التي كثيراً ما تُذكر في هذا السياق محمد إقبال، وسيد حسين نصر، وعبد الله دراز، وغيرهم ممن حاولوا تقديم قراءات جديدة للعلاقة بين الوحي والمعرفة العلمية.
أما البوذية فقد حظيت خلال العقود الأخيرة باهتمام متزايد، لكن من زاوية مختلفة عن المسيحية والإسلام. فالتركيز هنا لا ينصب غالباً على قضايا الخلق والتطور والكونيات، بل على موضوعات الوعي، والإدراك، والتأمل، وعلم النفس، وعلوم الأعصاب. وقد أسهمت الحوارات التي جمعها الدالاي لاما بعلماء الأعصاب وعلماء الإدراك في جذب اهتمام أكاديمي متزايد إلى البوذية باعتبارها مصدراً محتملاً لفهم بعض أبعاد الخبرة الإنسانية والوعي الذاتي.
ومع ذلك فإن هذا الحضور، على أهميته، ما يزال محدوداً مقارنة بالحجم الهائل للإنتاج الأكاديمي المتعلق بالمسيحية والإسلام. فالبوذية لم تنتج تاريخياً منظومات لاهوتية واسعة تتعامل مع قضايا الخلق والتاريخ والنبوة كما هو الحال في الأديان الإبراهيمية، ولذلك تبقى مساحة النقاش مختلفة في طبيعتها ونطاقها.
أما الهندوسية فتقدم مفارقة لافتة للنظر. فعلى الرغم من أنها من أكبر أديان العالم من حيث عدد الأتباع، فإن حضورها في حقل العلم والدين أقل بكثير مما قد يتوقعه المرء. ويرجع ذلك جزئياً إلى الطبيعة المتعددة وغير المركزية للتقليد الهندوسي، وإلى أن كثيراً من النقاشات الهندوسية المعاصرة تميل إلى الفلسفة والروحانية أكثر من ميلها إلى معالجة الصدامات أو الحوارات المباشرة مع العلوم الطبيعية. ولذلك يظهر حضورها غالباً في مناقشات متخصصة تتعلق بالميتافيزيقا أو الوعي أو فلسفة العقل، أكثر مما يظهر في القضايا الكبرى التي تشغل حقل العلم والدين عالمياً.
ومن ثم فإن معيار الحضور الأكاديمي لا يعكس فقط عدد الأتباع أو قوة المؤسسات، بل يكشف أيضاً عن مدى قدرة دين معين على إنتاج أسئلة معرفية ما تزال حية في وجدان الإنسان المعاصر. وعندما ننظر إلى هذا المشهد العالمي تتأكد النتيجة التي بدأت تتشكل عبر المعايير السابقة كلها، وهي أن الإسلام والمسيحية يحتلان الموقع المركزي في الحوار العالمي حول العلم والدين، ليس بسبب انتشارهما العددي فحسب، ولا بسبب ثقل مؤسساتهما وحده، بل لأنهما ما يزالان يشاركان بصورة مباشرة في إنتاج الأسئلة الكبرى التي تشغل الفكر الإنساني حول الكون، والإنسان، والمعرفة، والمعنى. وهذه الحقيقة هي التي تبرر الانتقال بعد دراسة التجربة المسيحية إلى دراسة التجربة الإسلامية بوصفها الشريك الأكبر لها في هذا الحوار العالمي الممتد.
٢ معايير الاختيار ومبرراته: لماذا هذه الأديان؟ ولماذا الإسلام والمسيحية؟
بعد استعراض المعايير التي اعتمدناها في تقييم حضور الأديان داخل إشكالية العلم والدين، يصبح من الضروري الانتقال من المعايير النظرية إلى نتائجها العملية. فليست جميع الأديان تتساوى في وزنها الديموغرافي، ولا في أثرها الحضاري، ولا في طبيعة تفاعلها التاريخي مع المعرفة العلمية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بيان الأديان التي تملك حضوراً حقيقياً في هذا النقاش، ثم تفسير الأسباب التي تجعل بعض هذه الأديان تحتل موقعاً مركزياً يفوق غيرها.
والغاية من هذا العرض ليست ترتيب الأديان بحسب قيمتها الروحية أو مكانتها الدينية، وإنما فهم مقدار حضورها في الإشكالية التي يعالجها هذا الكتاب. فبعض الأديان أسهمت في تشكيل تصورات كبرى عن الكون والإنسان والمعرفة، وبعضها أنشأ مؤسسات علمية وتعليمية واسعة، وبعضها كان طرفاً مباشراً في حوارات أو توترات طويلة مع العلم. ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم الأسباب التي تجعل الإسلام والمسيحية يحتلان المساحة الأكبر في هذه الدراسة، دون أن يلغي ذلك أهمية النماذج الأخرى أو ما تقدمه من رؤى مختلفة للعلاقة بين الإنسان والمعرفة.
حين نبحث في خريطة الأديان العالمية بحثاً منهجياً لا انطباعياً، نجد أن معظمها يمكن وصفه بأنه غائب فعلياً عن إشكالية العلم والدين لا لقصور في قيمته الروحية أو عمقه الفلسفي، بل لأن التوتر البنيوي بين النص المقدس والاكتشاف العلمي لم يكن فيه ذا طابع مؤسسي أو صراعي يمكن رصده تاريخياً وتحليله أكاديمياً. والهندوسية مثال جيد على ذلك، فهي تحمل منظومة كونية ضخمة وتراثاً فلسفياً عميقاً في التأمل والوعي، لكنها لم تُطوّر مؤسسة دينية مركزية تملك صلاحية إصدار الأحكام على الاكتشافات العلمية، ولم تنتج صراعاً موثقاً بين نصها المقدس ونظرية علمية بعينها. فغياب الهيئة الدينية المرجعية الملزمة يعني أن كل عالم هندوسي يتعامل مع العلم بصورة شخصية لا يمكن تعميمها، وأن ما ينتجه هذا التعامل يظل في دائرة الحوار الفلسفي الخاص لا الظاهرة الحضارية القابلة للدراسة.
والبوذية بدورها تمثل حالة مثيرة للاهتمام لكنها ليست مركزية في نقاش العلم والدين بالمعنى الذي يعنيه هذا الكتاب. فهي لا تقدم نفسها ديناً بالمعنى الإبراهيمي القائم على وحي منزّل وخالق شخصي ونصوص مقدسة تحكم على الكون، بل تقدم نفسها مساراً تجريبياً للفهم يبدأ من الوعي الداخلي لا من الخلق الخارجي. وهذا يجعل نقاشها مع العلم نقاشاً في موضوعات الوعي وعلم الأعصاب والتأمل، وهو نقاش مهم ومثمر لكنه لا يطرح سؤال العلاقة بين الوحي والعقل بالصورة الحادة ذاتها التي طرحتها الأديان الإبراهيمية.
والكونفوشيوسية والطاوية تقعان خارج تعريف الدين بمعناه الكلاسيكي أصلاً في كثير من التحليلات، فهما أقرب إلى فلسفة اجتماعية وأخلاقية منهما إلى منظومة عقدية تدّعي الوحي أو تُعرّف الكون تعريفاً تفصيلياً. ولهذا فإن علاقتهما بالعلم ليست علاقة توتر أو حوار في المعنى الذي يبحثه هذا الكتاب، بل علاقة تجاور هادئ لا يولّد إشكاليات منهجية تستحق المعالجة المستقلة.
أما اليهودية فهي الحالة الأكثر إثارة للاهتمام من بين الأديان التي تبدو خارج المركز. فهي تشارك الإسلام والمسيحية الجذر الإبراهيمي نفسه، وتحمل ثقافة علمية استثنائية تكشف عنها النسبة الخارقة من الحائزين على جائزة نوبل في العلوم قياساً بحجمها الديموغرافي الصغير. لكن اليهودية تبقى خارج المركز لأسباب بنيوية موضوعية وليست انحيازا، فهي ديانة لا تسعى تاريخياً إلى العالمية التبشيرية، ولم تمتلك دولة دينية بالمعنى المؤثر في مسيرة العلم العالمي حتى القرن العشرين، ولم تُنتج مؤسسة دينية مركزية ذات صلاحيات إلزامية كونية تُدار من خلالها العلاقة مع العلم، ولم تشهد صراعاً مؤسسياً حاداً مع العلم يُقارن بمحاكمة غاليليو في الكاثوليكية أو بالجدل حول داروين في البروتستانتية.
وحين نصل الى الإسلام والمسيحية بعد هذا الاستعراض، نجد أنهما لا يحتلان المركز باعتبارهما الأكثر انتشارا أو غير ذلك من أسباب، بل باعتبارهما الأكثر إنتاجاً لإشكاليات قابلة للدراسة التاريخية والفلسفية الممنهجة. فكلاهما يحمل نصاً مقدساً يتحدث عن نشأة الكون والإنسان والتاريخ تحدثاً يتقاطع حتماً مع ما يقوله العلم عن هذه الموضوعات ذاتها. وكلاهما طوّر مؤسسات دينية تتحدث باسمه وتتخذ مواقف رسمية قابلة للرصد والتحليل والمقارنة. وكلاهما أنتج حضارة علمية كبرى تركت بصمتها الفعلية على مسيرة المعرفة الإنسانية. وكلاهما ينتشر بين مليارات البشر عبر القارات جميعاً مما يجعل الحوار بين منظومتيه العقديتين والعلم حواراً يمس حياة نصف البشرية بصورة مباشرة.
غير أن ما يجعل المعالجة في هذه الصفحات مختلفة عن كثير من الدراسات المقارن، هو أنه لا يكتفي بإثبات أن الإسلام والمسيحية يستحقان الدراسة المشتركة، بل يذهب خطوة أعمق ليُثبت أن الفارق البنيوي بينهما في طبيعة علاقة كل منهما بالعلم هو بالضبط ما يجعل المقارنة بينهما مثمرة. فلو كانت العلاقتان متطابقتين لما كان في دراستهما معاً جديد يستحق الجهد. لكنهما يختلفان اختلافاً جوهرياً في نقاط رئيسية تجعل وضعهما جنباً إلى جنب أداةً لفهم أعمق لا مجرد عملية جرد مقارن.
فالمسيحية في تجربتها الغربية شهدت ما يمكن تسميته بالصراع المؤسسي مع العلم، إذ امتلكت الكنيسة صلاحية إصدار الأحكام على الأفكار بما فيها الأفكار العلمية، وكانت محاكمة غاليليو عام ١٦٣٣م تعبيراً عن بنية مؤسسية لا عن موقف فردي عارض. وقد أفضى هذا الصراع تدريجياً إلى انفصال نسبي بين الكنيسة والعلم أفرز العلمانية بمعناها الحديث وأنتج سؤالاً لاهوتياً لا يزال حياً، وهو كيف يمكن أن نُصالح بين الإيمان بالله والاكتشاف العلمي؟ والإسلام من جهته لم يعرف في مرحلة ذروته العلمية هذا الصراع المؤسسي، فقد كان العلماء المسلمون في الغالب يجمعون الفقه والعلوم الطبيعية في شخصية واحدة دون أن يشعروا بتناقض، وكان العلم يُفهم بوصفه قراءة لآيات الله في الكون لا تحدياً لسلطة الوحي. وحين جاء الانتكاس العلمي الإسلامي جاء في معظمه من عوامل خارجية واقتصادية وسياسية لا من صراع ديني علمي بالمعنى المؤسسي. ولهذا فإن السؤال الذي يواجه الإسلام اليوم ليس سؤال المصالحة، بل سؤال الاستعادة، بمعنى، كيف نستعيد تقليدنا العلمي الأصيل في سياق العالم المعاصر؟
وهكذا يصبح الإسلام والمسيحية ليس مجرد أكبر ديانتين عالميتين، بل الحالتين الأغنى لفهم إشكالية العلاقة بين العلم والدين، لأنهما يطرحان السؤال ذاته من بيئتين مختلفتين ومساريتين متباينتين، وهو ما يجعل الجمع بينهما في دراسة واحدة أداة معرفية حقيقية لا مجرد حضور متوازٍ لطرفين مختلفين.
٢.١ ما الذي يميز كل دين من هذه الأديان؟
انطلاقاً من المعايير الخمسة التي اعتمدناها في اختيار التقاليد الدينية محل الدراسة، لا يعود الاهتمام بهذه الأديان نابعاً فقط من حجم أتباعها أو امتدادها التاريخي، بل من طبيعة الأسئلة التي أثارتها حول الإنسان والعالم والمعرفة، ومن الكيفية التي تفاعلت بها مع التحولات العلمية الكبرى عبر القرون. فليس المقصود هنا إعداد قائمة بأكثر الأديان انتشاراً، وإنما الوقوف عند التقاليد التي أسهمت بصورة مؤثرة في تشكيل التصورات الإنسانية حول الطبيعة والعقل والحقيقة، وأنتجت مواقف متنوعة من العلم تستحق الدراسة والمقارنة.
تحتل المسيحية موقعاً مركزياً في هذا السياق لأنها كانت الدين الذي نشأ في قلب الحضارة الغربية التي شهدت لاحقاً الثورة العلمية الحديثة. وقد عاشت المسيحية عبر تاريخها الطويل مراحل متعددة من العلاقة مع المعرفة الطبيعية، تراوحت بين التوتر والتعاون والحوار وإعادة التأويل. فمن داخل العالم المسيحي ظهرت الجامعات الأوروبية الأولى، وتطورت تقاليد فلسفية ولاهوتية عميقة ناقشت العلاقة بين الوحي والعقل والطبيعة. كما أن كثيراً من الأسماء المؤسسة للعلم الحديث، مثل كبلر ونيوتن وباسكال وفاراداي وماكسويل، كانوا يتحركون داخل أفق ديني مسيحي بدرجات مختلفة. ولهذا فإن دراسة المسيحية لا تكشف فقط عن موقف دين معين من العلم، بل تكشف أيضاً عن تاريخ طويل من التفاعل بين المؤسسات الدينية والفلسفية والعلمية أسهم في تشكيل العالم الحديث نفسه.
أما الإسلام فيحتل مكانة موازية من حيث الأهمية، لا بسبب كونه ثاني أكبر دين في العالم فحسب، بل لأنه يمثل تجربة حضارية مختلفة جذرياً عن التجربة المسيحية الغربية. فالعالم الإسلامي لم يشهد الصراع المؤسسي نفسه الذي أصبح جزءاً من السردية الغربية الشائعة حول العلاقة بين العلم والدين. بل شهد، على مدى قرون طويلة، ازدهاراً علمياً وفلسفياً واسعاً داخل حضارة كانت ترى نفسها حضارة دينية في جوهرها. ومن هنا تبرز أهمية الإسلام بوصفه نموذجاً مختلفاً يساعد على اختبار مدى عالمية التصورات الشائعة عن الصراع أو الانفصال بين العلم والدين. كما أن دراسة الإسلام تتيح تتبع تطور مواقف متنوعة تبدأ من المتكلمين والفلاسفة والأطباء والفلكيين، وتمتد إلى النقاشات المعاصرة حول الحداثة والعلم والتقنية.
ولا تكتمل الصورة من دون الالتفات إلى الهندوسية، التي تمثل أحد أقدم التقاليد الفكرية والدينية المستمرة في التاريخ. فالهندوسية لا تقدم مجرد منظومة عقائدية، بل تضم عالماً واسعاً من التأملات الفلسفية حول طبيعة الوعي والذات والكون والزمن. وقد طورت المدارس الهندوسية الكبرى تصورات معقدة عن العلاقة بين المادة والعقل والحقيقة، تختلف في كثير من جوانبها عن التصورات الإبراهيمية. ومن هنا فإن حضورها في الكتاب لا يهدف فقط إلى توسيع النطاق الجغرافي للمقارنة، بل إلى إظهار أن العلاقة بين الدين والعلم يمكن أن تُبنى على أسئلة مختلفة جذرياً عن تلك التي هيمنت على التجربة الغربية.
أما البوذية فتكتسب أهمية خاصة لأنها تمثل حالة فريدة في النقاش المعاصر حول العلم والدين. فالكثير من الحوارات الحديثة بين العلماء ورجال الدين، خصوصاً في مجالات علوم الأعصاب وعلم النفس المعرفي ودراسات الوعي، وجدت في بعض التقاليد البوذية شريكاً فكرياً مهماً. ويرجع ذلك إلى أن اهتمام البوذية التاريخي انصب بدرجة كبيرة على دراسة الخبرة الذاتية والعقل الإنساني وآليات الإدراك والمعاناة، أكثر من انشغاله بأسئلة الخلق والكونيات. ولهذا أصبحت البوذية حاضرة بقوة في النقاشات الحديثة حول الوعي والتأمل والرفاه النفسي، وقدمت نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين المعرفة الروحية والمعرفة العلمية.
وتحتل اليهودية مكانة خاصة رغم أن عدد أتباعها أقل بكثير من الأديان السابقة. فهذه الأهمية لا ترتبط بالحجم الديموغرافي، وإنما بتأثيرها الفكري والتاريخي الاستثنائي. فمن الناحية التاريخية تشكل اليهودية الجذر المشترك الذي خرجت منه المسيحية والإسلام، مما يجعل فهمها ضرورياً لفهم كثير من المفاهيم والرموز والنصوص التي انتقلت إلى هذين الدينين. ومن الناحية الفكرية طورت اليهودية تقاليد تفسيرية وتأويلية معقدة كان لها أثر كبير في النقاشات المتعلقة بالعقل والنص والطبيعة. كما أن شخصيات مثل موسى بن ميمون قدمت نماذج مبكرة لمحاولة التوفيق بين الفلسفة والعقيدة الدينية. وإلى جانب ذلك، يلفت الانتباه الحضور البارز لليهود في تاريخ العلوم الحديثة، وهو أمر أثار اهتمام عدد من المؤرخين الذين سعوا إلى فهم العلاقة بين الثقافة والتعليم والتقاليد الفكرية اليهودية وبين هذا الحضور العلمي اللافت.
أما الطاوية والكونفوشيوسية فتمثلان نافذة على تجربة حضارية مختلفة تماماً هي التجربة الصينية. فالحضارة الصينية أنتجت إنجازات علمية وتقنية كبيرة في مجالات الزراعة والطب والفلك والهندسة وصناعة الورق والطباعة والبارود وغيرها، لكنها لم تطور العلاقة نفسها بين الدين والعلم التي عرفتها أوروبا أو الشرق الأوسط. فالكونفوشيوسية ركزت بصورة أساسية على الأخلاق والنظام الاجتماعي والحكم الرشيد، بينما أولت الطاوية اهتماماً كبيراً بالانسجام مع الطبيعة وفهم أنماطها الداخلية. ومن ثم فإن حضورهما، ولو بصورة مختصرة، يساعد على تذكير القارئ بأن النموذج الغربي القائم على الحديث عن "صراع" أو "توافق" بين العلم والدين ليس النموذج الوحيد الممكن، وأن الحضارات المختلفة قد طورت أشكالاً أخرى من التفاعل بين المعرفة والطبيعة والقيم.
وعند النظر إلى هذه التقاليد مجتمعة، يتضح أن قيمتها لا تكمن فقط في تمثيلها لأكبر التجمعات الدينية في العالم، بل في كونها تقدم مجموعة واسعة من الإجابات عن أسئلة مشتركة: ما طبيعة الواقع؟ وما حدود المعرفة الإنسانية؟ وكيف يمكن التوفيق بين ما نعرفه عن العالم وما نؤمن به بشأن معناه وغايته؟ ومن خلال هذا التنوع تصبح المقارنة بينها أداة لفهم ليس الأديان وحدها، بل أيضاً الطرق المختلفة التي سعى بها الإنسان عبر التاريخ إلى بناء علاقة متوازنة بين العقل والإيمان، وبين تفسير العالم والبحث عن معناه.
٢.٢ لماذا يُهيمن حضور الإسلام والمسيحية في نقاشنا؟
بعد هذا الاستعراض تتضح الإجابة عن السؤال الأهم، وهو لماذا يُفرد نقاشنا الحيّز الأكبر للإسلام والمسيحية تحديداً؟ والجواب عليه، مركّب من خمسة عناصر لا يكفي أي واحد منها وحده. الأول هو أنهما معاً يمثلان أكثر من نصف البشرية، أي ما يزيد على أربع مليارات شخص يحيون في ظل هذين التقليدين الدينيين. وهذا كان عاملا في ان ينتج هذان الدينان أكبر كمية موثقة من الأدبيات والمؤسسات والسجالات التاريخية المتعلقة بالعلم. والثاني أن كلاً منهما أنتج تقاليدا علمية وفلسفية من داخل الحضارتين الإسلامية والمسيحية، أثّرت في مسيرة المعرفة الإنسانية تأثيراً موثقاً وعميقاً. ولابد من التأكيد هنا أن الإسلام والمسيحية دينان كبيران، وهذا يعطي قيمة عالية للمقارنة بينهما عندما يقدمان نموذجين مختلفين نسبيًا، مثلا للعلاقة بين الوحي، والعقل، والطبيعة، والمؤسسة الدينية. فالكثير من الأسئلة المطروحة في الأدبيات الغربية عن العلم والدين صيغت تاريخيًا انطلاقًا من التجربة المسيحية الأوروبية. وعندما تُقارن هذه الأسئلة بالتجربة الإسلامية تظهر أحيانًا فروقا مهمة تجعل بعض المسلمات الغربية موضع مراجعة. وهذه نقطة مهمة تستحق الوقوف عندها.
والثالث أن كلاً منهما يحمل نصاً مقدساً وعقيدة يتقاطعان مع الأسئلة العلمية الكبرى تقاطعاً صريحاً يُولّد حواراً أو توتراً لا يمكن تجاهله. والرابع أن كلاً منهما طوّر مؤسسات دينية تُنتج مواقف رسمية قابلة للرصد والتحليل والمقارنة. والخامس أنهما يختلفان اختلافاً بنيوياً في طبيعة علاقة كل منهما بالعلم مما يجعل المقارنة بينهما أداة معرفية ثمينة لا يمكن الحصول على ثمارها بدراسة كل منهما منفرداً.
وبالتالي فالمسيحية والإسلام يشكلان محور حديثنا الرئيسي، لا لأنهما الدينان الوحيدان اللذان يملكان علاقة بالعلم، بل لأنهما الأكثر تأثيراً في تشكيل النقاش العالمي حول هذا الموضوع من حيث الانتشار، والبنية العقدية، والتاريخ الحضاري، والحضور المؤسسي، والأكاديمي. غير أن فهم الصورة الكاملة يقتضي الاستعانة بأديان وتقاليد أخرى تقدم أنماطاً مختلفة للعلاقة بين المعرفة والوجود والطبيعة والإنسان، وهو ما يجعلها جزءاً ضرورياً من الخريطة المقارنة، وإن لم تحظَ بالحجم نفسه من المعالجة.
غير أننا لا نزعم أن الأديان الأخرى أقل شأناً أو أن علاقتها بالعلم موضوع لا يستحق الدراسة. بل نزعم أن طبيعة سؤالنا المحدد، وهو العلاقة بين جماعة دينية حضارية والمعرفة العلمية عبر التاريخ، يجعل الإسلام والمسيحية أغنى حالتين دراسيتين لهذا السؤال بالذات. وحضور الأديان الأخرى في الكتاب يأتي لتوسيع الأفق وإظهار تنوع الأنماط لا لجعلها بدائل مساوية في الوزن التحليلي. ويمثل الجدول ،٧ خلاصة التقييم للديانات، بناء على المعايير الخمس التي ذكرناها.
٣ الاختيار المنهجي لا الانتقائي
حين نخلص الى أن الإسلام والمسيحية بوصفهما محوري النقاش، فإننا نفعل ذلك بناءً على معطيات تاريخية وديموغرافية وعقدية ومؤسسية موضوعية لا على أحكام مسبقة أو تحيزات ثقافية. والأديان الأخرى لا تغيب لأنها أقل قيمة، بل لأنها تُمثّل نماذج مختلفة لعلاقة الإنسان بالمعرفة لا تندرج بسهولة في الإشكالية التي يطرحها هذا الكتاب.
ولا بد من التأكيد على أن الاختيارات وإن بنيت على معايير منطقية فلابد وأن يشوب التقييم مع غياب البعد الكمي، عدم الدقة بمستوى معين. لقد استخدمنا المعايير المنطقية التي أسهبنا في الحديث عنها، ونرجو أن يكون ذلك مقبولا للقارئ حتى حين لا يتفق معه. فالنقاش هنا لا يدعي الحق المطلق فيما يطلقه من أحكام، لكن ما قمنا به هو محاولة لتجاوز ما يمكن أن ينتج من إشكاليات عن ترك دراسة "الدين والعلم" بدون تحديد أي دين نتحدث عنه. وهذا قد يُنتج في أقل تقدير، وهماً بالتعميم يكون ضرره كبيرا في خلاصاته.
٣.١ الهندوسية - العلم في حضن الكون اللامتناهي
الهندوسية ليست ديناً بالمعنى الإبراهيمي الكلاسيكي، بل هي عائلة من التقاليد الروحية والفلسفية والطقوسية التي تضم في داخلها تعددية مذهلة من المذاهب والفرق والممارسات. وعلاقتها بالعلم تختلف جوهرياً عن نموذج التوتر الغربي الكلاسيكي.
الهندوسية لم تُطوّر مؤسسة دينية مركزية تملك صلاحية إصدار الأحكام على مستجدات الاكتشافات العلمية، وهذا الغياب المؤسسي هو من أهم العوامل التي تجعل العلاقة بين الهندوسية والعلم خالية من التوتر الحاد. فلا هيئة دينية تتبنى نموذجاً كونياً وتُدافع عنه في مواجهة الاكتشافات العلمية، ولا عقيدة مركزية تُلزم المؤمنين بتفسير واحد لنشوء الكون أو طبيعة الإنسان.
ومن الناحية الفلسفية، تحمل الهندوسية منظومة مفاهيمية تستوعب الحجم الكوني الهائل والزمن المتعالي بيسر أكبر مما تسطيعه الأديان الإبراهيمية. فمفهوم "كالبا" أي الحقبة الكونية الهائلة التي تقاس بمليارات السنين، ومفهوم تعدد الأكوان، ومفهوم التحول والتجدد الكوني المستمر، كلها مفاهيم تتناغم مع بعض المفاهيم العلمية الحديثة بدلاً من أن تتعارض معها. وقد أشار الفيزيائي فريتيوف كابرا في كتابه الطاوية والفيزياء إلى أوجه تشابه لافتة بين المفاهيم الكونية في الهندوسية والبوذية وبعض مفاهيم فيزياء الكم، وإن كان كثير من الفيزيائيين ينظرون إلى هذه المقارنات بحذر شديد.
غير أن الهندوسية لا تُطرح في مركز النقاش الأكاديمي حول العلم والدين لأسباب موضوعية وليس لأسباب تحيز. أولها أن المساهمة العلمية الكبرى التي انبثقت من الحضارة الهندية كانت في الرياضيات والفلك في العصور الوسيطة، لكنها لم تُولّد تراثاً فلسفياً واسعاً في العلاقة بين الدين والعلم بوصفها إشكالية نظرية مستقلة. وثانيها أن التأثير الحضاري الهندوسي ظل محدوداً جغرافياً مقارنةً بالتأثير الإسلامي والمسيحي. وثالثها أن غياب المؤسسة الدينية المركزية يعني أنه لم تنشأ محاكمات أو صراعات مؤسسية موثقة ومدروسة بين الدين والعلم تُشكّل موضوعاً تاريخياً قائماً بذاته.
الهندوسية ليست ديناً بالمعنى الإبراهيمي الكلاسيكي الذي يقوم على عقيدة موحدة ونص مقدس واحد وسلطة دينية مركزية، بل هي منظومة واسعة من التقاليد الروحية والفلسفية والطقوسية التي تطورت عبر آلاف السنين داخل شبه القارة الهندية. ولهذا فإن الحديث عن «الهندوسية» يشير في الواقع إلى عائلة كبيرة من المذاهب والمدارس والرؤى التي تتعايش داخل إطار حضاري واحد. وهذه الطبيعة التعددية تجعل علاقتها بالعلم مختلفة جذرياً عن النماذج التي ظهرت في المسيحية أو الإسلام.
ومن أبرز خصائص هذه العلاقة غياب المؤسسة الدينية المركزية القادرة على إصدار مواقف ملزمة باسم الدين كله. فلا توجد في الهندوسية سلطة تماثل البابوية في الكاثوليكية، ولا هيئة عقائدية تمتلك حق فرض تفسير واحد للكون أو للإنسان أو للتاريخ. وقد أدى هذا الغياب إلى تقليل احتمالات ظهور صدامات مؤسسية كبرى بين الدين والعلم، لأن الاكتشافات العلمية الجديدة لا تواجه عادة منظومة تفسيرية رسمية واحدة ينبغي الدفاع عنها أو تعديلها.
كما تتميز الهندوسية بمرونة كونية وفلسفية لافتة. فالنصوص والتقاليد الهندوسية تحتوي على تصورات متعددة للكون والزمن والوجود، بعضها يتحدث عن دورات كونية متعاقبة تمتد عبر فترات زمنية هائلة تُعرف بـ الكالبا، وبعضها يتضمن رؤى عن تعدد العوالم وتجدد الخلق بصورة دورية. ولهذا رأى بعض الباحثين أن عدداً من هذه التصورات يبدو أكثر قابلية للتعايش مع الرؤى الكونية الحديثة من النماذج الخطية التقليدية للتاريخ الكوني. وقد أشار الفيزيائي والكاتب الأمريكي من أصل نمساوي فريتيوف كابرا في كتابه الطاوية والفيزياء : استكشاف أوجه التشابه بين الفيزياء الحديثة والتصوف الشرقي الصادر ١٩٧٥م، إلى وجود أوجه تشابه بين بعض المفاهيم الكونية في الفكر الهندوسي والبوذي وبعض الأفكار المطروحة في الفيزياء الحديثة، ولا سيما فيما يتعلق بوحدة الوجود والترابط العميق بين عناصر الكون والطبيعة الديناميكية للواقع(وتجاوز الثنائية، وأن الكون شبكة مترابطة وغيرها) . غير أن كثيراً من الفيزيائيين ومؤرخي العلوم ينظرون إلى هذه المقارنات بحذر، ويرون أنها تمثل تشابهاً في اللغة والصور الفلسفية أكثر مما تمثل تطابقاً حقيقياً في المناهج أو النتائج العلمية. فالعلم الحديث يقوم على الملاحظة والتجربة والصياغة الرياضية والاختبار المستمر للفرضيات، بينما تنتمي التصورات الدينية والفلسفية إلى سياقات مختلفة تتعلق بالمعنى والوجود والخبرة الروحية. ولذلك تبقى هذه المقارنات مثيرة للاهتمام من الناحية الفكرية، لكنها لا تُعد دليلاً على وجود علاقة مباشرة أو تأثير متبادل بين الهندوسية والفيزياء الحديثة.
ومع ذلك، فإن هذه المرونة الفلسفية أسهمت في جعل العلاقة بين الهندوسية والعلم أقرب إلى التعايش والتوازي منها إلى الصراع والمواجهة، وهو ما يفسر غياب الأزمات الفكرية الكبرى بينهما من النوع الذي شهدته العلاقة بين المسيحية والعلم في الغرب الحديث.
٣.٢ البوذية - الذهن الذي يُشكّل التجربة
تُعد البوذية من أكثر التقاليد الدينية والفلسفية الآسيوية إثارة للاهتمام في سياق العلاقة بين الدين والعلم، لكنها تثير هذا الاهتمام لأسباب تختلف جذرياً عن تلك التي جعلت المسيحية أو الإسلام في قلب هذا النقاش. فالبوذية في تياراتها الكبرى لا تُقدّم نفسها بوصفها ديناً قائماً على الإيمان بإله خالق أو على وحي إلهي يُملي تفسيراً محدداً لنشأة الكون وتاريخه، بل تُقدّم نفسها طريقاً عملياً لفهم التجربة الإنسانية ومعالجة المعاناة عبر مراقبة العقل والوعي والسلوك. ولهذا فإن مركز ثقلها الفكري يقع في دراسة الإنسان من الداخل أكثر مما يقع في تفسير العالم الخارجي.
ومنذ البدايات الأولى للتراث البوذي، كان الاهتمام منصباً على أسئلة من قبيل، ما طبيعة المعاناة؟ كيف يعمل الذهن؟ كيف تتشكل الرغبات والانفعالات؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتحرر من أسباب الألم؟ أما الأسئلة المتعلقة بأصل الكون، أو بدايته، أو نهايته أو طبيعته الميتافيزيقية، فقد احتلت موقعاً ثانوياً نسبياً. وتروي النصوص البوذية أن بوذا نفسه كان يتجنب الخوض المطول في عدد من الأسئلة الكونية والميتافيزيقية الكبرى، معتبراً أن الانشغال بها لا يساعد الإنسان على بلوغ الغاية العملية المتمثلة في التحرر من المعاناة. ولهذا لم تتطور في البوذية عقيدة كونية مركزية تشبه قصص الخلق الموجودة في الأديان الإبراهيمية.
وقد جعلت هذه الخصوصية العلاقة بين البوذية والعلم مختلفة في طبيعتها. فبينما تركز أغلب النقاشات المسيحية والإسلامية المعاصرة على قضايا الخلق والتطور والكونيات وتاريخ الحياة، تتركز اللقاءات بين البوذية والعلم الحديث حول الوعي والإدراك والانتباه والصحة النفسية. ومن هنا نشأ خلال العقود الأخيرة حوار واسع بين الرهبان البوذيين وعلماء الأعصاب وعلم النفس المعرفي، خصوصاً من خلال المبادرات التي دعمها الدالاي لاما الرابع عشر، ومن أبرزها معهد العقل والحياة (Mind and Life Institute) الذي تأسس عام ١٩٨٧م بهدف بناء جسور معرفية بين الممارسة التأملية البوذية والبحث العلمي الحديث.
وقد أسفر هذا الحوار عن نشوء حقل بحثي متنامٍ يدرس أثر التأمل الذهني والانتباه الواعي في الدماغ والسلوك والصحة النفسية. وأصبحت ممارسات مستمدة من التراث البوذي، مثل اليقظة الذهنية (Mindfulness)، موضوعاً لمئات الدراسات في جامعات ومراكز بحثية عالمية، الأمر الذي منح البوذية حضوراً متزايداً في ميادين علم الأعصاب وعلم النفس السريري والعلوم الإدراكية.
ومع ذلك، فإن البوذية تبقى خارج المركز الرئيسي للنقاش التاريخي حول العلم والدين. فالموضوعات التي صنعت هذا الحقل تاريخياً – مثل العلاقة بين النصوص المقدسة ونشأة الكون، أو بين الخلق والتطور، أو بين المعجزات وقوانين الطبيعة – لا تظهر فيها بالحدة نفسها. فلا توجد عقيدة خلق مركزية ينبغي الدفاع عنها أمام النظريات العلمية، ولا مؤسسة دينية موحدة تصدر مواقف رسمية في مواجهة الاكتشافات العلمية، ولا تاريخ طويل من الصراعات المؤسسية المشابهة لما عرفته أوروبا المسيحية.
كما أن مساهمة الحضارات البوذية في العلوم الطبيعية والتجريبية ظلت محدودة مقارنةً بما شهدته الحضارة الإسلامية أو الحضارة الأوروبية الحديثة أو حتى الهندية في بعض مراحلها. فقد انصب الإسهام البوذي الأكبر على فلسفة العقل، وأخلاقيات السلوك، وتحليل الإدراك، ومناهج التأمل، وهي ميادين أقرب إلى علوم الإنسان منها إلى علوم الطبيعة.
ولهذا فإن أهمية البوذية في هذا الكتاب لا تنبع من كونها حالة مركزية في تاريخ التوتر أو الحوار بين الدين والعلم، بل من كونها تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً لهذا الحوار. فهي لا تمثل نموذج الصراع حول الخلق والكونيات، ولا نموذج التوفيق بين النصوص الدينية والاكتشافات العلمية، بل تمثل نموذجاً ثالثاً يتمحور حول اللقاء بين الخبرة الداخلية والبحث التجريبي في دراسة العقل والوعي. ومن هنا تكتسب قيمتها المقارنة؛ إذ تكشف أن العلاقة بين الدين والعلم لا تدور دائماً حول سؤال «كيف نشأ الكون؟»، بل قد تدور أيضاً حول سؤال آخر لا يقل عمقاً، وهو كيف تتشكل التجربة الإنسانية ذاتها، وكيف يعمل العقل الذي يحاول فهم العالم؟
٣.٣ الكونفوشيوسية والطاوية - العلاقة بالطبيعة لا الصراع معها
التقليدان الفكريان الكبيران في الحضارة الصينية، الكونفوشيوسية والطاوية، لا يندرجان بسهولة ضمن فئة "الدين" بمعناه الغربي. فالكونفوشيوسية في جوهرها فلسفة أخلاقية واجتماعية وسياسية لا علم لاهوت ولا كتاب مقدس بالمعنى الديني الكلاسيكي. والطاوية تُقدّم مفهوم "الطاو" وهو المسار أو المبدأ الكوني الكامن في الطبيعة، لا إلهاً شخصياً يُصدر الوحي ويُحدد الشريعة.
علاقة الكونفوشيوسية بالعلم لا تتشكل عبر توتر بين النص المقدس والاكتشاف العلمي، بل عبر الموقف من المعرفة في حد ذاتها. والكونفوشيوسية تُعلي من شأن التعلم والاجتهاد والكفاءة، وهذا ما يُفسّر جزئياً لماذا تُولي الثقافات المتأثرة بها أهمية كبيرة للتحصيل الأكاديمي. غير أن هذا لم يُنتج تراثاً في التفكير حول العلاقة بين الدين والعلم بوصفها إشكالية فلسفية مستقلة.
والسبب الأعمق لغياب هذين التقليدين عن مركز النقاش العلم-دين هو أن الحضارة العلمية الحديثة بمعناها المنهجي المؤسسي نشأت في السياق الغربي، وهو سياق تشكّلت فيه المسيحية والإسلام. والتوتر بين الديني والعلمي الذي ولّد هذا النقاش كان في معظمه داخل هذا السياق لا عاماً لكل الحضارات.
٣.٤ اليهودية - المعرفة في خدمة التفسير
اليهودية ذات تاريخ خاص في علاقتها بالعلم يجعلها حالة دراسية بالغة الثراء لكنها تبقى في الهامش الأكاديمي لهذا النقاش لأسباب ديموغرافية وتاريخية.
علاقة اليهودية بالعلم كانت في معظم تاريخها علاقة انخراط لا رفض. فالتلمود يُشجّع على النقاش والجدل والتساؤل بصورة لا مثيل لها في التقاليد الدينية الأخرى، والتقليد اليهودي في التعلم والدراسة المتواصلة كوّن ثقافة فكرية عالية الإنتاجية. ومن المفارقات اللافتة أن اليهود أنتجوا نسبة عالية بشكل استثنائي من الحائزين على جائزة نوبل في العلوم قياساً بحجمهم الديموغرافي، وهو ما يُشير إلى ثقافة علمية راسخة لا تتناقض مع الهوية الدينية.
غير أن اليهودية لا تُشكّل طرفاً مركزياً في نقاش العلم والدين لأسباب موضوعية: فهي ديانة لا تسعى إلى التبشير ولا تطمح إلى السلطة الكونية، ولم تمتلك دولة دينية بالمعنى المؤثر في مسيرة العلم العالمي حتى القرن العشرين، ولم تُنتج صراعاً مؤسسياً حاداً مع العلم يُقارن بمحاكمة غاليليو أو بالجدل حول داروين في السياق المسيحي.
٤ الإسلام والمسيحية - أوجه التشابه والاختلاف في العلاقة بالعلم
نهدف من معالجتنا في هذه الصفحات، محاولة فهم العلاقة بين العلم والدين فهماً تاريخياً وفلسفياً متوازناً، عند الغرب المسيحي وعند المسلمين. وهذا يجعل المقارنة أبعد من أن تكون ترفاً فكرياً أو مجرد اختيار عابر، بل يؤكد أنه ضرورة منهجية. فهذان التقليدان الدينيان لا يمثلان فقط أكثر من نصف سكان العالم المعاصر، بل يمثلان أيضاً أكثر حالتين دينيتين تركتا أثراً مباشراً وعميقاً في تشكيل الحضارات العلمية الكبرى عبر التاريخ. وقد شهدت كل منهما مراحل ازدهار علمي، وأنتجت مؤسسات تعليمية وفكرية واسعة، وواجهت أسئلة كبرى حول الكون والإنسان والمعرفة، ووجدت نفسها في حوار دائم ــ وأحياناً صدامي ــ مع التحولات العلمية المتلاحقة.
ومع ذلك فإن وضع الإسلام والمسيحية معاً تحت عنوان واحد لا يعني افتراض أن علاقتهما بالعلم كانت متماثلة أو أن مساريهما التاريخيين متطابقان. فهناك قدر كبير من التشابه يجعل المقارنة ممكنة ومفيدة، كما توجد اختلافات عميقة تجعل النقل المباشر للتجربة من أحدهما إلى الآخر أمراً مضللاً. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مستويين من التحليل، أولهما مستوى القواسم المشتركة التي تجمعهما بوصفهما دينين عالميين ينتميان إلى الأسرة الإبراهيمية، وثانيها هو مستوى الاختلافات البنيوية التي جعلت كل واحد منهما يطوّر علاقة خاصة ومتميزة مع المعرفة العلمية.
٤.١ ما يتشابهان فيه
الإسلام والمسيحية يشتركان في منطلق جوهري واحد، فكلاهما يُقرّ بوجود خالق عاقل أوجد الكون، وهذا الإقرار يحمل في طياته افتراضاً بأن الكون منتظم وعقلاني ومفهوم، وهو بالضبط الشرط الميتافيزيقي الذي يجعل العلم ممكناً. فلولا افتراض انتظام الكون وقابليته للفهم لما كان ثمة علم بالمعنى المنهجي.
وكلاهما يحمل نصوصاً مقدسة تتحدث عن الكون والإنسان والتاريخ، وكلاهما طوّر تراثاً تفسيرياً غنياً حول هذه النصوص وعلاقتها بالمعرفة. وكلاهما شهد داخله صراعاً مستمراً بين من يرى النص حرفياً ثابتاً وبين من يرى أن للنص طبقات من المعنى تستوعب الاكتشافات العلمية الجديدة.
وقد أجمل الفيلسوف الأمريكي ألفين بلانتينغا في كتابه أين يكمن الاختلاف، أن التوتر الحقيقي ليس بين العلم والدين، بل بين العلم والطبيعية الفلسفية التي ترفض أي تفسير غير مادي للوجود، مُشيراً إلى أن الإيمان الديني بالله الخالق متوافق جوهرياً مع المشروع العلمي وإن كان قد يتعارض مع بعض التفسيرات الفلسفية للعلم. وهذه الملاحظة تنطبق على كلا التقليدين المسيحي والإسلامي.
٤.٢ الاختلافات البنيوية الجوهرية
رغم هذا الاشتراك الجوهري، يختلف الإسلام والمسيحية اختلافاً بنيوياً عميقاً في طبيعة علاقة كل منهما بالعلم، وهذا الاختلاف ينبثق من اختلافات في البنية العقدية والمؤسسية والتاريخية.
الاختلاف الأول، هو في وجود السلطة المؤسسية وصلاحية الحكم على العلم. المسيحية، ولا سيما الكاثوليكية، طوّرت مؤسسة بابوية تملك صلاحية الحكم العقدي الملزم على الأفكار بما فيها الأفكار العلمية. ومحاكمة غاليليو عام ١٦٣٣م ليست مجرد حادثة تاريخية معزولة، بل هي تعبير عن بنية مؤسسية تُخوّل الكنيسة الحكم على ما يُقبل وما يُرفض من الاكتشافات. الإسلام في المقابل لم يُطوّر مؤسسة مماثلة، لا يوجد بابا مسلماً ولا مجمعاً دينياً يملك صلاحية الحكم الملزم على الأفكار العلمية، فالعلماء والمراجع الدينية تُعبّر عن آراء، لكنها آراء لا تملك صلاحية الإلزام الكوني على كل المسلمين.
الاختلاف الثاني، يكمن في طبيعة النص المقدس وعلاقته بالعلم. الإنجيل في رواياته المتعددة يحمل قصصاً تاريخية وكونية يرى بعض المؤمنين أنها تتعارض مع بعض الاكتشافات العلمية، كقصة الخلق في ستة أيام وقصة آدم وحواء بوصفها مصدر الجنس البشري. وقد اضطر اللاهوت المسيحي إلى التعامل مع هذا التوتر عبر تطوير مفهوم التأويل والقراءة الرمزية للنص المقدس. القرآن في المقابل لا يحمل رواية تفصيلية مماثلة عن الخلق، وحين يتحدث عن الكون والإنسان يفعل ذلك بصيغة آيات تدعو إلى التأمل لا بصيغة أوصاف تاريخية تفصيلية، مما يجعل التوتر مع الاكتشافات العلمية أقل حدة من الناحية البنيوية.
الاختلاف الثالث، وهو موقف كل منهما من العقل والنقل. هنا نرى أن المسيحية في تطورها اللاهوتي الكلاسيكي، ولا سيما عند توماس الأكويني، بنت نظرية الانسجام بين العقل والإيمان لكنها ظلت تحت وطأة سلطة كنسية مؤسسية تحكم على حدود هذا الانسجام. أما الإسلام في تياراته الكلامية والفلسفية الكبرى، فقد رفع العقل إلى مرتبة شريك للوحي في إنتاج المعرفة، كما فعل المعتزلة وكما أسّس له ابن رشد في فصل المقال. ويُلاحظ المؤرخ جورج صليبا في العلم الإسلامي وصناعة النهضة الأوروبية، في أن المسلمين حين انتقدوا التراث اليوناني لم يكتفوا بترجمته، بل أسّسوا لمنهج نقدي تجريبي سبق ما نسميه "المنهج العلمي" بقرون.
الاختلاف الرابع، يتمثل في التاريخ مع التجربة العلمية. فالمسيحية الغربية شهدت صراعاً مؤسسياً مع العلم في القرن السابع عشر والثامن عشر بلغ ذروته بمحاكمة غاليليو وبالردود على داروين. والتوتر كان صراعاً حقيقياً بين مؤسسة دينية تحكم على الحقيقة ومؤسسة علمية ناشئة تطالب بالاستقلالية. أما في الإسلام، فلم يشهد في مرحلة ذروته العلمية، هذا الصراع المؤسسي، بل كان العلماء المسلمون في الغالب يجمعون بين الفقه والعلوم الطبيعية في شخصية واحدة. والانتكاس الذي أصاب العلم الإسلامي لم يكن في معظمه بسبب صراع مع الدين، بل كان في اكثره بسبب عوامل سياسية واقتصادية وخارجية كالغزو المغولي وتراجع طريق الحرير كما أسلفنا.
٥ المسيحية والعلم - من محاكمة العلماء إلى الحوار
قبل الدخول في تفاصيل العلاقة بين المسيحية والعلم، من المهم التنبيه إلى أن هذه العلاقة لم تكن ثابتة عبر التاريخ، ولم تأخذ شكلاً واحداً يمكن تعميمه على جميع العصور والبيئات المسيحية. فالمسيحية التي عاشت في أوروبا الوسيطة ليست هي المسيحية التي واجهت الثورة العلمية في القرن السابع عشر، وليست هي المسيحية التي دخلت في حوار مع نظرية التطور في القرن التاسع عشر، ولا هي المسيحية التي تتفاعل اليوم مع الفيزياء الكونية وعلم الأحياء الجزيئي والذكاء الاصطناعي. ولهذا فإن أي محاولة لفهم هذه العلاقة تقتضي النظر إليها بوصفها مساراً تاريخياً متغيراً، لا موقفاً عقائدياً جامداً.
كما أن الصورة الشائعة التي تختزل تاريخ المسيحية مع العلم في محاكمة غاليليو أو في الصراع مع داروين صورة ناقصة ومضللة إلى حد كبير. فالحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً من ثنائية الصراع والتوافق. فقد كانت الكنيسة، في مراحل طويلة من تاريخ أوروبا، الراعية الرئيسة للتعليم والنسخ والترجمة وحفظ التراث القديم. ومن داخل الأديرة والكاتدرائيات والجامعات الكنسية نشأت المؤسسات التي ستصبح لاحقاً البيئة الحاضنة للبحث العلمي الأوروبي. وفي الوقت نفسه، شهد التاريخ لحظات توتر حادة عندما بدا لبعض رجال الدين أن بعض الاكتشافات العلمية تمسّ تفسيرات دينية مستقرة أو تصورات كونية موروثة. وبين هذين القطبين الممتدين، الاحتضان من جهة والتوتر من جهة أخرى، تشكلت القصة الطويلة للعلاقة بين المسيحية والعلم.
والأدق أن يُنظر إلى هذه العلاقة بوصفها سلسلة من التحولات الفكرية الكبرى التي مرت بثلاث مراحل رئيسة. المرحلة الأولى كانت مرحلة الهيمنة الكنسية على المعرفة، حيث كان العلم يُمارَس داخل الإطار الديني وتحت رعايته. ثم جاءت مرحلة الاستقلال التدريجي للعلم عن السلطة الكنسية، وهي المرحلة التي شهدت الثورة العلمية الأوروبية وما رافقها من توترات وصراعات فكرية. أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة المعاصرة التي انتقل فيها النقاش من منطق المواجهة إلى منطق الحوار، وأصبحت العلاقة بين العلم والدين موضوعاً قائماً بذاته داخل الجامعات، ومراكز البحث، والجمعيات العلمية، والفلسفية.
وقد لاحظ عدد من مؤرخي العلم أن فهم هذه المراحل لا يقتصر على دراسة تطور الأفكار العلمية وحدها، بل يتطلب أيضاً دراسة تطور المؤسسة الدينية نفسها، وتحولات المجتمع الأوروبي، وصعود الدولة الحديثة، وتغير مفهوم المعرفة والسلطة. ولهذا يرى مؤرخ العلم الأمريكي جون هيدلي بروك أن السؤال "هل كان العلم في صراع مع الدين؟" يعتبر سؤالا مضللا في أصله، لأن العلاقة بينهما كانت أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تُختزل في نموذج واحد. وبالمثل يؤكد المؤرخ البريطاني بيتر هاريسون أن كثيراً من التصورات الحديثة حول الصراع الدائم بين العلم والدين هي نفسها نتاج ظروف فكرية حديثة أكثر منها وصفاً دقيقاً للتاريخ الفعلي.
ومن هنا فإن استعراض المراحل التالية لا يهدف إلى إصدار حكم نهائي على المسيحية أو على العلم، بقدر ما يهدف إلى فهم كيفية تشكل العلاقة بينهما عبر الزمن، وكيف انتقلت من الرعاية والاحتضان إلى التوتر والانفصال الجزئي، ثم إلى أشكال جديدة من الحوار والتعايش. فهذه التجربة التاريخية ستوفر لاحقاً أرضية مهمة للمقارنة مع التجربة الإسلامية، وتساعد على فهم ما إذا كانت الأسئلة التي واجهت المجتمع المسيحي هي نفسها التي واجهت المسلمين، أم أن لكل منهما مساره التاريخي الخاص وبنيته الفكرية المختلفة.
ولعل القيمة الكبرى لهذه الدراسة لا تكمن في استحضار الماضي فحسب، بل في فهم الحاضر أيضاً. فالكثير من النقاشات المعاصرة حول التطور، ونشأة الكون، وأخلاقيات التكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي، ما تزال تحمل آثار ذلك التاريخ الطويل. ولذلك فإن تتبع المراحل الثلاث الآتية - من هيمنة الكنيسة على المعرفة، إلى استقلال العلم، ثم إلى الحوار المعاصر- ليس مجرد سرد تاريخي، بل محاولة لفهم أحد أهم التحولات الفكرية في تاريخ الحضارة الإنسانية الحديثة.
٥.١ المرحلة الأولى: العلم في ظل الكنيسة
لم تكن القرون الوسطى الأوروبية زمناً معادياً للمعرفة بالمعنى الذي تُصوّره بعض السرديات الحديثة، بل كانت الكنيسة الكاثوليكية المؤسسة الأكبر التي احتضنت النشاط العلمي والتعليمي في أوروبا لعدة قرون. فبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية وتفكك كثير من البنى السياسية والثقافية القديمة، أصبحت الأديرة والكنائس مراكز لحفظ المخطوطات، ونسخها، وتعليم القراءة، والكتابة. ومن داخل هذه البيئة الدينية نشأت النواة الأولى للحياة الفكرية الأوروبية التي ستتطور لاحقاً إلى الجامعات الكبرى.
ولهذا لم يكن غريباً أن ترتبط أقدم الجامعات الأوروبية بالمؤسسة الكنسية ارتباطاً وثيقاً. فجامعات بولونيا وباريس وأكسفورد وكامبريدج وغيرها نشأت في الأصل ضمن فضاء ثقافي وديني تشرف عليه الكنيسة أو يحظى بدعمها. وكانت دراسة اللاهوت تُعدّ ذروة العلوم، لكن ذلك لم يمنع تدريس الفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك والطب ضمن المنظومة التعليمية نفسها. وكان كثير من العلماء في تلك المرحلة رجال دين في الوقت ذاته، لأن الطريق إلى التعلم والبحث كان يمر غالباً عبر المؤسسات الكنسية.
وقد ساعدت حركة الترجمة الكبرى للتراث اليوناني والعربي إلى اللاتينية، التي نشطت بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، على توسيع أفق المعرفة الأوروبية بصورة غير مسبوقة. فدخلت مؤلفات أرسطو وإقليدس وجالينوس وبطليموس إلى الجامعات، إلى جانب أعمال علماء الحضارة الإسلامية مثل ابن سينا وابن رشد، والخوارزمي، والبيروني، وغيرهم. وهنا وجدت الكنيسة نفسها أمام تحدٍ فكري جديد، في قدرتها على استيعاب هذا التراث العقلي الضخم داخل الإطار العقدي المسيحي.
في هذا السياق برز توماس الأكويني بوصفه أحد أهم الشخصيات الفكرية في تاريخ المسيحية الغربية. فقد حاول بناء مشروع فكري متكامل يوفق بين العقل والإيمان، ويرى أن الحقيقة لا يمكن أن تتناقض مع نفسها لأن مصدرها في النهاية واحد. فإذا كان الوحي من عند الله، والعقل هبة من الله، فلا بد أن يكون بينهما انسجام في جوهر الأمر، حتى لو بدا التوتر قائماً في بعض المسائل. وكان مشروع الأكويني اعترافاً ضمنياً بقيمة البرهان العقلي وبقدرة الإنسان على الوصول إلى معارف صحيحة عن العالم من خلال التفكير والملاحظة، وهو ما منح الفلسفة الطبيعية – التي ستتحول لاحقاً إلى العلوم الطبيعية – شرعية واسعة داخل الوسط المسيحي.
ومع ذلك فإن هذا الاحتضان للمعرفة لم يكن مطلقاً ولا مفتوحاً بلا حدود. فقد كانت الكنيسة ترى نفسها حارسة للحقيقة الدينية، ولذلك بقيت هناك خطوط حمراء لا ينبغي للبحث العقلي أن يتجاوزها. فالعقل مرحب به ما دام يعمل داخل الإطار الذي تعتبره العقيدة صحيحاً، أما إذا بدا أنه يهدد بعض التصورات الدينية الراسخة فإن التوتر يبدأ بالظهور. ومن هنا نشأ أحد أكثر الإشكالات تأثيراً في تاريخ العلاقة بين العلم والدين في أوروبا، نعني هنا تصور الكون.
لقد كانت الصورة الكونية السائدة طوال قرون تقوم على نموذج بطليموس الذي يضع الأرض في مركز الكون. ولم يكن هذا النموذج مجرد نظرية فلكية، بل أصبح مع مرور الزمن جزءاً من البناء الفكري والديني الذي فهم من خلاله كثير من رجال اللاهوت بعض النصوص الكتابية. وعندما اقترح نيكولاس كوبرنيكوس في القرن السادس عشر أن الشمس، لا الأرض، هي مركز النظام الكوكبي، لم يُنظر إلى الأمر باعتباره مجرد تعديل تقني في علم الفلك، بل باعتباره تحدياً لصورة راسخة عن الكون ومكانة الإنسان فيه. فالكنيسة ترى أن الأرض مركز الكون لأسباب لاهوتية، والعلم يرى خلاف ذلك لأسباب مشاهدة تجريبية. وقد سجل باسكال في كتابه الأفكار، التوتر الفكري الذي رافق بدايات العصر العلمي الحديث، عندما واجه الإنسان الأوروبي اتساع آفاق المعرفة الجديدة مع استمرار حاجته إلى المعنى والإيمان.
.ومع تطور الرصد الفلكي على يد غاليليو غاليلي في أوائل القرن السابع عشر، بدأت الأدلة التجريبية تتراكم لصالح النموذج الشمسي. فقد كشفت المراصد الجديدة ظواهر لم يكن النموذج القديم قادراً على تفسيرها بسهولة، مثل أطوار كوكب الزهرة والأقمار التي تدور حول المشتري. وهنا ظهر التوتر البنيوي بين نوعين من السلطة المعرفية: سلطة التفسير الديني الموروث من جهة، وسلطة الملاحظة والتجربة من جهة أخرى.
وقد بلغت الأزمة ذروتها في محاكمة غاليليو سنة ١٦٣٣م، وهي الحادثة التي أصبحت رمزاً عالمياً للصراع بين السلطة الدينية والبحث العلمي. لكن كثيراً من مؤرخي العلم المعاصرين يشيرون إلى أن القضية كانت أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين العلم والدين. فقد تداخلت فيها عوامل سياسية ومؤسسية وشخصية ولاهوتية، إضافة إلى طبيعة الأدلة العلمية المتاحة آنذاك. ومع ذلك بقيت المحاكمة علامة فارقة لأنها كشفت حدود النموذج الذي يسمح للعقل بالعمل ما دام لا يصطدم بالتفسيرات الدينية السائدة.
ومن المفارقات اللافتة أن هذه المرحلة نفسها التي شهدت التوتر مع بعض الاكتشافات العلمية هي التي وفرت أيضاً البنية المؤسسية التي سمحت للعلم الأوروبي بالنمو. فالجامعات، والمكتبات، وشبكات التعليم، والثقافة اللاتينية المشتركة، كلها تطورت داخل البيئة الكنسية قبل أن يبدأ العلم تدريجياً في بناء استقلاله الخاص. ولهذا يرى عدد من المؤرخين أن الكنيسة لم تكن مجرد عائق أمام العلم ولا مجرد راعٍ له، بل كانت في آن واحد البيئة التي احتضنت نشأته والسلطة التي وضعته أحياناً أمام حدود معينة.
وهكذا يمكن النظر إلى هذه المرحلة بوصفها مرحلة "العلم تحت الرعاية الدينية". فلم يكن العلم مستقلاً عن الكنيسة، لكنه لم يكن غائباً عنها أيضاً. وكان التحدي الأكبر الذي واجه المفكرين آنذاك هو كيفية الاستفادة من العقل والبحث في أسرار الطبيعة دون تجاوز الحدود التي رسمتها السلطة الدينية. ومن داخل هذا التوتر نفسه ستنشأ لاحقاً التحولات الفكرية التي ستقود أوروبا إلى مرحلة جديدة يصبح فيها العلم أكثر استقلالاً عن المؤسسة الكنسية وأكثر اعتماداً على الملاحظة والتجربة بوصفهما مصدرين أساسيين للمعرفة.
٥.٢ المرحلة الثانية: الفصل والتوتر
شكّل القرن السابع عشر نقطة انعطاف كبرى في تاريخ الفكر الغربي، ليس لأنه شهد اكتشافات علمية جديدة فحسب، بل لأنه أعاد رسم الحدود بين مصادر المعرفة نفسها. ففي القرون السابقة كان البحث في الطبيعة يجري غالباً داخل الإطار الذي ترسمه المؤسسة الدينية، أما في هذه المرحلة فقد بدأ العلم يطوّر أدواته الخاصة ومعاييره المستقلة في الوصول إلى الحقيقة. ولم يكن المقصود في البداية إقصاء الدين أو استبداله، بل بناء مجال معرفي يستطيع أن يعمل وفق قواعده الخاصة القائمة على الملاحظة والتجربة والبرهان الرياضي.
وفي هذا السياق كان لفرانسيس بيكون ورينيه ديكارت وإسحاق نيوتن، حضورا بارزا بوصفهم رموزاً للتحول الجديد. والمثير للاهتمام أن هؤلاء لم يكونوا ملاحدة ولا معادين للدين، بل كان معظمهم مؤمناً إيماناً عميقاً. فبيكون رأى أن دراسة الطبيعة هي وسيلة لفهم حكمة الخالق من خلال أعماله، بينما اعتبر ديكارت أن العقل هبة إلهية ينبغي استخدامها لفهم العالم فهماً منظماً. أما نيوتن، الذي يُعد أحد أعظم علماء التاريخ، فقد أمضى جزءاً ضخماً من حياته في دراسة الكتاب المقدس واللاهوت والتاريخ الديني، وكتب في هذه الموضوعات أكثر مما كتب في الفيزياء والرياضيات، كما أسلفنا.
لكن الجديد عند هؤلاء لم يكن موقفهم من الإيمان، بل تصورهم للعلاقة بين الإيمان والمعرفة الطبيعية. فقد بدأ يتشكل تدريجياً اقتناع بأن للطبيعة قوانين يمكن اكتشافها دون الحاجة إلى الرجوع المستمر إلى التفسيرات اللاهوتية. وأصبح السؤال العلمي يدور حول "كيف تعمل الأشياء؟" بينما تُركت الأسئلة المتعلقة بالمعنى والغاية النهائية للوجود إلى المجال الديني والفلسفي. ومن هنا نشأ ما يسميه بعض المؤرخين "الانفصال الوظيفي" بين العلم واللاهوت، لا العداء بينهما.
ومع مرور الزمن ترسخت هذه النزعة أكثر فأكثر. فالثورة العلمية التي بدأت مع كوبرنيكوس وغاليليو وكيبلر ونيوتن لم تنتج فقط معارف جديدة، بل أنتجت أيضاً ثقة متزايدة في قدرة العقل الإنساني على اكتشاف قوانين الكون اعتماداً على الملاحظة والتجربة. وأصبح نجاح العلم في تفسير حركة الكواكب وسقوط الأجسام والظواهر الطبيعية دافعاً للبحث عن قوانين مماثلة في مجالات أخرى من المعرفة.
وجاء القرن الثامن عشر ليمنح هذا التحول أساساً فلسفياً أكثر وضوحاً. فقد لعب إيمانويل كانط دوراً محورياً في إعادة تعريف حدود العقل. فكانط لم يرفض الدين، لكنه رأى أن العقل النظري قادر على دراسة العالم المحسوس وقوانينه، بينما تبقى قضايا الله والحرية والخلود خارج نطاق البرهان العلمي المباشر. وهكذا أصبحت هناك حدود معرفية واضحة، العلم يدرس الظواهر الطبيعية، أما الإيمان فيتعلق بما يتجاوز التجربة الحسية. وقد أسهم هذا التصور في تقليل كثير من الصدامات المباشرة بين العلماء ورجال الدين، لكنه في الوقت نفسه عمّق الفصل بين المجالين.
غير أن هذا التوازن النسبي لم يدم طويلاً. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهر تحدٍ جديد لم يكن يتعلق بحركة الكواكب أو عمر الأرض أو تركيب المادة، بل بأصل الإنسان نفسه. وعندما نشر تشارلز داروين كتابه أصل الأنواع سنة ١٨٥٩م، لم يكن يقدم مجرد نظرية بيولوجية جديدة، بل كان يطرح تفسيراً شاملاً لكيفية تنوع الكائنات الحية وتطورها عبر الزمن من خلال الانتخاب الطبيعي.
وكان وقع هذه النظرية مختلفاً عن وقع النظريات الفلكية السابقة. فمركزية الشمس لم تمس الإنسان مباشرة، أما نظرية التطور فقد مست السؤال الأكثر حساسية في الوعي الديني في تعريف الإنسان، فمن هو الانسان؟، وكيف ظهر؟ وما موقعه بين الكائنات الحية؟ ولهذا اعتبر كثير من المعاصرين أن كتاب داروين يمثل أكبر تحدٍ واجهته التفسيرات التقليدية للخلق منذ نشأة المسيحية.
وقد انقسم العالم المسيحي أمام هذا التحدي إلى أكثر من اتجاه. فبعض اللاهوتيين رأى في النظرية تهديداً مباشراً لصحة النصوص الكتابية، ورفضها رفضاً كاملاً، معتبراً أن الخلق وقع بصورة مباشرة كما ترويها القراءة الحرفية لسفر التكوين. ومن هنا نشأت حركات "الخلقية" التي استمرت حتى العصر الحديث، ثم تطورت لاحقاً إلى ما عُرف بتصميم الذكاء أو "التصميم الذكي" في بعض الأوساط.
في المقابل ظهر اتجاه آخر أكثر مرونة حاول إعادة قراءة النصوص الدينية في ضوء المعطيات العلمية الجديدة. ورأى أن قصة الخلق ليست بالضرورة وصفاً علمياً تفصيلياً لكيفية نشوء الأنواع، بل خطاباً دينياً يهدف إلى بيان أن الكون والحياة في أصلها من صنع الله. ومن هذا الاتجاه نشأت تصورات متنوعة عُرفت لاحقاً بأسماء مثل "التطور الإلهي" أو "التطور الكوني"، والتي ترى أن التطور نفسه قد يكون الآلية التي اختارها الله لتحقيق مقاصده في الخلق.
ومع مرور العقود اتسعت دائرة هذا الاتجاه حتى أصبحت قطاعات واسعة من اللاهوت المسيحي المعاصر تقبل نظرية التطور من حيث المبدأ، مع الاحتفاظ بالإيمان بالله خالقاً وموجهاً للكون. وهكذا لم ينته الجدل، لكنه انتقل من سؤال، هل التطور صحيح أم لا؟، إلى أسئلة أكثر تعقيداً حول كيفية التوفيق بين الإيمان الديني والتفسير العلمي للحياة.
وهكذا مثّلت هذه المرحلة انتقالاً من عصر كانت الكنيسة فيه الإطار الجامع للمعرفة إلى عصر أصبح فيه العلم مؤسسة مستقلة تمتلك أدواتها ومناهجها الخاصة. ولم يعد السؤال الرئيس هو من يملك سلطة تفسير الكون، بل كيف يمكن التوفيق بين تفسيرين مختلفين للواقع: تفسير علمي يبحث في الآليات والقوانين، وتفسير ديني يبحث في المعنى والغاية. ومن هذا السؤال ستنشأ معظم النقاشات الحديثة حول العلم والدين التي ما تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
٥.٣ المرحلة الثالثة: الحوار المعاصر
تمثل العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين مرحلة مختلفة نوعياً في تاريخ العلاقة بين المسيحية والعلم. فبعد قرون من الجدل الحاد، ومحطات التوتر الشهيرة التي ارتبطت بأسماء مثل غاليليو وداروين، لم يعد السؤال المطروح في كثير من الأوساط المسيحية الكبرى عن ضرورة رفض العلم، بل أصبح، عن فهم العلاقة بين الإيمان والمعرفة العلمية بطريقة أكثر عمقاً ونضجاً. ومن هنا انتقل النقاش تدريجياً من منطق المواجهة إلى منطق الحوار، ومن البحث عن المنتصر والخاسر إلى البحث عن حدود كل مجال وما يمكن أن يقدمه للإنسان. جدول ١٠ يلخص أبرز سمات هذه المرحلة.
ويُعد اعتراف الفاتيكان سنة ١٩٩٢م بخطأ محاكمة غاليليو حدثاً رمزياً بالغ الدلالة في هذا التحول. فالقضية لم تكن مجرد تصحيح لحكم تاريخي صدر قبل أكثر من ثلاثة قرون، بل كانت إعلاناً ضمنياً بأن المؤسسة الدينية نفسها أصبحت أكثر استعداداً لمراجعة بعض مواقفها السابقة في ضوء تطور المعرفة. وقد رأى عدد من المؤرخين أن هذه الخطوة تمثل انتقالاً من الدفاع عن المواقف التاريخية إلى الاعتراف بإمكانية الخطأ البشري في فهم النصوص الدينية وتطبيقها على قضايا علمية متغيرة. وفي الوقت نفسه، شهدت الجامعات الغربية ومراكز البحث اللاهوتي ظهور حقل معرفي جديد نسبياً يمكن وصفه بـ "دراسات العلم والدين". ولم يعد الحوار يقتصر على رجال الدين أو الفلاسفة، بل دخل فيه علماء فيزياء وأحياء ورياضيات وفلك، إلى جانب اللاهوتيين والمؤرخين وعلماء الاجتماع. وأصبحت العلاقة بين العلم والدين موضوعاً قائماً بذاته تُعقد له المؤتمرات، وتُخصص له البرامج الأكاديمية، وتُنشر حوله مجلات علمية محكمة.
ومن أبرز المؤسسات التي لعبت دوراً محورياً في هذا المجال مجلة زيقون التي تأسست سنة ١٩٦٦م، وأصبحت واحدة من أهم المنابر الأكاديمية المتخصصة في دراسة العلاقة بين العلم والدين والفلسفة. كما برزت مؤسسة ومشروعات مؤسسة جون تمبلتون التي خصصت موارد مالية ضخمة لدعم الأبحاث المتعلقة بالأسئلة الكبرى حول الكون والحياة، والوعي، والقيم، والمعنى. وقد أسهمت هذه الجهود في تحويل النقاش من سجال أيديولوجي إلى مجال بحثي متعدد التخصصات. ومع تطور علم الكونيات والفيزياء الحديثة وعلم الوراثة والأعصاب، بدأت تظهر أسئلة جديدة تختلف عن أسئلة القرنين السابع عشر والتاسع عشر. فالعلم لم يعد يناقش فقط حركة الكواكب أو أصل الأنواع، بل أصبح يقترب من قضايا مثل بداية الكون، وضبط ثوابته الفيزيائية، وطبيعة الوعي البشري، وأصل القوانين الطبيعية نفسها. وهذه الأسئلة أعادت فتح مساحات واسعة للحوار الفلسفي والديني، لأن كثيراً منها يقع على الحدود الفاصلة بين ما يستطيع العلم وصفه وما يتجاوز أدواته المنهجية.
في هذا السياق برز عدد من المفكرين المسيحيين الذين سعوا إلى صياغة نموذج جديد للعلاقة بين العلم والإيمان. ومن أشهرهم الكاهن والفلكي الأيرلندي جورج كوين، المدير السابق لمرصد الفاتيكان، الذي دافع عن فكرة أن العلم والدين لا يعملان في المستوى نفسه من الأسئلة. فالعلم، في رأيه، يدرس آليات العالم وقوانينه وكيفية عمله، بينما يتعامل الدين مع قضايا المعنى والقيمة والغاية النهائية. ولم يكن هدف كوين إقامة جدار عازل بين المجالين بقدر ما كان يسعى إلى منع أحدهما من مصادرة اختصاص الآخر. وقد أصبحت هذه الرؤية، بدرجات متفاوتة، إحدى أكثر المقاربات انتشاراً في الأوساط المسيحية المعاصرة. وهي لا تزعم أن كل التوترات قد اختفت، لكنها ترى أن كثيراً من الصراعات التاريخية نشأت حين حاول الدين الإجابة عن أسئلة علمية بحتة، أو حين حاول العلم أن يتحول إلى فلسفة شاملة تفسر كل أبعاد الوجود الإنساني.
ولم يقتصر هذا الاتجاه على رجال الدين، بل تبناه أيضاً عدد من العلماء البارزين الذين جمعوا بين الإنجاز العلمي والإيمان الديني. فالفيزيائي الأمريكي تشارلز تاونز، الحائز على جائزة نوبل وأحد رواد الليزر، كان يرى أن البحث العلمي والإيمان يشتركان في السعي إلى فهم الحقيقة وإن اختلفت أدواتهما. أما فرانسيس كولينز، الذي قاد مشروع الجينوم البشري، فقد أصبح من أشهر المدافعين عن إمكان الجمع بين الإيمان المسيحي والعلوم البيولوجية الحديثة. وفي كتابه لغة الإله عرض تجربته الشخصية بوصفه عالماً قاده البحث العلمي، لا بعيداً عن الإيمان، بل إلى إعادة النظر فيه بطريقة جديدة.
ومن اللافت أن الحوار المسيحي المعاصر لم يعد يقتصر على الدفاع عن الدين في مواجهة العلم، بل أصبح يناقش أيضاً حدود العلم نفسه. فبعض اللاهوتيين والفلاسفة المسيحيين المعاصرين يجادلون بأن العلم، رغم قوته الهائلة في تفسير الظواهر الطبيعية، لا يستطيع وحده أن يحسم أسئلة مثل، لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ما أساس القيم الأخلاقية؟ ما معنى الجمال والواجب والكرامة الإنسانية؟ وهل يمكن اختزال الوعي الإنساني كله إلى عمليات مادية فقط؟ وهنا يرون أن الفلسفة والدين يظلان شريكين ضروريين في الحوار حول الإنسان والعالم.
وهكذا يمكن القول إن المرحلة المعاصرة لم تُنهِ النقاش بين المسيحية والعلم، لكنها غيّرت طبيعته جذرياً. فبدلاً من أن يكون السؤال عن أيهما على حق، أصبح السؤال في كثير من الأوساط الفكرية عن المساهمة في إيجاد فهما أكثر اكتمالا للإنسان والعالم. وهذه النقلة الفكرية تمثل واحدة من أهم التحولات في تاريخ العلاقة بين الدين والعلم في العصر الحديث.
٦ المدخل لدراسة معالجات المسلمين للأسئلة الكبرى ومنهجها
حين ننتقل إلى دراسة علاقة المسلمين بالعلم، وإلى تتبع الكيفية التي عالج بها العلماء والمفكرون المسلمون ما يمكن تسميته بـالأسئلة الكبرى، المتعلقة بالكون والإنسان والمعرفة والحقيقة، فإن أول ما ينبغي التنبيه إليه هو أننا لا ندخل إلى هذا الموضوع من باب المقارنة السريعة بين الحضارات أو منطق المفاضلة بين الأمم، بل من باب الفهم التاريخي والفكري الداخلي. فالأفكار لا تنشأ في الفراغ، والأسئلة لا تُطرح بمعزل عن البيئات التي أنتجتها، كما أن الأجوبة التي يقدمها أي مجتمع لا يمكن فهمها إلا إذا وُضعت داخل سياقها الثقافي، والديني والسياسي والاجتماعي.
ولهذا فإن المنهج الذي سنعتمده في الصفحات التالية لا يقوم على مقارنة علماء الإسلام بعلماء الغرب أو مواقف المسلمين بمواقف المسيحيين على نحو مباشر ومجرد، لأن المقارنة بين الأفراد أو المجتمعات المختلفة دون مراعاة ظروفها التاريخية، كثيراً ما تقود إلى استنتاجات مضللة. فكل حضارة تحمل تراثاً مختلفاً، وكل مجتمع يواجه تحدياته الخاصة، وكل منظومة دينية تنطلق من بنية عقدية ومعرفية متميزة. ومن ثم فإن فهم التجربة الإسلامية يقتضي أولاً الإصغاء إلى صوتها الداخلي، وتتبع تطور أسئلتها ومشكلاتها ومناهجها من داخلها قبل وضعها في أي إطار مقارن أوسع.
ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة عدد من التصورات الشائعة التي أصبحت تُتداول بوصفها حقائق مستقرة، رغم أن كثيراً منها يحتاج إلى إعادة نظر تاريخية دقيقة. ومن أكثر هذه التصورات انتشاراً الاعتقاد بأن اهتمام المسلمين بالعلم بدأ فجأة في العصر العباسي، وكأن القرون الأولى من الإسلام كانت خالية من أي نشاط معرفي أو اهتمام عقلي. والحال أن هذا التصور يتجاهل جذوراً أعمق بكثير تمتد إلى النصوص المؤسسة نفسها، وإلى طبيعة الأسئلة التي أثارها الوحي في نفوس المسلمين الأوائل، وإلى التحولات الفكرية التي بدأت قبل قيام الدولة العباسية بمدة طويلة. ولذلك فإن دراسة المرحلة العباسية تظل ضرورية ومركزية، لكنها لا تمثل نقطة البداية الوحيدة ولا المصدر الحصري للتجربة العلمية الإسلامية.
كما أن من الضروري الحذر من النزعة التي تجعل التجربة الإسلامية مجرد صورة أخرى من التجربة الغربية المسيحية، فتُفسر تطوراتها بالمنطق نفسه وتُقاس بالمعايير نفسها. فالتقابل المباشر بين الإسلام والغرب المسيحي قد يكون مفيداً في بعض المواضع، لكنه يصبح مضللاً إذا تجاهل الاختلافات العميقة في البنية العقدية والمؤسسات الدينية والتاريخ السياسي وطبيعة النصوص المؤسسة. فالأسئلة التي واجهت الكنيسة الأوروبية ليست بالضرورة هي نفسها التي واجهت المدارس الفقهية والكلامية الإسلامية، كما أن موقع المؤسسة الدينية في كل من التجربتين مختلف جذرياً، وكذلك طبيعة العلاقة بين النص المقدس والعقل، وبين المعرفة الدينية والمعرفة الطبيعية.
وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، سنحاول في هذا الفصل أن نتتبع مسار معالجة المسلمين للأسئلة الكبرى بوصفه مساراً تاريخياً وفكرياً متصلاً، بدأ مع تشكل الرؤية الإسلامية للعالم، ثم تطور عبر القرون مع تغير الظروف السياسية والثقافية واتساع دوائر المعرفة. وسنركز بصورة خاصة على فهم طبيعة هذه الأسئلة، والبيئات التي أفرزتها، والطرق التي استجاب بها العلماء والمفكرون المسلمون لها، قبل الانتقال إلى أي مقارنات مع تجارب حضارية أخرى. فالفهم الحقيقي يبدأ من الداخل، ومن إدراك منطق التجربة في سياقها الخاص، لا من إسقاط نماذج خارجية عليها أو اختزالها في سرديات جاهزة.
٦.١ مدخل منهجي: لماذا لا نقارن، بل نتأمل من الداخل؟
بعد أن انتهينا من استعراض مواقف بعض المفكرين الغربيين من الأسئلة الكبرى في العلم والدين والوجود والمعنى، نجد أنفسنا أمام حيرة، أو منعطف منهجي حقيقي. فالسؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه هو ما وعدنا به في نهاية حديثنا عن موقف العلماء الغربيين عنما قاله المفكرون المسلمون في هذه الأسئلة؟ وكيف تعاملت الحضارة الإسلامية مع العلاقة بين العقل والوحي، وبين العلم والدين، وبين الإنسان والكون؟
غير أن المدقق في طبيعة السؤال يجد نفسه أمام إشكالية منهجية تستوجب الوقوف عندها قبل المضي. فمحاولة إقامة تقابل مباشر بين مسار الفكر الإسلامي ومسار الفكر الغربي في هذا الموضوع تنطوي على خطأ منهجي يُفسد النتائج قبل أن تبدأ. فالبيئتان مختلفتان في أصولهما، والمساران الزمنيان لا يسيران على خط واحد، والعوامل المحركة لكل منهما تختلف اختلافاً جذرياً، وطبيعة الرسالتين الدينيتين اللتين شكّلتا الوعي الحضاري في كل منهما تتباينان تبايناً عميقاً لا يتيح المقارنة الآلية. الجدول ١٤، ربما يعزز عدم صوابيه المقارنة التقليدية في دراسة العالم الإسلامي مقابل الغربي، وهو يعطينا عناوين لوضع الغرب والمسلمين واهتماماتهم عند بعض المفاصل الزمنية.
التجربة الغربية في علاقة العلم بالدين تشكّلت في ظل ثلاثة عوامل لا تنطبق على التجربة الإسلامية. وهذه العوامل هي، سلطة كنسية مؤسسية تملك صلاحية الإدانة والحكم بالهرطقة، وتراث يوناني وروماني علماني سابق للمسيحية ومستقل عنها، وانفصال حاد في القرن السابع عشر أفرز العلمانية بمعناها الصارم. أما التجربة الإسلامية فلم تعرف سلطة دينية مؤسسية تُشبه الكنيسة، واستوعبت التراث اليوناني من داخل هويتها لا كبديل عنها، ولم يشهد فكرها انفصالاً صارماً بين العقل الديني والعقل العلمي في أحسن عصوره.
يُضاف إلى ذلك إشكالية أخرى تجعل التقابل المباشر متعذراً، وهي أن مسيرة الفكر الإسلامي لا تسير في خط واضح متصل قابلا للاستعراض الكامل. فثمة مفاصل كثيرة في هذه المسيرة طُمست تفاصيلها أو دُفنت، لأسباب متعددة متشابكة، تشمل انقسامات داخلية مزّقت الجسد الإسلامي ووجّهت طاقته الفكرية نحو التخندق المذهبي بدلاً من التراكم المعرفي، وضربات خارجية من غزوات وفتن أحرقت المراكز الحضرية وقطعت سلاسل النقل الفكري، وضعف داخلي تدريجي في البنى المؤسسية التعليمية أوصد أبواب العلوم العقلية أمام الأجيال اللاحقة.
٦.٢ مغالطة مأخوذة عند البعض مأخذ المسلمات
من المغالطات التي يقع فيها، سهوا من بعضهم وتعمدا من بعض آخر، بعض المهتمين بموضوع علاقة الدين بالعلم تعاطيهم مع العلاقة بين الإسلام والعلم، مستندين الى فترة الذهبي في الدولة العباسية، وإغفال القرون التي سبقتها وما كان يمثله الإسلام فيها، حضارة وديانة وثقافة. هذا التعاطي، يشكل خطأً تاريخيا جوهرياً؛ إذ يُصوّر الأمر كما لو أن الإسلام بدأ يُفكّر في هذه الأسئلة حين صار قوةً حضاريةً كبرى وبعد أن احتاج للتعامل مع التراث اليوناني، بينما الحقيقة أعمق وأكثر أصالةً من ذلك.
فالإسلام لم يكتسب الاهتمام بالعلم والطبيعة والخلق بعد أن تقاطع مع الفلسفة اليونانية. بل جاء بهذا الاهتمام لأنه من صلب الدين الإسلامي، ومندمج معه، وفيه ما يجعله من الصعب الفصل بين ما هو ديني فيه وبين ما هو علمي، بمستوى الاهتمام به والحث عليه، وخلق الأجواء للبحث عن المعنى. ونجد ذلك في نصوصه التأسيسية - في القرآن الكريم المنزَّل على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، وفي بعض الأقوال والممارسة النبوية اليومية، وفي التوجيهات التي تركها النبي محمد صلى الله عليه وآلة وسلم لأصحابه. بما يوضح لكل دارس متابع ومنصف، الاعتقاد بأن ما حدث في العصر الذهبي لم يكن وليد ساعته، بل كان، في جزء كبير منه، ثمرةً لبذرة زُرعت في البدايات الأولى، أخذت وقتها كي تصل الى مرحلة النضج والعطاء.
والفارق بين الموقفَين ليس أكاديمياً، بل يمس جوهر الفهم لطبيعة الإسلام ذاته، فإذا قلنا إن الإسلام طرح هذه الأسئلة في العصر الذهبي فمعنى ذلك أنه قد يكون قد استعارها من الحضارات الأخرى حين صار مضطراً لذلك، أما إذا قلنا إنها كانت في قلب الرسالة منذ أول يوم فمعنى ذلك أن منطلق الدافع العلمي كان دينياً أصيلاً لا مستعاراً.
أمام هذا كله، تبيّن أن المدخل الأجدى والأصدق ليس المقارنة الخارجية مع الغرب، بل النزول إلى مستوى التفاصيل الدقيقة في المسيرة الداخلية للفكر الإسلامي، مستوى المايكرو، حيث يمكن تتبع الأشخاص والمحطات والمواقف الفكرية الحقيقية دون أن يُطغى عليها إطار مفروض من الخارج. فالحضارة الإسلامية حين تُترك تتحدث بلسانها الداخلي، عبر متكلميها وفلاسفتها ومتصوفيها وعلماء الطبيعة فيها، تكشف عن ملامح تروي طبيعتها بنفسها وتُغني عن أي تقابل مفتعل. وهذا ما سيكون المدخل الذي سنسير عليه في تناولنا لمسيرة الحضارة الإسلامية فيما يتعلق بالأسئلة الكبري.
فنحن هنا لا نهدف لتقديم سرد تاريخي تقليدي للإسلام أو للحضارة الإسلامية أو لتاريخ العلوم عند المسلمين، كما لا نهدف إلى تتبع الأحداث السياسية والثقافية بصورة خطية. وإنما ننطلق من زاوية مختلفة تتمثل في دراسة المفاصل الفكرية والمعرفية التي ساهمت في إثارة الأسئلة الكبرى داخل الوعي الإسلامي، أو أعادت صياغتها، أو وسعت آفاقها عبر القرون. فالحضارات لا تُقاس فقط بما تنتجه من أدوات وتقنيات ومؤسسات، بل تُقاس أيضاً بنوعية الأسئلة التي تطرحها عن الإنسان والكون والمعرفة، والتاريخ، والأخلاق، والمعنى. وقد تتشابه أمم كثيرة في امتلاك القوة أو الثروة أو التنظيم، لكنها تختلف جذرياً في قدرتها على إنتاج أسئلة جديدة أو تقديم إجابات أصيلة للأسئلة القديمة.
فلو تأملنا في المسار الطويل، منذ اللحظة الأولى لنزول القرآن وحتى النقاشات المعاصرة حول العلم والمعنى والوعي والوجود، يكشف أن الإسلام لم يدخل إلى ميدان الأسئلة الكبرى متأخراً أو بوصفه رد فعل على تطورات فلسفية خارجية، بل دخل إليه منذ تأسيسه الأول. فالقرآن لم يُخاطب الإنسان باعتباره كائناً يحتاج إلى التشريع وحده، وإنما باعتباره عقلاً يتساءل، وروحاً تبحث عن المعنى، وكائناً يواجه الموت والحرية والغاية والكون، والطبيعة، والشر، والمعرفة. ولهذا جاءت آياته مليئة بأفعال التفكير والنظر والتدبر والتعقل والسير في الأرض، حتى بدا وكأن النص القرآني يُنشئ منذ البداية حضارة سؤال لا حضارة تلقين فقط.
ومن هنا فإن دراسة الآيات المتعلقة بالخلق والإنسان والطبيعة والمعنى لا تكشف مجرد بُعد تعبدي أو وعظي، بل تكشف عن مشروع معرفي متكامل يرى الكون قابلاً للفهم، ويرى العقل أداةً مشروعة للبحث، ويرى الطبيعة كتاباً مفتوحاً للقراءة إلى جانب الوحي. ولهذا لم يكن ازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية حدثاً منفصلاً عن الدين، بل كان في كثير من مراحله امتداداً للرؤية القرآنية نفسها التي ربطت بين الإيمان والتفكر، وبين العبادة والنظر في الآفاق والأنفس. فالانتقال من قوله تعالى ﴿اقرأ﴾ إلى بيت الحكمة، ومن ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا﴾ إلى الرحلات العلمية والجغرافية والطبية والفلكية، لم يكن انتقالاً اعتباطياً، بل كان جزءاً من منطق حضاري متماسك يرى أن البحث في العالم شكل من أشكال الاقتراب من الحقيقة.
كما يُظهر المسار الزمني أن الحضارة الإسلامية لم تكتفِ بحفظ هذه الأسئلة في حدود التفسير الديني، بل حوّلتها إلى شبكة ضخمة من النقاشات الكلامية والفلسفية والعلمية. فناقش المتكلمون الحرية والسببية والعدل الإلهي، وناقش الفلاسفة طبيعة الوجود والعقل والنفس، وناقش العلماء انتظام الكون وقوانين الطبيعة، بينما حاول المتصوفة فهم التجربة الروحية وحدود اللغة والعقل. وبهذا المعنى فإن الإسلام لم ينتج خطاباً واحداً مغلقاً حول الأسئلة الكبرى، بل أنتج فضاءً واسعاً للحوار الداخلي بين العقل، والنص والتجربة والواقع.
والأهم من ذلك أن هذا التراث لم يبقَ محصوراً داخل العالم الإسلامي، بل أصبح أحد الجسور الكبرى التي عبرت من خلالها الفلسفة والعلوم والأسئلة الميتافيزيقية إلى أوروبا اللاتينية. فحين دخلت أعمال ابن سينا وابن رشد والفارابي إلى الجامعات الأوروبية، لم تنتقل معها المعارف الطبية والفلكية فقط، بل انتقلت أيضاً أسئلة العقل والإيمان والوجود والسببية وحدود المعرفة. ولذلك فإن جزءاً مهماً من الجدل الأوروبي اللاحق حول الدين والعلم لا يمكن فصله عن هذا التفاعل الطويل مع التراث العربي الإسلامي.
كما تكشف هذه القراءة أن العلاقة بين الدين والعلم في الإسلام كانت في أصلها أكثر تعقيداً وثراءً من الصورة الاختزالية التي تُقدَّم أحياناً في السرديات الحديثة. فلم يكن الدين في التجربة الإسلامية مجرد سلطة مضادة للعقل، كما لم يكن العقل مشروعاً مستقلاً تماماً عن الوحي. بل إن كثيراً من كبار المفكرين المسلمين، من الغزالي إلى ابن رشد، ومن محمد إقبال إلى السيد محمد باقر الصدر، كانوا يتحركون داخل محاولة دائمة لبناء توازن بين حدود العقل وآفاق الوحي، وبين المعرفة التجريبية والأسئلة التي تتجاوز الطبيعة.
وفي زمننا المعاصر، حيث تتقدم العلوم بصورة مذهلة لكنها تترك كثيراً من البشر أمام فراغ وجودي وأسئلة مفتوحة حول المعنى والغاية والوعي والموت، تبدو العودة إلى هذا التراث أكثر أهمية من أي وقت مضى. ليس بوصفه مخزوناً تاريخياً جامداً، بل بوصفه تجربة إنسانية طويلة حاولت أن تمنع انقسام الإنسان بين عقل بلا روح وروح بلا عقل. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذه الآيات، ولهذا المسار الحضاري الطويل، لا تكمن فقط في إثبات سبق تاريخي أو تفوق حضاري، بل في تذكير الإنسان المعاصر بأن السؤال عن الحقيقة لا يكتمل بالعلم وحده ولا بالإيمان المنعزل عن العقل، وإنما بالحوار المستمر بين المعرفة والمعنى، بين الكون والإنسان، وبين ما نستطيع تفسيره وما نظل نبحث عن غايته حتى اليوم.
٦.٣ لماذا التقابل المباشر مع الغرب مُضلّل؟
الحيرة التي لمحنا إليها في البداية، لا تعبّر عن عدم وضوح في الرؤية أو عجز عن اتخاذ موقف واضح، بل نعتقد أن الحيرة تمثل في ذاتها موقفاً معرفياً ناضجاً. ففي الدراسات التاريخية والفكرية الكبرى، لا تكون المشكلة دائماً في نقص المعلومات، بل في اختيار الإطار التفسيري المناسب لها. وكثيراً ما يقود اليقين السريع إلى نتائج مضللة أكثر مما تقود إليه الحيرة المنهجية الواعية. هنا، منحنى دانينغ–كروغر يذكرنا بأن التقدم الحقيقي في المعرفة لا يزيد الإنسان علماً فحسب، بل يزيده أيضاً وعياً بحجم ما لم يكتشفه بعد، وبأن اتساع الأفق المعرفي يقود في كثير من الأحيان إلى مزيد من التواضع لا إلى مزيد من الغرور. ولذلك فإن التردد في إسقاط النماذج الجاهزة على التجربة الإسلامية لا يُعد ضعفاً في التحليل، بل هو تعبير عن احترام خصوصية وتعقيدات الظواهر التاريخية.
أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في دراسة العلاقة بين العلم والدين هو افتراض أن جميع الحضارات مرت بالمراحل نفسها، وأن المشكلات التي واجهت أوروبا المسيحية هي بالضرورة المشكلات التي واجهت العالم الإسلامي. وهذا افتراض يبدو معقولاً للوهلة الأولى، لكنه ينهار سريعاً أمام الفحص التاريخي الدقيق. فالتاريخ لا يتحرك وفق نموذج واحد يُعاد إنتاجه في كل مكان، بل وفق مسارات متعددة تتشكل تبعاً للبنية الدينية والثقافية والسياسية لكل مجتمع.
ولهذا يقع كثير من الباحثين فيما يمكن تسميته "فخ النموذج الغربي". فهم يبدأون من قصة الصراع بين الكنيسة والعلم في أوروبا، ثم يبحثون في التاريخ الإسلامي عن شخصيات أو أحداث تشبه غاليليو أو محاكم التفتيش أو الثورة على الكنيسة. وحين لا يجدونها يحاولون تأويل الوقائع الإسلامية لتتوافق مع النموذج المسبق. لكن المنهج السليم يقتضي العكس تماماً؛ أي أن ننطلق من الوقائع الإسلامية نفسها، ثم نسأل عما هي الأسئلة التي شغلت المسلمين، وكيف عالجوها، وعن طبيعة العلاقة التي نشأت لديهم بين الدين والعقل والعلم.
لقد تشكلت التجربة الغربية الحديثة تحت تأثير ثلاثة عوامل كبرى تركت بصمتها العميقة على العلاقة بين العلم والدين. العامل الأول كان وجود مؤسسة كنسية مركزية تمتلك سلطة واسعة في تفسير النصوص المقدسة وفي تحديد المقبول والمرفوض فكرياً. والعامل الثاني تمثل في وجود تراث يوناني وروماني ضخم سبق المسيحية تاريخياً، وكان مستقلاً عنها في أصوله الفلسفية والعلمية، الأمر الذي خلق توتراً دائماً بين ميراثين مختلفين. أما العامل الثالث فكان الانفصال التدريجي بين المعرفة الدينية والمعرفة العلمية منذ القرن السابع عشر، وهو الانفصال الذي أسهم لاحقاً في ولادة مفهوم العلمانية، في الغرب، بمعناه الحديث.
أما في العالم الإسلامي، فقد كانت الصورة مختلفة جذرياً. فلم تظهر فيه شبيه بتلك المؤسسة الدينية المركزية التي تحتكر الحديث باسم السماء على النحو الذي عرفته أوروبا اللاتينية. كما أن العلوم والفلسفات الوافدة من اليونان والفرس والهند لم تُستقبل باعتبارها تراثاً منافساً للوحي، بل باعتبارها معارف يمكن فحصها وتمحيصها وإعادة دمجها داخل أفق إسلامي أوسع. وحتى عندما ظهرت خلافات حادة بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة، فإنها بقيت في معظمها نقاشات تدور داخل الفضاء الحضاري نفسه، لا بين معسكر ديني ومعسكر علمي منفصلين تمام الانفصال.
ولهذا نجد أن كثيراً من الشخصيات الكبرى في الحضارة الإسلامية يصعب تصنيفها وفق القوالب الحديثة. فابن سينا كان طبيباً وفيلسوفاً ومتكلمًا في آن واحد. والبيروني كان فلكياً وجغرافياً ومؤرخاً ومفكراً دينياً. وابن الهيثم كان عالماً تجريبياً رائداً وفي الوقت نفسه مؤمناً يرى في دراسة الطبيعة وسيلة لفهم حكمة الخالق. وحتى العلماء الذين خاضوا أكثر النقاشات الفلسفية جرأة لم يروا أنفسهم عادة خارج الإطار الديني العام للمجتمع.
ومن هنا تصبح المقارنة المباشرة بين المسارين الغربي والإسلامي مقارنة ناقصة إذا لم تُراعِ هذا الاختلاف البنيوي. فليس المطلوب أن نبحث في التاريخ الإسلامي عن نسخة إسلامية من الصراع الأوروبي، كما ليس المطلوب أن ننفي وجود توترات أو نزاعات فكرية داخله. المطلوب هو فهم طبيعة تلك التوترات ضمن شروطها الخاصة، وفهم نوع الأسئلة التي كانت مطروحة فعلاً، لا تلك التي نتوقع نحن أن تكون مطروحة.
ولهذا السبب اخترنا النزول إلى مستوى التفاصيل الدقيقة، أو ما يمكن تسميته بالمستوى المايكروي للتاريخ الفكري الإسلامي. فالحضارات لا تُفهم من خلال الشعارات العامة وحدها، بل من خلال تتبع مسار الأفكار داخل حياة الأشخاص، والنقاشات، والمؤلفات، والأزمات، والاختيارات التي واجهتها الأجيال المتعاقبة. فحين نقترب من هذه التفاصيل تبدأ الصورة الكبرى بالظهور بصورة أكثر دقة وعمقاً.
وعند هذا المستوى تظهر حقيقة لافتة كثيراً ما تضيع في السرديات المبسطة. وهي أن السؤال عن المعرفة لم يكن حادثاً طارئاً في التاريخ الإسلامي، ولم يظهر فقط مع الترجمة أو مع العصر العباسي أو مع الاحتكاك بالحضارات الأخرى. بل إن جذوره تمتد إلى البنية التأسيسية نفسها التي تشكلت حولها الرسالة الإسلامية. فالأسئلة المتعلقة بالخلق والوجود والمعنى والقدر والإنسان والتاريخ والكون حضرت منذ النصوص الأولى، ثم أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة عبر القرون.
ولهذا يمكن تتبع ما يشبه الخيط الذهبي الممتد عبر التاريخ الإسلامي كله. فهو يظهر في تساؤلات المتكلمين الأوائل حول صفات الله والحرية الإنسانية، ويظهر في جهود الفلاسفة لفهم العلاقة بين العقل والوحي، ويظهر في أعمال العلماء الطبيعيين الذين حاولوا كشف قوانين الطبيعة، ويظهر في نقاشات المتصوفة حول المعرفة واليقين، ويظهر مجدداً في أسئلة الإصلاح والنهضة والحداثة في القرنين الأخيرين. تتغير اللغة وتتبدل المصطلحات وتتباين الأجوبة، لكن السؤال نفسه يبقى حاضراً، وهو كيف يفهم الإنسان العالم الذي يعيش فيه؟ وكيف يربط بين ما يكتشفه عقله وما يؤمن به قلبه؟
وقد يضعف هذا الخيط في بعض المراحل تحت ضغط الانقسامات السياسية، أو الغزوات، أو التراجع الحضاري، أو الجمود الفكري، لكنه لا ينقطع تماماً. فكلما خفت حضوره في ساحة عاد للظهور في أخرى. وكلما ظن البعض أنه انتهى، عاد بصيغة جديدة وأسئلة جديدة وأدوات جديدة. وهذه الاستمرارية الطويلة هي في حد ذاتها ظاهرة تستحق التأمل.
ولعل أهم ما تكشفه هذه الرحلة التاريخية هو أن العلاقة بين الإسلام والعلم ليست قصة صراع متصل ولا قصة انسجام مطلق، بل قصة بحث دائم عن الفهم. إنها تاريخ طويل من المحاولات المتكررة لربط الوحي بالعقل، والإيمان بالملاحظة، والمعنى بالواقع. ولذلك فإن فهم هذه المسيرة لا يبدأ من استيراد نماذج جاهزة من خارجها، بل من الإصغاء إلى صوتها الداخلي، وتتبع أسئلتها الخاصة، ورؤية كيف حاولت أجيال متعاقبة أن تُجيب عنها. وعندئذ فقط يمكن أن نفهم لماذا ظل سؤال المعرفة حياً في التجربة الإسلامية، ولماذا بقيت كلمة الوحي الأولى الداعية للتفكر والتأمل، قادرة على أن تُنتج أسئلة جديدة بعد أكثر من أربعة عشر قرناً على نزولها.
وفيما يلي نعطي محطات نبرز من خلالها بعض خصائص الإسلام في مسيرته لإثارة الأسئلة الكبرى، ومنها يمكن معرفة البنية الفكرية وطريقة تفكير العلماء المسلمين، في ما يجب أخذه كافتراضات عن الكون ، والاعتقاد بالتوحيد وموقع العقل
٦.٣.١ المفصل الأول: السؤال ينبثق من الوحي مباشرة - قبل أن تكون للمسلمين حضارة
من الأفكار الأساسية التي تساعد على فهم تطور العلاقة بين الدين والعقل في الحضارة الإسلامية أن كثيراً من الأسئلة الفلسفية الكبرى لم تصل إلى المسلمين من الخارج أولاً، بل نشأت من داخل التجربة الإسلامية نفسها. فكثير من الدراسات تركز على حركة الترجمة في العصر العباسي وكأنها نقطة البداية الوحيدة للتفكير الفلسفي، لكن الواقع التاريخي أكثر تعقيداً من ذلك. فقبل أن تُترجم كتب أرسطو وأفلاطون، كان المسلمون يناقشون بالفعل أسئلة عميقة تتعلق بالحرية الإنسانية والعدل الإلهي والمسؤولية الأخلاقية وطبيعة المعرفة. وهذه الأسئلة لم تنشأ بسبب قراءة الفلسفة اليونانية، بل بسبب محاولة فهم القرآن من جهة، ومواجهة الواقع السياسي والاجتماعي من جهة أخرى.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك قضية القدر والإرادة الإنسانية. فقد عاش معبد الجهني وغيلان الدمشقي في مرحلة شهدت اضطرابات سياسية كبيرة، وكانت بعض السلطات تميل أحياناً إلى تبرير الأحداث والقرارات السياسية باعتبارها قضاءً وقدراً لا يجوز الاعتراض عليه. وهنا ظهر السؤال: إذا كان الإنسان لا يملك إرادة حقيقية، فكيف يكون مسؤولاً عن أفعاله؟ وكيف يكون الثواب والعقاب عادلين؟ وكيف يمكن التمييز بين الطاعة والمعصية إذا كان كل شيء مفروضاً سلفاً؟
ولم يكن هذا السؤال بعيداً عن القرآن، بل كان القرآن نفسه أحد مصادره. فالمسلم يقرأ آيات تؤكد حرية الاختيار والمسؤولية الفردية، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. ثم يقرأ في الوقت نفسه آيات تؤكد شمول الإرادة الإلهية مثل: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ و ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. ومن هنا نشأ التوتر الفكري الذي احتاج إلى معالجة عقلية تتجاوز مجرد الاستشهاد بآية مقابل أخرى.
وينطبق الأمر نفسه على قضية الاستطاعة والتكليف. فالقرآن يقرر مبدأ واضحاً هو: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. لكن كيف نفهم هذا المبدأ إذا كانت مشيئة الإنسان نفسها مرتبطة بمشيئة الله؟ وما طبيعة القدرة التي تجعل الإنسان مسؤولاً عن فعله؟ وهل توجد هذه القدرة قبل الفعل أم أثناءه؟ هذه الأسئلة دفعت المتكلمين إلى بناء نظريات معقدة في الحرية الإنسانية والقدرة والمسؤولية.
كما نشأت أسئلة أخلاقية عميقة. فالقرآن يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الظلم والفحشاء، لكن هل الأشياء حسنة وقبيحة في ذاتها بحيث يستطيع العقل إدراك ذلك، أم أنها تصبح حسنة أو قبيحة فقط بسبب الأمر الإلهي؟ وقد أدى هذا السؤال إلى ظهور واحدة من أشهر القضايا في الفكر الإسلامي، وهي قضية الحسن والقبح العقليين التي تبناها المعتزلة ورفضها آخرون أو أعادوا تفسيرها بطرق مختلفة.
وظهرت كذلك قضية صفات الله. فالقرآن من جهة يؤكد التنزيه الكامل بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ومن جهة أخرى يتحدث عن صفات وأوصاف إلهية متعددة. فكيف تُفهم هذه النصوص؟ وهل تُؤخذ على ظاهرها أم تُؤول؟ ومن هنا نشأت نقاشات واسعة حول التشبيه والتنزيه والتأويل ستصبح لاحقاً من أكثر موضوعات علم الكلام تعقيداً.
ومن المهم أن نلاحظ أن هذه النقاشات كلها سبقت اكتمال حركة الترجمة اليونانية أو تزامنت مع بداياتها. ولذلك فإنها تدل على أن القرآن نفسه، بطبيعته التي تجمع بين مخاطبة العقل والوجدان والضمير، قد ولّد أسئلة فلسفية دفعت المسلمين إلى تطوير أدوات عقلية ومنهجية لفهمها. ومن هذه الحاجة ولد علم الكلام، ثم تطورت لاحقاً مدارس المعتزلة والأشاعرة والماتريدية والفلاسفة وغيرهم. ويمكن تلخيص هذا في الجدول التالي.
هذا الجدول، يهمنا في موضوع العلاقة بين الإسلام والعلم، لأن هذا الجدول يكشف حقيقة كثيراً ما تُغفل في بعض السرديات التاريخية، وهي أن الأسئلة العقلية والفلسفية الكبرى لم تبدأ مع الترجمة، بل كانت موجودة قبلها. فالترجمة وسّعت الأفق وقدمت أدوات ومفاهيم جديدة، لكنها لم تخلق الحاجة إلى التفكير من الصفر. فقد كان القرآن نفسه يطرح أسئلة حول الحرية والمسؤولية والعدل والمعرفة والتفكر والنظر في الكون، وكانت هذه الأسئلة كافية لدفع المسلمين إلى بناء تقاليد عقلية وكلامية واسعة. ولهذا فإن علم الكلام والفلسفة الإسلامية لا يمكن فهمهما على أنهما مجرد استيراد لأفكار أجنبية، بل يجب فهمهما أيضاً بوصفهما استجابة داخلية لأسئلة أثارها النص القرآني والتجربة الإسلامية المبكرة نفسها.
قضية القدر والإرادة مع معبد الجهني وغيلان الدمشقي نموذج واضح على ذلك. فهذان الرجلان لم يقرآ أرسطو ولم يدرسا الأفلاطونية المحدثة، بل قرآ القرآن ونظرا في مجازر الحجاج بن يوسف وسألا، عن كيف يكون الظلم قدر الله؟ وكيف يُكلّف الله إنساناً بما لا يملك إرادة فعله أو تركه؟ هذان سؤالان فلسفيان من الطراز الأول، لكنهما نبعا من الواقع الإسلامي لا من ترجمة كتاب يوناني.
وما يزيد هذا النموذج إيضاحاً أن القرآن ذاته هو الذي فتح هذا النقاش. فالآيات التي تُثبت حرية الإنسان وتجعله مسؤولاً عن أفعاله تتجاور مع آيات تُقرر سابق العلم الإلهي وشمول إرادته. ولا يُحسم هذا النقاش إلا بتفكير منهجي عميق يتجاوز مجرد الاستشهاد بالنصوص. وهكذا أنتج القرآن بنفسه الضرورة الفلسفية لعلم الكلام.
٦.٣.٢ المفصل الثاني: المعتزلة - حين يُصبح العقل شريكاً للوحي لا تابعاً له
تمثل المعتزلة واحدة من أهم المحطات الفكرية في تاريخ الإسلام، ليس فقط بسبب آرائهم الكلامية المعروفة، بل لأنها كانت من أوائل المدارس التي طرحت بصورة واضحة سؤالاً سيظل يتردد في الفكر الإسلامي لقرون طويلة: ما حدود العقل؟ وما دوره في فهم الدين والعالم؟ وإذا كان القرآن قد دعا منذ البداية إلى النظر والتفكر والتعقل، فإن المعتزلة كانوا من أوائل من حاولوا بناء مشروع فكري متكامل يجعل من العقل أداة مركزية في الوصول إلى الحقيقة والدفاع عنها.
نشأت المعتزلة في أواخر العصر الأموي وبدايات العصر العباسي، في بيئة شهدت توسع الدولة الإسلامية واحتكاك المسلمين بثقافات وحضارات متعددة. فقد دخل المسلمون في حوار وجدال مع المسيحيين واليهود والزرادشتيين وأصحاب الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية. وأمام هذه الأسئلة الجديدة لم يعد كافياً الاكتفاء بنقل النصوص أو تكرار الأقوال، بل ظهرت الحاجة إلى بناء حجج عقلية قادرة على الإقناع والمناقشة. ومن هنا بدأ الاهتمام المتزايد بعلم الكلام، أي العلم الذي يبحث في العقائد الدينية باستخدام أدوات الجدل والاستدلال العقلي.
ويُنسب تأسيس المعتزلة عادة إلى واصل بن عطاء، الذي عاش في البصرة، إحدى أهم المراكز الفكرية في ذلك العصر. وتروي المصادر أن خلافاً وقع بينه وبين أستاذه الحسن البصري حول حكم مرتكب الكبيرة، فاختار رأياً وسطاً اعتبر أن صاحب الكبيرة ليس مؤمناً كاملاً ولا كافراً كاملاً، فقيل إنه "اعتزل" مجلس الحسن، ومن هنا جاء اسم المعتزلة. وسواء صحت تفاصيل الرواية أم لا، فإنها تعكس جانباً مهماً من شخصية هذه المدرسة، وهو الميل إلى البحث عن حلول عقلية جديدة للمشكلات الفكرية المعقدة.
ولعل ما يميز المعتزلة أكثر من أي شيء آخر هو أنهم لم ينظروا إلى العقل باعتباره مجرد أداة لفهم النصوص بعد التسليم بكل ما تقوله، بل رأوا أن العقل قادر على إدراك بعض الحقائق الأساسية بنفسه. فالإنسان، في نظرهم، يستطيع بعقله أن يعرف أن العدل حسن وأن الظلم قبيح، وأن الصدق خير من الكذب، وأن الوفاء أفضل من الغدر، حتى قبل أن يأتيه نص ديني يأمره بذلك. ولهذا اشتهرت عندهم فكرة أن "الحسن والقبح عقليان"، أي أن العقل قادر على التمييز بين الخير والشر في جوانب كثيرة من الحياة.
وكان لهذه الفكرة أثر بالغ في بناء تصورهم لله وللعالم وللإنسان. فإذا كان الله عادلاً على الإطلاق، كما يؤمن المعتزلة، فإنه لا يمكن أن يُنسب إليه الظلم أو العبث. ومن هنا قالوا إن الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنه يمتلك حرية الاختيار، وإن محاسبة الإنسان لا تكون عادلة إلا إذا كان قادراً على الفعل والترك. وقد كانت هذه القضية من أكبر القضايا الفكرية في ذلك العصر، لأنها تتعلق بأسئلة لا تزال حاضرة حتى اليوم: هل الإنسان حر أم مسيّر؟ وهل يمكن تحميله المسؤولية الأخلاقية إذا لم يكن يملك حرية الاختيار؟
ومن أشهر مبادئ المعتزلة ما عُرف بـ"الأصول الخمسة"، وهي التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن هذه المبادئ ليست مجرد عناوين عقائدية كما قد يبدو لأول وهلة، بل تحمل خلفها أسئلة فلسفية عميقة. فالتوحيد عندهم لم يكن مجرد الإيمان بإله واحد، بل محاولة لفهم طبيعة الذات الإلهية وعلاقتها بالصفات. والعدل كان بحثاً في أساس الأخلاق والحرية والمسؤولية. والمنزلة بين المنزلتين كانت محاولة لفهم طبيعة الهوية الإنسانية وحالاتها المركبة التي لا تنقسم دائماً إلى أبيض وأسود.
وقد قادتهم هذه الرغبة في الاتساق العقلي إلى مناقشة قضايا شديدة التعقيد. فعندما ناقشوا صفات الله مثلاً، رأوا أن القول بوجود صفات أزلية مستقلة عن الذات الإلهية قد يؤدي إلى تعدد القدماء، أي إلى وجود أكثر من حقيقة أزلية واحدة، وهو ما رأوا أنه يتعارض مع التوحيد الكامل. ولهذا سعوا إلى تفسير الصفات الإلهية بطريقة تحافظ على وحدانية الله المطلقة. وقد يختلف الناس مع نتائجهم أو يتفقون معها، لكن أهمية التجربة المعتزلية تكمن في أنها كانت محاولة جادة لاستخدام العقل في معالجة قضايا دينية وفلسفية كبرى.
ومع قيام الدولة العباسية، وخاصة في عهد الخليفة المأمون ٨٣٣م، دخلت المعتزلة مرحلة جديدة من التأثير. فقد كان المأمون مهتماً بالعلم والفلسفة والترجمة، وشهد عصره ازدهار حركة نقل العلوم اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية. وفي هذه الفترة ازدهر بيت الحكمة في بغداد، وتحولت العاصمة العباسية إلى أحد أكبر المراكز العلمية في العالم. تُرجمت كتب أرسطو وأفلاطون وإقليدس وجالينوس وغيرهم، وبدأ العلماء المسلمون لا يكتفون بالترجمة، بل يناقشون ويضيفون وينتقدون.
ومن المهم أن نفهم أن العلاقة بين المعتزلة وحركة الترجمة لم تكن مجرد تزامن زمني. فالفكرة الأساسية التي آمن بها المعتزلة، وهي أن العقل أداة مشروعة ومستقلة للمعرفة، جعلت استقبال التراث الفلسفي والعلمي القادم من الخارج أمراً طبيعياً في نظرهم. فإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، وإذا كان العقل قادراً على التمييز والفحص، فلا يوجد ما يمنع من الاستفادة من أي معرفة إنسانية، ما دامت تخضع للنقد والتمحيص. ولهذا لم ينظروا إلى الفلسفة اليونانية بوصفها تهديداً بالضرورة، بل باعتبارها مورداً فكرياً يمكن الحوار معه والاستفادة منه.
لكن هذه المرحلة لم تخلُ من التوترات. فقد أدى تبني بعض الخلفاء للمذهب المعتزلي إلى ما عُرف تاريخياً بـ"المحنة"، وهي الأزمة التي فُرض فيها على بعض العلماء تبني القول بخلق القرآن، ومن أشهر من تعرض للامتحان فيها الإمام أحمد بن حنبل. وقد تركت هذه الحادثة أثراً عميقاً في الذاكرة الإسلامية، وساهمت لاحقاً في تراجع النفوذ السياسي للمعتزلة. ومع ذلك فإن تقييم المعتزلة لا ينبغي أن يختزل في هذه الحادثة وحدها، لأن أثرهم الفكري أوسع بكثير من دورهم السياسي المؤقت.
فحتى بعد تراجع المعتزلة كمدرسة مستقلة، بقيت الأسئلة التي أثاروها حية في الفكر الإسلامي. فقد ناقشها الأشاعرة والماتريدية والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم، وظلت قضايا العقل والحرية والعدل والأخلاق والسببية والتأويل موضوعات مركزية في تاريخ الفكر الإسلامي. ويمكن القول إن كثيراً من النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين الدين والعقل، أو بين النص والتأويل، أو بين الإيمان والحرية الإنسانية، تعود جذورها بصورة أو بأخرى إلى الأسئلة التي أثارها المعتزلة قبل أكثر من ألف عام.
تنبع أهمية الحديث عن المعتزلة في سياق العلاقة بين الإسلام والعلم من أنهم لا يمثلون مجرد فرقة كلامية من الماضي، بل يمثلون إحدى أولى المحاولات الكبرى داخل الحضارة الإسلامية للإجابة عن سؤال سيبقى حاضراً عبر القرون، ما موقع العقل في فهم الدين والعالم؟ ولذلك فإن دراسة المعتزلة تساعدنا على فهم جزء أساسي من الخلفية الفكرية التي نشأت فيها العلوم والفلسفة والمناظرات العقلية في الحضارة الإسلامية.
فأول ما يسلط الحديث عن المعتزلة الضوء عليه هو أن السؤال عن العقل والعلم لم يظهر متأخراً في التاريخ الإسلامي نتيجة الاحتكاك بالغرب الحديث، بل ظهر في وقت مبكر جداً من تاريخ الإسلام. فمنذ القرن الثاني الهجري كان المسلمون يناقشون قضايا السببية والحرية والمسؤولية والعدل الإلهي وطبيعة المعرفة ومصدر اليقين. وهذا يكشف أن العلاقة بين الإيمان والعقل لم تكن علاقة صمت أو تجاهل، بل كانت موضوعاً حياً للنقاش الفكري منذ البدايات.
كما يوضح الحديث عن المعتزلة أن الحضارة الإسلامية لم تكن كتلة فكرية واحدة تتبنى موقفاً موحداً من العقل. فحين يقرأ البعض التاريخ الإسلامي وكأنه تاريخ رأي واحد أو مدرسة واحدة، فإن تجربة المعتزلة تكشف صورة أكثر تعقيداً وتنوعاً. فقد وُجد داخل الحضارة الإسلامية من أعطى العقل مساحة واسعة جداً، كما وُجد من وضع له حدوداً أشد، ودار بين الطرفين حوار طويل وممتد. وهذه الحقيقة مهمة لأنها تظهر أن النقاش حول حدود العقل والعلم جزء من التاريخ الإسلامي نفسه، وليس فكرة مستوردة من الخارج.
ومن الجوانب المهمة أيضاً أن المعتزلة يسلطون الضوء على البيئة الفكرية التي ساعدت على استقبال العلوم والفلسفات الأجنبية. فحين نبحث في أسباب نجاح حركة الترجمة الكبرى في العصر العباسي، لا يكفي أن نشير إلى قرارات الخلفاء أو إلى توفر الأموال. بل ينبغي أن نسأل: لماذا كان المجتمع العلمي مستعداً أصلاً للحوار مع الفلسفة اليونانية والرياضيات الهندية والطب الفارسي؟ هنا تظهر أهمية المناخ العقلي الذي أسهمت المعتزلة في تكريسه، وهو الاعتقاد بأن الحقيقة لا تُرفض بسبب مصدرها، وأن العقل قادر على فحص المعارف وتمييز الصحيح من الخاطئ فيها.
ويكشف الحديث عن المعتزلة كذلك أن العلاقة بين الدين والعلم ليست علاقة ثابتة ذات شكل واحد. فهناك أكثر من نموذج تاريخي لهذه العلاقة. فالمعتزلة يمثلون نموذجاً يعطي العقل دوراً واسعاً في تفسير النصوص وفهم العقائد، بينما تمثل مدارس أخرى نماذج مختلفة. ومن ثم فإن دراسة المعتزلة تساعدنا على إدراك أن التجربة الإسلامية لم تعرف نموذجاً وحيداً للعلاقة بين الوحي والعقل، بل عرفت نماذج متعددة ومتنافسة.
ومن زاوية أخرى، فإن المعتزلة يلفتون الانتباه إلى قضية شديدة الأهمية في تاريخ العلم، وهي الثقة بقدرة العقل الإنساني على فهم العالم. فكل مشروع علمي يفترض ضمنياً أن الكون منظم وقابل للفهم، وأن الإنسان قادر على اكتشاف شيء من قوانينه. ورغم أن المعتزلة لم يكونوا علماء طبيعة بالمعنى الذي كان عليه ابن الهيثم أو البيروني، فإن دفاعهم عن قيمة العقل وقدرته على الاستدلال أسهم في ترسيخ مناخ فكري يرى البحث العقلي نشاطاً مشروعاً ومطلوباً.
كذلك فإن دراسة المعتزلة تكشف أن التاريخ الإسلامي عرف في وقت مبكر جداً نقاشات قريبة من بعض القضايا الفلسفية الحديثة. فعندما ناقشوا الحرية الإنسانية والجبر والاختيار، كانوا يلامسون أسئلة ما تزال حاضرة في الفلسفة والأخلاق وعلم النفس حتى اليوم. وعندما ناقشوا الحسن والقبح العقليين كانوا يقتربون من السؤال عن مصدر القيم الأخلاقية. وعندما بحثوا في طبيعة الصفات الإلهية كانوا يطرحون أسئلة ميتافيزيقية عميقة حول الوحدة والكثرة والوجود.
وفي سياق كتاب أو دراسة عن المسار التاريخي للعلاقة بين الإسلام والعلم، فإن الحديث عن المعتزلة يؤدي وظيفة منهجية مهمة جداً، لأنه يبين أن العصر الذهبي للعلوم الإسلامية لم ينشأ في فراغ. فقد سبقه تشكل طويل لأسئلة العقل والمعرفة، والبرهان، والحجاج والمناظرة. فقبل ظهور ابن سينا والبيروني وابن الهيثم والخوارزمي بصورتهم المعروفة، كانت هناك نقاشات فكرية حول طبيعة المعرفة ومشروعية الاستدلال العقلي وحدود التأويل. ومن هنا فإن المعتزلة يمثلون جزءاً من البنية الفكرية التي مهدت لازدهار العلوم العقلية والطبيعية لاحقاً.
ولعل أهم ما يضيفه الحديث عن المعتزلة في نهاية المطاف هو أنه يساعدنا على فهم أن قصة العلاقة بين الإسلام والعلم ليست قصة توافق دائم ولا صراع دائم. إنها قصة حوار مستمر حول مكانة العقل، وحدود التأويل، ومصدر المعرفة، وإمكان الجمع بين الإيمان والبحث العقلي. والمعتزلة كانوا أحد أبرز الفصول المبكرة في هذه القصة الطويلة، ولذلك فإن دراستهم لا تتعلق فقط بتاريخ فرقة كلامية، بل بتاريخ سؤال مركزي رافق الحضارة الإسلامية عبر قرونها المختلفة. ويمكن تلخيص أهمية الحديث عن المعتزلة في سياق العلاقة بين الإسلام والعلم في جدول ١٦.
![]() |
ويمكن اختصار الجدول كله في أن دراستنا للمعتزلة، تفهمنا الكثير من الأمور، منها كيفية ظهور سؤال العقل في الإسلام مبكراً، ونشأت البيئة الفكرية التي استقبلت العلوم والفلسفات، وتطور مناقشات الحرية والأخلاق والمعرفة، وكيف تبلورت العلاقة بين النص والعقل والتأويل، وكيف مهدت هذه النقاشات لازدهار العصر العلمي الكلاسيكي، وكيف أن تاريخ الإسلام عرف نماذج متعددة للعلاقة بين الدين والعقل، ولماذا لا يمكن اختزال تاريخ العلاقة بين الإسلام والعلم في صورة صراع أو توافق بسيط، كما هو الحال مع المسيحية في علاقتها بالدين، كي لا يؤخذ قالبا نموذجا للعلاقة بين العلم والدين.
ويمكننا قراءة المشهد من زاوية توزيع مهام القيام بمهام العلاقة بين العلم والدين، فمثل ما أن ابن الهيثم والبيروني والخوارزمي وابن سينا يمثلون جانباً من التطبيق العلمي في الحضارة الإسلامية، فإن المعتزلة يمثلون جانباً من البنية الفكرية والفلسفية التي ساعدت على جعل ذلك التطبيق العلمي ممكناً ومشروعاً ومفهوماً داخل الإطار الحضاري الإسلامي. فالعلماء الكبار أجابوا عن سؤال، كيف نفهم العالم؟ أما المعتزلة فكانوا من أوائل من ناقش سؤالاً أسبق منه، عن قدرة العقل وامتلاكه الشرعية لفهم العالم والبحث عن الحقيقة.
٦.٣.٣ المفصل الثالث: الفلاسفة - حين تلتقي الأسئلة الكبرى في شخص واحد
من أبرز ما يُميّز مسيرة الفكر الإسلامي في علاقته بالأسئلة الكبرى أن فلاسفته الكبار لم يكونوا فلاسفة فحسب، بل كانوا في الوقت ذاته فقهاء، أو أطباء أو علماء طبيعة أو متصوفة. وهذا التعدد ليس مجرد سعة في التحصيل، بل يعكس فهماً مختلفاً لطبيعة المعرفة: في التراث الإسلامي لم يكن ثمة جدار صلب يفصل بين العلم الديني والعلم الطبيعي والسؤال الفلسفي.
الفارابي، المتوفى عام ٩٥٠ ميلادية، يُجسّد هذا التكامل في أرقى صوره. فلسفته السياسية في آراء أهل المدينة الفاضلة ليست مجرد نظرية في الحكم، بل هي إجابة على سؤال الغاية: ما الهدف من اجتماع البشر؟ وما الذي يجعل مجتمعاً فاضلاً؟ ويربط الفارابي بين السعادة الإنسانية بمعناها الفلسفي الأرسطي وبين مفهوم النبوة في الإسلام، فيرى أن النبي هو الفيلسوف الكامل الذي يُترجم الحقائق العقلية إلى لغة يفهمها الناس. وهذا الربط ليس توفيقاً ميكانيكياً، بل هو إجابة أصيلة على سؤال العلاقة بين الوحي والعقل.
ابن سينا يذهب أبعد في الجرأة الفلسفية. في الإشارات والتنبيهات يطرح نظريته المعروفة بـ"الإنسان الطائر" أو "الإنسان المعلّق": تخيّل إنساناً خُلق فجأة في فراغ لا يرى ولا يسمع ولا يلمس شيئاً، هل يعرف أنه موجود؟ يُجيب ابن سينا: نعم، سيعرف وجوده بالضرورة لأن الوعي بالذات سابق لكل تجربة حسية. وهذه الحجة سبقت ديكارت بستة قرون في إثبات استقلالية الوعي عن الجسد، وهي في سياقها الإسلامي إجابة على سؤال طبيعة النفس وعلاقتها بالخلود والمعاد.
٦.٣.٤ المفصل الرابع: الغزالي وابن رشد - ليس صراعاً، بل حواراً في عمق الجرح
يُقدَّم الغزالي وابن رشد في أغلب الكتابات الغربية وبعض الكتابات العربية بوصفهما خصمين: الغزالي دمّر الفلسفة وابن رشد أحياها. وهذه صورة مشوّهة تحتاج إلى تصحيح دقيق، لأن ما جرى بينهما أعمق من صراع وأكثر ثراءً من ثنائية هجوم ودفاع.
الغزالي في تهافت الفلاسفة لم يهجم على العقل، بل هاجم ادعاءات بعينها رأى أنها تتجاوز حدود ما يستطيع العقل الوصول إليه بالبرهان. قدم الفلاسفة، ولا سيما ابن سينا، ادعاءات ميتافيزيقية كقِدم العالم وإنكار المعاد الجسدي وأن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، وادّعوا أن هذه نتائج برهانية ضرورية. ردّ الغزالي: هذه ليست برهاناً بل ظناً، وليس من حق العقل أن يُقرر في مسائل تتجاوز طاقته. ثم كتب بعدها معيار العلم ومحك النظر يُعلّم فيهما المنطق الأرسطي للمسلمين، وهذا يعني أنه لم يرفض المنطق، بل رفض تجاوز حدوده.
ابن رشد في تهافت التهافت أجاب الغزالي حجة بحجة، لكنه أيضاً لم يكن يدافع عن فلسفة بلا حدود، بل كان يُثبت أن الفلسفة داخل حدودها الصحيحة واجبة شرعاً. وفي فصل المقال يضع بياناً تأسيسياً مدهوشاً في جرأته: "إن صناعة الفلسفة ليس فيها شيء يخالف الشرع"، بل إن النظر في الموجودات مأمور به شرعاً، وعلى هذا فدراسة الفلسفة واجبة أو مندوبة بحسب حال الشخص.
ما يجمع الغزالي وابن رشد على تناقض مواقفهما هو سؤال واحد، عن، حدود العقل. كلاهما يُقر بأن للعقل حدوداً، وكلاهما يُقر بأن ما وراء هذه الحدود يحتاج إلى مصدر آخر للمعرفة. الخلاف هو في رسم الخط الفاصل، لا في إنكار أحدهما للآخر كلياً.
وما يُغفله كثيرون هو أن هذا الجدل بين الغزالي وابن رشد كان جدلاً داخلياً إسلامياً أصيلاً، ليس مفروضاً من خارج ولا مستورداً من الفكر اليوناني. أسئلته إسلامية، ومصطلحاته وإن كانت يونانية الأصل فقد استُوعبت واستُعملت من داخل الوعي الإسلامي. وهذا يدل على نضج فكري داخلي لا يُنتج إلا في حضارة تحمل سؤالاً حقيقياً وتجرؤ على طرحه.
٦.٣.٥ المفصل الخامس: المفاصل الغائبة والأسباب الداخلية والخارجية
إذا نظرنا إلى التاريخ الفكري للحضارة الإسلامية نظرة طويلة المدى، فإن الصورة التي تظهر أمامنا ليست صورة خط مستقيم من الصعود ثم الانهيار، ولا صورة ازدهار دائم لم يعرف التراجع، بل هي أقرب إلى نهر كبير تتغير سرعته واتساعه واتجاهاته عبر الزمن. ففي بعض المراحل كان هذا النهر يغذي حقولاً واسعة من العلوم والفلسفة والكلام والطب والفلك والرياضيات، وفي مراحل أخرى ضاقت بعض مجاريه أو جف بعضها أو تحولت مياهه إلى مسارات أخرى. ومن هنا فإن الحديث عن تراجع بعض جوانب المسيرة الفكرية الإسلامية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه حكماً عاماً على الحضارة كلها، ولا بوصفه حدثاً وقع في سنة معينة ثم انتهى كل شيء بعدها، وإنما بوصفه سلسلة طويلة من التحولات والتراكمات والعوامل الداخلية والخارجية التي أثرت في طبيعة الإنتاج الفكري واتجاهاته.
والأهم من ذلك أن كثيراً من الكتابات الشعبية، سواء في الشرق أو الغرب، تميل إلى البحث عن سبب واحد سحري يفسر كل شيء؛ فمرة يُقال إن سبب التراجع هو الغزو المغولي، ومرة إنه الغزالي، ومرة إنه الاستعمار، ومرة إنه الانقسام المذهبي. لكن المؤرخين الجادين يميلون اليوم إلى تفسير أكثر تركيباً، يرى أن الحضارات الكبرى لا تنهض بسبب عامل واحد ولا تتراجع بسبب عامل واحد، بل نتيجة تفاعل عوامل سياسية واقتصادية ومؤسسية وفكرية وثقافية تمتد أحياناً لقرون.
ومن بين هذه العوامل يبرز الانقسام المذهبي المبكر بوصفه أحد أكثر العوامل تعقيداً وتأثيراً. فالصراع الذي بدأ حول الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ لم يبق شأناً سياسياً خالصاً، بل تحول تدريجياً إلى انقسامات عقدية وكلامية وفقهية. ومع مرور الزمن نشأت مدارس فكرية كبرى، لكل منها علماؤها ومصطلحاتها ومراجعها وسلاسلها التعليمية الخاصة. ولا شك أن هذا التنوع أنتج ثراءً فكرياً كبيراً في جوانب كثيرة، لكنه حمل في الوقت نفسه كلفة معرفية لا يمكن تجاهلها.
فكثير من التراث الذي كُتب داخل بعض الاتجاهات لم ينتقل بالدرجة نفسها إلى الاتجاهات الأخرى، وبعض الكتب ضاع، وبعضها أهمل، وبعضها لم يُنسخ أو يُدرّس بسبب الانتماء المذهبي لمؤلفه. ولو تخيلنا تاريخاً افتراضياً استمر فيه الحوار بين مختلف المدارس الكلامية والفقهية والفلسفية دون حواجز مذهبية حادة، لربما حصل قدر أكبر من التراكم المشترك وتبادل الخبرات والأفكار. وقد لاحظ عدد من الباحثين المعاصرين أن المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي كانت أكثر سيولة وانفتاحاً مما أصبحت عليه في القرون اللاحقة، وأن الحدود الصلبة بين المذاهب لم تكن قد تشكلت بعد بصورة نهائية.
وليس المقصود هنا أن الانقسام المذهبي أوقف الفكر الإسلامي أو أنه كان سبباً وحيداً للتراجع، فالتاريخ لا يؤيد مثل هذا التبسيط. فقد خرج من مختلف المذاهب علماء كبار ومشاريع فكرية عظيمة. لكن يمكن القول إن جزءاً من الطاقة الفكرية الإسلامية استُهلك في الصراعات الداخلية والدفاعات المتبادلة أكثر مما استُثمر في البناء المشترك والتطوير التراكمي للمعرفة.
ومن النتائج السلبية المهمة للانقسام المذهبي في التاريخ الإسلامي أن جزءاً كبيراً من الطاقة الفكرية للحضارة وُجّه نحو الدفاع عن المذاهب وإثبات صحة المواقف العقدية أو الفقهية والرد على الخصوم. ولم يكن ذلك بالضرورة نتيجة سوء نية أو رغبة في الإضرار بالآخرين، بل إن كثيراً من العلماء كانوا يتحركون بدافع ديني صادق وبحث حقيقي عن الحقيقة. غير أن النظر إلى المسألة من منظور حضاري يكشف أن آلاف الساعات من العمل العقلي، ومئات المؤلفات، وجزءاً مهماً من الموارد العلمية، استُهلكت في سجالات داخلية طويلة الأمد كان هدفها في كثير من الأحيان ترجيح مذهب على آخر أكثر من إنتاج معرفة جديدة أو حل مشكلات علمية وحضارية ناشئة. وهكذا تحوّل جزء من الجهد الفكري من البناء والاكتشاف إلى الدفاع والجدل وإعادة إنتاج الخلافات عبر الأجيال.
ومع ذلك فإن هذه السجالات لم تكن خسارة خالصة، فقد أسهمت في تطوير علوم الكلام وأصول الفقه والمنطق، وأساليب الاستدلال، والنقد، والتحليل. لكن كلفتها الحضارية تمثلت في أنها حدّت من التراكم المشترك بين المدارس المختلفة، وأضعفت الاستفادة المتبادلة من الإنجازات الفكرية، ووجهت جانباً من رأس المال العقلي للأمة نحو صراعات داخلية كان يمكن أن يُستثمر جزء منه في تطوير العلوم الطبيعية، والرياضية، والطبية، والاجتماعية. ومن هنا يمكن القول إن أحد العوامل التي ساهمت في إبطاء المسيرة الفكرية الإسلامية لم يكن غياب العقول أو ضعفها، بل الطريقة التي وُجّهت بها بعض هذه العقول، بحيث غلبت أحياناً معارك إثبات الذات المذهبية على مشاريع الإنتاج المعرفي والحضاري الأوسع.
ثم جاءت الصدمة الكبرى المتمثلة في الغزو المغولي وسقوط بغداد سنة ١٢٥٨م. وتكاد هذه الحادثة تتحول في المخيلة العامة إلى رمز لنهاية الحضارة الإسلامية كلها، لكن الصورة التاريخية أكثر دقة من ذلك. فالحضارة الإسلامية لم تتوقف فجأة بعد سقوط بغداد، ولم تنعدم العلوم أو المدارس أو العلماء. فالقاهرة ودمشق ومراغة وسمرقند وإصفهان وغيرها ظلت مراكز علمية مهمة لقرون بعد ذلك.
لكن ما لا خلاف عليه تقريباً هو أن سقوط بغداد كان ضربة هائلة للبنية التحتية للمعرفة. فقد كانت بغداد منذ العصر العباسي مركزاً لتراكم علمي استمر قروناً. وكانت تضم مكتبات ضخمة، وشبكات تعليمية، ودوائر ترجمة، وبيئة حضرية تستقطب العلماء من مختلف الأقاليم. وعندما تعرضت المدينة للدمار، لم يكن الضرر مادياً فقط، بل أصاب شبكات التواصل العلمي نفسها. فالمشكلة لم تكن في فقدان بعض الكتب وحدها، بل في انقطاع سلاسل التعليم، وهجرة العلماء، وتفكك المؤسسات التي كانت تنتج المعرفة وتحفظها وتنقلها. ومن هنا يمكن تشبيه ما حدث بانقطاع جزء من سلسلة طويلة من التراكم الحضاري. فالعلوم لم تختف، لكن مسارها تغير، ومراكزها انتقلت، وبعض المشاريع الفكرية الكبرى فقدت البيئة التي كانت تسمح لها بالنمو والازدهار.
وإذا كان الغزو المغولي يمثل صدمة خارجية واضحة، فإن هناك عاملاً داخلياً أكثر هدوءاً وأطول أثراً، وهو التحول التدريجي في طبيعة التعليم والمؤسسات العلمية. ففي القرون الأولى للحضارة الإسلامية لم يكن من الغريب أن نجد عالماً يجمع بين الطب والفلسفة والفقه، والفلك، والمنطق، والرياضيات. فابن سينا، والبيروني، وابن الهيثم، ونصير الدين الطوسي، وغيرهم، كانوا أبناء بيئة معرفية ترى العلوم المختلفة أجزاءً من مشروع واحد لفهم الحقيقة.
ومع تطور المؤسسات التعليمية الرسمية، وخاصة منذ ظهور المدارس النظامية في القرن الخامس الهجري، بدأ نوع من التخصص المؤسسي يتشكل. وكانت هذه المدارس إنجازاً عظيماً من ناحية نشر التعليم وتنظيمه وتمويله، لكنها ركزت أساساً على علوم الفقه، والحديث، والتفسير واللغة. أما الفلسفة وبعض العلوم العقلية والطبيعية فلم تحظ دائماً بالمكانة نفسها داخل هذه المؤسسات. وبمرور القرون أصبح الطريق التقليدي لإنتاج العلماء يمر غالباً عبر المؤسسات الدينية الرسمية، مما جعل العلوم الشرعية تستحوذ على مساحة أكبر من النظام التعليمي. ولم يكن ذلك يعني اختفاء الطب أو الرياضيات أو الفلك، لكنها لم تعد دائماً جزءاً عضوياً من تكوين العالم الديني كما كان الحال لدى كثير من علماء العصر الكلاسيكي.
وهنا ظهر تحول مهم في بنية المعرفة نفسها. ففي حين كان العالم الموسوعي في القرون السابقة يجمع بين علوم الطبيعة وعلوم الدين وعلوم العقل، أصبح هذا النموذج أقل شيوعاً، وحل محله تدريجياً نموذج أكثر تخصصاً وأقل تكاملاً. وقد يرى بعض الباحثين أن هذا التحول كان طبيعياً مع توسع المعرفة البشرية، لكن آخرين يرون أنه أدى أيضاً إلى فقدان جزء من الروح التكاملية التي ميزت المرحلة الكلاسيكية.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في التوظيف السياسي للفقه والعلم الديني. فكلما ازداد ارتباط بعض المؤسسات العلمية بالسلطة السياسية، ازداد خطر تحوّل بعض الوظائف العلمية إلى أدوات لتثبيت الواقع القائم بدلاً من مساءلته ونقده. ولا يعني ذلك أن العلماء فقدوا استقلالهم بالكامل، فالتاريخ الإسلامي مليء بأمثلة علماء حافظوا على استقلالهم، لكنه يعني أن العلاقة بين المعرفة والسلطة أصبحت أكثر تعقيداً، وأن جزءاً من الطاقة الفكرية انصرف أحياناً إلى خدمة التوازنات القائمة.
وفي العصر الحديث ظهر عامل جديد مختلف تماماً، هو الاستعمار الأوروبي. فقد واجه العالم الإسلامي لأول مرة حضارة أخرى تمتلك تفوقاً عسكرياً، وتقنياً واقتصادياً واسعاً. ومنذ القرن التاسع عشر تحولت أسئلة كثيرة من أسئلة داخلية حول بناء المعرفة والحضارة إلى أسئلة دفاعية حول أسباب التخلف وأسباب تقدم الغرب وسبل مواجهة الهيمنة الأجنبية. وهكذا أصبح جانب كبير من الإنتاج الفكري موجهاً للرد على التحدي الخارجي، وهو ما استهلك قدراً كبيراً من الجهد الفكري الذي كان يمكن أن يتجه إلى تطوير مشاريع معرفية جديدة.
وإذا جمعنا هذه العوامل كلها، فإن الصورة التي تتشكل أمامنا ليست صورة انهيار مفاجئ، بل صورة تحول تدريجي طويل. فقد تداخلت الانقسامات المذهبية، والصدمات العسكرية، والتحولات المؤسسية، والعلاقات المعقدة بين العلم والسلطة، والتحديات الاستعمارية الحديثة، لتنتج واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي عرفته الحضارة الإسلامية في ذروة عصرها الكلاسيكي. ومع ذلك فإن هذا الخيط لم ينقطع بالكامل. فقد استمرت مراكز العلم، واستمرت حلقات التدريس، واستمرت محاولات التجديد والإصلاح، وظهرت في كل عصر شخصيات ومشاريع سعت إلى استئناف المسيرة من جديد. وربما تكون القيمة الحقيقية لدراسة هذه العوامل ليست في البحث عن لحظة سقوط أو لحظة ذنب تاريخي، بل في فهم الشروط التي سمحت بالازدهار سابقاً والشروط التي أعاقت استمراره، حتى يمكن قراءة التجربة الإسلامية بوصفها تجربة حضارية معقدة وغنية، لا قصة نجاح مطلق ولا قصة فشل مطلق.
ومن المهم التأكيد أن هذه العوامل لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تفسيراً نهائياً أو حصرياً للتراجع، بل باعتبارها بعض أبرز المتغيرات التي يكثر حضورها في كتابات المؤرخين والباحثين المعاصرين عند محاولة فهم التحولات الكبرى في تاريخ الفكر الإسلامي. فالحضارات، كما أن نشأتها معقدة، فإن مسارات تحولها وتراجعها أكثر تعقيداً من أن تُختزل في سبب واحد أو حدث واحد.
٦.٣.٦ المفصل السادس: ما لم ينقطع قط - الخيط الذهبي عبر القرون
رغم هذه الانكسارات كلها، ثمة خيط ذهبي لم ينقطع. فالسؤال عن المعنى والوجود والغاية والعلاقة بين العقل والوحي لم يتوقف، وإن انتقل من باحة المدارس والبلاط إلى الزوايا الصوفية وإلى الهوامش وإلى شخصيات يصعب تصنيفها.
الصوفية كانوا في كثير من الأحيان حاملي السؤال الفلسفي الكبير حين أُغلق الباب الكلامي الرسمي. ابن عربي في القرن الثالث عشر الميلادي بنى نظاماً وجودياً في الفتوحات المكية وفصوص الحكم يطرح فيه أسئلة عن طبيعة الوجود وعلاقة الخلق بالخالق وتجليات الأسماء الإلهية في الكون، لم يكن باستطاعة أي متكلم أو فقيه أن يطرحها علناً في تلك اللحظة. وجلال الدين الرومي في القرن ذاته يُجسّد في شعره الفارسي سؤالاً وجودياً عميقاً عن العلاقة بين الإنسان وربه، وعن الحنين المعرفي الذي يدفع الإنسان نحو ما هو أعلى منه.
ابن خلدون في القرن الرابع عشر يُشكّل ظاهرة فريدة: وهو مؤرخ يبني علماً اجتماعياً من قراءته للتاريخ الإسلامي وللطبيعة الإنسانية، محاولاً فهم السنن الكلية التي تحكم قيام الحضارات وسقوطها. وفكرته عن العصبية وعن دورة الحضارات كانت إجابة على سؤال فلسفي بامتياز: ما الذي يجعل الإنسان يبني ثم يهدم؟ ولم يستورد ابن خلدون هذه الأفكار من اليونان، بل استخرجها من التأمل في التاريخ الإسلامي وغيره.
٦.٣.٧ المفصل السابع: أربعة أمور ثابتة عبر القرون - ما تقوله التجربة الإسلامية عن نفسها
حين نستعرض هذه المفاصل كلها بعين المايكرو، تتجلى ملامح ثابتة تحدث عن طبيعة الرسالة الإسلامية في موقفها من الأسئلة الكبرى بشكل يتجاوز الاستشهاد الانتقائي نحو نمط يمكن الثقة به.
الأمر الأول، هو أن السؤال المعرفي في الإسلام لم يُفرز يوماً قطيعة بين إيمان وعقل على غرار التجربة الغربية. حتى حين قُتل معبد الجهني وغيلان الدمشقي لم يكن القتل بتهمة التفلسف بل بتهمة التمرد السياسي، وحتى حين هاجم الغزالي الفلاسفة لم يهجم على العقل، بل على تجاوزاتهم لحدوده. ولم يُحرق كتاب في التاريخ الإسلامي لأن صاحبه قال إن الأرض تدور حول الشمس. الخلاف الكبير كان دائماً داخل بيت واحد يُقر جميع أطرافه بقدسية النص وضرورة العقل، لكنهم يختلفون في الحدود والصلاحيات. أما الأمر الثاني، فهو أن العلماء المسلمين الكبار نادراً ما كانوا متخصصين في حقل واحد. ابن سينا طبيب وفيلسوف وفقيه، والبيروني رياضي وفلكي وعالم أنثروبولوجيا قبل أن تُعرف الأنثروبولوجيا، وابن الهيثم عالم بصريات ومنهجية معرفية، وابن رشد قاضٍ وفيلسوف وطبيب وشارح لأرسطو. هذا التعدد ليس ترفاً شخصياً، بل يعكس أن التقسيم الحديث بين التخصصات لم يكن موجوداً في الوعي الإسلامي الكلاسيكي لأن المعرفة كانت كلاً واحداً.
والثالث، هو أن الفكر الإسلامي في أفضل تجلياته كان فكراً يُصحّح نفسه. ابن رشد يرد على الغزالي، والطوسي يرد على ابن رشد، وابن تيمية يرد على ابن عربي، وكل هذا داخل بيت إسلامي واحد. وهذا النقد الداخلي ليس علامة ضعف، بل علامة حيوية، لأن الحضارات الميتة لا تتجادل. أما الأمر الرابع، فالفكر الإسلامي لم يُفرّق بين العلم كقيمة والدين كقيمة، بل جعلهما في مستوى واحد من المسؤولية الإنسانية. الحديث النبوي "طلب العلم فريضة على كل مسلم" جعل المعرفة واجباً دينياً لا نشاطاً ترفياً، وهذا الإطار جعل البيئة الإسلامية الكلاسيكية أكثر احتضاناً للسؤال العلمي مما كانت عليه أوروبا العصور الوسطى.
٦.٤ ما الذي تعلمه التجربة الإسلامية حين تُترك تتحدث بلسانها؟
حين تُترك التجربة الإسلامية تتحدث من داخلها، بمفاصلها ومحطاتها وشخصياتها وانكساراتها، دون أن نفرض عليها نموذج الغرب ولا أوهام الذهبية المطلقة، تظهر صورة أكثر صدقاً وأكثر ثراءً من الصورتين الكاريكاتيريتين: صورة الحضارة الذهبية الكاملة التي لا غبار عليها، وصورة ساعي البريد الذي نقل فكرة الآخرين دون أن يُضيف.
ما تقوله التجربة الإسلامية عن نفسها هو أنها حضارة ابتدأت بسؤال معرفي "اقرأ"، ثم لم تتوقف عن طرح الأسئلة الكبرى حتى حين كانت الظروف تحاول إسكاتها. أنتجت أجوبة أصيلة قبل أن تستورد الترجمات، واستوعبت الترجمات ونقدتها ولم تستسلم لها، وطوّرت مناهج معرفية سبقت ما يُنسب إلى الحداثة الغربية، وحافظت على سؤالها الكوني حتى في أحلك أوقاتها عبر الزوايا الصوفية وعبر شخصيات كابن خلدون ظهرت في فترات الضعف الظاهر.
وهذا هو المنهج الذي سننتهجه في تناول مسيرة المسلمين مع الأسئلة الكبرى والعلاقة بين الدين والعلم، وليس مقارنة مع مسيرة الغرب، بل سرد للمسيرة الداخلية بكل دقتها وكل تعقيدها، لأن في هذه الدقة من الحجج ما لا تستطيع أي مقارنة خارجية أن تُنتجه. وبالتالي سنبدأ بالحديث عن البعثة والتي تشكل لحظة ولادة الأسئلة الكبرى، وكيف تفاعل المسلمين مع الرسالة بشكل سريع، وما تركته من أثر نفسي لدى المسلمين الأوائل وبعدها ننظر الي أول ما نزل من الوحي علي النبي محمد ص وهو "اقرء"، وما يعنيه ذلك في تأسيس قيمة المعرفة، ونتبع ذلك بالحديث عن الآيات القرآنية محاولة للتعرف علي وجود البرنامج المعرفي المؤسس في الإسلام، وبعد ذلك ننتقل للحديث عن الفتوحات والتي سنقراها على مستويين: المايكرو والماكرو، وكيف ساهم ذلك في نشأة الحضارة والتي كان أحد شراراتها الدهشة الأميّة، وصولا الى العصر الذهبي، والذي يعتبر مرحلة النضج لا البداية للحضارة، ونتنقل لتفحص أسئلة الطبقات، والتي نلاحظ ارهاصاتها مع محنة الجهم في موضوع الجبر والاختيار ، ثم محنة خلق القرآن والتي ساهمت في ظهور المعتزلة والأشاعرة، بعد كل هذا نحتاج ان نتحدث عن المعايير التي انتهجناها لاختيار الأسماء اللذين يمثلون المسلمين في قناعاتهم ومواقفهم من الأسئلة الكبرى، ونستحضر ما ذهب اليه فرانز روزنتال كشهادة لمؤرخ من خارج المجتمع الإسلامي، وهذا يوصلنا الى الخلاصات النهائية.
٧ الإسلام والعلم: الإسلام والعلم - من الاندماج إلى السؤال المعاصر
٧.١ مقدمة
إن تتبّع العلاقة بين الإسلام والعلم عبر التاريخ لا يقتصر على سرد إنجازات العلماء أو استعراض تطور بعض التخصصات العلمية، بل يقتضي قبل ذلك فهم الإطار الفكري والحضاري الذي نشأت فيه هذه العلاقة، وكيف تطورت أسئلتها وتبدلت أولوياتها عبر العصور. فالعلاقة بين الدين والعلم في التجربة الإسلامية لم تكن ثابتة على صورة واحدة، بل مرت بمراحل متعددة، اختلفت فيها القضايا المطروحة، وتنوعت فيها الشخصيات الفاعلة، وتبدلت فيها طبيعة التحديات التي واجهها المسلمون من عصر إلى آخر.
وقبل الدخول في هذا المسار التاريخي، من الضروري التوقف عند عدد من الإشكالات المنهجية التي ظهرت في بعض الكتابات الغربية حول الإسلام والعلم، سواء ما تعلق منها بتجاهل الجذور التأسيسية لهذه العلاقة في القرآن والمرحلة النبوية، أو اختزال دور الحضارة الإسلامية في النقل والترجمة، أو إغفال أثر الحاجات الدينية في تحفيز بعض العلوم، أو النظر إلى العلماء المسلمين من خلال تخصصاتهم الحديثة مع إهمال طبيعتهم الموسوعية التي تعكس وحدة الحقول المعرفية في المرحلة الكلاسيكية. كما سنحاول التمييز بين الاتجاهات المختلفة في هذه الكتابات، وبيان منطلقاتها ونتائجها، مع الاستفادة في الوقت نفسه من أعمال عدد من الباحثين الغربيين المنصفين الذين سعوا إلى إعادة قراءة هذه التجربة قراءة أكثر توازناً.
ومن هنا سنبدأ بدراسة المرحلة الكلاسيكية، وهي مرحلة الاندماج المعرفي التي ازدهرت فيها الشخصيات الموسوعية الكبرى، حيث لم يكن يُنظر إلى الدين والعلم والفلسفة بوصفها مجالات متنافرة، بل بوصفها مسارات متكاملة للبحث عن الحقيقة. وسنحاول الوقوف عند أسئلتها المركزية، وأبرز رجالاتها، ومنجزاتهم العلمية والفكرية، وطبيعة العلاقة التي نسجوها بين الإيمان والعقل والبحث في الطبيعة. وفي هذا السياق سنستعين أيضاً بشهادات عدد من المؤرخين المعاصرين، وفي مقدمتهم فرانز روزنتال وغيره من الباحثين الذين لفتوا الانتباه إلى المكانة الفريدة التي احتلها مفهوم العلم في الثقافة الإسلامية منذ المراحل الأولى لظهور الإسلام.
بعد ذلك سننتقل إلى المراحل اللاحقة، حيث تتغير الأسئلة والسياقات تدريجياً؛ من مرحلة النهضة والإصلاح ومواجهة التحدي الغربي الحديث، إلى مرحلة بناء المشاريع الحضارية الشاملة، ثم إلى مرحلة نقد الحداثة ونقد أسسها الفلسفية، وصولاً إلى مرحلة نقد المعرفة المعاصرة ذاتها وإعادة النظر في مناهجها ومفاهيمها. وفي كل مرحلة سنحاول التعرف إلى أبرز ممثليها، والقضايا التي شغلتهم، والأطروحات التي قدموها، ثم تحليل هذه الأطروحات ومقارنتها وفهم موقعها ضمن المسار الطويل للعلاقة بين الإسلام والعلم. وبهذه الطريقة لا يكون الهدف مجرد تتبع تسلسل تاريخي للأفكار، بل محاولة فهم التحولات العميقة التي طرأت على سؤال العلم في الفكر الإسلامي، وكيف أعاد كل جيل صياغته استجابةً لتحديات عصره وأسئلته الخاصة.
٧.٢ المسار التاريخي
عندما يُطرح اليوم سؤال العلاقة بين الإسلام والعلم، ينبغي الالتفات الى أن العلاقة بين الإسلام والعلم لم تتخذ شكلاً واحداً عبر العصور، بل مرت بتحولات عميقة ارتبطت بتغير الظروف الحضارية والسياسية والفكرية التي عاشها العالم الإسلامي.
ففي القرون الإسلامية الأولى لم يكن السؤال المطروح عن توافق الدين مع العلم، ذلك أن هذا السؤال نفسه لم يكن مطروحاً بالصيغة التي نعرفها اليوم. فلقد نشأت العلوم الطبيعية والرياضية والطبية والفلكية داخل فضاء حضاري إسلامي كان ينظر إلى الكون بوصفه مجالاً للتأمل في آيات الله وسننه، ولم يشعر العلماء عادة بأنهم ينتقلون من عالم الدين إلى عالم آخر مستقل عنه عندما يدرسون الطبيعة أو الرياضيات أو الطب. ولهذا يمكن القول إن السمة الأبرز للعلاقة بين الإسلام والعلم في مرحلتها الكلاسيكية الممتدة تقريباً من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر الميلادي كانت وحدة المرجعية الحضارية وغياب الشعور العام بوجود تعارض جوهري بين الإيمان والعلم.
وقد ساعد على ذلك، أو بصياغة أدق، ربما حركه في كثير من المواضيع، أن القرآن نفسه يحفل بالدعوة إلى النظر والتفكر والتدبر في الكون، كما أن الحضارة الإسلامية استوعبت علوم الأمم السابقة عبر حركة ترجمة واسعة، ثم تجاوزت مجرد النقل إلى الإبداع والإضافة. وفي هذا المناخ ظهر الخوارزمي والرازي والبيروني وابن الهيثم وابن سينا والزهراوي وغيرهم من كبار العلماء الذين جمع كثير منهم بين العلوم الشرعية والطبيعية والفلسفية دون إحساس بوجود حدود فاصلة بينها.
ومع ذلك لم يكن هذا العصر خالياً من النقاشات الفكرية. فقد شهدت الحضارة الإسلامية سجالات فكرية وفلسفية عميقة حول العقل والوحي والسببية وطبيعة المعرفة ومصادر اليقين، تجلت في مناقشات المعتزلة والأشاعرة، وفي حوارات الفلاسفة والمتكلمين، وفي نقد الغزالي للفلسفة ورد ابن رشد عليه، وفي اعتراضات ابن تيمية على المنطق الأرسطي، فضلاً عن النقاشات الواسعة بين الفلاسفة والمتصوفة والفلكيين. وتكشف هذه السجالات أن العلاقة بين الدين والعلم والعقل داخل الحضارة الإسلامية لم تكن علاقة سكون أو تطابق كامل، بل كانت ميداناً حياً للنقاش والتطوير وإعادة النظر المستمرة. غير أن هذه النقاشات دارت غالباً حول الأسس الفلسفية للمعرفة وحدود العقل والتأويل، ولم تكن تدور حول شرعية البحث العلمي نفسه.
ومع بداية العصر الحديث وتفوق أوروبا علمياً وصناعياً وعسكرياً، دخل العالم الإسلامي مرحلة جديدة. فالسؤال لم يعد متعلقاً بفهم الطبيعة، بل أصبح متعلقاً بفهم أسباب التفوق الأوروبي وأسباب التراجع الإسلامي. وهنا تحولت العلاقة بين الإسلام والعلم من قضية معرفية داخلية إلى قضية حضارية كبرى، وبرز ما يمكن تسميته مرحلة الإصلاح والتوفيق بين الإسلام والعلم.
في مرحلة الإصلاح والتوفيق بين الإسلام والعلم هذه، التي امتدت تقريباً من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، ظهر رواد النهضة الإسلامية مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والسيد أحمد خان، وحسين الجسر، ومحمد فريد وجدي. وكان همّهم الأساسي الرد على الاتهام القائل بأن الإسلام سبب التخلف، فأكدوا أن الدين في جوهره لا يتعارض مع العقل والعلم، وأن المشكلة تكمن في الجمود الفكري والاستبداد السياسي وإغلاق باب الاجتهاد.
وعلى الرغم من اختلاف منطلقاتهم الفكرية وبيئاتهم الثقافية، فإن هؤلاء المفكرين الستة، يمثلون معاً أبرز وجوه التيار الإصلاحي الإسلامي الذي سعى، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى إعادة بناء العلاقة بين الإسلام والعلم الحديث. وقد انطلق هؤلاء جميعاً من قناعة أساسية مفادها أن التقدم العلمي لا يتعارض مع الإسلام في جوهره، وأن أزمة المسلمين تكمن في الجمود التاريخي وتعثر الاجتهاد أكثر مما تكمن في الدين نفسه، الأمر الذي جعلهم يشكلون، رغم اختلاف مشاريعهم التفصيلية، النواة الفكرية الأبرز لمرحلة الإصلاح والتوفيق بين الإسلام والعلم في الفكر الإسلامي الحديث. ولكيلا يلتبس على القارئ الأمر ولكيلا نبخس بعض رواد النهضة الإسلامية مكانتهم ودورهم، فإننا في حديثنا هنا، نقتصر في حديث عمن لهم لدور في سؤال العلم، وليس مفتوحا ليكون في الحديث عن رواد النهضة الإسلامية، بالمعنى الواسع، فذلك سيكون كفيلا بظهور أسماء كبيرة أخرى في الدراسات التاريخية، مثل رفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي، عبد الرحمن الكواكبي، شكيب أرسلان، الا ان تناولهم للعلم لم يكن رئيسيا في مشاريعهم.
ثم تطورت الأسئلة مرة أخرى خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فلم يعد يكفي إثبات التوافق بين الإسلام والعلم، بل أصبح المطلوب بناء مشروع حضاري متكامل يستوعب العلوم الحديثة ويعيد توظيفها داخل رؤية إسلامية للعالم. ومن هنا ظهرت مشاريع عدة، مثل مشروع مالك بن نبي والسيد محمد باقر الصدر والدكتور على شريعتي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد حسين الطباطبائي والسيد ضياء الدين سردار وغيرهم، الذين سعوا إلى بناء نظريات في الحضارة والمجتمع، والاقتصاد، والثقافة، والمعرفة.
لكن العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت انتقالاً إلى مستوى أعمق في التساؤل. فبعد أن كان السؤال، عن كيف نلحق بالحداثة؟ أو كيف نبني حضارة حديثة؟ أصبح السؤال، هو ما طبيعة الحداثة نفسها؟ وما حدود المعرفة العلمية؟ وهل تكفي الرؤية المادية لتفسير الإنسان والعالم؟ وهنا ظهر جيل جديد من المفكرين انشغل بنقد الحداثة ونقد المعرفة، مثل سيد حسين نصر وعبد الوهاب المسيري وطه عبد الرحمن، الذين سعوا إلى كشف الأبعاد الفلسفية والأخلاقية للأزمة الحديثة.
وفي الوقت نفسه برز اتجاه آخر اهتم بنقد المعرفة الدينية نفسها، ممثلاً في محمد أركون وعبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري ونصر حامد أبو زيد وحسن حنفي. وقد انتقل هؤلاء بالنقاش إلى مستوى تحليل آليات الفهم والتأويل وشروط إنتاج المعرفة الدينية، متسائلين عن دور التاريخ واللغة والثقافة في تشكيل الفهم الديني.
ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ العلاقة بين الإسلام والعلم بوصفه مساراً متدرجاً انتقل من وحدة المرجعية الحضارية إلى التوفيق بين الإسلام والعلم، ثم إلى بناء المشاريع الحضارية الإسلامية، وأخيراً إلى نقد الحداثة ونقد المعرفة.
٧.٢.١ خلاصة المسار التاريخي
يمكن تلخيص مسار العلاقة بين الإسلام والعلم في أربع تحولات كبرى. ففي المرحلة الكلاسيكية كان العلم جزءاً من المشروع الحضاري الإسلامي نفسه ولم يُنظر إليه بوصفه منافساً للدين. ثم جاءت مرحلة النهضة والإصلاح التي انشغلت بإثبات عدم التعارض بين الإسلام والعلم الحديث. وبعد ذلك ظهر جيل سعى إلى الانتقال من الدفاع إلى البناء، فحاول تأسيس مشاريع حضارية متكاملة تستوعب العلوم الحديثة ضمن رؤية إسلامية للعالم. وأخيراً ظهر جيل جديد لم يكتفِ بالسؤال عن التوافق أو البناء، بل اتجه إلى مساءلة الحداثة نفسها ونقد أسس المعرفة العلمية والدينية معاً. وبذلك انتقل السؤال الإسلامي عبر قرنين من الزمن من (هل يتعارض الإسلام مع العلم؟) إلى (كيف نبني حضارة حديثة؟) ثم إلى (ما الأسس المعرفية والأخلاقية التي ينبغي أن تقوم عليها الحضارة الإنسانية نفسها؟)
من خلال هذا المسار التاريخي سنحاول تتبع انتقال المسلمون من مرحلة كان فيها العلم جزءاً عضوياً من مشروعهم الحضاري، إلى مرحلة أصبح فيها موضوعاً للإصلاح والتجديد، ثم إلى مرحلة بات فيها مجالاً لحوار معقد مع قضايا الإنسان والكون التي يطرحها العلم الحديث. ففهم هذه التحولات ليس مهماً فقط لتاريخ الإسلام، بل لفهم أحد أكثر النماذج ثراءً في تاريخ العلاقة بين الدين والمعرفة العلمية. من الضروري التأكيد هنا، أن ما نقصده في هذه الدراسة بمرحلة الاندماج الكلاسيكي، يختلف عنما يذهب اليه الغرب في توصيه هذه المرحلة في بدايتها ومدتها ومحتواها. بل إن ما نذهب اليه في معالجتنا لهذا الموضوع، هو بمثابة تغير جوهري يضع الحجر الأساس لافتراق جوهري بين علاقة الدين بالعلم كما ينظر اليها الغرب من جهة من جهة، وفي حقيقتها من جهة أخرى. فسوف نرى لاحقا، أن الاندماج الكلاسيكي في نظرنا، يبدأ مع بداية الرسالة، ويستمر الى زمن الضعف والانكسار والانكماش.
٧.٣ اشكالات منهجية ظهرت في بعض المواقف الغربية
قبل أن ننتقل إلى استعراض الشخصيات العلمية الكبرى في الحضارة الإسلامية وتحليل نماذجها المختلفة، يجدر بنا أن نتوقف عند جملة من الملاحظات المنهجية التي لا تتعلق بتاريخ العلم الإسلامي ذاته فحسب، بل تتعلق أيضاً بالطريقة التي كُتب بها هذا التاريخ في عدد من الدراسات الحديثة، ولا سيما في بعض الكتابات الغربية التي حاولت تفسير العلاقة بين الإسلام والعلم. ففهم مرحلة الاندماج الكلاسيكي بين الدين والعلم لا يقتصر على دراسة ما أنجزه المسلمون من علوم ومعارف، بل يتطلب كذلك فحص الأطر التفسيرية التي استُخدمت لقراءة تلك التجربة، لأن كثيراً من النتائج التي انتهى إليها بعض الباحثين كانت مرتبطة بالمنهج الذي انطلقوا منه بقدر ارتباطها بالوقائع التاريخية نفسها.
من المهم التأكيد منذ البداية أن الحديث هنا لا ينطلق من موقف رفض أو قبول شامل لما كُتب في الغرب حول الإسلام والعلم، فالغرب الأكاديمي ليس كياناً واحداً متجانساً، بل يضم مدارس واتجاهات ومؤرخين قدموا قراءات متباينة، تراوحت بين التحيز الصريح أحياناً، والقصور المنهجي أحياناً أخرى، والإنصاف العلمي الدقيق في حالات كثيرة. غير أن وجود دراسات رصينة ومنصفة لا يمنع من ملاحظة عدد من الإشكالات التي تكررت في بعض الأدبيات، وأثرت في الصورة العامة التي تشكلت عن العلاقة بين الإسلام والعلم في أذهان كثير من القراء.
ويمكن بالفعل رصد عدد من الإشكالات المنهجية التي ظهرت في بعض الكتابات الغربية حول العلاقة بين الإسلام والعلم، ونقوم هنا باستعراض هذه الإشكالات.
أولاً: تجاهل الجذور التأسيسية للعلاقة بين الإسلام والعلم
من أكثر الملاحظات تكراراً في بعض الدراسات الغربية، أنها تبدأ قصة العلم الإسلامي من القرن الثامن أو التاسع الميلادي، أي من عصر الترجمة وبيت الحكمة، وكأن النشاط العلمي ظهر فجأة نتيجة الاحتكاك بالتراث اليوناني أو الفارسي فقط. لكن هذه المقاربة تتجاهل سؤالاً أعمق، يتمثل في سبب اهتمام المسلمين بالعلم والمعرفة إلى هذه الدرجة. فإذا بدأنا من العصر العباسي فقط، فإننا نفقد قرنين كاملين من بناء الرؤية المعرفية التي سبقت حركة الترجمة. فهذه المقاربة تتجاوز مرحلة تأسيسية سابقة لا تقل أهمية عن مرحلة الترجمة نفسها، وهي مرحلة بناء الرؤية المعرفية التي صاحبت نشأة الإسلام الأولى. فالقرآن الكريم لم يقدم نظريات في الفلك أو الطب أو الرياضيات، لكنه أسهم في تشكيل مناخ فكري وثقافي جديد جعل التأمل في الكون، والنظر في الطبيعة، والتفكر في التاريخ، واستعمال العقل، والبحث عن السنن الكامنة في العالم، أنشطة ذات قيمة معرفية وأخلاقية ودينية في آن واحد. ومن دون استحضار هذه الخلفية يصعب فهم الأسباب التي جعلت الحضارة الإسلامية تتجه بهذا الزخم نحو استيعاب المعارف السابقة ثم تطويرها.
ولهذا نرى أن بعض الباحثين المعاصرين، يذهبون الى أن النهضة العلمية الإسلامية لم تبدأ فعلياً في بيت الحكمة، بل بدأت قبل ذلك بكثير في تكوين "العقل المعرفي الإسلامي" الذي نظر إلى الكون بوصفه مجالاً مشروعاً للبحث والفهم. ومن هنا فإن قراءة تبدأ بالخوارزمي أو الكندي أو حنين بن إسحاق دون الالتفات إلى عملية بناء الإنسان المسلم معرفياً منذ القرن السابع الميلادي تبقى قراءة ناقصة مهما كانت دقيقة في بقية تفاصيلها.
ثانياً: اختزال الحضارة الإسلامية في دور "الناقل"
ومن أشهر التصورات التي سادت في بعض الكتابات الأوروبية القديمة اعتبار المسلمين مجرد جسر نقل العلوم اليونانية إلى أوروبا. وقد ظهرت هذه الفكرة بصورة واضحة في عدد من المؤلفات الأوروبية خلال القرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ففي هذه الرواية يكون اليونان هم المبدعون الحقيقيون، والمسلمون مجرد حفظة أو مترجمين، ثم تستعيد أوروبا هذا التراث لاحقاً وتواصل التطور.
المشكلة في هذه الرواية أنها تتجاهل كماً هائلاً من الإبداع العلمي الإسلامي. فالخوارزمي لم يترجم الجبر من اليونانية، بل أسس علماً جديداً حمل اسمه إلى اللغات الأوروبية (Algorithm). وابن الهيثم لم ينقل نظرية الإبصار اليونانية، بل هدم أجزاء أساسية منها وأقام بديلاً جديداً أكثر دقة. والبيروني طور مناهج في الجغرافيا وقياس الأرض لم تكن موجودة بهذا الشكل عند الإغريق. والزهراوي أحدث ثورة في الجراحة العملية. وابن النفيس صحح أحد أهم أخطاء جالينوس الطبية باكتشافه الدورة الدموية الصغرى. ولهذا فإن كثيراً من مؤرخي العلوم اليوم يرفضون وصف الحضارة الإسلامية بأنها مجرد "ناقل" للمعرفة.
هذه السرديات التاريخية التي اختزلت دور الحضارة الإسلامية في وظيفة الوسيط الناقل للعلوم القديمة، رأت في المسلمين مجرد حلقة انتقال بين اليونان وأوروبا الحديثة. لكن هذا غير صحيح. فلا شك أن حركة الترجمة كانت إحدى أعظم الظواهر الحضارية في التاريخ الإسلامي، وأن نقل التراث العلمي السابق كان شرطاً ضرورياً لأي تطور لاحق، لكن اختزال التجربة الإسلامية كلها في هذه الوظيفة يتجاهل قروناً طويلة من الإنتاج العلمي الأصيل في الرياضيات والفلك والبصريات والطب والجغرافيا والكيمياء والمنهج العلمي. فالتاريخ الفعلي للعلوم الإسلامية يكشف عن مساهمات تجاوزت حدود الشرح والتعليق والحفظ إلى النقد والإضافة والابتكار وإعادة بناء كثير من المسائل العلمية على أسس جديدة.
ثالثا: النظر لاهتمامات العلماء المسلمين حينها، من خلال الوضع الراهن
وربما كان من أكثر الجوانب التي لم تنل ما تستحقه من الانتباه في بعض الدراسات الحديثة طبيعة العالم المسلم نفسه خلال المرحلة الكلاسيكية. فالنظر إلى العلماء المسلمين من خلال التخصصات الأكاديمية الحديثة قد يؤدي أحياناً إلى حجب جانب أساسي من شخصياتهم الفكرية. فعندما يُدرَس ابن سينا بوصفه طبيباً فقط، أو ابن الهيثم بوصفه فيزيائياً أو عالم بصريات فقط، أو البيروني بوصفه فلكياً فحسب، فإن صورة العالم الموسوعي التي كانت سمة مميزة لتلك المرحلة تتراجع إلى الخلف. والواقع أن كثيراً من العلماء الكبار كانوا يجمعون بين الطب والفلسفة والفقه والمنطق والفلك والرياضيات وعلم الكلام والأدب، وهو أمر لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تعدد في الاهتمامات الشخصية، بل يعكس رؤية معرفية أوسع كانت ترى أن الحقيقة واحدة وإن تنوعت مسالك الوصول إليها، وأن العلوم الطبيعية والعقلية والدينية تنتمي جميعاً إلى أفق معرفي مشترك. ومن هنا فإن دراسة هؤلاء العلماء من خلال تخصص واحد فقط قد تحجب جانباً مهماً من طبيعة العلاقة بين الدين والعلم في عصرهم.
رابعا: تجاهل أثر الحاجات الدينية في نشوء بعض العلوم
كثير من السرديات التقليدية تفسر نشأة العلوم الإسلامية باعتبارها استجابة للترجمة أو للاحتياجات السياسية والاقتصادية فقط. وهذا يتجاهل الدور الذي لعبته بعض الاحتياجات الدينية والعملية في تحفيز البحث العلمي. فالحاجة إلى تحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة وضبط التقويم ورؤية الأهلة، أو معالجة مسائل المواريث والحسابات المالية، أو خدمة اللغة العربية لفهم النصوص الدينية، لم تكن مجرد قضايا فقهية معزولة، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى دوافع ساهمت في تطوير علوم الفلك، والرياضيات، والجغرافيا، واللغة. وليس المقصود بذلك أن الدين أنتج هذه العلوم بصورة مباشرة أو أن محتواها العلمي مستمد من النصوص الدينية، وإنما المقصود أن البيئة الحضارية التي نشأت فيها تلك العلوم لم تكن منفصلة عن الحاجات الثقافية والدينية للمجتمع. وندرج في الجدول التالي ٢٢ بعض الأمثلة التي تدعم هذا.
وخلاصة ذلك، أنه يمكن القول إن المشكلة المنهجية الكبرى في بعض القراءات الغربية للعلاقة بين الإسلام والعلم، تقع غالباً في واحد من ثلاثة أصناف. البدء من عصر الترجمة وإهمال مرحلة التأسيس القرآني والثقافي السابقة عليه، أو اختزال الحضارة الإسلامية في دور الوسيط الناقل بدلاً من اعتبارها منتجاً ومطوراً للمعرفة. أو إغفال أثر البنية الدينية والاجتماعية الإسلامية في خلق دوافع وحاجات ساهمت في نشوء علوم عديدة.
وفي المقابل، فإن الدراسات الأكثر حداثة وإنصافاً أصبحت تميل إلى رؤية أكثر تعقيداً، تعتبر الحضارة الإسلامية حلقة إبداعية مستقلة في تاريخ العلم العالمي، لا مجرد جسر بين اليونان وأوروبا، وتدرس العلاقة بين الدين والعلم فيها بوصفها علاقة تاريخية متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في نموذج الصراع الذي نشأ في ظروف أوروبية خاصة.
٧.٤ تصنيف المواقف الغربية
عند مراجعة الكتابات الغربية التي تناولت العلاقة بين الإسلام والعلم أو دور الحضارة الإسلامية في تاريخ المعرفة الإنسانية، يتبين أنها لا تمثل اتجاهاً واحداً متجانساً، بل تتوزع على طيف واسع من المناهج والمواقف والخلفيات الفكرية. فبينما سعت بعض الدراسات إلى فهم التجربة الإسلامية فهماً موضوعياً ومتوازناً، تأثرت دراسات أخرى بفرضيات مسبقة أو بإطارات تفسيرية جعلتها تقدم صورة جزئية أو غير مكتملة عن هذه التجربة. ومن هنا يمكن التمييز بين عدة اتجاهات رئيسية تختلف في منطلقاتها ونتائجها ومدى إنصافها للتراث العلمي الإسلامي.
الفئة الأولى: التحيز الأيديولوجي المتعمد
فمن جهة أولى، نجد الكتابات المتحيزة أيديولوجياً، وهي تلك التي لا تنطلق من الرغبة في فهم التجربة التاريخية بقدر ما تنطلق من الدفاع عن سردية حضارية أو ثقافية مسبقة. وفي هذا النوع من الكتابات قد يتم تجاهل بعض الوقائع التاريخية أو التقليل من أهميتها أو إعادة تفسيرها بصورة تخدم تصوراً معيناً عن تفوق حضارة ما أو قصور حضارة أخرى. وغالباً ما تظهر الحضارة الإسلامية في هذه السرديات بوصفها مجرد مرحلة عابرة أو وسيط نقل بين الحضارات القديمة وأوروبا الحديثة، مع التقليل من حجم الإبداع العلمي والفكري الذي شهدته. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود نية واعية للتشويه لدى كل من ينتمي إلى هذا الاتجاه، لكنه يعكس في كثير من الأحيان تأثير التصورات الحضارية والصراعات الفكرية والسياسية التي صاحبت فترات الاستعمار أو التنافس الثقافي بين الأمم. ومن الأمثلة التي يكثر ذكرها في هذا السياق بعض أطروحات إرنست رينان التي ربط فيها بين الإسلام والجمود العقلي، واعتبر أن الإبداع العلمي ظهر رغم الإسلام لا بسببه. وهذا النموذج لا يُتهم فقط بالخطأ التاريخي، بل أيضاً بتأثره بالظروف السياسية والثقافية لعصره.
الفئة الثانية: المركزية الأوروبية
ويأتي بعد ذلك اتجاه أكثر انتشاراً وأقل حدة، وهو الاتجاه المتأثر بالمركزية الأوروبية. فهنا لا يكون الهدف عادة تشويه التاريخ أو إنكار إنجازات المسلمين، بل ينشأ الخلل من افتراض ضمني يعتبر أوروبا الحديثة نقطة الارتكاز الطبيعية لتاريخ البشرية كله. ونتيجة لهذا الافتراض تُقرأ الحضارات الأخرى غالباً من خلال مدى إسهامها في الوصول إلى النهضة الأوروبية أو الثورة العلمية الغربية. وفي مثل هذه القراءات تُمنح الحضارة الإسلامية مكانة معينة، لكن باعتبارها مرحلة تمهيدية في طريق أوروبا أكثر من كونها تجربة حضارية مستقلة لها أسئلتها وأهدافها ومنطقها الداخلي الخاص. ويؤدي هذا المنظور إلى التركيز على ما أخذه الغرب من المسلمين أكثر من التركيز على الدوافع الفكرية والدينية والحضارية التي دفعت المسلمين أنفسهم إلى بناء علومهم ومؤسساتهم المعرفية.
الفئة الثالثة: الدراسات الصحيحة جزئياً
أما الاتجاه الثالث فهو ما يمكن تسميته بالكتابات الأكاديمية التقليدية الناقصة. وتمثل هذه الدراسات مستوى أعلى من الدقة العلمية والالتزام بالمصادر التاريخية، إذ تعتمد في الغالب على معلومات صحيحة ووثائق موثقة، لكنها قد تنتهي إلى استنتاجات غير مكتملة بسبب ضيق زاوية النظر أو إغفال بعض العوامل المؤثرة. فقد تعترف هذه الدراسات مثلاً بإسهامات العلماء المسلمين في الطب أو الرياضيات أو الفلك، لكنها لا تمنح اهتماماً كافياً للسياق الفكري والديني الذي نشأت فيه هذه الإنجازات، أو تتعامل مع العلوم الإسلامية باعتبارها نشاطاً منفصلاً عن البنية الثقافية والدينية للمجتمع الإسلامي. وبهذا تصبح الصورة صحيحة في تفاصيلها الجزئية، لكنها غير مكتملة في تفسيرها الكلي.
الفئة الرابعة: الدراسات المنصفة
وفي المقابل، ظهرت خلال العقود الأخيرة كتابات أكاديمية أكثر إنصافاً وتوازناً، سعت إلى إعادة تقييم دور الحضارة الإسلامية بعيداً عن الأحكام المسبقة أو النماذج التفسيرية الضيقة. وقد حاول أصحاب هذا الاتجاه فهم العلوم الإسلامية في سياقها الحضاري الخاص، والالتفات إلى العلاقة الوثيقة التي ربطت بين الدين والبحث العلمي في كثير من مراحل التاريخ الإسلامي. كما اهتموا بإبراز أن العلماء المسلمين لم يكونوا مجرد نقلة للتراث اليوناني أو غيره، بل كانوا شركاء حقيقيين في إنتاج المعرفة وتطوير المناهج وصياغة أسئلة علمية جديدة. ومن بين هؤلاء باحثون ومؤرخون بارزون أشاروا إلى المكانة المركزية التي احتلها مفهوم العلم في الثقافة الإسلامية منذ مراحلها المبكرة، وإلى الدور الذي لعبته المؤسسات التعليمية والعلمية الإسلامية في تشكيل جزء مهم من التراث العلمي العالمي. ومن أبرز الأسماء: جورج صليبا، ديفيد كينغ، أحمد دلال، وديمتري غوتاس. وقد بين هؤلاء وغيرهم أن الحضارة الإسلامية لم تكن مجرد ناقل للمعرفة، بل كانت بيئة أنتجت نماذج جديدة في الرياضيات والبصريات، والفلك، والطب، والفلسفة.
ومن المهم التأكيد على أن هذه الفئات ليست حدوداً صارمة تفصل الباحثين بعضهم عن بعض، فقد يجتمع في العمل الواحد شيء من أكثر من اتجاه، كما أن بعض الباحثين غيّروا مواقفهم مع تطور الدراسات وتوسع المعرفة بالمصادر الإسلامية. غير أن هذا التصنيف يساعد على فهم الخلفيات المختلفة التي حكمت قراءة الغرب لتاريخ الإسلام والعلم، ويجعل القارئ أكثر قدرة على التمييز بين ما هو حقيقة تاريخية مدعومة بالأدلة، وما هو تفسير نابع من إطار فكري أو حضاري معين. كما يهيئ لفهم أعمق للمراحل التي سنستعرضها لاحقاً، وللشخصيات والأفكار التي أسهمت في تشكيل العلاقة بين الإسلام والعلم عبر التاريخ.
٧.٥ وقفة تأمل وشكر مع المؤرخ الألماني فرانتس روزنتال وبعض رفاقه
ولقد توقف المؤرخ الألماني فرانتس روزنتال عند هذه الظاهرة، ونوه بها بوضوح في كتابه العلم في تجلّيه، حين ذكر أن مفهوم العلم في الحضارة الإسلامية تجاوز كونه نشاطاً فكرياً إلى أن أصبح قيمة حضارية مركزية. فالعلم لم يكن مجرد وسيلة لفهم العالم، بل أصبح فضيلة بحد ذاته، ومصدراً للمكانة الاجتماعية، وعنصراً أساسياً في بناء الهوية الثقافية للمجتمع الإسلامي. ويذهب روزنتال إلى أن قلة من الحضارات منحت مفهوم المعرفة المكانة التي منحها له التراث الإسلامي الكلاسيكي.
وقد انعكس هذا التقدير في الأدب والفقه والحديث والتاريخ. فالمصنفات التراثية امتلأت بفضائل العلم والعلماء، وأصبح لقب "العالم" من أكثر الألقاب احتراماً في المجتمع. كما نشأت تقاليد واسعة للرحلة في طلب العلم، وجمع الكتب، ونسخ المخطوطات، وإقامة المكتبات العامة والخاصة. ولم يكن هذا كله نتيجة قرار سياسي أو برنامج مؤسسي مركزي، بل كان انعكاساً لثقافة عامة رأت في المعرفة قيمة تستحق الاستثمار والرعاية. ويكفي استعراض أسماء بعض الشخصيات المحورية المدرجة في الجدول ١٢، في هذه المرحلة لندرك طبيعة اندماج الاهتمامات العلمية من جهة والدينية ن جهة أخرى.
وقفتنا العابرة أعلاه مع روزنتال في موقفه وقناعاته عن الإسلام في علاقته بالمعرفة والعلم لا تكفي، وتبخس الرجل حقه في استحضار مواقفه، كما تبخس الاسلام حقه في ذكر انصاف من أنصفه من العلماء الغربيين. لكن الاسهاب في المكان الذي ذكرنا موقفه، كان سيقطع سياق الحديث وقد يشكل نوعا من الارتباك لدى القارئ، فارتأينا أن نفرد هذه الاسطر في نهاية الحديث عن المرحلة الأولى في المسار التاريخي للحضارة الإسلامية في عنوان فرعي مستقل. لتشكل، كونها تأخذ مسارا واتجاها وقناعات مغايرة، كأحد الشواهد على عدم انصاف الإسلام في تحليل وتقييم الغرب بشكل عام، لعلاقته بالدين، عبر اسقاط تجربتهم في علاقة العلم عند المجتمعات الغربية مع المسيحية على الإسلام في علاقته مع العلم. وبالرغم من ذلك، فسنتعامل مع هذه الاسطر على انها، جرعة أولى، وأيضا كي لا نقطع مسار الحديث ونربك القارئ، على أن نفرد عنوانا رئيسيا نتحدث فيه بشكل أكثر تفصيلا عن روزنتال ورفاقه الآخرين اللذين سنتحدث عنهم، إجمالا، في الفقرات الثلاثة القادمة.
إضافة الى فرانتس روزنتال، يوجد آخرين من الباحثين والمؤرخين والفلاسفة الغربيين الذين توصلوا إلى استنتاجات قريبة من استنتاجه، وإن اختلفت منطلقاتهم ودرجة حماسهم. لكن ينبغي التنبيه إلى أن قلة منهم ذهبت إلى المدى الذي ذهب إليه روزنتال عندما اعتبر أن المعرفة أصبحت إحدى القيم المؤسسة للحضارة الإسلامية نفسها، لا مجرد نشاط داخلها. وهنا نلخص أهم مواقفهم.
يمكن تلخيص مواقف عدد من أبرز الباحثين والمؤرخين الغربيين الذين درسوا الإسلام وعلاقته بالعلم والمعرفة في ثلاث اتجاهات رئيسة. الاتجاه الأول هو اتجاه مؤرخي الحضارة والمعرفة، ويمثله فرانتس روزنتال، وجورج مقدسي، ومارشال هودجسون، وديفيد ليندبرغ، ورونالد نومبرز. وقد ركز هؤلاء على دراسة البنية المعرفية للحضارة الإسلامية نفسها، فرأى روزنتال أن المعرفة أصبحت قيمة حضارية مركزية في الإسلام، بينما أبرز مقدسي دور المؤسسات التعليمية الإسلامية في بناء الثقافة العلمية، واعتبر هودجسون أن الحضارة الإسلامية كانت إحدى أعظم البيئات المنتجة للمعرفة في التاريخ الوسيط، في حين سعى ليندبرغ ونومبرز إلى تصحيح الصورة الشائعة التي تصور العلاقة بين الدين والعلم بوصفها علاقة صراع دائم، وأكدا أن التجربة الإسلامية قدمت نموذجاً أكثر تعقيداً وتوازناً.
أما الاتجاه الثاني فيمثله عدد من مؤرخي الحضارة والثقافة الذين اهتموا بأثر الإسلام في تطور العالم، مثل غوستاف لوبون، وسيغريد هونكه، ووليم مونتغمري وات، وهانس كونغ. وقد ركز لوبون وهونكه على إبراز الدور الحضاري والعلمي للمسلمين في بناء التراث العلمي العالمي وانتقال المعرفة إلى أوروبا، بينما سعى مونتغمري وات إلى تقديم قراءة تاريخية أكثر إنصافاً للإسلام والنبي محمد ﷺ وللإسهام الفكري للحضارة الإسلامية. أما هانس كونغ، وهو لاهوتي وفيلسوف ديني أكثر منه مؤرخاً، فقد انشغل بالحوار بين الأديان والحضارات، ورأى في الإسلام تقليداً دينياً يمتلك موارد فكرية وأخلاقية قادرة على الإسهام في النقاشات المعاصرة حول العقل والعلم والإنسان.
وعلى الرغم من اختلاف تخصصات هؤلاء الباحثين ومناهجهم، فإن خيطاً مشتركاً يجمع بينهم يتمثل في رفض الصورة التبسيطية التي تختزل الإسلام في كونه عائقاً أمام المعرفة أو مجرد ناقل سلبي للعلوم القديمة. بل إن معظمهم رأى أن الحضارة الإسلامية طورت تقاليد علمية وتعليمية وفكرية أصيلة، وأن الاهتمام بالعلم والمعرفة لم يكن ظاهرة هامشية فيها، وإنما كان جزءاً من بنيتها الثقافية العميقة بدرجات متفاوتة. وسنعود لاحقاً، تحت عنوان رئيسي، إلى دراسة كل واحد من هؤلاء الباحثين على حدة، مع تحليل أعماله الرئيسة، وأدلته، وموقفه من الإسلام، وكيف فهم العلاقة بين الدين والعلم والمعرفة في التجربة الإسلامية.
هنا ننهي هذا الجزء، على أن نواصل الحديث في الجزء القادم عن المراحل الخمسة التي مرت بها الأمة الإسلامية في مواجهتها للأسئلة الكبرى التي تتوالد مع الزمن، خلال المرحلة الذهبية للعلوم، من الشخصيات الموسوعية، الى مرحلة نقد الحداثة (الخارج) والمعرفة (الداخل) مرورا بمرحلة الإحباط والانكفاء، ومحاولات النهضة ومرحلة بناء المشاريع الفكرية. وبعد ذلك يتجه الحديث عن مرحلة سابقة لكل هذا، وهي مرحلة نزول الوحي، حيث نفراءه بطريقة غير معتادة بعض الشئ، وبداياته ب "إقراء" والتي بالنظر اليها بتمعن وتفصيل توضح لنا ثلاث طبقات لمعانيها، وعديد من مدلولاتها والتي بدورها تبرز الي أي مدى كانت المغالطة الغربية في دراساتهم لعلاقة الإسلام بالعلم، غير منصفة وغير واقعية بالرغم من شيوعها.
وهنا نختم، وستأتي الأجزاء القادمة بتوسع في فهمنا على مستوى المايكرو في معاني بعض الآيات بما يتعلق بعلاقة العلم بالدين، ونبدأ بالجزء القادم بعنوان العلاقة بين العلم والدين بعنوان فرعي : الإسلام والعلم، حيث نتحدث عن مراحل خمس تأخذ المسلمين من الشخصيات الموسوعية الى نقد المعرفة حيث، نرجع لبدايات الوحي، ونحاول التعرف على ما احتوتها الوحي في أول رسالة ( إقراء) ونتمعن في اصلها ومعانيها، ثم في الاجزاء التالية نتوسع بعض الشئ للحديث عن الآيات التي نزلت في مكة ( الآيات المكية) في الفترة المكية، ونحاول استكشاف العناوين العامة للآيات المرتبطة بمرحلة التأسيس النفسي والروحي والسلوكي. ثم نحاول أن ندرس الدور المفصلي لشخصية النبي ص، وبعدها نرصد التغيرات التي حصلت للأصحاب بعد فترة الرسالة في مكة. ثم لنا وقفات مع وقفات مع نشأة الحضارة الاسلامية ومع الفتوحات الإسلامية في المكتبة التاريخية، ونتعرض للحديث عن الدهشة الأمية التي عاشها المسلمون بعد الفتوحات.نتوسع في دراسة الآيات القرآنية التي لها ارتباط بالعلم والدين
فؤاد محمد السني
٢١ جولاي ٢٠٢٦






















تعليقات
إرسال تعليق