في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور XX - اللامنهج :اطروحة فايراباند


 
 تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١٦ 

 اللا منهج :  اطروحة فايراباند

                                                 اللا منهج :  اطروحة فايراباند                                                           



"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازا ت العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر، عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة  في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب  في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم، ونفصِّل في أطروحاته، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة "

بعد الحديث في المقالات الأربعة، التي كانت  تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة، ب ١٥ مقالا  تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، وفيها تحدثنا عن المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره.  وهنا مقال رقم  ١٦ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم  ٢٠)،  حيث تحدثنا في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج  العلوم  عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار وبعد عرض رؤية لاكتوش، وكيف تتشابه وتختلف مع بارادايم كون، وبعد الحديث عن أنماط   كرومبي الستة،  وعن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، وتحدثنا عن  دور كل من لاري لاودان عن فلسفته الواقعية للعلم كون العلم، في فلسفته، أداة لحل المشكلات، و برونو لاتور الذي يرى أن العلم ليس رحلة عقلانية محضة ولا مشروعًا منفصلًا عن تفاعلات البشر والأشياء. فهو شبكة تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية، وتُنتج الحقيقة عبر علاقات وتشابكات لا يمكن ردّها إلى أصل واحد. وفي السياق، استحضرنا الثنائيات التي كانت إحدى المرتكزات التي اعتمدتها الحداثة، وكيف تم تجاوزها من قبل كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز،  وتصميم بنثام للبانوبتيكون ، وكيف استفاد لاتور منهم. وبعد تغطية  مساهمات كل  شافيز و ستيفنز و هاكينغ ، تحدثنا عن تجسير الكسندر كويريه  بين التحليل الفلسفي والتاريخي المفهومي للعلوم، و لمحة عن دور المسلمين  واسهاماتهم، في سياق الحديث عن آناليس ماير وأعمالها. وبعدها، في المقال السابق، تحدثنا  عن اشكاليتي بيكون وكانط، وعن مساهمة السيد الصدر في سد الفجوة المعرفية التي أثارها هيوم في موضع الاستقراء.  واتبعنا ذلك، في  المقال السابق ، مواصلة  الحديث عن تطور المنهج العلمي، فقدمنا ملخصا لتطور المنهج وتطور تعريفه ، وتحدثنا  بعدها عن التطرف في النظرة للعلم، وتفاوت الثقة به عبر الزمن، وصولا للعلموية وتبعاتها المختلفة وكان أحدها الالحاد ، وعرجنا  للحدث عن فرسان الالحاد الأربعة، ووصلنا بعد ذلك للحديث عن المراحل الأربعة التي أوصلت لاطروحات فايراباند، وبعدها استحضرنا تعريف اللامنهج عند فايراباند، وسياقات تبلور أطروحات "ضد المنهج"، وختمنا بنقد المنهج، عند  بول فايراباند وعند بعض المفكرين المسلمين.

وهنا، نواصل الحديث عن اطروحات فايراباند، ونضعه على طاولة التشريح


٨ بول فييرابند والمرحلة السابعة حيث الدعوة الى " اللامنهج" 

أعادت الحداثة طرح تساؤلات نقدية حول طبيعة العلم وحدوده. وشكك مفكرو ما بعد الحداثة مثل ميشيل فوكو، وتوماس كون، وبول فييرابند، في فكرة الحياد العلمي، وأكدوا أن العلم لا ينفصل عن السياقات الثقافية والسياسية. وظهر من يدعو إلى تعددية معرفية، ورفض النموذج الوضعي الواحد. حتى أن بعضهم رأى أن العودة إلى الميثولوجيا أو المعرفة الشعبية ليست بالضرورة تراجعًا، بل إعادة توازن. وأدى هذا إلى ظهور منهج "اللا منهج"، أي انفتاح العلم على اللايقين، والنسبية، وتداخل التخصصات وهو ما تبناه بول فايرباند.  فبالرغم من احتفاء العلماء والفلاسفة بالمنهج العلمي باعتباره أعظم إنجاز فكري للإنسان، حتى كاد هذا التبجيل يتحول أحياناً إلى نوع من "العلموية" (Scientism) التي ترى في العلم المنقذ الوحيد للبشرية، وعند البعض اصبح هو اله. فقد وصف   كارل ساغان   العلم بأنه "شمعة في الظلام" في مواجهة الخرافات، بينما ذهب   ستيفن هوكينغ   إلى أن "العلم ليس فقط نظاماً لفهم الكون، بل هو الطريق الوحيد تقريباً لفهمه"، بل تجاوز بعضهم هذا الحد، مثل عالم الفيزياء   ستيفن واينبرغ   الذي صرح بأن "كلما فهمنا الكون أكثر، بدا أكثر عبثية"، معتبراً أن العلم هو الذي حررنا من الوهم الديني. هذا التبجيل وصل ذروته في القرن التاسع عشر مع   أوغست كونت   الذي رأى في العلم "الدين الجديد للبشرية"، حيث ستحل "فيزياء المجتمع" محل اللاهوت. وتحول هذا الاعتزاز لدى البعض إلى إفراط خطير. فالعالم   جون ديوي   حذر مبكراً من "تأليه العلم"، بينما لاحظ   إدموند هوسرل   أن "الأزمة الروحية لأوروبا" نتجت عن اختزال كل الحقائق في الحقائق العلمية وحدها. بل إن   ألبرت أينشتاين   نفسه، رغم إيمانه العميق بالعلم، حذر من أن "العلم بدون دين أعرج، والدين بدون علم أعمى". المشكلة تكمن في "العلموية" التي تجعل من العلم ديناً بديلاً، كما يظهر في مقولة   ريتشارد دوكينز   المثيرة للجدل: "العلم يجعل من الممكن أن نكون غير روحانيين بسعادة". هذا الانزياح أدى إلى توقعات غير واقعية، مثل اعتقاد   بيتر ميداوار   بأن العلم سيحل كل المشكلات الأخلاقية، أو وعد   فرانسيس كريك   باكتشاف "سر الحياة" عبر البيولوجيا الجزيئية، متجاهلاً تعقيدات الوجود الإنساني.


اليوم، نرى آثار هذا الإفراط في الثقة بالعلم في أشكال متعددة، من الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيحل كل أزمات البشرية، إلى الوعد بأن الهندسة الوراثية ستقضي على الأمراض والشيخوخة. فلقد لعبت النزعة العلموية (Scientism) - التي تبالغ في تقديس المنهج العلمي وتعتبره المصدر الوحيد للمعرفة الموثوقة - دوراً محورياً في تعزيز نزعات الإلحاد في العصر الحديث. فهذا الفيلسوف البريطاني   برتراند راسل   يقول في كتابه لماذا لست مسيحياً ١٩٢٧م،  أن التقدم العلمي جعل الإيمان بالغيبيات غير ضروري، حيث أصبح العلم قادراً على تفسير الظواهر التي كانت تُنسب سابقاً إلى القوى الإلهية. أما عالم الأحياء  ريتشارد دوكينز   فقد ذهب إلى أبعد من ذلك في كتابه وهم الإله ٢٠٠٦م، معتبراً أن الداروينية جعلت من الممكن أن تكون ملحداً مُرضياً فكرياً.

 

من الناحية التاريخية، يمكن تتبع هذا التحول مع ثورة   كوبرنيكوس   وغاليليو   التي حطمت المركزية البشرية في الكون، ثم مع نظرية   داروين   في التطور التي زعزعت الاعتقاد بخصوصية الإنسان. مما دعا الى أن يتبنى الفيلسوف الألماني   فريدريك نيتشه في القرن التاسع عشر مقولته، بالرغم من بعض التفسيرات التي تحاول حرف معناها عن ظاهرها الى معان أخف من ذلك،  الله قد مات، معتبراً أن العلم الحديث قد استبدل الحاجة إلى الإله بتفسيرات مادية للعالم. وفي القرن العشرين، رأى عالم الفيزياء  ستيفن واينبرغ   أن كلما بدا الكون أكثر قابلية للفهم، بدا أكثر عبثية، معبراً عن رؤية مادية بحتة للوجود.


لكن المفارقة تكمن في أن العديد من العلماء الكبار مثل   ألبرت أينشتاين   وماكس بلانك   رفضوا هذه النزعة الإلحادية المتطرفة. فقد صرح أينشتاين بأن "العلم بدون دين أعرج، والدين بدون علم أعمى"، بينما أكد بلانك أن "العلم يعزز الإيمان الديني الحقيقي". حتى   كارل بوبر، أحد أهم فلاسفة العلم، حذر من مخاطر "الإمبريقية المتطرفة" التي تنكر كل ما لا يمكن اختباره تجريبياً.


اليوم، تُظهر الدراسات (مثل تلك التي أجراها مركز بيو للأبحاث عام 2021) أن نسبة الملحدين تزداد بين العلماء (خاصة في مجالات الفيزياء والبيولوجيا) مقارنة بعموم السكان. لكن المفارقة تكمن في أن نفس التقدم العلمي الذي غذى الإلحاد بدأ يطرح أسئلة عميقة (مثل ضبط الكون الدقيق ومشكلة الوعي) والتي أعادت بدورها إثارة النقاش حول العلاقة بين العلم والدين، كما يظهر في أعمال علماء مثل   فرانسيس كولينز   (مدير مشروع الجينوم البشري) مؤلف كتاب لغة الاله، الذي يؤكد أن  البيانات العلمية لا تتعارض مع الإيمان.



وهنا يأتي كارل بوبر ، فيقول "كل تقدم علمي هو تصحيح لأخطاء سابقة"، ليذكرنا بأن العلم ليس معصوماً. أما الفيلسوف مايكل بولانيي   فيذهب لأبعد من ذلك حين يؤكد أن المعرفة العلمية شخصية في جوهرها، أي أنها تبقى نتاجاً بشرياً يحمل كل محدوديات البشر. وربما تكون كلمات  إسحاق نيوتن هي الأكثر تواضعاً وهي الأقرب إلى الحكمة حيث يقول ما نعرفه قطرة، وما نجهله محيط. فالعلم، رغم عظمته، يبقى أداة لفهم العالم، وليس بديلاً عن الحكمة أو الإنسانية. وكما يمكن النظر الى هذه النزعات الالحادية على أنها تستبطن العبثية في تفسيرها للكون وعدم وجود ضابط ومحرك حكيم وعاقل لها، ظهرت أطروحات تساوي بين العلم والخرافة في سياق نقدي حاد للادعاءات التي قدمها المنهج العلمي الحديث بوصفه المصدر الأوحد للمعرفة الموثوقة. وقاد بول فايراباند هذا الاتجاه، في محاولات لإعادة التوازن في النظر للعلم، واعتبر أن العلم الحديث، بقدر ما حقق من إنجازات، صار يشبه الأيديولوجيات المغلقة التي تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لا تختلف كثيرًا في طابعها السلطوي عن الخطاب الديني في القرون الوسطى.  وتأتي أطروحات بول فايراباند (Paul Feyerabend)، المنطلقة من أن العلم لا يتطور وفق منهج ثابت، بل غالبًا ما تأتي الاكتشافات الكبرى من خرق القواعد المتعارف عليها لا من الالتزام بها. مثال ذلك ما فعله غاليليو حين تحدى الفهم السائد لحركة الأجرام السماوية، أو ما استخدمه نيوتن من مفاهيم مأخوذة من الخيمياء، مما يُظهر أن العلم نفسه كان يتغذى على عناصر غير علمية. وقوله بأن العلم لا يمكن فصله عن السياق الثقافي الذي يُنتج فيه. هذه الفكرة انطلقت من نقده الجذري لنماذج الفهم التقليدية للعلم، خصوصًا تلك التي تدّعي وجود منهج علمي واحد ثابت ومحايد. وما دفع فايرابند إلى هذا الموقف هو ملاحظته، بعد دراسة معمّقة لتاريخ العلم، أن التقدم العلمي لم يكن نتيجة اتباع صارم لقواعد أو مناهج علمية موحدة، بل غالبًا ما تحقق هذا التقدم من خلال كسر القواعد، وتحدي السلطات المعرفية، والانفتاح على رؤى غير علمية أحيانًا. فلقد رأى أن العلماء في أزمنة مختلفة - مثل جاليليو أو كبلر أو حتى نيوتن - لم ينجحوا لأنهم اتبعوا منهجًا عقلانيًا صارمًا، بل لأنهم كانوا مبدعين، متأثرين بزمانهم ومعتقداتهم وأحيانًا بخيالهم الأدبي والفلسفي وحتى الديني. من هنا جاء رفضه لأي تصور يُقدّم العلم كسلطة معرفية معزولة أو محايدة، بل أكد أن العلم جزء من النسيج الثقافي، يتأثر بالسياسة، والمجتمع، والقيم، والدين، والأساطير. وهذا الموقف تجسد في عبارته الشهيرة كل شيء ممكن ، التي لم تكن دعوة للفوضى، بقدر ما كانت انتقادًا لفكرة أن هناك طريقة واحدة صحيحة لفهم العالم. وفي ضوء ذلك، دعا إلى النسبية المعرفية وضرورة وضع العلم في مكانه الطبيعي ضمن تعددية ثقافية وفكرية، وعدم منحه وضعًا فوقيًّا على باقي أشكال المعرفة، سواء كانت دينية، فلسفية، أو حتى تقليدية شعبية.

ففي القرن التاسع عشر مثلًا، تداخلت أفكار نظرية التطور مع توجهات اجتماعية واقتصادية منحازة، أبرزها مبدأ البقاء للأصلح، الذي استُخدم لتبرير الاستعمار والعنصرية. هذا التداخل بين العلم والمصالح السياسية أو الاقتصادية يفتح الباب لتساؤلات جوهرية حول موضوعية العلم واستقلاله، ويجعل من الممكن النظر إلى بعض ما يطلق عليه الحقائق العلمية كأنها جزء من نسق أيديولوجي، لا يختلف كثيرًا عن الخرافات التي استخدمتها السلطة في الأزمنة القديمة لإضفاء المشروعية على أفعالها. من ناحية أخرى، يشير فايراباند إلى أن هناك مجالات مثل الوعي البشري، أو الأخلاق، يصعب مقاربتها بالمنهج التجريبي وحده، ولا يمكن اختزالها في معادلات أو تجارب مخبرية. في هذه المجالات، تصبح الأساطير أو الحدس أو حتى الفنون قادرة أحيانًا على مقاربة الحقيقة بشكل أكثر إنسانية من العلم الجامد. من هنا جاءت دعوته إلى الفوضوية المعرفية ، التي تتبنى عدم وجود قواعد ثابتة أو منهج واحد يجب على العلماء اتباعه دائمًا للوصول إلى الحقيقة أو التقدم العلمي. بمعنى آخر، يعتقد فايراباند أن الفوضوية المعرفية، تعني أن المنهج العلمي ليس مقدّسًا أو حصريًا، بل إن الاختلاف، والتجريب الحر، وحتى التمرد على القواعد العلمية السائدة قد يكون ضروريًا أحيانًا لدفع عجلة المعرفة.


بأطروحته هذه، عدّ بول فايرابند أحد أكثر فلاسفة العلم إثارة للجدل في القرن العشرين، وقد خلّف إرثًا معرفيًا اهتز له التصور الكلاسيكي عن العلم، لا سيما من خلال أطروحته في "اللامنهجية" أو "الفوضوية المعرفية". وكما هو متوقع، فردود المهتمين بالعلم والفلاسفة سيكون لهم مواقف وآراء متفاوتة ومتضادة، عبروا عنها في المحافل وفي كتبهم وابحاثهم. وبطبيعة الحال فستختلف المواقف والقناعات والرؤى بين مؤيد ومعارض ومحايد ومواقف ملتبسة ولا نستبعد أيضا اختلاف منطلقات تلك المواقف للمهتمين بين مواقف علمية متشددة ومواقف أيدولوجية ومواقف براغماتية في النظرة للعلم وربما غيرها.  ولكي نقف على مواقفهم، نحتاج أن نستعرض بشكل مبسط ومفصل أطروحات فايرباند ونفصلها بدقة من خلال تفكيك أفكاره الأساسية في سياق فلسفة العلم، خاصة أطروحته الشهيرة التي تُعرف بـ "اللا منهجية المعرفية" ، أو الفوضوية المعرفية، والتي طرحها في كتابه ضد المنهج المنشور ١٩٧٥م، وتتلخص فكرته المركزية في أنه لا توجد قواعد منهجية ثابتة تحكم تطور العلم يمكن اعتبارها ضرورية أو عقلانية دائمًا. بل أحيانًا، كسر القواعد، أو مخالفة المنهج، أو المزج بين العلم والخرافة، قد يؤدي إلى تقدم معرفي حقيقي. وتستند فكرته على أربع مرتكزات أساسية أولها: نقد العلموية وهنا يرفض فايراباند اعتبار العلم الغربي الحديث النموذج الأوحد للمعرفة، ورأى أن هيمنة "العلموية" تؤدي إلى إقصاء طرق أخرى للفهم البشري مثل الفنون، الدين، المعتقدات التقليدية، الفلسفات الشرقية، وحتى بعض الخرافات. ويتبنى فايراباند أن التمييز بين العلم وغير العلم ليس ذا قيمة معرفية، بل هو سلاح إيديولوجي لقمع التنوع الفكري" وثاني المرتكزات قوله أن كل شيء جائز، وهي أشهر عبارة تُنسب له، وتعني ألا يوجد "منهج علمي" عالمي صارم يمكن فرضه على كل العلماء أو كل الحقول. فقد يُكتشف شيء مهم عبر الحدس، أو الصدفة، أو حتى الأسطورة أو التقاليد، ودعا إلى فتح باب التجريب حتى خارج العقلانية الكلاسيكية. وثالثها يتمثل في أن العقلانية مقيدة ومتحيزة، حيث يرى فايراباند أن ما يُعتبر عقلانيًا غالبًا ما يُصاغ وفق معايير السلطة العلمية السائدة، وأنها تُخفي تحيزات ثقافية ومؤسسية. وقدّم شواهد من تاريخ العلم (مثل جاليليو، وكوبرنيكوس، وأينشتاين) لإثبات أن بعض الاكتشافات العظيمة كثيرًا ما تجاهلت القواعد المنهجية المتفق عليها، ورابع وآخر مرتكزات فكرته هي أن العلم الحديث ليس أرقى من الأديان أو الميثولوجيات من حيث سلطته الأخلاقية أو الاجتماعية، بل هو أيديولوجيا غربية ذات طابع استعماري أحيانًا، تُفرض على المجتمعات الأخرى باعتبارها الحقيقة . ويعطي مثالا لذلك وصفه دعم الحكومات الغربية مشاريع علمية وقمع الطب التقليدي أو المعتقدات الأصلية في أفريقيا أو آسيا، بأنه انتهاك للتعددية الثقافية والمعرفية، وأنه يشبه فرض دين قهري، باسم العقل . ولابد من التأكيد أن فايرباند لا يدعو إلى الفوضى العبثية، بل إلى التحرر من سلطة النموذج العلمي الغربي الواحد، ويرى أن تعدد المناهج، والتسامح مع التناقضات، والانفتاح على أنماط تفكير غير تقليدية هو الطريق لتقدم أوسع، واعتبر أن الحرية المعرفية يجب أن تكون أولوية، حتى لو أدى ذلك إلى تعارض مع ما يسميه البعض  عقلانية العلم.

ومع هذا الطرح، لقيت فلسفة بول فايراباند صدىً قويًا ومتفاوتا داخل السياقات الأكاديمية الغربية وخارجها، حيث مثّلت أطروحته "اللا منهجية" تحدّيًا صريحًا لمؤسسات العلم الحديثة، وهزة فلسفية عميقة طالت مفاهيم العقلانية، الموضوعية، والتقدم العلمي. ففي بيئة أكاديمية كانت متمركزة حول تصورات توماس كون عن "بيئة الثورات العلمية" والذي أكد فيه أن التقدم العلمي يحدث من خلال تحولات نموذجية، حيث يعمل العلماء ضمن "نموذج إرشادي" سائد لفترة، ثم تظهر أزمة تؤدي إلى ثورة علمية تحل فيها منظومة جديدة محل القديمة ومبادئ كارل بوبر في "التكذيبية" التي تعتبر تطويرا للمنهج العلمي الذي رسخ في المحافل العلمية كأساس لتمييز ما هو علمي وما ليس بعلمي ، جاء فايراباند ليقوض حتى هذه النماذج التي انطلقت من قراءة نقدية للمنهج العملي، معتبرًا أن أي محاولة لتحديد "منهج علمي" موحد ما هي إلا قيد أيديولوجي يعطل الإبداع ويكبح التعدد. كما أنه أثار صدمة داخل الأوساط الفلسفية، خصوصًا في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حيث اعتُبر ذلك بمثابة إعلان صريح لثورة فكرية داخل فلسفة العلم، تم تلقيه بردود أفعال واسعة.  

فبينما رحب به تيار ما بعد الحداثة ورأى فيه لحظة تحرر من العقل الأداتي والمؤسساتية العلمية، فإن تيارات الوضعية الجديدة والعقلانيين الدفاعيين اعتبروه انزلاقًا نحوه النسبية الفوضوية، بل وصفه بعضهم بأنه "عدو للعلم". لكن حتى هؤلاء لم يستطيعوا تجاهل قوّة حججه، التي كشفت بأن بعض التحولات العلمية الكبرى كانت نتاج تجاوز أو عدم التقيد بالمنهج العلمي الصارم الذي رسخه فرانسيس بيكون ولاحقا أضاف له كارل بوبر مبدأ التكذيبية.  


٩. بعض الإنجازات العلمية السابقة تدعم اللامنهج

قد يكون من المناسب استحضار المنجزات التي أنتجتها الحضارات القديمة، ومحاولة تلمس معرفة كيف نتجت هذه العلوم مع غياب المنهج العلمي الصارم الذي يدعي اليه العلماء. هنا مجموعة من هذه المنجزات عبر القرون. في الجدول ٥٩ موجود نبذة عن المنجز العلمي، ومن أنجزه وكذلك متــي تم إنجازه، وهل تم نقضه أم لازال صحيحا وما سبب نقضه، وأتبعه بتعليق على ما جاء فيه.




١٠ تعليق على محتوى الجدول  

وهنا ندرج بعض هذه العلوم والأسماء العلمية الكبيرة التي مارست اللامنهج ونتجت علما غزيرا ونظريات أساسية في مجالات الكون، الفيزياء والفلك وغيرها. 

فهذا غاليليو ورغم كونه أحد الآباء المؤسسين للمنهج العلمي الحديث، لم يكن دائمًا ملتزمًا به على نحو صارم في جميع أعماله، بل تجاوز قواعده في بعض المواضع. فمثلاً، في كتابه الرسول النجمي أعلن غاليليو اكتشافاته ومنها وجود أقمار حول المشتري ولكنها تدور حول الشمس وليس حول المشتري كما كان الاعتقاد حسب النظام البطلمي المقدس، وتحدث عن تضاريس القمر غير الملساء والتي تتناقض مع نموذج بطليموس أيضا. وتبناه على أنه علما ونظرية جديدة باستخدام ملاحظاته للقمر ولأقمار المشتري من خلال التلسكوب، دون أن يقدم توثيقًا منهجيًا كافيًا أو مكرّرًا يتيح للآخرين التحقق بدقة من نتائج ملاحظاته، بل قدّم رسومات وانطباعات ذات طابع بلاغي لإقناع القارئ. كما أنه استخدم أحيانًا الحجج الجدلية والمجازية في الدفاع عن آرائه، لا البرهنة التجريبية الحاسمة وحدها.  وفي تفسيره لظاهرة المد والجزر، وفي سياق دفاعه عن مركزية الشمس، رأى غاليليو فيها دليلاً حسّيًا على حركة الأرض، مدّعيًا أن الظاهرة ناتجة عن التبدّل المتواصل في السرعة الناتجة عن الدوران اليومي للأرض حول نفسها، وحركتها السنوية حول الشمس. واعتبر أن هاتين الحركتين تخلقان تذبذبًا في حوض البحار، يُشبه الماء في إناء يهتز، مما يؤدي إلى المد والجزر. لم يكن هذا التفسير قائمًا على رياضيات دقيقة أو مشاهدات تجريبية كافية، بل جاء دعائيًا في كتابه الحوار حول النظامين الرئيسيين للعالم، مدفوعًا برغبته في ترسيخ مركزية الشمس أمام خصومه الكنسيين، وقد أهمل عن عمد الدور المحتمل للقمر رغم الملاحظات القديمة حول علاقته بدورة المد والجزر. وقد فند نيوتن تفسير غاليليو هذا، بصمت ودون ذكر لاسمه. فرأى أن قوة جذب القمر للأرض، وكذلك قوة جذب الشمس بدرجة أقل، هما المسؤولتان عن تشكل نتوء مائي على جانب الأرض الأقرب للقمر، ونتوء مقابل على الجانب الآخر نتيجة الفرق في القوى، مما يسبب دورتي مد وجزر كل يوم. اعتمد نيوتن على الحسابات الرياضية الدقيقية والملاحظة، وشرح الظاهرة في كتابه المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية دون أن يذكر غاليليو بالاسم، لكنه دمّر تفسيره عمليًا بتقديم نموذج أكثر تفسيرًا ودقة. المؤرخ العلمي ألكسندر كويريه لاحظ أن نيوتن، وهو من تعرض للانتقاد من قبل لايبنتس وسنأتي على ذلك بعد قليل، ورغم احترامه لغاليليو كممهد لثورة علمية، إلا أنه تجاوزه تمامًا في المنهج والتفسير، واعتبر في قراءته النقدية أن نيوتن دحض غاليليو بصمت، وبيّن أن الأخير ظلّ، في بعض أطروحاته، متمسكًا ببقايا من الفرضيات غير الخاضعة للتجربة الصارمة. هذا كله لا يُنقص من ثورة غاليليو الكبرى ضد سلطة أرسطو أو مساهمته في ترسيخ أهمية الرصد والتجربة، لكنه يُظهر أن التقدم العلمي لم يكن دومًا ثمرة اتباع مناهج صارمة بقدر ما كان مزيجًا من الملاحظة، الحدس، الصراع الخطابي، والسياق الاجتماعي والديني، وهو ما جعل بول فايراباند يستشهد به لاحقًا ليؤكد أن لا شيء يسير وفق قواعد ثابتة ، حتى في لحظات التحول العلمي الكبرى.

وهذا آينيشتاين في تطويره للنظرية النسبية الخاصة والعامة، ثم في سعيه لصياغة نظرية موحدة لقوى الكون، ابتعد عن الالتزام الحرفي بالمنهج العلمي التجريبي، واتجه نحو منهج تأملي رياضي وفلسفي يرتكز على الاتساق الداخلي والجمال الرياضي. ففي النسبية الخاصة، استخدم تجربة فكرية – لا تجربة مخبرية – عُرفت بتجربة القطار والمرأة، أظهر فيها كيف يختلف إدراك تزامن الأحداث تبعًا لموضع الراصد، مستنتجًا نسبية الزمن دون أن يلجأ إلى دليل تجريبي مباشر. وفي النسبية العامة، اعتمد على الهندسة الريمانية (هي فرع من فروع الهندسة التفاضلية يدرس خصائص الأشكال والمساحات المنحنية باستخدام أدوات من حساب التفاضل والتكامل، وقد سُميت على اسم عالم الرياضيات الألماني برنهارد ريمان. وبينما تهتم الهندسة الاقليدية بهذا عندما يكون الفضاء مسطحا، فتهتم الهندسة الريمانية بما يحدث عندما يكون الفضاء منحنياً كسطح كرة الارض والكون المنحني). فدرس النسبية معتمدا على الهندسة الريمانية من أجل تفسير الجاذبية كتقوس في الزمكان، وصاغ نظرية كاملة قبل أن يؤكدها الواقع التجريبي بسنوات، كما في تجربة إيدينغتون والتي أكدت نبوءة آينيشتاين برصد مقدار انحناء الضوء من النجوم خلال الكسوف يوم ٢٣ مايو عام ١٩١٩م. لاحقًا، أصر آينشتاين على متابعة نهجه غير التجريبي محاولا صياغة نظرية الحقل الموحد، (وهي محاولة طموحة لجمع كل القوى الأساسية في الطبيعة ضمن إطار رياضي وقانون فيزيائي واحد، بحيث تُدمج الجاذبية، التي وصفها أينشتاين في نظريته النسبية العامة، مع القوى الثلاث الأخرى، وهي الكهرومغناطيسية، والنووية القوية، والنووية الضعيفة، في منظومة واحدة متجانسة) ساعيًا لدمج القوى الكهرومغناطيسية والجاذبية، رغم أنه افتقر إلى أدلة تجريبية أو حتى معادلات يمكن التحقق منها. وأيضا رفضه العميق لمبدأ عدم الحتمية او اللايقين في ميكانيكا الكم، التي اعتبرها ناقصة، وهذا يكشف عن التزامه بفلسفة عقلانية كلانية أو كلية، والتي تنبع من اتجاه فلسفي يرى أن الكون، أو الواقع، ليس مجرد تجميع لأجزاء منفصلة أو ظواهر مستقلة، بل هو كل مترابط ومنسجم تُفهم فيه الأجزاء فقط في ضوء علاقتها بالكل. وتُوصف بـالعقلانية لأنها تؤمن بأن هذا الكل منظم بقوانين عقلية قابلة للفهم، ويمكن إدراكه بواسطة التفكير العقلي والتحليل المنطقي، وليس فقط بالحواس أو التجربة حيث عبّر عن قناعته الشهيرة بقوله إن الله لا يلعب النرد، رافضًا بذلك القبول بوجود صدفة أو عشوائية في قوانين الطبيعة. هذه المواقف، كما أشار فلاسفة العلم مثل توماس كون وألكسندر كويريه وبول فايراباند، تعكس بجلاء كيف أن بعض أعظم إنجازات العلم لم تنشأ من التقيّد الدقيق بالمنهج العلمي، بل من تجاوزه بجرأة إلى أفق أوسع يستلهم العقل، والخيال الرياضي، والرؤية الكونية الميتافيزيقية.  بالتالي، كما في حالة غاليليو، لا يمكن اختزال نجاح أينشتاين إلى التزام صارم بمنهج علمي محدد، بل كان نتاج تفاعل بين الخيال الرياضي، الفلسفة العقلانية، الحدس الشخصي، والسياق الثقافي والعلمي، وهو ما يجعل فلاسفة مثل بول فايراباند يستشهدون به لتأكيد أن التقدم العلمي قد يتم أحيانًا عبر خرق القواعد، لا باتباعها حرفياً.

أما إسحاق نيوتن، وبالرغم من كونه أحد أبرز من رسّخوا أسس المنهج العلمي الحديث، وبالرغم من رده الصامت على غاليليو في تفسيره للمد والجزر، الا أنه لم يكن دائمًا ملتزمًا بالمنهج كما يُفترض، بل تجاهله أو تجاوزه في بعض جوانب إنتاجه العلمي، إما لأسباب فلسفية، أو شخصية، أو سياقية. وهنا نذكر موردين رئيسين ومهمين علميا يؤكدان ما ذهبنا اليه. ففي كتابه المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية١٦٨٧م، استخدم نيوتن منهجًا رياضيًا صارمًا لشرح قوانين الحركة والجاذبية، لكنه في نفس الوقت لم يقدّم تفسيرًا ميكانيكيًا لظاهرة الجاذبية، بل رفض حتى محاولة تقديم سبب لها. وفي ذلك انتقده غوتفريد فيلهلم لايبنتس، الفيلسوف والرياضي الألماني المعاصر، واعتبره إدخالاً غير مبرر قوى خفية في العلم، وذلك في سياق اعتراضه على نظرية الجاذبية التي صاغها نيوتن. وكتب عبارته الشهيرة  Hypotheses non fingo  أي  لا أختلق فروضاً، في إشارة إلى أنه لا يسعى لتفسير سبب الظاهرة، بل يكتفي بوصفها. لكن لايبنتس رفض هذا الموقف، معتبراً أن نيوتن يعيد إلى العلم مفاهيم سحرية وخرافية حين يسمح بفعل عن بُعد دون وسط فيزيائي، مما ينتهك مبدأ السبب الكافي الذي يرى أن لكل ظاهرة تفسيراً معقولاً. وفي مراسلاته مع صمويل كلارك، ممثل نيوتن في المناظرات اللاهوتية الفلسفية، كتب لايبنتس أن نظرية نيوتن تجعل الجاذبية فعلاً أمرا غير عقلاني يشبه القوى السحرية. أما نيوتن، فكان موقفه يتسم ببراغماتية علمية؛ إذ أصر على أن مهمته كعالم هي صياغة القوانين التي تحكم الطبيعة بدقة رياضية، وليس تفسير الكيفيات الغيبية التي قد تقف خلفها، وإن كان في كتاباته الخاصة يلمّح إلى أن الله هو الضامن لهذا الانتظام الكوني، وهو ما اعتبره لايبنتس بدوره خلطاً بين العلم واللاهوت. وفي نظريته عن الضوء، وخاصة دفاعه عن أن الضوء مكوّن من جسيمات، اعتمد على بعض المشاهدات لكنه تمسك بالنموذج الجسيمي حتى مع ظهور أدلة تجريبية ترجّح النماذج الموجية، مثل تجارب الحيود والتداخل التي جاءت لاحقًا. هذا التمسك يمكن قراءته كموقف عقائدي أو انحياز تأكيدي، أكثر من كونه خضوعًا تامًا للمنهج التجريبي القائم على تغيير الفرضية إذا تعارضت مع الدليل. لذلك، فإن دراسة نيوتن من منظور فلسفة العلم، كما يفعل بول فايراباند وغيره، تكشف أن حتى أعظم رموز العلم الحديث تجاوزوا أو تجاهلوا بعض مبادئ المنهج العلمي حين اقتضى الأمر، سواء بدافع فلسفي، أو لحماية نسقهم النظري، أو بفعل تأثيرات ثقافية ودينية عميقة. وهذا يعزز الفكرة أن العلم ليس دائمًا سيرورة عقلانية نقية، بل هو تفاعل معقد بين الفكر، الإيمان، والواقع الاجتماعي

ما ذكرناه عن غاليليو وآينيشتاين ونيوتن، ُيظهر بوضوح أن مسيرة العلم، عند التمعن في تفاصيلها، أنها لم تكن دائمًا ثمرة مباشرة لتطبيق المنهج العلمي الصارم كما تُصوره الكتب المدرسية أو النظريات المنهجية الكلاسيكية، بل غالبًا ما كانت نتاج تداخلات معقدة بين الحدس والتجريب والتأمل الفلسفي، بل وحتى الاعتقاد الميتافيزيقي أو النزعة اللاهوتية. ويمكن ذكر أسماء كثيرة أخرى تعزز هذا الاستنتاج. وسنكتفي هنا بذكر عدد من الأسماء العلمية الكبرى التي قدّمت إنجازات مؤسِّسة في فروع رئيسية من العلوم، رغم أنهم تجاهلوا المنهج العلمي أو لم يلتزموا به في بعض جوانب عملهم.  ونبدأ بالعالم الفيزيائي يوهانس كبلر، وهو رائد قوانين حركة الكواكب. كبلر لم ينطلق في بداية أبحاثه من التجربة الصارمة بقدر ما انطلق من تصورات لاهوتية وهارمونية مستمدة من التراث الأفلاطوني الجديد أي بمعنى منطلقا من التصورات اللاهوتية والهارمونية المستمدة من التراث الأفلاطوني الجديد التي تعني الاعتقاد بأن الكون منظم وفق عقل إلهي، وأن هذا التنظيم يظهر في صورة إنسجام وتناغم رياضي وجمالي عميق، يمكن للإنسان اكتشافه عبر التأمل والفهم الفلسفي، وليس فقط عبر التجربة الحسية والملاحظة.  إذ بحث عن انتظام كوني قائم على المجسمات المنتظمة وتناغمات موسيقية بين المدارات، وهي أفكار لا تنتمي إلى الحقل التجريبي، وإن قادته لاحقًا إلى نتائج دقيقة. وديميتري مندليف، مؤسس الجدول الدوري، رغم عبقريته التصنيفية، فقد أنكر الطبيعة الذرية للمادة كما بدأت تتضح في عصره، وظل يتشبث بتفسيرات أثيرية وهو الاعتقاد بأن هناك وسطًا غير مرئي أو قوة خفية تُفسّر بعض الظواهر الطبيعية، دون أن تكون هذه القوة مادية أو قابلة للرصد المباشر، بل تُفترض كوسيط أو حامل للخصائص أو التأثيرات بين الأجسام أو داخلها غير مدعومة تجريبيًا لخصائص العناصر. أما تشارلز داروين، ورغم ثورية نظريته في الانتخاب الطبيعي، فقد تجنب الخوض في أصل الحياة ذاته، وابتعد عن مناقشة أصل الإنسان لفترة طويلة، معتمدًا في بعض تحليلاته على الملاحظة الوصفية والانطباعات الشخصية، لا على التجريب الممنهج، خاصة في أطروحاته حول الاصطفاء الجنسي. وماكسويل عندما قدم معادلاته الكهرومغناطيسية التي قلبت الفيزياء، فعل ذلك استنادًا إلى نموذج رياضي يفترض وجود "أثير" لانتقال الموجات، رغم غياب الدليل التجريبي عليه، وهو ما استمر حتى دُحض لاحقًا في تجربة ميكلسون ومورلي، ما يوضح أن النظريات الكبرى لم تكن دومًا ثمرة التحقق التجريبي الفوري. المثال الأبرز على التداخل بين الحدس والمنهج هو ما قدّمه فرانسيس كريك وجيمس واطسون في اكتشاف بنية الحمض النووي DNA، فقد اعتمدا على نماذج ثلاثية الأبعاد مستوحاة من بيانات لم يجمعاها بنفسيهما، بل استندا فيها إلى صور أشعة X التقطتها روزاليند فرانكلين دون إذن مباشر، ما يفتح نقاشًا أخلاقيًا ومنهجيًا حول طرق الاكتشاف. أما نيلز بور، فقد مثّل نموذجًا مختلفًا تمامًا، إذ كانت تأويلاته لميكانيكا الكم تقوم على مبادئ فلسفية وتأملية كمبدأ التكامل، التي يصعب اختبارها تجريبيًا بشكل مباشر، وقد واجه اعتراضات من فيزيائيين ملتزمين بالمقاربة الواقعية، أبرزهم آينشتاين، وهو أيضا أحد من طالهم الانتقاد كما أسلفنا. 

هذه النماذج جميعها تدل على أن كثيرًا من الإنجازات العلمية الكبرى، سواء في الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء، لم تكن وليدة الالتزام الحرفي بالمنهج العلمي كما يُدرّس، بل جاءت أحيانًا عبر طرق غير تقليدية، أو متداخلة مع الفلسفة، واللاهوت، والحدس، والرمزية. وتدلّ على صحة ما ذهب إليه بول فايراباند في نقده للمنهجية، حين رأى أن العلم لا يتقدم دائمًا باتباع قواعد ثابتة، بل غالبًا عبر ما سماه كل شيء ممكن، حيث يصبح التمرد المنهجي والمرونة الفكرية مصدرًا للابتكار، لا نقيضًا له. هذا لا يُعد تبريرًا للفوضى، بل كشفًا لطبيعة العلم كعملية بشرية غير مثالية، يتحرك فيها العقل بين حدود الانضباط وفضاءات المغامرة. وهنا فريمان دايسون، وهو أحد أبرز فلاسفة الفيزياء الحديثة، يصرّح بلغة واضحة، أن أغلب الاكتشافات العظيمة لم تنتج عن اتباع منهج منضبط، بل عن حدس وجرأة فكرية وتخمينات ذكية، وكان ناقدًا صريحًا لما سماه "إرهاب المنهجية"، معتبراً أن الصرامة المنهجية قد تعيق أحيانًا الخيال الخلاق. 

تُعد أطروحات بول فايراباند، وخاصة نقده للمنهج العلمي الموحد ودفاعه عن التعددية المعرفية، نقطة التقاء واختلاف بين اتجاهات فكرية وعلمية متباينة، تتراوح بين التأييد الحماسي والرفض الجذري، مروراً بمواقف نقدية متحفظة أو تحليلية محايدة. ويمكن تصنيف هذه المواقف وفق عدة معايير منهجية ومعرفية تُضيء الخلفيات التي انطلقت منها، وتكشف عن الأفق الفلسفي أو الأيديولوجي الذي تتكئ عليه. فمن حيث الموقع التاريخي، تنتمي بعض هذه المواقف إلى ما قبل الحداثة، وتُعبّر عن تمسّك بنموذج العقلانية الوضعية، فيما تأتي مواقف أخرى في إطار ما بعد الحداثة، حيث تُثمّن النسبية وتُشكك في دعوى الحياد العلمي. أما من حيث الدافع، فإن طيفاً من الردود جاء مدفوعاً باعتبارات أيديولوجية، سواء بدافع حماية صورة العلم كسلطة معيارية أو بدافع مقاومة ما اعتُبر تهديداً عقلانياً، بينما انطلقت مواقف أخرى من داخل المنظومة العلمية نفسها، معتمدة أدوات التحليل الإبستمولوجي أو فلسفة اللغة والمنهج، دون محمولات أيديولوجية صريحة. ويمكن أيضاً تمييز الردود بحسب طبيعة الموقف تجاه فايراباند نفسه: فمنها ما اتسم بالمعارضة الصريحة والرد الجدلي المباشر، ومنها ما كان أقرب إلى الحياد أو التحفظ المنهجي، في حين ذهب بعضها إلى الدفاع عن بعض أطروحاته وتوظيفها في نقد النموذج العلمي السائد. وتختلف هذه الردود أيضاً من حيث عمقها ومستواها: فبعضها جاء تأملياً سطحياً أو انفعالياً، في حين توفرت مواقف أخرى على قدر كبير من العمق المفاهيمي والتحليل البنيوي، سواء في إطار فلسفة العلم، أو في سياق النقاشات الأوسع حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، أو بين العلم والمجتمع. إن هذا التنوع في المواقف لا يعكس فقط موقع فايراباند الاستثنائي في تاريخ فلسفة العلم، بل يكشف أيضاً عن مركزية الإشكالات التي أثارها، ومدى تقاطعها مع تحولات فكرية وثقافية كبرى لا تزال تشغل الفكر المعاصر. 

١١  اللامنهج على طاولة التشريح

أثارت أطروحات الفيلسوف النمساوي-الأمريكي المتخصص في فلسفة العلم   بول فايراباند، ١٩٩٤م، جدلًا واسعًا في النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصًا بعد نشر كتابه   ضد المنهج، ١٩٧٥م.  في هذا العمل طرح ما سماه الأناركية المعرفية أو اللامنهجية العلمية، وهي فكرة مفادها أن تاريخ العلم لا يكشف عن وجود منهج علمي واحد ثابت يمكن تطبيقه دائمًا، بل يظهر أن العلماء استخدموا استراتيجيات متعددة ومتعارضة أحيانًا لتحقيق التقدم العلمي. 

غير أن هذه الأطروحة لم تنشأ في فراغ، بل جاءت في سياق نقاش فلسفي أوسع حول طبيعة العلم ومنهجه. فقد كان فايراباند في بداياته تلميذًا للفيلسوف البريطاني-النمساوي المتخصص في فلسفة العلم كارل بوبر كارل بوبر١٩٩٤م، الذي دافع في كتابه منطق الاكتشاف العلمي ١٩٣٤م، عن فكرة أن العلم يتقدم عبر مبدأ التكذيب، أي أن النظريات العلمية يجب أن تكون قابلة للاختبار والتكذيب. غير أن فايراباند رأى أن التاريخ الفعلي للعلم لا يتوافق دائمًا مع هذا النموذج، وأن العلماء كثيرًا ما يتمسكون بالنظريات رغم وجود أدلة ضدها، إلى أن تظهر أطر نظرية جديدة. وهكذا تحوّل تلميذ بوبر إلى أحد أبرز منتقدي المنهجية العقلانية الصارمة.

وقد تأثر فايراباند كذلك بأعمال المؤرخ والفيلسوف الأمريكي المتخصص في تاريخ العلم توماس كون ١٩٦٦م، الذي قدّم في كتابه بنية الثورات العلمية١٩٦٢م، مفهوم النموذج الإرشادي.  وفقًا لكون، يعمل العلماء ضمن إطار نظري مشترك يحدد الأسئلة المقبولة وطرق البحث، لكن هذا الإطار يتغير جذريًا خلال ما سماه الثورات العلمية. ومع أن كون لم يصل إلى حد تبني اللامنهجية، فإن تحليله التاريخي فتح الباب أمام فايراباند للقول إن تاريخ العلم يكشف تعددية منهجية حقيقية.

وفي محاولة للتوفيق بين هذه الاتجاهات المختلفة، قدم الفيلسوف المجري المتخصص في فلسفة العلم إمري لاكاتوش ١٩٧٤م، مفهوم برامج البحث العلمي في كتابه منهجية برامج البحث العلمي ١٩٧٨م. وقد حاول لاكاتوش أن يجمع بين عقلانية بوبر التاريخية وبين تحليل كون للتغير العلمي، فاعتبر أن النظريات العلمية لا تُرفض فور ظهور أدلة ضدها، بل تُقيّم ضمن برنامج بحثي أوسع يتطور عبر الزمن. ورغم صداقته الفكرية مع فايراباند، فقد رأى أن اللامنهجية المطلقة تذهب بعيدًا في نقدها للعلم.

في مقابل هذه المواقف الإصلاحية، ظهرت ردود فعل أكثر نقدًا من بعض المدافعين عن العلموية والواقعية العلمية. فقد انتقد الفيلسوف الأرجنتيني-الكندي المتخصص في فلسفة العلم ماريو بونغه ٢٠٢٠م، أطروحات فايراباند بشدة، واعتبر في كتابه فلسفة العلم ١٩٩٨م، أن اللامنهجية قد تؤدي إلى نسبية معرفية خطيرة تقوّض الثقة في العلم بوصفه أفضل وسيلة لمعرفة العالم الطبيعي. وفي السياق نفسه دافع الفيلسوف الألماني-الأمريكي المتخصص في الوضعية المنطقية كارل همبل ١٩٩٧م، في كتابه فلسفة العلوم الطبيعية،١٩٦٦م عن فكرة أن العلم يعتمد على نماذج تفسيرية منطقية واضحة، وأن التخلي عن هذه المعايير قد يؤدي إلى تمييع الحدود بين العلم وغيره من أشكال المعرفة.

أما في الاتجاهات الفلسفية الأقرب إلى ما بعد الحداثة، فقد وجدت بعض أفكار فايراباند صدى لدى مفكرين ركزوا على نقد سلطة المعرفة العلمية. فالفيلسوف والمؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ أنظمة المعرفة ميشيل فوكو١٩٨٤م، في محاضرته نظام الخطاب ١٩٧١م، رأى أن المعرفة ليست مجرد انعكاس موضوعي للحقيقة، بل ترتبط بأنظمة السلطة والمؤسسات. وقد أتاح هذا التحليل النظر إلى العلم بوصفه ممارسة اجتماعية تخضع بدورها لعلاقات القوة. وعلى نحو مشابه أكد الفيلسوف الفرنسي المتخصص في الفلسفة السياسية والثقافية جان-فرانسوا ليوتار ١٩٩٨م، في كتابه الوضع ما بعد الحداثي ١٩٧٩م، أن المعرفة المعاصرة تتسم بتعدد الخطابات وعدم خضوعها لسردية علمية كبرى واحدة.

وفي مجال دراسات العلم والمجتمع توسع هذا النقد على يد عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي المتخصص في سوسيولوجيا العلم برونو لاتور٢٠٢٢م، الذي بيّن في كتابه العلم في طور التكوين أن المعرفة العلمية تتشكل عبر شبكات معقدة من العلماء والمؤسسات والأجهزة التقنية. وفي الاتجاه نفسه طوّر عالم الاجتماع البريطاني المتخصص في سوسيولوجيا المعرفة العلمية  ديفيد بلور في كتابه المعرفة والتخيّل الاجتماع ١٩٧٦م، ما عُرف بـ البرنامج القوي في سوسيولوجيا المعرفة، والذي يدعو إلى تفسير الاعتقادات العلمية نفسها ضمن سياقها الاجتماعي.

إلى جانب هذه المواقف المؤيدة أو المتعاطفة، ظهرت أيضًا محاولات فلسفية معاصرة لبناء موقف انتقائي أو توفيقي بين العقلانية العلمية والتاريخ الفعلي للعلم. فقد حاول الفيلسوف الأمريكي المتخصص في فلسفة العلم لاري لاودن ٢٠٠٢م، في كتابه التقدم ومشكلاته،١٩٧٧م تطوير مفهوم عقلاني لتقدم العلم يأخذ بعين الاعتبار التاريخ الفعلي للممارسات العلمية. كما قدم الفيلسوف الكندي المتخصص في فلسفة العلم إيان هاكينغ٢٠٢٣م، في كتابه تمثيل وتدخل ١٩٨٣م، تصورًا لما سماه الواقعية التجريبية، مؤكدًا أن قيمة العلم لا تكمن فقط في صحة النظريات، بل أيضًا في قدرته على التدخل في العالم التجريبي.

ومن جهة أخرى، حاول الفيلسوف الأمريكي المتخصص في فلسفة العلم فيليب كيتشر في كتابه تقدم العلم١٩٩٣م، تقديم تصور عقلاني لتقدم المعرفة العلمية يأخذ في الاعتبار البعد الاجتماعي والتاريخي دون الوقوع في نسبية معرفية كاملة. وقد تأثر هذا الاتجاه بدراسات الفيلسوف البريطاني المتخصص في فلسفة التاريخ العلمي ستيفن تولمن ٢٠٠٩م، الذي أكد في كتابه الفهم الإنساني ١٩٧٢م، أن تطور العلم يشبه في بعض جوانبه التطور الثقافي أو البيولوجي.

وتكشف هذه النقاشات مجتمعة أن أطروحات فايراباند لم تكن مجرد موقف فلسفي فردي، بل شكلت نقطة تقاطع بين عدة تيارات فكرية، والتي تشمل، العقلانية النقدية، والتاريخية العلمية، ودراسات العلم والمجتمع، وفلسفات ما بعد الحداثة. ولهذا السبب ظل كتابه ضد المنهج أحد أكثر الأعمال إثارة للجدل في فلسفة العلم المعاصرة. فقد دفع الفلاسفة والعلماء إلى إعادة التفكير في سؤال أساسي ظل مطروحًا منذ نشأة العلم الحديث، متمثلا في هل يوجد بالفعل منهج علمي واحد عالمي وثابت، أم أن العلم يتقدم عبر تعددية في الأساليب والطرق المعرفية؟ ومن هنا يمكن القول إن القيمة الحقيقية لأعمال فايراباند لا تكمن فقط في دفاعه عن اللامنهجية، بل في إجبار فلسفة العلم على مواجهة تعقيد الممارسة العلمية الفعلية، وعلى إعادة النظر في العلاقة بين العقلانية والمنهج والتاريخ والسلطة في إنتاج المعرفة العلمية. الجدول التالي يلخص مواقف ٢٤ من المفكرين والعلماء والفلاسفة المهتمين بموضوع العلم والمنهج العلمي، من خلفيات ودوافع متنوعة، وتحدثوا في طرح اللامنهج. 










ونكمل في المقال القادم 


في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور XXI

وفيه نكمل الحديث عن اطروحات فايراباند وما نستخلصه من كل هذا 


٨ مارس  ٢٠٢٦


تعليقات