في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور XIX ........في التمهيد لاطروحات فايراباند
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١٥
في التمهيد لاطروحات فايراباند
"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازا ت العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر، عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم، ونفصِّل في أطروحاته، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة "
بعد الحديث في المقالات الأربعة، التي كانت تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة، ب ١٤ مقالا تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، وفيها تحدثنا عن المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره. وهنا مقال رقم ١٥ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم ١٩)، حيث تحدثنا في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج العلوم عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار وبعد عرض رؤية لاكتوش، وكيف تتشابه وتختلف مع بارادايم كون، وبعد الحديث عن أنماط كرومبي الستة، وعن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، وتحدثنا عن دور كل من لاري لاودان عن فلسفته الواقعية للعلم كون العلم، في فلسفته، أداة لحل المشكلات، و برونو لاتور الذي يرى أن العلم ليس رحلة عقلانية محضة ولا مشروعًا منفصلًا عن تفاعلات البشر والأشياء. فهو شبكة تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية، وتُنتج الحقيقة عبر علاقات وتشابكات لا يمكن ردّها إلى أصل واحد. وفي السياق، استحضرنا الثنائيات التي كانت إحدى المرتكزات التي اعتمدتها الحداثة، وكيف تم تجاوزها من قبل كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز، وتصميم بنثام للبانوبتيكون ، وكيف استفاد لاتور منهم. وبعد تغطية مساهمات كل شافيز و ستيفنز و هاكينغ ، تحدثنا عن تجسير الكسندر كويريه بين التحليل الفلسفي والتاريخي المفهومي للعلوم، و لمحة عن دور المسلمين واسهاماتهم، في سياق الحديث عن آناليس ماير وأعمالها. وبعدها، في المقال السابق، تحدثنا عن اشكاليتي بيكون وكانط، وعن مساهمة السيد الصدر في سد الفجوة المعرفية التي أثارها هيوم في موضع الاستقراء.
وفي هذا المقال، نواصل من حيث انتهينا في الحديث عن تطور المنهج العلمي، فنقدم ملخص تطور المنهج وتطور تعريفه ، ونتحدث بعدها عن التطرف في النظرة للعلم، وتفاوت الثقة بالعلم عبر الزمن، وصولا للعلموية وتبعاتها المختلفة وأحدها لالحاد ، فنعرج للحدث ن فرسان الالحاد الأربعة، ونصل بعد ذلك للحديث عن المراحل الأربعة التي أوصلت لاطروحات فايراباند، وبعدها نعرض تعريف اللامنهج عند فايراباند، وسياقات تبلور أطروحات "ضد المنهج"، ونختم بنقد المنهج، عند بول فايراباند وعند بعض المفكرين المسلمين.
تشكّل فكرة المنهج العلمي، نتاجًا تاريخيًا تراكميًا، لم تنشأ دفعة واحدة، بل تبلورت عبر تحولات معرفية متعاقبة، بدأت مع الانتقال من التأمل المجرد إلى الملاحظة المنظمة والتجربة المقصودة. ويمكن عدّ أعمال ابن الهيثم نقطة الانطلاق الحقيقية لما يُعرف بالمنهج العلمي بالمعنى الحديث، إذ لم يكتفِ بالتنظير، بل أسّس لمنهج يقوم على الشك في المسلّمات، وبناء الفرضيات، واختبارها بالتجربة القابلة للتكرار. عنده أصبح الحسّ والتجربة عنصرين لا غنى عنهما لفهم الطبيعة، وأُخرج العقل من الاكتفاء بالتجريد إلى الانخراط في اختبار الواقع، فتمّ وضع اللبنات الأولى للتجريب المنظم الذي سيغدو لاحقًا محور العلم الحديث.
انتقلت هذه الروح المنهجية إلى أوروبا عبر الترجمة، فظهر روجيه بيكون الذي شدّد على التجربة بوصفها الحكم النهائي في قضايا الطبيعة، مع محاولته التوفيق بين العقل والدين. غير أن التحول الأكبر جاء مع فرانسيس بيكون، الذي صاغ المنهج في قالب فلسفي صريح، داعيًا إلى التحرر من أصنام الفكر وبناء المعرفة عبر الاستقراء المنهجي القائم على جمع المعطيات وتصنيفها والصعود التدريجي نحو القوانين العامة. في مقابل ذلك، قدّم ديكارت نموذجًا عقلانيًا صارمًا، يرى أن اليقين العلمي يُبنى عبر مبادئ أولى واضحة والاستنتاج الرياضي المنظم. ومع نيوتن تحقق التزاوج العملي بين التجربة والرياضيات، فأصبح المنهج العلمي منظومة قادرة على إنتاج قوانين عامة دقيقة، ذات قدرة تفسيرية وتنبؤية عالية.
غير أن هذا البناء المنهجي لم يخلُ من الإشكاليات الفلسفية. فقد كشف ديفيد هيوم هشاشة الأساس المنطقي للاستقراء، مبيّنًا أن الانتقال من الجزئي إلى الكلي لا يقوم على ضرورة عقلية، بل على العادة والتكرار. ثم جاء كانط ليعيد تأسيس العلمية عبر التوفيق بين الحس والعقل، معتبرًا أن القوانين العلمية نتاج تفاعل بين المعطى التجريبي والبنية العقلية القبلية. ومع كارل بوبر بلغ المنهج ذروة جديدة حين جرى استبدال الاستقراء بمعيار القابلية للتفنيد، فأصبح العلم حركة دائمة من الفرضيات الجريئة إلى محاولات دحضها، لا منظومة يقينية مغلقة.
عند هذه النقطة، بدا وكأن المنهج العلمي قد بلغ اكتماله النظري، متمثلا في تجربة منظمة، صياغة رياضية، قابلية للاختبار والتفنيد، ومؤسسات علمية تضمن النشر والمراجعة والتصحيح الذاتي. وقد أثمر هذا الإطار ثورة معرفية وتقنية غير مسبوقة، مكّنت الإنسان من تفسير الظواهر، والتنبؤ بها، والتحكم فيها، وأنتجت إنجازات كبرى في الطب، والفيزياء والهندسة والتقنية. لكن هذا النجاح نفسه أثار تساؤلات عميقة حول حدود المنهج، ودوره الحقيقي في إنتاج المعرفة، وعلاقته بالعوامل الاجتماعية والثقافية والمؤسسية.
فالتاريخ يُظهر أن الحضارات القديمة، رغم غياب المنهج العلمي بصيغته الحديثة، أنجزت علومًا وتقنيات تضاهي في قيمتها ما أُنتج لاحقًا: من الطب والهندسة والفلك والرياضيات، إلى الآلات المعقدة والنظم الزمنية الدقيقة. كما أن كثيرًا من هذه الإنجازات لا يزال يثير أسئلة لم يُقدّم العلم الحديث لها تفسيرًا قاطعًا، ما يدل على أن المعرفة الإنسانية لم تكن يومًا حكرًا على إطار منهجي واحد. إضافة إلى ذلك، فإن صعود العلم الحديث لم يكن نتيجة المنهج وحده، بل ثمرة تضافر عوامل تاريخية مثل الطباعة، والمؤسسات الجامعية، والتحولات السياسية والدينية، وشبكات التبادل الثقافي. من هنا يتبيّن أن المنهج العلمي، على عظمته، ليس كيانًا معصومًا ولا تفسيرًا شاملاً لكل مسارات التقدم العلمي. فهو أداة قوية، لكنها بشرية، تخضع للانحيازات، ولضغوط التمويل، وللسلطة المعرفية السائدة، وقد تُقصي أحيانًا بدائل إبداعية أو مناهج غير مألوفة. كما أنه لا يجيب عن كل أنواع الأسئلة، خاصة القيمية والإنسانية والميتافيزيقية، ولا يضمن بالضرورة مسارًا خطيًا للتقدم، بل قد يعمل داخل أطر مغلقة تتطلب صدمات فكرية لكسرها.
عند هذا الحد، يصبح من المشروع، بل من الضروري، التساؤل، عن تقدّم العلم، فهل يكون دائمًا وفق قواعد منهجية صارمة؟ وهل كان الالتزام بالمنهج شرطًا لكل اكتشاف كبير؟ أم أن التاريخ يكشف عن دور للفوضى، والتجاوز، والخرق المتعمد للقواعد؟ هنا تحديدًا يبرز بول فايراباند، ليقلب المسألة رأسًا على عقب، معلنًا أن المنهج ذاته، قد يتحول إلى عائق أمام الإبداع، وأن تاريخ العلم الفعلي لا يسير وفق قواعد ثابتة، بل وفق تعددية وأساليب متداخلة، كثير منها لا يمكن تبريره منهجيًا بعد وقوعه. بهذا المعنى، فإن الانتقال إلى فايراباند ليس خروجًا اعتباطيًا عن مسار المنهج، بل نتيجة طبيعية لمراجعته من الداخل، بعد اكتماله النظري وظهور حدوده العملية والتاريخية. ومن هنا تبدأ المرحلة المفصلية السابعة، وهي مرحلة اللامنهج، بما لها من قوة نقدية، وما عليها من إشكالات فلسفية عميقة، وهي ما سننتقل إليه بوصفه تحديًا جذريًا لفكرة المنهج ذاتها، لا مجرد تعديل في أدواتها.
٥ من حيث انتهينا في الحديث عن تطور المنهج العلمي
لم يكن المنهج العلمي نتاج قرارٍ فجائي أو صيغة جاهزة وُلدت مكتملة، بل ثمرة مسار تاريخي طويل تداخلت فيه التجربة، والنجاح، والتصحيح، والشك. فمنذ الثورة العلمية، تشكّل الوعي الحديث على قناعة مفادها أن للطبيعة نظامًا يمكن اكتشافه عبر الملاحظة والتجربة والصياغة الرياضية. هذا الوعي منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على تفسير الظواهر والتنبؤ بها، وأرسى الأساس لثقة متنامية في المنهج العلمي بوصفه الطريق الأوثق للمعرفة. ومع تراكم الإنجازات، تحوّل المنهج من أداة إلى نموذج معياري يُقاس عليه كل إنتاج معرفي.
غير أن هذا الصعود لم يكن بلا ثمن. فمع توسّع نفوذ المنهج العلمي، بدأ يُنظر إليه لا بوصفه إحدى طرائق المعرفة، بل بوصفه الطريق الوحيد المشروع لها. هنا لم يعد السؤال عن فاعلية المنهج، بل عن حدوده، وعن الكيفية التي تحوّل بها من ممارسة تاريخية مرنة إلى قالب صارم يُفترض أن تخضع له جميع العلوم والتجارب الإنسانية. هذه النقلة من المنهج إلى المنهجية الصارمة مهّدت لظهور العلموية، وفتحت بابًا واسعًا للنقد الفلسفي.
في القرن العشرين، ومع تعقّد العلم ذاته وظهور الثورات العلمية الكبرى، تزعزعت الصورة الخطية البسيطة لتقدّم المعرفة. لم يعد تاريخ العلم يبدو مسارًا تراكميًا منتظمًا، بل سلسلة من الانقطاعات والتحولات الجذرية. أظهر هذا الواقع أن المنهج، كما يُقدَّم في الكتب التعليمية، لا يعكس دائمًا ما يحدث فعليًا في مختبرات العلماء أو في لحظات الاكتشاف الكبرى. وهنا بدأ يتبلور وعي جديد يرى أن العلم ممارسة إنسانية تاريخية، لا تطبيقًا آليًا لقواعد ثابتة.
ضمن هذا المناخ النقدي، برزت أطروحات فلاسفة أعادوا التفكير في طبيعة المنهج نفسه. فإذا كان المنهج العلمي قد أسهم في بناء الثقة بالعلم، فإن هذه الثقة، حين تحولت إلى يقين مطلق، صارت عائقًا أمام فهم الكيفية الحقيقية التي يتقدّم بها العلم. لم يعد النقاش يدور حول الدفاع عن المنهج أو رفضه، بل حول كشف الأسطورة التي أحاطت به، وتحليل العلاقة بين القواعد المعلنة والممارسات الفعلية للعلماء.
من هنا، يصبح الانتقال إلى أطروحات بول فايراباند انتقالًا منطقيًا لا قطيعة مفاجئة. فاللا-منهج عند فايراباند لا يظهر بوصفه دعوة إلى الفوضى أو إنكارًا للعلم، بل بوصفه نتيجة نقدية لمسار طويل من تقديس المنهج وتحويله إلى سلطة معرفية. إن الحديث عن كل شيء جائز لا يمكن فهمه إلا في ضوء تاريخ المنهج العلمي ذاته، وما كشفه هذا التاريخ من أن أعظم الاكتشافات لم تتحقق دائمًا بالالتزام بالقواعد، بل كثيرًا ما تحققت بكسرها.
وهكذا، فإن دراسة تطوّر المنهج العلمي تقود بالضرورة إلى مساءلته، ومساءلة ادعاءاته حول الحياد، والموضوعية، والصرامة. وفي هذا السياق، تمثل أطروحات فايراباند ذروة هذا المسار النقدي، حيث لا يعود المنهج ضمانة للحقيقة، بل يصبح موضوعًا للفحص والنقد. إن الانتقال من تاريخ المنهج إلى نقد المنهج، ومن الثقة إلى الشك المنهجي، هو ما يهيئ الأرضية لفهم أطروحة اللا- منهج لا كتهديد للعلم، بل كدعوة لإعادة إنسانيته وتحريره من أوهام العصمة. كما إن الانتقال من دراسة تاريخ المنهج العلمي إلى تحليل أطروحات فايراباند يمثل انتقالًا من سؤال، كيف ينجح العلم؟” إلى سؤال أعمق، هو كيف تُبنى شرعية المعرفة العلمية؟. وفي هذا الانتقال، يتبدّى العلم لا كنسق مغلق، بل كممارسة إنسانية مفتوحة، تتقدّم أحيانًا بالنظام، وأحيانًا أخرى بتجاوزه.
نبدأ بإعادة استعراض تطور المنهج وتعريفه، وبعدها نتحدث عن الاشكالات والتساؤلات التي أثيرت حول المنهج، ومن ثم نعرج للحديث عن مستوى الثقة في العلم والمنهج، عبر الزمن وعوامل تفاوتها، ونتوقف عند الذروة المتمثلة في العلموية، لنصل الى ما بعدها. وفي هذا السياق، تبرز أطروحة بول فايراباند.
٥.١ ملخص تطور المنهج وتعريفه
نلخص هنا تطور تعريف المنهج العلمي عبر السنين منذ نقطة البداية الفعلية التي شكلها ابن الهيثم لما يمكن أن نسميه "المنهج العلمي" بالمعنى الحديث، إذ لم يكتفِ بالنظرية، بل جعل التجربة والمشاهدة والاختبار أساسًا للمعرفة. في كتابه "المناظر" وضع تصورات منهجية تعتمد على الشكّ، وإعادة النظر في المسلمات، ثم بناء الفرضية واختبارها بالتجربة. كان يرى أن العقل وحده لا يكفي لفهم الطبيعة ما لم يُسند بالملاحظة الحسية الدقيقة، وكان يلحّ على ضرورة تكرار التجارب لإزالة الشكوك. بهذا وضع أسس التجريب المنظم الذي صار لاحقًا محور المنهج العلمي. ثم انتقل التأثير إلى الغرب عبر الترجمات، ليظهر روجيه بيكون في القرن الثالث عشر متأثرًا بالعلوم العربية والإسلامية. شدّد روجيه على أهمية التجربة باعتبارها "الحكم الأخير"، لكنه لم يتخلَّ عن الطابع الديني الفلسفي الذي كان سائداً في أوروبا. كان يرى أن الرياضيات مفتاح لفهم الطبيعة، وأن الوحي والعقل يمكن أن يتكاملا، لكنه اعتبر التجربة حجر الزاوية. يظل تميّزه في أنه حاول أن يوازن بين الدين والعلم، بين المعرفة اللاهوتية والمعرفة الطبيعية، لكنه رسّخ التجريب باعتباره معيارًا للحقيقة الطبيعية.
وجاء فرانسيس بيكون في مطلع العصر الحديث ليعطي للمنهج صياغته الفلسفية الأكثر تأثيرًا. فانتقد المناهج المدرسية القديمة في كتابه "الأورجانون الجديد"، وأكد على أن العالم لا يجب أن يبدأ باستنتاجات جاهزة، بل بالتحرر من "أصنام الفكر" وجمع المعطيات الحسية الموثوقة. ووضع بديلاً يقوم على الاستقراء، أي جمع المعطيات التجريبية وتصنيفها، ثم الصعود تدريجيًا نحو قوانين عامة. ورفض الاكتفاء بالقياس الأرسطي أو التجارب المعزولة، وطالب بتجميع ممنهج للبيانات الطبيعية. كان تعريفه للمنهج العلمي مرتبطًا بالبحث عن "قوة" تمكن الإنسان من السيطرة على الطبيعة وتسخيرها.
أما ديكارت فقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على العقلانية واليقين الرياضي. اعتبر أن الوصول إلى الحقيقة يتم عبر البدء من مبادئ أولى واضحة وبديهية، ثم الاستنتاج المنطقي خطوة بخطوة. منهجه يعتمد على التحليل (تفكيك المشكلة إلى أبسط عناصرها)، والتركيب (إعادة تركيبها وفق خطوات مرتبة)، والتدرج من البسيط إلى المركب، والإحصاء والمراجعة للتأكد من اكتمال المعرفة. إذا كان بيكون قد ركز على الاستقراء، فإن ديكارت ركز على الاستنتاج العقلي المبني على قواعد صارمة أقرب للرياضيات. ومع نيوتن ظهر التطبيق العملي المتكامل للمنهج العلمي، حيث جمع بين التجربة والرياضيات في وحدة واحدة. قوانين الحركة والجاذبية لم تُستنبط فقط من الملاحظة، بل صيغت في معادلات دقيقة عامة، أثبتت قدرتها على التنبؤ الدقيق بالظواهر. عند نيوتن يصبح المنهج العلمي هو التجربة المنظمة المترجمة في لغة رياضية قادرة على تقديم قوانين كلية للطبيعة. وجاء ديفيد هيوم ليطرح إشكالية فلسفية: أن الاستقراء الذي اعتمد عليه بيكون ونيوتن لا يملك مبررًا منطقيًا قاطعًا، لأن الانتقال من الملاحظات الجزئية إلى القوانين العامة ليس يقينيًا بل قائم على عادة عقلية وتكرار. بهذا أبرز حدود المنهج العلمي، مؤكداً أن ما نعدّه "قوانين" إنما هو استنتاج اعتاد العقل على صياغته بعد تكرار التجارب. هيوم لم يرفض المنهج التجريبي لكنه فضح هشاشة أسسه المنطقية.
ثم قدم كانت محاولة للتوفيق بين التجريبية والعقلانية، معترفًا بأن المعرفة تبدأ بالحس لكن لا تنتهي عنده، بل تحتاج إلى "مقولات العقل" التي تنظّم الخبرة الحسية وتحوّلها إلى معرفة علمية موضوعية. المنهج العلمي عنده هو تفاعل بين المادة الخام التي تقدمها التجربة، والبنية العقلية القبلية التي تجعل التجربة ذات معنى. وبهذا وضع أساسًا فلسفيًا لعلمية القوانين الطبيعية بوصفها ليست انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل نتاج تنظيم ذهني. أما كارل بوبر فقد غيّر المسار حين قدّم مفهوم "القابلية للتفنيد" كمعيار للعلمية. رفض الاستقراء واعتبره غير صالح كأساس يقيني للعلم. اقترح بدلًا من ذلك أن يتقدم العلماء بفرضيات جريئة، ثم يسعون إلى دحضها بالتجارب. ما لا يمكن تفنيده ليس علميًا. هكذا جعل المنهج العلمي حركة مستمرة من الفرضيات نحو الاختبار، حيث البقاء للأكثر صمودًا أمام التكذيب. مثاله الشهير أن نظرية "كل البجع أبيض" يمكن تكذيبها برؤية بجعة سوداء واحدة، أما النظريات التي لا يمكن اختبارها (مثل بعض القضايا الميتافيزيقية) فهي خارج العلم.
٥.٢ تطرف في النظرة للعلم
هنا، بدا وكأن المنهج العلمي قد بلغ اكتماله النظري، المتمثل في تجربة منظمة، صياغة رياضية، قابلية للاختبار والتفنيد، ومؤسسات علمية تضمن النشر والمراجعة والتصحيح الذاتي. وأنه قد نجح حيث أخفقت الفلسفات التأملية والأنساق الميتافيزيقية. فبعد أن تمكّن غاليليو ونيوتن من صياغة قوانين دقيقة تحكم حركة الأجسام والسماء، وبعد أن نجح العلم في تفسير الظواهر الطبيعية دون اللجوء إلى الغيب أو الأسطورة، نشأ شعور متنامٍ بأن العقل العلمي قد وجد أخيرًا مفتاح الطبيعة، خصوصا أنه أثمر ثورة معرفية وتقنية غير مسبوقة، مكّنت الإنسان من تفسير الظواهر، والتنبؤ بها، والتحكم فيها، وأنتجت إنجازات كبرى في الطب، والفيزياء، والهندسة، والتقنية. هذا النجاح الهائل في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا عزّز الاعتقاد بأن المنهج نفسه يمكن تعميمه على الإنسان، والمجتمع، والأخلاق، والتاريخ.
بلغ هذا التفاؤل ذروته في القرن التاسع عشر، مع صعود الوضعية العلمية، خصوصًا لدى أوغست كونت، الذي رأى أن البشرية قد تجاوزت مرحلتي اللاهوت والميتافيزيقا، ودخلت المرحلة الوضعية التي لا تعترف إلا بالعلم التجريبي. عند كونت، لم يعد العلم مجرد أداة للفهم، بل أصبح مشروعًا حضاريًا شاملًا، حتى إنه اقترح ديانة إنسانية، يكون فيها العلماء بمثابة كهنة جدد، وتحل فيها فيزياء المجتمع، محل اللاهوت. هنا لم يعد العلم يفسّر العالم فقط، بل يقدّم نفسه كبديل عن المعنى الديني، وكمرجعية نهائية للمعرفة والتنظيم الاجتماعي.
هذا الاعتزاز بالعلم لم يكن مقتصرًا على الفلاسفة، بل شارك فيه كبار العلماء أنفسهم. فقد وصف كارل ساغان العلم بأنه “شمعة في الظلام” في مواجهة الخرافة والأسطورة، في تعبير شاع كثيرًا وأصبح رمزًا لروح التنوير العلمي. وذهب ستيفن هوكينغ أبعد من ذلك حين صرّح بأن الفلسفة قد ماتت، وأن العلم، وخصوصًا الفيزياء، هو الطريق الوحيد تقريبًا لفهم الكون. أما ستيفن واينبرغ، فقد عبّر عن نزعة أكثر حدة حين قال إن كلما فهمنا الكون أكثر، بدا أكثر عبثية، معتبرًا أن العلم هو الذي حرّر الإنسان من أوهام المعنى الديني، حتى وإن لم يمنحه بديلًا وجوديًا مقنعًا.
٥.٣ تساؤلات ومراجعات
النجاح الذي حققه المنهج التجريبي، أثار تساؤلات عميقة حول حدوده، ودوره الحقيقي في إنتاج المعرفة، وعلاقته بالعوامل الاجتماعية والثقافية والمؤسسية. فالتاريخ يُظهر أن الحضارات القديمة، رغم غياب المنهج العلمي، بصيغته الحديثة، أنجزت علومًا وتقنيات تضاهي في قيمتها ما أُنتج لاحقًا في المجالات المختلفة من طب وهندسة وفلك ورياضيات، إلى الآلات المعقدة والنظم الزمنية الدقيقة. كما أن كثيرًا من هذه الإنجازات لا يزال يثير أسئلة لم يُقدّم العلم الحديث لها تفسيرًا قاطعًا، ما يدل على أن المعرفة الإنسانية لم تكن يومًا حكرًا على إطار منهجي واحد. إضافة إلى ذلك، فإن صعود العلم الحديث لم يكن نتيجة المنهج وحده، بل ثمرة تضافر عوامل تاريخية مثل الطباعة، والمؤسسات الجامعية، والتحولات السياسية والدينية، وشبكات التبادل الثقافي. من هنا يتبيّن أن المنهج العلمي، على عظمته، ليس كيانًا معصومًا ولا تفسيرًا شاملاً لكل مسارات التقدم العلمي. فهو أداة قوية، لكنها بشرية، تخضع للانحيازات، ولضغوط التمويل، وللسلطة المعرفية السائدة، وقد تُقصي أحيانًا بدائل إبداعية أو مناهج غير مألوفة. كما أنه لا يجيب عن كل أنواع الأسئلة، خاصة القيمية والإنسانية والميتافيزيقية، ولا يضمن بالضرورة مسارًا خطيًا للتقدم، بل قد يعمل داخل أطر مغلقة تتطلب صدمات فكرية لكسرها.
عند هذا الحد، يصبح من المشروع، بل من الضروري، التساؤل عن تقدم العلم، فهل كان هذا التقدم دائمًا وفق قواعد منهجية صارمة؟ وهل كان الالتزام بالمنهج شرطًا لكل اكتشاف كبير؟ أم أن التاريخ يكشف عن دور للفوضى، والتجاوز، والخرق المتعمد للقواعد؟ هنا تحديدًا يبرز بول فايراباند، ليقلب المسألة رأسًا على عقب، معلنًا أن المنهج ذاته قد يتحول إلى عائق أمام الإبداع، وأن تاريخ العلم الفعلي لا يسير وفق قواعد ثابتة، بل وفق تعددية وأساليب متداخلة، كثير منها لا يمكن تبريره منهجيًا بعد وقوعه.
بهذا المعنى، فإن الانتقال إلى فايراباند ليس خروجًا اعتباطيًا عن مسار المنهج، بل نتيجة طبيعية لمراجعته من الداخل، بعد اكتماله النظري وظهور حدوده العملية والتاريخية. ومن هنا تبدأ المرحلة المفصلية السابعة المتمثلة في مرحلة اللامنهج، بما لها من قوة نقدية، وما عليها من إشكالات فلسفية عميقة، وهي ما سننتقل إليه بوصفه تحديًا جذريًا لفكرة المنهج ذاتها، لا مجرد تعديل في أدواتها.
التبجيل المتصاعد للعلم لم يمر دون اعتراضات مبكرة. فقد حذّر جون ديوي من تحويل العلم إلى أيديولوجيا مغلقة، مؤكدًا أن المنهج العلمي أداة فعالة، لكنه لا يصلح ليكون عقيدة شاملة. ولاحظ إدموند هوسرل، في كتابه الشهير أزمة العلوم الأوروبية، أن الحضارة الأوروبية تعاني أزمة روحية عميقة لأنها اختزلت الحقيقة فيما هو قابل للقياس فقط، متجاهلة عالم المعنى والخبرة والوعي. حتى ألبرت أينشتاين، الذي يُعد رمزًا للعبقرية العلمية الحديثة، نبّه إلى هذا الخلل حين قال عبارته الشهيرة: “العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”، في إشارة إلى أن العلم وحده لا يكفي لتوجيه الإنسان أخلاقيًا ووجوديًا.
مع منتصف القرن العشرين، بدأت هذه الثقة المطلقة تتصدع، ليس بسبب فشل العلم، بل بسبب نجاحه نفسه، وما ترتّب عليه من نتائج مقلقة. فالقنبلة الذرية كشفت أن العلم قادر على التدمير بقدر ما هو قادر على البناء، والتجارب غير الأخلاقية في الطب والبيولوجيا أظهرت أن المعرفة العلمية لا تحمل في ذاتها ضمانة أخلاقية. في هذا السياق، ظهرت بدايات ما بعد الحداثة، التي أعادت طرح أسئلة نقدية جذرية حول طبيعة العلم وحدوده وادعاءاته.
شكّك مفكرو ما بعد الحداثة، مثل ميشيل فوكو، وتوماس كون، وبول فييرابند، في فكرة الحياد العلمي. فقد بيّن كون أن العلم لا يتقدّم عبر تراكم موضوعي محايد، بل عبر ثورات بارادايمية تغيّر ما يُعد حقيقة علمية ذاتها. وأوضح فوكو أن المعرفة العلمية لا تنفصل عن شبكات السلطة، وأن ما يُقدَّم بوصفه “حقيقة علمية” يكون غالبًا مرتبطًا بمؤسسات ومصالح وسياقات تاريخية. أما فييرابند، فقد ذهب إلى أبعد مدى، داعيًا إلى ما سمّاه “اللا-منهج”، رافضًا وجود قواعد ثابتة تحكم التقدم العلمي، ومؤكدًا أن تاريخ العلم نفسه يُظهر أن خرق القواعد كان في كثير من الأحيان سبب التقدم.
في هذا السياق، ظهرت الدعوة إلى التعددية المعرفية ورفض النموذج الوضعي الواحد. فلم يعد يُنظر إلى العودة إلى الميثولوجيا أو المعرفة الشعبية أو الحكمة التقليدية بوصفها تراجعًا بالضرورة، بل باعتبارها محاولة لإعادة التوازن بعد قرون من الهيمنة العلمية الصارمة. لم يكن المقصود استبدال العلم بالخرافة، بل كسر احتكار العلم للحقيقة، والاعتراف بأن للإنسان طرقًا متعددة للفهم، لكل منها مجاله وحدوده.
ومع هذا التحول، أصبح العلم أكثر انفتاحًا على اللايقين، والنسبية، وتداخل التخصصات. فلم تعد الفيزياء معزولة عن الفلسفة، ولا البيولوجيا عن الأخلاق، ولا العلوم الاجتماعية عن التأويل الثقافي. هذا اللا-منهج، الذي تبنّاه فييرابند لم يكن دعوة إلى الفوضى، بل دعوة إلى التواضع المعرفي، وإلى الاعتراف بأن العقل العلمي واحد من أدوات الفهم، لا الأداة الوحيدة.
٥.٣.١ الثقة بالعلم
شهد التاريخ الحديث تصاعدًا ملحوظًا في الثقة بالعلم، بدأ مع الثورة العلمية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين نجح المنهج التجريبي الرياضي في تفسير حركة الأجرام السماوية، وقوانين الطبيعة، وبنية المادة، على نحو لم تعرفه البشرية من قبل. هذا النجاح الباهر جعل العلم يبدو وكأنه المفتاح السحري لفهم الكون وضبطه، فترسّخ الاعتقاد بأن المنهج العلمي لا يقتصر على وصف الظواهر الطبيعية، بل قادر أيضًا على أن يكون النموذج الأمثل لكل أشكال المعرفة الإنسانية. ومع نيوتن وغاليليو، لم يعد العالم يُرى بوصفه كيانًا غامضًا تحكمه قوى خفية، بل آلة منتظمة يمكن التنبؤ بحركتها بقوانين دقيقة.
بعدها، تعمّقت هذه الثقة وتحولت إلى قناعة فلسفية عامة. فالعقل والعلم أصبحا رمزَي التحرر من الخرافة والسلطة التقليدية، وجرى تصوير التاريخ الإنساني كمسار تصاعدي ينتقل من الجهل إلى المعرفة، ومن الأسطورة إلى العلم. في هذا السياق، بدأ الدين يُقدَّم أحيانًا باعتباره بقايا مرحلة طفولية في وعي البشرية، بينما ظهر العلم بوصفه التعبير الأرقى عن النضج العقلي. وقد ساهم هذا المناخ في ترسيخ الاعتقاد بأن التقدم العلمي سيقود بالضرورة إلى تقدم أخلاقي واجتماعي مماثل.
بلغ هذا التصور ذروته في القرن التاسع عشر مع الفلسفة الوضعية، خاصة عند أوغست كونت، الذي رأى أن البشرية تجاوزت المرحلتين اللاهوتية والميتافيزيقية، ودخلت المرحلة العلمية النهائية. عنده، لم يعد العلم مجرد أداة معرفة، بل أصبح بديلاً وظيفيًا عن الدين، بل دين الإنسانية الجديد. وهكذا تحوّل الإيمان بالعلم عند بعض المفكرين من ثقة منهجية إلى ما يمكن تسميته بالعلموية، أي الاعتقاد بأن العلم هو الطريق الوحيد للحقيقة والمعنى، وأن كل ما لا يخضع للقياس والتجربة لا قيمة معرفية له.
يمكننا الرجوع الى مستوى الثقة ممثلة بمقدار كمي، في الجدول ٥٢، والشكل ٥. وفيهما يمكن متابعة تغير مستوى الثقة بالمنهج العلمي عبر الزمن بوصفه مسارًا غير خطي، يتأثر بالسياقات الفكرية والفلسفية بقدر ما يتأثر بالنجاحات العلمية نفسها. ففي القرون الوسطى، يظهر المنحنى صعودًا بطيئًا يعكس ثقة متزنة بالعلم، حيث كان يُنظر إليه كأداة فعّالة لفهم الطبيعة ضمن منظومة معرفية أوسع تضم العقل والفلسفة والدين، كما يتجلى ذلك في أعمال علماء مثل ابن الهيثم والبيروني. لم يكن المنهج العلمي آنذاك مطلق السيادة، بل كان محكومًا بوعي واضح بحدوده ووظيفته.
ابتداءً من القرن السابع عشر، يزداد المنحنى صعودًا بشكل ملحوظ، مدفوعًا بالنجاحات الكبرى للفيزياء الكلاسيكية مع غاليليو ونيوتن. فقد ترسخت صورة الكون بوصفه نظامًا آليًا عقلانيًا تحكمه قوانين رياضية دقيقة، مما عزز الاعتقاد بأن المنهج العلمي قادر على تفسير بنية الواقع تفسيرًا شاملًا. هذا النجاح التفسيري والتنبؤي غير المسبوق أدى إلى تضخم الثقة بالعلم، وانتقاله من كونه أداة معرفية إلى مرشح لأن يكون المرجع الأعلى للفهم.
يبلغ المنحنى ذروته في القرن التاسع عشر، حيث تتجسد مرحلة العلموية بأوضح صورها. في هذه الفترة، لم يعد العلم مجرد وسيلة للمعرفة، بل اعتُبر المصدر النهائي والوحيد للحقيقة، بل وأساسًا لإعادة تنظيم المجتمع والأخلاق، كما في الوضعية الكلاسيكية عند أوغست كونت. هذا الارتفاع الحاد في مستوى الثقة يعكس تحوّل المنهج العلمي إلى إطار أيديولوجي شامل، يتجاوز حدوده المنهجية الأصلية.
غير أن المنحنى يبدأ في الانخفاض بعد مطلع القرن العشرين، متأثرًا بسلسلة من الصدمات العلمية والفكرية. فقد كشفت النسبية وميكانيكا الكم عن حدود الحتمية واليقين، وأعادت صياغة مفاهيم أساسية مثل الزمان والمكان والسببية. كما أسهمت الحروب العالمية في زعزعة صورة العلم كقوة خلاصية محايدة. وتزامن ذلك مع النقد الفلسفي للعلم على يد مفكرين مثل توماس كون، وميشيل فوكو، وبول فييرابند، الذين أبرزوا تاريخية المعرفة العلمية، وتداخلها مع السلطة والثقافة والسياق الاجتماعي. ونتيجة لذلك، يستقر المنحنى في مستوى أدنى يعكس ثقة أكثر نضجًا وتواضعًا ثقة تعترف بقوة العلم وفاعليته، دون أن تمنحه مقام اليقين المطلق أو المرجعية الشاملة.
٥.٣.٢ ما ينبغي قوله عن العلموية في مقامنا هذا
غير أن القرن العشرين حمل صدمات عميقة هزّت هذا اليقين. فالحروب العالمية، واستخدام العلم في صناعة أسلحة الدمار الشامل، والتجارب الطبية اللاإنسانية، كشفت أن التقدم العلمي لا يضمن تقدمًا أخلاقيًا. هنا بدأ يتبلور وعي جديد بأن العلم، رغم قوته، أداة محايدة يمكن توظيفها في الخير أو الشر، وأنه عاجز بمفرده عن تحديد الغايات والقيم. هذا الإدراك فتح الباب أمام مراجعات فلسفية جذرية لطبيعة العلم وحدوده.
في هذا السياق، قدّم فلاسفة العلم مثل توماس كون تصورًا ثوريًا لتاريخ العلم، مؤكدًا أن العلم لا يتقدم خطيًا، بل عبر تحولات بارادايمية تخضع لعوامل اجتماعية وتاريخية، لا للمنطق الخالص وحده. أما ميشيل فوكو، فقد كشف البعد السلطوي للمعرفة العلمية، مبيّنًا كيف ترتبط العلوم بالخطابات السياسية والمؤسسات الاجتماعية، وكيف تسهم في تشكيل ما يُعتبر طبيعيًا أو مرضيًا، سويًا أو منحرفًا. وذهب بول فييرابند أبعد من ذلك حين رفض فكرة المنهج العلمي الواحد، ودعا إلى تعددية معرفية، معتبرًا أن التقدم العلمي نفسه نشأ أحيانًا عبر خرق القواعد لا الالتزام بها.
أعادت هذه الانتقادات طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: ما الذي يستطيع العلم أن يقدمه، وما الذي يعجز عنه؟ أصبح واضحًا أن العلم بارع في الإجابة عن أسئلة كيف يعمل العالم، لكنه صامت أمام أسئلة لماذا نعيش؟ وما الذي ينبغي فعله؟. من هنا، عاد الاهتمام بالأخلاق والدين والفلسفة، لا بوصفها بدائل عن العلم، بل باعتبارها مجالات مكملة له، تضبط استخدامه وتمنحه أفقًا معنويًا.
٥.٣.٣ الالحاد أحد تبعات العلموية، وليس الوحيد
أظهر التاريخ الفكري أن أثر تقديس العلم وتحويله إلى معيار وحيد للحقائق والمعرفة، بما يعرف بالعلموية، لم يقتصر على الإلحاد الحديث، بل ترك بصماته على جميع مستويات الحياة الإنسانية، من الوجودية إلى الثقافية والفكرية. فالاعتقاد بأن العلم قادر على تفسير كل شيء، بما في ذلك أصل الكون والحياة والوعي البشري، خلق لدى الإنسان شعورًا زائفًا بالسيطرة على الحقيقة المطلقة، وأوجد نزعة للتعامل مع الكون كمجرد تركيب ميكانيكي من القوانين الطبيعية، متجاهلًا البعد الروحي والمعنوي للوجود. وقد أشار إدموند هوسرل في كتابه أزمة العلوم الأوروبية، إلى أن الحضارة الأوروبية عانت أزمة روحية حقيقية بسبب اختزال الحقيقة إلى ما يُقاس فقط، متجاهلة الخبرة والوعي الإنساني، وهو ما يُعد أحد أبرز مظاهر الأزمة الناتجة عن العلموية.
تترتب على هذا التقديس للعلم انعكاسات متعددة على مستوى التفكير النقدي والقيم الإنسانية. فقد أدى إلى ما يمكن تسميته التحيز التجريبي، أو ما يسمى الواقعية العلمية المطلقة. التحيز التجريبي وهذا يعني الميل المنهجي، وأحيانًا الأيديولوجي، إلى اعتبار أن الطريق الوحيد المشروع للمعرفة هو التجربة الحسية والقياس والملاحظة المختبرية، وما لا يدخل في هذا الإطار يُعدّ إمّا غير حقيقي، أو غير ذي قيمة معرفية، أو مجرد رأي شخصي أو وهم ثقافي. هذا التحيّز لا يرفض التجربة بوصفها أداة علمية مهمة، بل يرفض حصر الحقيقة كلها داخل حدودها، بحيث تصبح التجربة معيارًا وحيدًا للحقيقة بدل أن تكون إحدى أدواتها. في هذا المعنى يتحول المنهج التجريبي من وسيلة إلى مرجعية نهائية تُقصي الفلسفة، والتأمل العقلي، والخبرة الأخلاقية، والحدس، والتجربة الروحية، وحتى كثيرًا من مجالات العلوم الإنسانية. كثيرمن الفلاسفة انتقدوا هذا الموقف، ومنهم هوسرل الذي رأى أن اختزال الحقيقة إلى القابل للقياس أدّى إلى أزمة روحية، في الحضارة الحديثة، لأن الإنسان فقد عالم المعنى لصالح عالم الحساب. أما الواقعية العلمية المطلقة فهي تعني الاعتقاد بأن ما يصفه العلم الطبيعي هو الواقع كما هو في ذاته، بالكامل وبصورة نهائية، وأن النماذج العلمية لا تمثل تقريبًا للواقع أو أدوات تفسيرية مؤقتة، بل هي مرآة مطابقة له. وفق هذا الموقف، يصبح كل ما لا يندرج تحت الوصف العلمي الفيزيائي غير موجود فعليًا أو أقل واقعية من الموجودات المادية. وبذلك تُختزل النفس والوعي والقيم والجمال والحرية والمعنى إلى مجرد آثار ثانوية لعمليات مادية قابلة، من حيث المبدأ، للاختزال إلى الفيزياء أو البيولوجيا.
يتجسد الجمع بين الأمرين في موقف يقول ضمنًا الواقعي هو ما يمكن قياسه، وما لا يمكن قياسه فليس واقعيًا حقًا. وهذا يؤدي إلى نتائج بعيدة المدى؛ إذ تُستبعد الأسئلة الوجودية الكبرى، كسؤال، لماذا يوجد شيء بدل لا شيء؟ وما معنى الحياة؟ وما الخير؟ وما الغاية؟ لأنها لا تخضع للتجربة المخبرية، مع أنها أسئلة أساسية لتجربة الإنسان ككائن واعٍ وأخلاقي. ويمكن تلخيص الفرق بين المصطلحين في أن التحيز التجريبي يتعلق بمنهج المعرفة، مثل كيف نعرف؟، بينما الواقعية العلمية المطلقة تتعلق بطبيعة الواقع نفسه كما الذي يوجد حقًا؟. وعندما يجتمعان، ينتجان رؤية ضيقة للعالم تميل إلى المادية الصارمة وتهميش الدين، والفلسفة، والقيم، والمعنى. فصار الاعتقاد سائداً بأن كل ما هو حقيقي يجب أن يكون قابلاً للقياس والملاحظة العلمية، متجاهلين الظواهر الإنسانية والوجدانية التي تتجاوز أدوات العلم البحتة. وقد حذر جون ديوي من هذا التحول، مشيرًا إلى أن العلم أداة لفهم الواقع وليس غاية مطلقة، فالعلم لا يجب أن يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة تمنع التفكير الحر، وهو تحذير من اختزال المعرفة إلى مجرد بيانات وإحصاءات، دون النظر إلى الأبعاد الأخلاقية والوجودية للإنسان.
كما أفضت العلموية إلى نزعة مادية مطلقة، حيث صار الإنسان يفسر الحياة والكون وفق قوانين الطبيعة وحدها، مع إهمال أي إطار قيم توجيهي أو منظور روحي. وقد لاحظ تشارلز تايلور أن العقلانية التقنية وحدها لا تضمن حياة ذات معنى، بل تحتاج إلى إطار أخلاقي وروحي لتوجيه الإنسان، وإلا فإن المعرفة العلمية تتحول إلى سردية باردة لا تقدم إجابات للأسئلة الوجودية الكبرى، ولا تمنح الإنسان إحساسًا بالغرض أو الهدف.
وفي الوقت ذاته، أنتجت العلموية بيئة خصبة للإلحاد الحديث، حيث أصبح البعض يرون أن العلم قادر على الإجابة عن كل التساؤلات الكبرى، من أصل الكون إلى طبيعة الحياة، دون الحاجة إلى الدين أو الفلسفة الروحية. هذا يظهر بوضوح في أعمال فرسان الإلحاد الأربعة مثل ريتشارد دوكينز وسام هاريس، الذين يعتبرون أن الدين يشكل عائقًا أمام العقل والمعرفة، وأن العلم وحده يكفي لفهم كل شيء. هذه النظرة تعكس جانبًا سلبيًا للعلموية، حيث يتم استبعاد أي بعد غير قابل للقياس، بما في ذلك البعد الروحي والأخلاقي للوجود.
بعض المفكرين، سعوا لتوظيف العلم بشكل متوازن، بحيث يعزز المعرفة من دون أن يلغي المعنى أو القيم الروحية. فهوسرل دعا إلى الاعتراف بحدود المعرفة العلمية وأهمية البعد الوجودي، بينما جون ديوي أكد أن العلم أداة وليست غاية، وأن الفكر النقدي والعقلاني يحتاج إلى قيم توجيهية. كما أن بول فايراباند وسائر المفكرين المعاصرين استثمروا العلم لدعم رؤية عقلانية متكاملة، توازن بين العقل والتجربة والروحانية، مما يبين أن العلموية ليست بالضرورة مدخلًا للإلحاد، بل يمكن أن تكون محفزًا لإعادة التفكير العميق في العلاقة بين العقل والدين والمعنى الإنساني.
من هنا، فإن مقدمة الحديث عن تبعات العلموية يجب أن تؤكد أن تقديس العلم ليس مجرد مسألة فلسفية نظرية، بل له آثار مباشرة على طبيعة المعرفة، القيم، والوعي البشري. فهو يولد تحديات متعددة تشمل البعد الأخلاقي، والروحي، والثقافي، والفكري، وفي الوقت نفسه يفتح مجالًا لإعادة التفكير في دور العلم كأداة لفهم الكون والعقل البشري، مع ضرورة الجمع بين العقلانية والمعنى، بين التجربة العلمية والقيم الروحية التي تمنح الحياة الإنسانية غاية واتزانًا.
٥.٣.٤ ما بعد العلموية!
يمكن القول إننا نعيش في زمن ما بعد العلموية، حيث استقرّت الثقة بالمنهج العلمي في مستوى أكثر نضجًا وتواضعًا. فنحن نثق بالعلم اليوم لأنه أنجح ما نملكه عمليًا لفهم الظواهر الطبيعية وحل المشكلات التقنية، لا لأنه قادر على تقديم إجابات نهائية عن الوجود والمعنى والقيم. وبهذا، عاد المنهج العلمي إلى موقعه الطبيعي: أداة معرفية قوية وضرورية، لكنها ليست مرجعًا كليًا ولا بديلاً عن الفلسفة أو الدين، بل شريكًا لهما ضمن أفق معرفي أوسع يعترف بتعدّد مستويات الفهم وحدود كل منها.
وفي هذا الإطار، برزت تحذيرات مفكرين كبار من مغبة تأليه العلم. فقد نبّه جون ديوي إلى خطر تحويل المنهج العلمي إلى عقيدة مغلقة، ورأى إدموند هوسرل أن الأزمة الروحية للحداثة نتجت عن اختزال العقل في العقل العلمي وحده. وحتى ألبرت أينشتاين، الذي كان أحد أعمدة الفيزياء الحديثة، أكد أن العلم بلا قيم إنسانية يظل أعرج، وأن الدين بدون علم يصبح أعمى.
وهكذا، يمكن القول إن المسار التاريخي للعلم انتقل من مرحلة الثقة المطلقة، إلى الإفراط العلموي، ثم إلى النقد والمراجعة، وصولًا إلى وعي معاصر يسعى إلى التوازن. لم يعد العلم يُنظر إليه كمنقذ شامل أو كدين بديل، بل كقوة معرفية هائلة تحتاج إلى إطار أخلاقي وإنساني أوسع. وفي هذا التوازن الجديد، يُعاد بناء العلاقة بين العلم والدين والمعنى، لا على أساس الصراع أو الإقصاء، بل على أساس التكامل واحترام حدود كل مجال.
غير أن المشكلة، كما تبلورت في النقد المعاصر، لم تكن في العلم ذاته، بل في العلموية التي تحوّل العلم إلى دين بديل. يظهر هذا بوضوح في مقولات مثل قول ريتشارد دوكينز إن العلم يجعل من الممكن أن نكون غير روحانيين بسعادة، وهو تصريح يكشف انتقال العلم من أداة تفسير إلى موقف وجودي شامل. هذا الانزياح ولّد توقعات غير واقعية، مثل اعتقاد بيتر ميداوار أن العلم سيحل المشكلات الأخلاقية، أو وعد فرانسيس كريك باكتشاف “سر الحياة” عبر البيولوجيا الجزيئية، متجاهلين أن الوجود الإنساني أعقد من أن يُختزل في شفرة جينية أو معادلة كيميائية.
وهكذا، انتهى هذا المسار الطويل إلى إدراك متزايد بأن العلم، على عظمته، لا يمكن أن يكون كل شيء. فهو يشرح كيف يعمل العالم، لكنه لا يجيب عن لماذا نعيش فيه، ولا كيف ينبغي أن نعيش. ومن هنا جاءت الحاجة إلى إعادة التوازن بين العلم، والفلسفة، والأخلاق، والدين، لا بوصفها مجالات متصارعة، بل بوصفها أبعادًا متكاملة لفهم الإنسان لذاته وللعالم.
لم تكن العلموية ولا تقديس العلم مجرد موقف معرفي يخص العلماء وحدهم، بل تحوّلا تدريجيًا إلى رؤية شاملة للعالم أثّرت في بنية الثقافة الحديثة بأكملها. فالعلموية تقوم على الاعتقاد بأن العلم التجريبي هو الطريق الوحيد إلى الحقيقة، وأن كل ما لا يخضع للقياس والاختبار التجريبي لا يمتلك قيمة معرفية حقيقية. هذا التصور ظهر بوضوح في الفلسفة الوضعية عند أوغست كونت، الذي رأى أن البشرية بلغت ذروتها المعرفية حين تخلّت عن اللاهوت والميتافيزيقا واعتمدت حصريًا على العلم. ومع مرور الوقت، انتقل هذا الموقف من احترام المنهج العلمي إلى منحه سلطة شبه مطلقة، بحيث غدا العلم في نظر كثيرين مرجعًا نهائيًا لا يقتصر على تفسير الطبيعة، بل يمتد ليحكم على الأخلاق والمعنى والغاية الإنسانية، وكأن العلم قادر على الإجابة عن كل الأسئلة، حتى تلك التي لم يُنشأ أصلًا للإجابة عنها.
أدّى هذا التوجه إلى تضييق مفهوم المعرفة اختزالًا، إذ حُصرت المعرفة فيما يمكن قياسه والتحقق منه تجريبيًا، بينما جرى تهميش مجالات كاملة مثل الفلسفة، والميتافيزيقا، والأخلاق، والتجربة الإنسانية الداخلية. وقد عبّر الفيلسوف كارل ياسبرز عن هذا القلق بقوله إن العلم يقدّم لنا معرفة دقيقة عن الأشياء، لكنه يعجز عن أن يقول لنا لماذا ينبغي أن نعيش. ولم يعد السؤال عن معنى الوجود، أو الغاية من الحياة، أو طبيعة الخير والشر، سؤالًا مشروعًا في الفضاء العلمي، لأنه لا يقبل القياس أو التجربة. كما ترسخ وهم الموضوعية المطلقة، وكأن العلم منفصل تمامًا عن الإنسان وتاريخه وثقافته، رغم أن تاريخ العلم نفسه يبيّن أنه نشاط بشري مشروط بنماذج نظرية ولغات مفهومية وسياقات اجتماعية، وهو ما كشفه توماس كون بوضوح حين بيّن أن العلم لا يتقدّم خطيًا، بل عبر تحولات بارادايمية تغيّر ما يُعد حقيقة علمية ذاتها.
على مستوى صورة الإنسان، أسهمت العلموية في تشييء الإنسان واختزاله إلى كيان بيولوجي أو منظومة من التفاعلات الفيزيائية والكيميائية. ففي القرن العشرين، ومع صعود السلوكية في علم النفس، جرى تفسير السلوك الإنساني بوصفه مجرد استجابات لمثيرات خارجية، دون اعتبار للوعي أو المعنى أو الحرية، وهو ما دفع عالم النفس كارل روجرز لاحقًا إلى الاحتجاج قائلًا إن الإنسان ليس «فأر تجارب معقّدًا». كذلك، في بعض اتجاهات علم الأعصاب المعاصر، يُختزل الوعي في نشاط كهربائي عصبي، وكأن الحب، والألم، والأمل، والإيمان ليست سوى إفرازات دماغية، الأمر الذي أثار اعتراض فلاسفة مثل توماس نيغل حين تساءل: «ما الذي يعنيه أن تكون خفاشًا؟»، في إشارة إلى أن التجربة الذاتية لا تُختزل في الوصف الفيزيائي.
أما في المجال الأخلاقي، فقد كشفت العلموية عن قصورها بوضوح. فالعلم قادر على وصف ما هو كائن، وعلى تفسير كيفية عمل الأشياء، لكنه عاجز بطبيعته عن الإجابة عن سؤال ما ينبغي أن يكون. وقد عبّر ديفيد هيوم مبكرًا عن هذه الفجوة حين أشار إلى استحالة الانتقال المنطقي من «هو» إلى «ينبغي». ومع ذلك، شهد القرن العشرون استخدامًا خطيرًا للعلم دون ضوابط أخلاقية، كما في تجارب تحسين النسل في أوروبا والولايات المتحدة، حيث استُخدمت مفاهيم بيولوجية لتبرير التعقيم القسري، بل وحتى الإبادة في النظام النازي، باسم «العلم» و«النقاء العرقي». وهنا تتجلى المفارقة: العلم كان دقيقًا في توصيف الجينات، لكنه صامت تمامًا عن كرامة الإنسان.
وفي المجال السياسي والاجتماعي، تحوّلت العلموية أحيانًا إلى أداة للضبط والهيمنة. فالخطاب الذي يُقدَّم على أنه “علمي” يكتسب سلطة عالية، ويُتعامل معه بوصفه حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. وقد أظهر ميشيل فوكو في دراساته عن الجنون والسجون كيف تحوّلت المعرفة الطبية والنفسية إلى وسائل لتصنيف البشر وعزلهم وتأديبهم، لا بدافع الحقيقة وحدها، بل ضمن شبكات من السلطة. فالجنون، مثلًا، لم يكن دائمًا مرضًا، بل أصبح كذلك حين قررت المؤسسة الطبية تعريفه وضبطه. وهكذا لم يعد العلم محايدًا تمامًا، بل أصبح جزءًا من آليات تنظيم المجتمع.
أما في علاقتها بالدين والروحانية، فقد أسهمت العلموية في تعميق التوتر بين العلم والدين، ليس لأن العلم في ذاته يناقض الإيمان، بل لأن العلموية أنكرت من حيث المبدأ وجود أي معرفة ذات قيمة خارج الإطار العلمي التجريبي. وقد عبّر عالم الأحياء ريتشارد دوكنز عن هذا الموقف حين وصف الإيمان بأنه «وهم خطير»، بينما ردّ عليه فيزيائيون مؤمنون مثل جون بولكينغهورن مؤكدين أن العلم يجيب عن أسئلة “كيف”، بينما يظل سؤال “لماذا” خارج نطاقه. والمفارقة اللافتة أن تطور الفيزياء الحديثة - من النسبية إلى ميكانيكا الكم - أعاد بقوة أسئلة البداية، والخلق، والمعنى، وحدود المعرفة، كما اعترف بذلك ستيفن هوكينغ نفسه حين تساءل ما الذي يُضفي نارًا على المعادلات ويجعل الكون موجودًا أصلًا؟ . تساؤل ستيفن هوكينغ، كما ورد في كتابه تاريخ موجد للزمن، يشير إلى إدراك عميق للتمييز بين مستويين من الفهم، مستوى الوصف العلمي، ومستوى السؤال الوجودي. فالمعادلات الفيزيائية، مهما بلغت من الدقة والاتساق، تظل صيغًا رياضية تصف كيفية عمل الكون إذا كان موجودًا. لكنها لا تفسر بذاتها لماذا يوجد واقع تتحقق فيه هذه المعادلات أصلًا. المغزى من هذه العبارة، أن القانون الفيزيائي لا يخلق موضوعه، بل يفترض وجوده. الفيزياء تشرح كيف يتمدد الكون، وكيف تنشأ البنى الكونية، وكيف تتفاعل الجسيمات والقوى، لكنها تعمل دائمًا داخل إطار وجودٍ مُعطى. أما السؤال عن سبب وجود هذا الإطار نفسه - ولماذا هناك شيء بدلًا من لا شيء - فهو سؤال يتجاوز حدود التفسير التجريبي الصرف. هنا ينتقل التفكير من كيف يعمل العالم؟ إلى لماذا يوجد العالم؟. لكن، هذا لا يعني أن هوكينغ كان يعلن عجز العلم أو يتراجع إلى تفسير لاهوتي، بل كان يعترف بحدٍّ مفهومي بين المعادلة ووجودها المتحقق. فحتى لو افترضنا أن قوانين الفيزياء تسمح بنشوء الكون تلقائيًا، كما ناقش لاحقًا في كتابه التصميم العظيم، يبقى السؤال قائمًا حول مصدر هذه القوانين نفسها، ولماذا تتسم بهذه البنية دون غيرها. إن الانتقال من الإمكان الرياضي إلى الوجود الفعلي يظل مسألة فلسفية أكثر منه مسألة تقنية. المغزى إذن، أن هناك فرقًا جوهريًا بين تفسير الآلية وتفسير الوجود. العلم يقدّم نماذج دقيقة لكيفية حدوث الأشياء، لكنه لا يحسم مسألة لماذا يوجد شيء أصلاً. وهذا ليس قصورًا في العلم، بل نتيجة لطبيعته المنهجية؛ فهو يشتغل داخل العالم، لا على أصل الوجود ذاته. ومن هنا تكمن أهمية سؤال هوكينغ ، إنه يذكّر بأن أقصى إنجازات الفيزياء لا تُلغي الحاجة إلى التأمل الفلسفي في معنى الوجود وحدوده.وعلى المستوى الحضاري العام، أسهمت العلموية في بناء حضارة قوية تقنيًا ومبهرة في إنجازاتها، لكنها في الوقت نفسه بدت هشة من الناحية القيمية والمعنوية. حضارة أنتجت الطاقة النووية التي أنارت المدن، لكنها أنتجت أيضًا القنبلة الذرية التي دمّرت هيروشيما وناغازاكي. حضارة استطاعت إرسال الإنسان إلى القمر، لكنها عجزت عن منع الحروب، والعنصرية، والاغتراب النفسي. وقد لخّص الفيلسوف هربرت ماركيوز هذا التناقض حين وصف الإنسان الحديث بأنه «متقدم تقنيًا، متأخر إنسانيًا». ومن هنا جاءت في العقود الأخيرة عودة متزايدة إلى الفلسفة، والأخلاق، والدين، والدراسات البينية، بوصفها محاولة لإعادة التوازن إلى فهم الإنسان للعالم ولنفسه.
وخلاصة الأمر أن المشكلة لم تكن في العلم بوصفه منهجًا وأداة قوية لفهم الطبيعة، بل في العلموية التي أرادت أن تجعل من هذا المنهج المحدود بطبيعته مرجعًا مطلقًا لكل جوانب الوجود الإنساني. فالعلم، كما قال آينشتاين، شيء رائع، لكنه أداة لا غاية، وهو يضيء جانبًا مهمًا من العالم، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الإنسان معنى حياته، أو يحدد له ما ينبغي فعله، أو يجيب عن أسئلته الوجودية العميقة. ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى الحكمة الفلسفية، والرؤية الأخلاقية، والبُعد الروحي، لا بوصفها بدائل عن العلم، بل بوصفها شركاء ضروريين له في بناء إنسان متوازن وحضارة أكثر إنسانية.
.٦ الالحاد وعلاقته بالعلموية
مؤخرا، بدأ الاهتمام بمفهوم الإلحاد مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالرابط المتزايد بين العلم والمنهج التجريبي. فمع صعود الفكر العلمي الحديث، صار للعلم مكانة عظيمة في حياة الإنسان المعاصر، وأدى تقديسه في بعض الأحيان إلى ما يُعرف بـالعلموية، أي تحويل العلم إلى معيار وحيد للحقائق والمعرفة، وإهمال الأبعاد المعنوية والوجودية للإنسان. وقد أشار علماء الاجتماع والفلاسفة إلى أن هذا التقديس أوجد أرضية خصبة لظهور أشكال جديدة من الإلحاد، حيث صار الإنسان يسعى إلى تفسير كل شيء وفقًا للمنطق التجريبي وحده، متجاهلًا القيم الروحية والمعنوية. كما يقول جون ديوي العلم لا يجب أن يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة تمنع التفكير الحر، وهو تحذير من اختزال الواقع إلى مجرد بيانات قابلة للقياس. وفي هذا السياق، أشار إدموند هوسرل في كتابه أزمة العلوم الأوروبية إلى أن الحضارة الأوروبية عانت أزمة روحية لأنها اختزلت الحقيقة فيما هو قابل للقياس فقط، متجاهلة عالم المعنى والخبرة والوعي، وهو ما يوضح المخاطر المرتبطة بالعلموية المطلقة.
ويظهر الإلحاد في أشكاله التقليدية والحديثة بفروق واضحة. فالإلحاد الكلاسيكي كان غالبًا موقفًا فلسفيًا محدودًا، يقوم على إنكار وجود الإله دون تقديم تفسير علمي دقيق للكون، بينما الإلحاد الحديث، كما يمثله فرسان الإلحاد الأربعة أو السبعة، يعتمد على المنهج العلمي والتجريبي لتقديم حجة وجودية ضد الدين، متبنيًا موقفًا متطرفًا أحيانًا يروج لفكرة أن العلم وحده قادر على تفسير كل شيء. فرسان الإلحاد، ريتشارد دوكينز وكريستوفر هيشنغز وسام هاريس ودانيال دينيت، كما تشير الدراسات المعاصرة، ينطلقون من رؤية أن الإيمان يمثل عقبة أمام المعرفة، ويمثلون الإلحاد الحديث الذي يركّز على الطرح الجدلي والنقد المباشر للرموز الدينية. وقد جاء في نقدهم أن الدين في أغلب الأحيان ليس إلا رواية خرافية تعيق تقدم العقل البشري، وهو ما يعكس طابعهم الجدلي تجاه المعتقدات الدينية.
في المقابل، هناك مفكرون مسلمون معاصرون استخدموا منطلقات العلم والمنطق للتأكيد على إمكانية توافق المعرفة العلمية مع الإيمان. فقد وفّرت أطروحة فايرباند أرضًا خصبة لهم لإظهار أن المنظومة الإسلامية تمتلك إمكانات عقلية وإبداعية حقيقية، يمكن أن تنهض بمعرفة علمية لا تعارض الإيمان، بل تنطلق منه أحيانًا. من بين هؤلاء، الدكتور نضال قسوم والسيد كمال الحيدري، اللذان سعيا إلى بناء نموذج معرفي متوازن يدمج بين العقل والتجربة والروحانية، مؤكدين أن العقل قادر على نقد الظواهر دون إنكار وجود الله. وقد عبّر أحدهم عن هذا بقوله: "الإيمان ليس معادًا للعلم، بل يمكن أن يكون منهجًا توجيهيًا للعقل في فهم الكون".
تتضح أهمية دراسة الشخصيات التاريخية مثل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في هذا السياق، حيث تعامل مع ملحد عصره، ابن أبي العوجاء، بطريقة عقلانية ومنطقية. فقد بين الإمام من خلال الحوار أن رفض وجود الله بشكل كامل يتناقض مع ترتيب الكون وقوانين الحياة والوعي البشري، قائلاً، "إن يكن الأمر كما يقول هؤلاء، وهو على ما تقولون، فقد سلموا وعطبتم، وإن يكن الأمر كما تقولون وليس كما تقولون، فقد استويتم وهم". ويبرز هذا الموقف كمثال على أن مواجهة الإلحاد ليست مجرد دحض لفظي، بل تحليل منطقي وعقلاني قائم على دراسة الواقع ووجود النظام الكوني.
وأخيرًا، يمكن القول إن الإلحاد وأنواعه الحديثة والتقليدية، وردود المفكرين عليه، تعكس صراع الإنسان المستمر بين إدراك الحدود العقلية للبشر والرغبة في معرفة الحقيقة المطلقة. فبينما يسعى بعض الملحدين الحديثين إلى استخدام العلم وحده لتفسير كل شيء، يظهر أن الفكر المتوازن، كما عبر عنه المفكرون المسلمون المعاصرون والحضارات السابقة، قادر على الجمع بين المنهج العلمي والروحانية، مستفيدًا من التجربة والوعي والبحث المنطقي، مما يوضح أن النقاش حول الإلحاد ليس مجرد صراع بين الإيمان والرفض، بل رحلة مستمرة لفهم مكان الإنسان في الكون ومعنى وجوده.
٦.١ فرسان الالحاد والردود عليهم
يُعدّ عالم الأحياء التطوري والكاتب البريطاني ريتشارد دوكينز من أبرز ممثلي ما سُمّي الإلحاد الجديد، وقد عبّر بوضوح في كتابه وهم الإله الصادر عام ٢٠٠٦م، عن رؤيته القائلة إن الإيمان الديني يعرقل المعرفة العلمية حين يُقدَّم بوصفه تفسيرًا نهائيًا للوجود يغلق باب البحث. يجادل دوكينز بأن الفرضية الإلهية ليست تفسيرًا علميًا، بل اختصارًا يوقف التفكير لأنها تُعفي العقل من البحث عن الأسباب الطبيعية. في سياق نقده للخلقوية والتصميم الذكي، يرى أن تبنّي تفسير ديني لنشأة الحياة يقف عقبة أمام علم الأحياء التطوري الذي تأسس على أعمال علماء مثل تشارلز داروين وعلماء الوراثة المعاصرين. وقد ارتبط دوكينز علميًا بمجال البيولوجيا التطورية في جامعة أكسفورد، وتأثر بتراث داروين وجورج ويليامز في الانتقاء الطبيعي. من أبرز الردود عليه كتاب الفيلسوف وعالم اللاهوت الأيرلندي أليستر ماكغراث وهم دوكينز؟ الصادر عام ٢٠٠٧م، حيث انتقد ما اعتبره خلطًا بين التفسير العلمي والتفسير الميتافيزيقي، ورأى أن دوكينز يتجاوز نطاق المنهج العلمي حين يحكم فلسفيًا على الدين. كما ناقشه الفيلسوف البريطاني جون لينُكس في مناظرات علنية بجامعة أكسفورد عام ٢٠٠٨م، مؤكدًا أن وجود تفسير علمي لظاهرة ما لا ينفي إمكان وجود معنى أو غاية أوسع.
أما الصحفي والكاتب البريطاني الأمريكي كريستوفر هيشنغز، فقد قدّم في كتابه الله ليس عظيمًا، كيف يسمّم الدين كل شيء الصادر عام ٢٠٠٧م، طرحًا جدليًا يرى فيه أن الدين تاريخيًا عائق أمام التقدم الأخلاقي والعلمي، مستشهدًا بصراعات تاريخية ومحاكمات مثل قضية غاليليو. يرى هيشنغز أن السلطة الدينية كثيرًا ما عارضت الاكتشافات العلمية، وأن النصوص المقدسة تُستخدم لتقييد التفكير الحر. استند في أطروحته إلى سرديات تاريخية ونقد أدبي وفلسفي أكثر من اعتماده على بحث علمي تجريبي، وارتبط فكره بتيار التنوير العقلاني والنقد الليبرالي للدين. من أبرز الردود عليه كتاب اللاهوتي البريطاني أليستر ماكغراث الرد على هيشنغز ضمن أعماله الدفاعية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكذلك كتاب الفيلسوف ديفيد بنتلي هارت الإلحاد: الوهم، الصادر عام ٢٠٠٩م، حيث اتهم هارت هيشنغز بانتقاء أمثلة تاريخية دون معالجة التعقيد الحضاري الذي شارك فيه الدين في نشوء الجامعات والعلوم الحديثة.
الفيلسوف وعالم الأعصاب الأمريكي سام هاريس تناول الفكرة في كتابه نهاية الإيمان الصادر عام ٢٠٠٤م، حيث ذهب إلى أن المعتقدات الدينية القائمة على الوحي غير القابل للاختبار تمثل خطرًا معرفيًا وأخلاقيًا لأنها تمنح حصانة لأفكار لا تخضع للنقد. ويرى هاريس أن المعرفة يجب أن تقوم على التجربة والعقل، وأن التسليم بنصوص مقدسة يحدّ من حرية التفكير. ففي كتابه اللاحق مشهد الأخلاق عام ٢٠١٠م، حاول الدفاع عن إمكان تأسيس الأخلاق على أسس علمية عصبية دون الحاجة إلى مرجعية دينية، مستندًا إلى أبحاث في علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي.و ردّ عليه فلاسفة مثل توماس نيغل في مراجعات نقدية نُشرت في دوريات فكرية عام ٢٠١٠م، معتبرًا أن هاريس يخلط بين الوقائع العلمية والأحكام القيمية. كما كتب الفيلسوف راسل بلاكفورد نقاشات نقدية حول أطروحته الأخلاقية في المجلات الفلسفية، مشيرًا إلى أن ربط الأخلاق حصريًا بالعلم يواجه إشكالات فلسفية عميقة.
أما الفيلسوف الأمريكي دانيال دينيت، المتخصص في فلسفة العقل، فقد عرض موقفه في كتابه كسر التعويذة: الدين كظاهرة طبيعية الصادر عام ٢٠٠٦م، حيث دعا إلى دراسة الدين بوصفه ظاهرة قابلة للتحليل العلمي مثل أي سلوك بشري. يرى دينيت أن قداسة الدين تمنع إخضاعه للنقد العلمي، وأن هذه الحصانة تمثل عائقًا أمام فهم أعمق لآليات الإيمان وانتشاره. استند في تحليله إلى نظريات التطور الثقافي وعلم النفس التطوري، متأثرًا بأعمال علماء الإدراك والتطور مثل ريتشارد دوكينز وإدوارد ويلسون. لكن تصدى لاطرواحاته بعض العلماء، ومنهم الفيلسوف الأمريكي ألفين بلانتينغا في كتابه أين يكمن الصراع حقًا، العلم والدين والطبيعية، الصادر عام ٢٠١١م، حيث جادل بلانتينغا بأن الصراع الحقيقي ليس بين العلم والدين بل بين العلم والطبيعية الفلسفية، وأن الإيمان يمكن أن يكون متسقًا معرفيًا مع المنهج العلمي.
تظهر هذه الأمثلة أن فرسان الإلحاد الأربعة يشتركون في رؤية تعتبر الإيمان، حين يُقدَّم كسلطة نهائية غير قابلة للنقد، عائقًا أمام المعرفة العلمية أو الأخلاقية، إلا أن أطروحاتهم قوبلت بردود فلسفية ولاهوتية وعلمية واسعة، مما يؤكد أن الجدل لا يدور فقط حول الوقائع العلمية، بل حول طبيعة المعرفة وحدودها وعلاقة التفسير العلمي بالتفسير الديني. لمختصر مواقف وآراء وكتب الفرسان الأربعة، يمكن الرجوع للجدول ٥٥، والجدول ٥٦ يلخص العلاقة بين العلموية والالحاد.







تعليقات
إرسال تعليق