في موسم الاختبارات، نذاكر أم نراجع؟!

 




مع اقتراب الاختبارات النهائية، يدخل الطلاب مرحلة تختلف عن بقية العام الدراسي؛ فهي مرحلة لا يُقاس فيها النجاح بكمية الساعات التي يقضيها الطالب مع الكتاب فحسب، بل بقدرته على استثمار ما تعلمه طوال الفصل الدراسي بطريقة منظمة وهادئة. وكثيراً ما يخلط الطلاب بين الدراسة والمراجعة في هذه الفترة، فيتعامل بعضهم مع أيام الاختبارات وكأنها بداية التعلّم، بينما الأصل أن تكون مرحلة استدعاء المعرفة وترتيبها وتثبيتها واستكمال ما بقي منها. ولهذا فإن فهم الفرق بين الدراسة/المذاكرة والمراجعة يُعد من أهم مفاتيح النجاح في الأداء بشكل جيد في الاختبارات. 

المذاكرة هي مرحلة السعي لبناء المعرفة والسعي للتمكن من تحليلها وفهمها.  أما المراجعة فهي مرحلة لاحقة للمذاكرة وتبني عليها. وفيها يتم استرجاع تلك المعرفة التي اكتسبناها في مرحلة المذاكرة والدراسة، وتنظيمها وربط أجزائها ببعضها بعضاً استعداداً للاختبار.  المذاكرة، هي عملية طويلة تبدأ منذ وضع المادة أمام الطلاب ومطالبتهم بها في الواجبات أو المعمل أو التقييم الصفي، والتي عادة تنطلق منذ الأسابيع الأولى للدراسة. وتعنى بالاطلاع على الموضوع، واستيعابه من كل جوانبه، وفهمه بشكل عميق بوسائل عدة، منها تكرار القراءة وتوسيعها في كتب ومراجع أخرى، وعمل التجارب وحل المسائل المناقشة مع الزملاء وتحد النفس بوضع أسئلة معدلة من قبل الطالب، بعمل تغييرات جزئية أو رئيسية في الأسئلة، أو إعادة صياغتها بتغير المعطيات، وطلب الإجابة عن أسئلة تضع أمامه تحد جديد للإجابة عليه. 

عادة يكون من الصعب تقدير الزمن الذي تحتاجه هذه العملية التي نسميها دراسة أو مذاكرة، كونها تطول المدة التي يحتاجها كل طالب أو تنقص، بناء على درجة صعوبة المادة بالنسبة له، كلما كانت المادة صعبة عند الطالب، ونظريا قد تحتاج الى ما لا نهاية من الوقت (عندما لا يتمكن الطالب من فهم المادة).  وهنا تبرز الفروق الفردية بين الطلاب.  فموضوع درس ما من مادة من المواد، قد يكون سهل عند أحد الطلاب، ولا يحتاج الى وقت كثير لفهمه (في مرحلة مذاكرته له)، بينما نفس الموضوع يحتاج الى زمن لا نهائي لفهمه (في مرحلة المذاكرة) عندما تكون المادة عصية الفهم على الطالب.  فقد يحتاج الطالب للقراءة أكثر من مرة كي يستوعب اللغة، وأكثر من مرة لاستيعاب المصطلحات بعد أن يستوعب اللغة، وأكثر من مرة لاستيعاب الفكرة بعد أن يستوعب المصطلحات، وأكثر من مرة لحل الأسئلة، بعد فهمه الفكرة، وأكثر من مرة للقيام بالتجارب. وتسلسل وتنوع هذه المراحل التي قد تحتاج الطالب أن يقوم بها أكثر من مرة لفهم المادة، تدخل الطالب في حلقات لا يعرف متى تنتفي الحاجة الى أي منها، والذي سيتحقق فقط، بعد تمكن الطالب من فهم ما يجب عليه فهمه. طبيعة المذاكرة هذه، في حاجتها لوقت طويل، وفي تعدد الأنشطة التي يمر بها الطالب ليتمكن من كسب المعرفة وفهم الموضوع، تجعل المذاكرة قابلة للتطبيق العملي في ظرف يتيح وقت كاف، ويتاح فيه إمكانية تنفيذ أنشطة، كالتدريب على المسائل وتنفيذ بعض التجارب، بوجود مشرفين على تنفيذها والحكم على صحتها.  وهذا يتاح وبشكل طبيعي، خلال الفصل الدراسي. 

ومن هنا تختلف طريقة التعامل مع المادة المراد الاستعداد لاختبارها، باختلاف ما قام به الطالب خلال فترة الدراسة، من بداية الفصل الى الآن. فالطالب الذي سعى طوال الفصل الدراسي وسعى لفهم مكونات كل مادة من المواد، بالآليات التي ذكرت قبل قليل من تكرار قراءة، وحل مسائل، وتطبيق عملي، وتحدي لفهمه سيكون قد قام بالمذاكرة التي تهيئ له استيعاب وفهم المادة، وبالتالي سيكون في وضع الجهوزية للقيام بالمراجعة التي يحتاجها في فترة الاختبارات، بعد أن قام بالمذاكرة خلال الفصل الدراسي.  فكل ما يحتاج، هو محاولة استحضار مواضيع المادة، واستحضار الأفكار فيها، واستحضار الأسئلة التي تكشف ما إذا كان شخص يفهم هذه الموضوع أو لا، كما يحتاج إلى تنظيم هذه المواضيع وبناء علاقات بين مختلف المواد، وعمل آلية لنفسه لكيفية استرجاعها. بينما يحتاج الطالب الذي لم يقم بالمذاكرة/أو الدراسة إلى خطة إنقاذ واقعية تستثمر الوقت المتبقي بأفضل ما يمكن، مع الأخذ في الاعتبار أنه يحتاج أن يقوم بما يمكنه من فهم المواد والذي يستغرق وقتا طويلا. ومن هنا عادة تكون حظوظ من لم يقم بالمذاكرة/ الدراسة خلال الفصل الدراسي أقل في الحصول على التقييم المرتفع في المادة مقارنة مع من قام بالمذاكرة/ الدراسة بشكل متواصل ووزع المادة عبر الزمن، واستغل الوقت لتكرار كل مرحلة من مراحل الفهم. 


وبالتالي، نحتاج أن نعرف أن الفرق بين المذاكرة والمراجعة، يكمن في الهدف والمرحلة الزمنية وطبيعة الجهد العقلي المبذول. فالمذاكرة هي عملية التعلّم الأولى أو الأساسية للمادة. فيها يتعرّف الطالب إلى المعلومات والمفاهيم للمرة الأولى أو يحاول فهمها بصورة متعمقة. وتشمل القراءة والتحليل والشرح وحل الأمثلة واستخراج الأفكار الرئيسة وربط المعلومات بعضها ببعض. ولذلك تكون المذاكرة عادة أبطأ وأكثر استهلاكاً للوقت والجهد، لأن العقل يبني المعرفة من الأساس.

أما المراجعة فهي العودة إلى مادة سبق فهمها أو دراستها بهدف تثبيتها واسترجاعها وتنظيمها في الذاكرة. والمراجعة لا تستهدف غالباً اكتساب معرفة جديدة، بل التأكد من بقاء المعرفة السابقة حاضرة وسهلة الاستدعاء عند الحاجة، وخاصة قبل الاختبارات أو عند تطبيق المعرفة عملياً.

ومن الناحية النفسية، تعتمد المذاكرة على عمليات الفهم والاستيعاب والتكوين الأولي للذاكرة، بينما تعتمد المراجعة على الاسترجاع والتثبيت وتقوية الروابط العصبية التي تكونت أثناء المذاكرة الأولى. ويمكن تشبيه الأمر ببناء منزل؛ فالمذاكرة هي مرحلة وضع الأساسات والجدران وتجهيز البنية الأساسية، أما المراجعة فهي فحص البناء وصيانته وترتيبه والتأكد من جاهزيته للاستعمال.

وفي الدراسة الأكاديمية الفعالة لا تكفي المذاكرة وحدها، لأن كثيراً من المعلومات تُنسى مع الزمن. كما لا تكفي المراجعة وحدها إذا لم يسبقها فهم جيد. ولهذا يوصي التربويون بأن تُقسَّم عملية التعلم إلى مرحلتين متكاملتين، مذاكرة لفهم المادة وإتقانها تمتد زمنيا على الفصل الدراسي الذي يصمم فيه فعاليات (واجبات، وتدريبات عملية، وتقييم، وغيرها)، ويتبعها مراجعات متكررة ومتباعدة زمنياً لتثبيت المعرفة وتحويلها إلى معرفة طويلة الأمد. ولهذا يقال أحياناً: المذاكرة تُدخل المعلومة إلى العقل، والمراجعة تُبقيها فيه. ويمكننا تلخيص الفروقات بين المذاكرة والمراجعة كما يظهر في الجدول. 




ومن هذه المقارنة، يتضح أن موسم الاختبارات ليست الوقت الأمثل للمذاكرة بمعناها الكامل؛ لأن المذاكرة الحقيقية تحتاج إلى وقت للفهم والاستيعاب وبناء الروابط بين المعلومات. والعقل يكون أكثر استفادة من المراجعة المنظمة والاسترجاع النشط مما يكون من محاولة تعلم كميات كبيرة من المعلومات الجديدة في الأيام القريبة من الاختبار.

وتؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن النجاح في الاختبارات لا يعتمد على فهم المادة التي سيتم الاختبار فيها فقط، بل يتأثر أيضاً بعوامل أخرى لا تقل أهمية، مثل تنظيم الوقت، وإدارة التوتر، والحصول على النوم الكافي، والمحافظة على التغذية السليمة، وممارسة قدر مناسب من النشاط البدني. فالعقل لا يعمل بمعزل عن الجسد، والقدرة على التركيز والتذكر واتخاذ القرار أثناء الاختبار ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية والصحية للطالب.

ولهذا فإن فترة الاختبارات ينبغي أن ينظر إليها بوصفها مشروعاً متكاملاً يجمع بين المراجعة لمحتوى المواد، والتنظيم الشخصي، والاستعداد النفسي والجسدي، حتى يتمكن الطالب من تقديم أفضل ما لديه والاستفادة من الجهد الذي بذله طوال العام الدراسي.

بالنسبة للطالب الذي ذاكر المادة مسبقاً خلال الفصل أو خلال الأسابيع السابقة، فإن أفضل ما يمكنه فعله هو التركيز على المراجعة. وينصح هذا الطالب بإعادة قراءة الملخصات والعناوين الرئيسة، وحل الأسئلة السابقة، واختبار نفسه دون النظر إلى الكتاب، وتحديد النقاط التي يشعر بضعف فيها. كما يُنصح بالاهتمام بالنوم الكافي وتجنب السهر الطويل؛ لأن تثبيت المعلومات واسترجاعها يعتمدان بدرجة كبيرة على جودة النوم. في هذه الحالة تكون المراجعة الأخيرة أشبه بترتيب مكتبة معروفة مسبقاً أكثر من كونها بناء مكتبة جديدة.

أما الطالب الذي لم يذاكر إلا مع اقتراب الاختبارات، فواقعه مختلف. فمحاولة دراسة كل شيء بالتفصيل في وقت قصير غالباً ما تؤدي إلى التشتت والإرهاق. لذلك من الأفضل أن يتبع استراتيجية انتقائية واقعية، فيبدأ بفهم المحاور الأساسية والمفاهيم الكبرى، ثم ينتقل إلى الموضوعات الأكثر أهمية أو الأكثر تكراراً في الاختبارات السابقة. وينبغي له أن يركز على ما يمكن إنجازه فعلاً بدلاً من القلق بشأن ما فاته.

ومن الملاحظ، أن الكثير من الطلاب اللذين لم يقوموا بالمذاكرة خلال الفصل الدراسي، يقضون الساعات الأخيرة في فترات لاختبارات في قراءة متواصلة دون توقف، متوهمين أن ذلك سيعوض ما فات، ويغيب عن أذهانهم أنهم فهم المادة يحتاج لسلسة فعاليات عبر الزمن، لا توفرها أيام الاختبارات. وبالتالي، ربما يكون من الأفضل لأمثالهم، القيان بتجزئة المادة إلى وحدات صغيرة، والتوقف بين الحين والآخر ليختبر نفسه بالتعرف على ماذا يتذكر، وماذا يستطيع أن يشرح من دون الرجوع إلى الكتاب. فاسترجاع المعلومة من الذاكرة أقوى أثراً من مجرد إعادة قراءتها.

ويمكننا اجمال القول للطالب الذي ذاكر مسبقا، أن يراجع، ويحل الأسئلة، وينظم معرفته، لكن الطالب الذي لم يذاكر مسبقاً، أن يركز على الأساسيات والأولويات، ويفهم قبل أن يحفظ، ويتجنب محاولة تغطية كل شيء دفعة واحدة. فمن منظور تربوي، إن المتعارف عليه، إن أفضل نتائج الاختبارات لا تأتي عادة من المذاكرة المكثفة في الأيام الأخيرة، بل من التعلم المتدرج ثم المراجعة المتكررة. فالمراجعة في موسم الاختبارات تؤتي ثمارها عندما تكون هناك معرفة سابقة تُراجع، أما إذا لم توجد معرفة سابقة أصلاً فإن الوقت المتاح يجب أن يُستثمر في بناء الحد الأدنى المتين من الفهم قبل التفكير في التفاصيل الدقيقة.

وفي نهاية المطاف، لا تُحسم نتائج الاختبارات في الأيام الأخيرة وحدها، بل هي ثمرة تراكم طويل من التعلم والفهم والمراجعة. ومع ذلك فإن حسن استثمار الفترة المتبقية قد يصنع فرقاً كبيراً في مستوى الأداء والنتائج. فالطالب الذي سبق له دراسة المادة ينبغي أن يركز على المراجعة النشطة، واسترجاع المعلومات، وحل الأسئلة السابقة، وتحديد نقاط الضعف ومعالجتها، بدلاً من إعادة قراءة المادة كاملة بطريقة مرهقة وغير فعالة. أما الطالب الذي لم يستعد جيداً خلال الفصل، فعليه أن يتجنب الاستسلام للإحباط أو القلق المفرط، وأن يضع خطة واقعية تركز على الموضوعات الأساسية والمحاور الكبرى، مع توزيع الوقت بصورة متوازنة بين المواد المختلفة، والاستفادة من الملخصات والأسئلة المتكررة والنماذج التدريبية.

كما ينبغي لجميع الطلاب أن يدركوا أن تنظيم الوقت لا يقل أهمية عن الدراسة نفسها. فإعداد جدول يومي واضح، وتحديد أهداف قابلة للإنجاز، وتقسيم ساعات الدراسة إلى فترات متتابعة تتخللها فواصل قصيرة للراحة، يساعد على رفع الكفاءة وتقليل الإرهاق الذهني.

ومن الجوانب المهمة كذلك المحافظة على الصحة الجسدية والنفسية. فالنوم الكافي من أهم عوامل تثبيت المعلومات وتحسين التركيز، بينما يؤدي السهر المفرط إلى ضعف الذاكرة والانتباه مهما زادت ساعات الدراسة. كما أن التغذية المتوازنة، وشرب كميات كافية من الماء، والابتعاد عن الإفراط في المنبهات، وممارسة شيء من الحركة أو الرياضة الخفيفة، كلها عوامل تدعم الأداء العقلي خلال فترة الاختبارات.

وأخيراً، فإن الثقة بالنفس والهدوء النفسي من أعظم أسباب النجاح. فالمطلوب من الطالب أن يبذل ما يستطيع من جهد، وأن يتعامل مع الاختبار بوصفه فرصة لإظهار ما تعلمه، لا معركة يخشى نتائجها. وعندما يجتمع الاجتهاد العلمي مع التنظيم الجيد، والاستعداد النفسي، والعناية بالصحة، يصبح الطالب أكثر قدرة على تحقيق أفضل أداء ممكن، وأكثر استعداداً لدخول الاختبارات بثقة وطمأنينة ووضوح هدف.

أرجو أن يكون في هذه الأسطر بعض فائدة لبناتنا وأولادنا الطلاب، تعينهم علي تحقيق آمالهم باجتياز اختباراتهم بأفضل ما يمكن. 



فؤاد


تعليقات