في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!XVIII

 تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١٤                                              

معالجة السيد الصدر لفجوة هيوم، والمآخذ على بيكون وكانت



"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازا ت العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر، عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة  في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب  في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم، ونفصِّل في أطروحاته، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"


بعد الحديث في المقالات الأربعة، التي كانت  تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة، ب ١٣ مقالا  تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، وفيها تحدثنا عن المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره.  وهنا مقال رقم  ١٤ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم  ١٨)،  حيث تحدثنا في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج  العلوم  عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار وبعد عرض رؤية لاكتوش، وكيف تتشابه وتختلف مع بارادايم كون، وبعد الحديث عن أنماط   كرومبي الستة،  وعن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، وتحدثنا عن  دور كل من لاري لاودان عن فلسفته الواقعية للعلم كون العلم، في فلسفته، أداة لحل المشكلات، و برونو لاتور الذي يرى أن العلم ليس رحلة عقلانية محضة ولا مشروعًا منفصلًا عن تفاعلات البشر والأشياء. فهو شبكة تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية، وتُنتج الحقيقة عبر علاقات وتشابكات لا يمكن ردّها إلى أصل واحد. وفي السياق، استحضرنا الثنائيات التي كانت إحدى المرتكزات التي اعتمدتها الحداثة، وكيف تم تجاوزها من قبل كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز،  وتصميم بنثام للبانوبتيكون ، وكيف استفاد لاتور منهم. وبعد تغطية  مساهمات كل  شافيز و ستيفنز و هاكينغ ، تحدثنا عن تجسير الكسندر كويريه  بين التحليل الفلسفي والتاريخي المفهومي للعلوم، و لمحة عن دور المسلمين  واسهاماتهم، في سياق الحديث عن آناليس ماير وأعمالها.

 وهنا نتحدث نتحدث عن اشكاليتي بيكون وكانط، وبعد ذلك نتحدث عن مساهمة السيد الصدر في سد الفجوة المعرفية التي أثارها هيوم في موضع الاستقراء، وبعد ذلك يكون الطريق  سالكا للحديث في المقال القادم، عن المرحلة المفصلية  السابعة في المنهج، نمهد لها باستعراض المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين، ثم نعرض  أطروحات بول فايرابند التي وضعها في كتابه ضد المنهج والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!!  


في هذا المقال نتحدث عن ثلاثة مواضيع مهمة، الأول نتناول فيه المأخذ المتعلق بالتعارض بين خطاب فرانسيس بيكون بشأن دعوته العلماء والفلاسفة والمهتمين بالمنهج التجريبي ،ممن يسعون ليساهموا ويقدموا فيه مادة جديدة، أن يطلعوا على ما قدمه العلماء السابقين في مجالهم، بينما نجد أن بيكون لم يلتزم بهذا السلوك الذي طلب من غيره الالتزام به. والموضوع الثاني نتناول فيه المأخذ على ما ذهب اليه أوغست كانط في نظريته عن المراحل الثلاثة في تطور العقل البشري. هاذان الموضوعان تم تأجيلهما عن سياقهما الطبيعي في مقالين سابقين، تناولنا في أحدهما اسهامات فرانسيس بيكون وفي الثاني اطروحات أوغست كونت وكان التأجيل لهدف تفادي تشتت الحديث عن السياق الطبيعي فيهما. أما الموضوع الثالث، فهو من المواضيع المهمة التي لابد من تخصيص مساحة مناسبة لها بسبب طبيعته، وفيه نتناول  معالجة السيد محمد باقر الصدر لفجوة هيوم في الاستقراء. 


تحدثنا جزئيا عن الموضوعين في المقالات السابقة في سياق الحديث عن تطوير المنهج التجريبي، ولكن هنا نعود لهما. نعود لتسليط الضوء على تناقض يظهر لنا أن فرانسيس بيكون وقع فيه فيما يتعلق بالمنهج التجريبي، كما نعود لمناقشة اشكالية وقع فيها كانط تتعلق بمراحله الثلاث. عودتنا هذه، نسعى بها لإكمال  الصورة عن مساهماتهما في سياق تغطيتنا الحديث عن المنهج العلمي وتطوره ورجالاته والنقاشات التي تخللت تطوره، والمآخذ عليه وبعض الإشكالات التي لم يكن لها نصيب في الحديث عنها بشكل يتناسب مع أهميتها كما نرى.  
أتحدث هنا، أولا عن الكاتب والفيلسوف ورجل الدولة البريطاني فرانسيس بيكون، ١٦٢٦م الذي برز في مطلع العصر الحديث بوصفه أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في إعادة توجيه الاهتمام الأوروبي نحو الطبيعة والتجربة. عاش في زمن التحولات الكبرى التي سبقت الثورة العلمية بقليل. كان رجل دولة وقانون، لكن طموحه الفكري تمحور حول ما سمّاه إعادة بناء المعرفة البشرية. رأى أن الفلسفة المدرسية الأرسطية قد استنفدت أغراضها، وأن اعتمادها على القياس اللفظي والنقاش المنطقي المجرد عطّل تقدم العلم. اهتم بيكون أساسًا بالمنهج، لا بالنتائج الجزئية، وكان هدفه وضع طريقة جديدة لاكتساب المعرفة تقوم على الملاحظة المنظمة والتجربة المتكررة والتدرج من الجزئيات إلى القوانين العامة.
أهم أعمال بيكون كتابه الأورغانون الجديد، ١٦٢٠م، الذي صاغ فيه أداته الجديدة التي يقترح أن تكون بديلا لأداة أرسطو في انتاج المعرفة، ودون فيه نقده الشهير لما سماه أصنام العقل؛ أي الأوهام المعرفية التي تعيق التفكير السليم، مثل أصنام القبيلة والسوق والمسرح. كما كتب تقدم المعرفة وروايته الأطلنطس الجديدة التي عرض فيها تصورًا طوباويًا لمجتمع علمي منظم. في هذه الأعمال أكد أن المعرفة قوة، وأن العلم يجب أن يُسخَّر لتحسين حياة البشر عبر السيطرة المنهجية على الطبيعة. ومن هنا، ذاع صيته، وعرف في المحيط العلمي البريطاني، باهتماماته العلمية المرتبطة بتطوير المنهج العلمي. 
غير أن الإشكالية الأولى التي التفت إليها الباحثون لاحقًا تتعلق بادعاء بيكون الضمني، وأحيانًا الصريح، أنه واضع المنهج التجريبي أو مؤسس روحه الأساسية. فمع دعوته إلى مراجعة تاريخ الأفكار ونقد الموروث، لم يُجرِ بنفسه مراجعة عادلة لتاريخ الممارسة التجريبية قبل أوروبا الحديثة. فقبل بيكون بقرون، مارس علماء مسلمون مثل ابن الهيثم والبيروني منهجًا تجريبيًا دقيقًا، قائمًا على الفرض، والاختبار، والنقد، والتكرار. فابن الهيثم، في كتابه المناظر، صرّح بوضوح بأن الباحث يجب أن يجعل نفسه خصمًا لما ينظر فيه، وأن يعتمد التجربة لا مجرد العقل المجرد. والبيروني قدّم نماذج في الجغرافيا والفلك والفيزياء تقوم على القياس والمقارنة والتجربة الميدانية. لذلك رأى مؤرخو العلم مثل جورج سارتون وأحمد فؤاد باشا أن بيكون لم يكن مبتكر المنهج التجريبي بقدر ما كان مُنظِّرًا له في السياق الأوروبي، وأن إغفاله للتقاليد العلمية السابقة، ربما يعكس حدود أفق اطلاعه التاريخي والثقافي أكثر مما يعكس حقيقة التطور العلمي.

٤.٤.١.٣.٢.١٥ تناقض فرانسيس بيكون بين دعوته وعمله في المنهج

لم يأت بيكون بما أتى به، وهو في خامة أولية له، في موضوع المنهج التجريبي للعلوم الا بعد تراكم خبرة المختصين عبر القرون، من أرسطو ومرورا ببيكون ووصولا لوقتنا الحاضر حيث شهدنا تراكم معرفة وخبرات وتجارب، كانت كفيلة بدفع المنهج التجريبي نحو مستوى النضج في التنظير والتطبيق. استعرضنا هذا وكذلك استعرضنا تطور العلوم في مقالات عدة سابقة، ووصلنا الى آخر مراحل التطور فيما يتعلق بالمنهج العلمي التي تركز في مجملها على نقض المنهج من أساسه، والتي سنبدأ في الحديث عنها بعد هذا المقال. وتنشيطا للذاكرة، أعيد وضع الجدول الزمني ١ و٢ واللذان تحدثنا عنهما في مقال سابق، وفيهما إيضاحا لتطور المنهج العلمي، من أرسطو الى ابن الهيثم، الذي اعتبرناه حينها شخصية مركزية في مسار تطور المنهج العلمي ومن ثم من ابن الهيثم الى ابن الشاطر، وكذلك نضع جدول ٤٥ الذي يوضح تطور تاريخ العلوم، بهدف معرفة موقع بيكون من كل هذا بإيضاح من أتى قبله وما دوره، ومن أتى بعده وما دوره.  ومن أجل استحضار ما قام به بيكون من اغفال لدور سلسلة غنية من الإسهامات العلمية من الباحثين والفلاسفة والعلماء المهتمين بالمنهج العلمي عبر القرون التي سبقته، للإيضاح أن ما قام به ليس استثناء، نعيد وضع جدول ٥ ، من مقال سابق، والذي يدرج بعض الاكتشافات والاختراعات نسبت الى غير من اكتشفها أو مهد لاكتشافها. 











٤.٤.١.٣.٢.١٦ دعوة فرانسيس بيكون لتتبع تاريخ المنهج التجريبي وتطوره

لم يكتب بيكون كتابًا مخصصًا بعنوان تاريخ العلوم، لكنه دعا صراحة إلى تتبع تاريخ المنهج التجريبي وتطور المعرفة الإنسانية في أكثر من موضع، ضمن مشروعه الفكري المعروف بـ إصلاح العلوم ويمكن تحديد أهم المواضع والكتب التي تضم هذه الدعوة:
1. كتاب الأورغانون الجديد١٦٢٠م
في هذا الكتاب، الذي يُعد جوهر مشروعه التجريبي، يشير بيكون إلى ضرورة تتبع تطور التجربة والملاحظة عبر العصور، ليُبنى على ما وصل إليه من سبقوه لا لتكرارهم. وفيه يذكر أن العلم لا ينمو إلا بفهم ما أنجزه القدماء وما عجزوا عنه، وهو ما يعكس دعوته لتاريخ نقدي للعلم.
2. الجزء التمهيدي من الإصلاح العظيم للمعرفة الإنسانية
في مقدمة هذا المشروع، يقترح بيكون خطة لإعادة بناء العلوم على أسس جديدة، ويؤكد أن هذه العملية لا تكتمل دون مراجعة شاملة لتاريخ الفكر العلمي، لمعرفة مواضع الخطأ والتوقف والخلط بين العقل والتجربة.
3. في كتابه تقدم التعلم ١٦٠٥م
هذا الكتاب هو الأكثر وضوحًا في طرحه لفكرة تتبع تاريخ المعرفة، إذ خصّص فصولًا للحديث عن تاريخ الفلسفة والعلوم، ودعا إلى جمع ما كتبه السابقون وتصنيفه نقديًا. فيقول بيكون فيه "إن أول خطوة لإصلاح المعرفة هي أن نعرف تاريخها، لا لكي نحفظه، بل لكي نعيد بناءه."

٤.٤.١.٣.٢.١٧ كيف يمكن التوفيق بين دعوات بيكون وعدم قيامه بتطبيقها 

أثار هذا التعارض، عددًا من الدارسين والمؤرخين لفلسفة العلم. ومن تتبع ما تم تدوينه عن هذا الاشكال، يمكن ايجاز تحليل هذا التناقض الظاهري، عند المهتمين،  من ثلاث زوايا متكاملة وهي الزاوية التاريخية، والمنهجية، والبلاغية/الخطابية. 

٤.٤.١.٣.٢.١٧.١ الزاوية التاريخية

بيكون عاش في مرحلة انتقالية من الفكر المدرسي (السكولاستي) إلى الفكر التجريبي الحديث، وكانت الساحة الفكرية الأوروبية في بدايات القرن السابع عشر ما تزال متأثرة بالمنطق الأرسطي وباللاهوت الطبيعي. لهذا، حين دعا إلى إصلاح المعرفة، وتاريخ العلوم، لم يكن يعني كتابة تاريخ علمي نقدي كما نفهمه اليوم، بل كان يقصد تتبع انحرافات الفكر السابق عن المنهج الصحيح الذي يراه هو، أي المنهج التجريبي الاستقرائي.
بمعنى آخر، لم يكن مشروعه مؤرخًا بالمعنى التوثيقي، بل مشروعًا تأسيسيًا إصلاحيًا، أراد من خلاله إعلان قطيعة رمزية مع الماضي، حتى لو استفاد ضمنيًا من تراثه. ولهذا تجاهل عمدًا ذكر الأسماء السابقة التي مارست التجربة، مثل ابن الهيثم أو روجر بيكون أو حتى غاليليو المعاصر له، لأنه أراد أن يظهر منهجه كـ بداية جديدة للعلم.



٤.٤.١.٣.٢.١٧.٢ الزاوية المنهجية

حين قال بيكون إن أول خطوة لإصلاح المعرفة هي معرفة تاريخها، لم يكن يقصد التاريخ التجريبي للعلوم كما نعرفه اليوم، بل تاريخ الأفكار والمناهج التي قادت إلى الخطأ أو الجمود. لذلك كان تاريخه نقديًا لا توصيفيًا، فهو يريد أن نعرف أين أخطأ القدماء لكيلا نعيد أخطاءهم، لا أن نستعيد منجزاتهم أو نبني عليها مباشرة. وبذلك يصبح غرضه من تاريخ العلم ليس إعادة كتابة ما حصل، بل تشخيص علل المنهج القديم. هذا يفسر لماذا لم يتوسع في تتبع المنهج التجريبي عند من سبقوه، رغم دعوته لتتبع تطور المعرفة الإنسانية. هو كان معنياً بـ تاريخ عقل العلم لا تاريخ تجاربه.

٤.٤.١.٣.٢.١٧.٣ الزاوية البلاغية / الخطابية

بيكون كان خطيبًا إصلاحيًا أكثر منه مؤرخًا. لغته الدعوية كانت تهدف إلى تحفيز عصره على تبني مشروعه الجديد، ولذلك كان من مصلحته إظهار منهجه كـ قطيعة معرفية لا امتدادًا لتجارب متفرقة. هذه النزعة الخطابية جعلته يضخم من أصالة مشروعه، في حين أنه في الواقع استلهم من تقاليد تجريبية سابقة، منها تجارب الحرفيين، والكيميائيين، والعلماء العرب، لكنه لم يصرّح بذلك حتى يبرز نفسه مؤسسًا لمنهج جديد.

٤.٤.١.٣.٢.١٨ خلاصة التوفيق

يمكن تلخيص مراجعة المختصين لتناقض بيكون، في أنه لم يكن مؤرخًا بالمعنى الدقيق، بل كان مصلحًا فلسفيًا، ودعوته إلى دراسة تاريخ المعرفة كانت دعوة تحليلية نقدية، لا توثيقية. لذلك فهو لم يتتبع المنهج التجريبي في ذاته، بل أراد أن يضع له قانونًا جديدًا، يجعله منهجًا فلسفيًا عامًا للعلم. أما تجاهله للأسلاف التجريبيين، فكان جزءًا من استراتيجيته الفكرية لإظهار مشروعه كفتح جديد، لا كامتداد لتراث متقطع. هذه الخلاصة مما يطرح للدفاع عن بيكون في عدم تتبعه ، أو ربما عدم ذكره لمن سبقوه في المبادرة بالحديث وبممارسة المنهج التجريبي، في نظرنا لا تعفي بيكون من التناقض الذي وقع فيه، كما أنها لا تعفيه من عدم اعطاء الآخرين حقهم في مبادرتهم التي سبقوه بها بقرون خلت. فما دفعه لتبني الحاجة لأورغانون جديد في عام ١٦٢٠م يكون بديلا عن أورغانون أرسطو هي في حد ذاتها كان يجب أن تعكس قدرا من معرفة ما وصل اليه الطرح فيما يخص انتاج العلوم. فليس من المنطقي تقديم حلول لتجاوز الممارسة، بدون معرفة إن كان هناك من حاول تجاوزها وطبيعة تلك المحاولات، قبله أو لا. 

٤.٤.١.٣.٢.١٩ تجاوز مؤرخو القرن العشرين تناقض بيكون 

بينما تعامل بيكون مع تاريخ العلم كأداة إصلاحية تهدف إلى نقد الماضي وبيان انحرافه عن المنهج الصحيح، جاء جورج سارتون في أوائل القرن العشرين ليحوّل هذا الاهتمام إلى علم قائم بذاته، له موضوعه ومنهجه ومصادره، فكان معنيا بتتبع التطور الفعلي للمعرفة عبر الحضارات، معتبراً أن العلم عملية تراكمية تشترك فيها الأمم جميعًا. ولهذا أسّس مجلة تاريخ العلوم ١٩١٣م، لتكون منبرًا علميًا لدراسة تاريخ العلوم بمناهج توثيقية دقيقة، بعكس بيكون الذي تجاهل تراث غيره، حرص سارتون على إبراز الدور الإسلامي والشرقي في تشكيل العلم الحديث، رافضًا مركزية أوروبا وحدها. وهكذا تحوّل تاريخ العلم من نقد بلاغي إلى بحث في  علم التاريخ، أكاديمي تحليلي شامل.
أما توماس كون  فقد ذهب أبعد من سارتون، إذ رأى أن تاريخ العلوم ليس تراكمًا متصاعدًا ولا مجرد سلسلة من الأخطاء والتصحيحات كما ظنه بيكون، بل هو تاريخ تحولات جذرية تتغير فيها الأطر الفكرية نفسها.
في كتابه بنية الثورات العلمية ١٩٦٢م، قدّم كون مفهوم البرادايم  (النموذج الإرشادي)  ليشرح كيف يشتغل المجتمع العلمي داخل أطر فكرية محددة، ثم ينهار النموذج حين تتكاثر الشذوذات ويُستبدل بآخر جديد.
بهذا المعنى، أعاد كون الاعتبار للتاريخ الحقيقي للعلم، بوصفه تاريخًا للعقل الجمعي والعلاقات بين النظرية والمجتمع والعقيدة العلمية، لا مجرد نقد للمنهج كما فعل بيكون. وبذا، ننتقل من تاريخ الأفكار إلى بنية التحول.
يمكن القول إن بيكون مثّل مرحلة الخطاب التأسيسي الذي نادى بإصلاح العقل العلمي، بينما مثّل سارتون وكون مثلا مرحلة النضج المنهجي في فهم تاريخ العلوم. بيكون أراد تاريخًا للتقويم، أما سارتون فكتب تاريخًا للتوثيق، وكون قدّم تاريخًا للفهم والتحليل البنيوي. فالأول ركّز على كيف ينبغي أن يُبنى العلم، والثاني على كيف بُني بالفعل، والثالث على لماذا تغيّر بنيانه.
وهكذا، إذا كان فرانسيس بيكون قد مهّد الطريق بفكرته عن ضرورة معرفة تاريخ العلم لفهمه، فإن مؤرخي القرن العشرين قد حرروا هذا التاريخ من نزعة الإصلاح الخطابية، وجعلوه علمًا موضوعيًا وتحليليًا يدرس العلم في سياقه الثقافي والمعرفي والاجتماعي.

٤.٤.١.٣.٢.٢٠ كانت/كانط والإشكالات على مراحل تطور العقل البشري

الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت ١٨٥٧م، عاش في فترة ما بعد الثورة الفرنسية وبداية تشكّل المجتمع الصناعي. ومن هنا جاء اهتمامه بإعادة تنظيم المعرفة والمجتمع معًا، وكان هاجسه الأساسي هو إيجاد علم للمجتمع يماثل علوم الطبيعة في صرامته، وهو ما أسماه لاحقًا الفيزياء الاجتماعية أو علم الاجتماع. انطلق كونت من إيمان عميق بأن تاريخ الفكر الإنساني يخضع لقوانين يمكن اكتشافها.
أهم أعماله كان كتاب دروس في الفلسفة الوضعية، الذي عرض فيها قانونه الشهير الذي أسماه قانون المراحل الثلاث، ومفاده أن الفكر الإنساني يمر حتمًا بثلاث مراحل متعاقبة وهي المرحلة اللاهوتية، ثم الميتافيزيقية، ثم الوضعية العلمية. وكل منها لها ثقافتها وأدواتها في الوصول أو الحصول على المعرفة. ونتحدث عن كل من هذه المراحل ببعض اسهاب. 
ما سمّاه كونت بالمرحلة اللاهوتية في تطور العقل البشري، هو تقسيم تاريخي، تفسيري لا وصفي محايد، أي أنه يصف كيف كان الإنسان يفسّر الظواهر لا حقيقة هذه التفسيرات. ووضع كانط ثلاث مراحل فيه، نشرحها على النحو الآتي. في الفتِشية يُنسب الفعل والتأثير مباشرة إلى الأشياء المادية نفسها، وكأنها كائنات حيّة تمتلك إرادة وقدرة. الإنسان في هذه المرحلة لا يميّز بوضوح بين الحي والجامد؛ فالصخرة قد تغضب، والنهر قد يعاقب، والشجرة قد تمنح الخير أو الشر. الظواهر الطبيعية تُفهم بوصفها أفعالًا مباشرة لهذه الأشياء. مثال ذلك الاعتقاد بأن حجرًا معيّنًا يجلب الحظ، أو أن البركان ثائر لأنه “غاضب”. هنا لا يوجد إله  بالمعنى المفارق، بل قوى مبثوثة داخل الأشياء ذاتها. لذلك تُسمّى هذه المرحلة فِتِشية، من كلمة fetish التي تعني الشيء المشحون بالقوة أو الروح. 
ثم ينتقل التفسير إلى التعددية الإلهية، حيث لا تعود الأشياء نفسها فاعلة، بل تُنسب الظواهر إلى آلهة متخصصة، لكلٍّ منها مجال وسلطة. الرعد له إله، والبحر له إله، والحرب لها إله، والخصب له إله. المثال الكلاسيكي هو اليونان القديمة، فزيوس للرعد، وبوسيدون للبحر، وآريس للحرب.و الطبيعة هنا لم تعد حيّة بذاتها، لكنها خاضعة لإرادات متعددة فوقها. هذا يعبّر عن خطوة عقلية متقدمة، لأن الإنسان بدأ يفصل بين الظاهرة وبين القوة التي تفسرها، لكنه لا يزال يفسر العالم عبر شخصنة القوى الطبيعية.
أما في التوحيدية، فيتم توحيد مصدر الفعل والتأثير في إله واحد شامل، لا يختص بظاهرة دون أخرى، بل يُنظر إليه بوصفه الخالق والمنظّم لكل قوانين الطبيعة. الظواهر لم تعد نتيجة نزوات آلهة متعددة، بل تجري وفق نظام عام وإرادة كلية. في هذا التصور، المطر لا ينزل لأن إله المطر أراده، بل لأن الكون كله محكوم بإرادة واحدة، وقانون واحد. الأديان السماوية تمثل هذا النمط، حيث يجتمع تفسير كانت تحت مبدأ واحد جامع. من المهم التنبيه إلى أن كانت يرى هذا التدرّج كتطور في نمط التفسير لا بالضرورة في عمق التدين أو صدقه. كما أن هذا النموذج تعرّض لنقد واسع، لأن التاريخ الفعلي للأديان أكثر تعقيدًا من هذا الخطّ المستقيم، ولأن التوحيد في ذاته لا يعني تفسيرًا أسطوريًا للظواهر، بل قد يترافق مع عقلنة القوانين الطبيعية كما حدث في الحضارة الإسلامية وأوروبا الوسيطة. ويمكننا التبسيط بالقول إن الفتشية تقول إن الشيء نفسه يفعل، بينما التعددية تقول إن آلهة متعددة خلف الأشياء، والتوحيدية تقول إن قانون كوني واحد صادر عن إله واحد. وهذا يوضح كيف كان الإنسان، بحسب كانط، ينتقل من تفسير مباشر وشخصي للطبيعة، إلى تفسير أكثر تجريدًا وشمولًا.
أما المرحلة الثانية وهي المرحلة الميتافيزيقية، ففيها ينتقل الفكر من تفسير الظواهر بالآلهة إلى تفسيرها بمفاهيم مجردة مثل الطبيعة، الجوهر، أو القوة. فهي مرحلة انتقالية بين اللاهوت والتجربة العلمية، وتُعدّ تعقيلًا للمرحلة السابقة. وهنا نقوم بتفكيك دقيق لأن ألفاظه قد تبدو مألوفة لكنها تحمل معاني فلسفية خاصة في سياق المرحلة الميتافيزيقية.  فعندما يتحدث كانط عن الطبيعة في هذه المرحلة، فهو لا يقصد الطبيعة بمعناها العلمي الحديث، أي منظومة القوانين القابلة للقياس والتجريب، بل يقصد كيانًا كليًا مجردًا يُنسب إليه الفعل بدل الإله أو الآلهة. فبدل أن يقال إن المطر نزل لأن الإله أراده، يُقال إن الطبيعة اقتضت ذلك. الطبيعة هنا تقوم مقام الفاعل الخفي، لكنها لم تُحلَّل بعد إلى قوانين دقيقة أو علاقات رياضية. هي اسم عام يُخفي الجهل بالآلية التفصيلية. والجوهر يعني افتراض وجود شيء ثابت خلف الظواهر المتغيرة. فإذا تغيّر لون الجسم أو شكله أو حركته، يُقال إن وراء هذه التغيرات جوهرًا ثابتًا يحمل الصفات. هذا المفهوم ورثته الفلسفة الحديثة من أرسطو، لكنه في المرحلة الميتافيزيقية يُستخدم غالبًا بوصفه تفسيرًا نهائيًا لا تحليليًا، فلماذا يسقط الحجر؟ لأن جوهره ثقيل. لا يُسأل بعدها كيف ولماذا وبأي مقدار، بل يُكتفى بالإحالة إلى الجوهر. أما القوة فتعني افتراض قدرة غير مشخصنة لكنها لا تزال غامضة. لم تعد القوة إلهًا له إرادة، لكنها أيضًا ليست قانونًا رياضيًا مضبوطًا. فبدل أن يقال إن الرعد غضب إله، يُقال إن قوة كهربائية أو قوة طبيعية أحدثت الظاهرة، دون معرفة دقيقة بشروطها أو صيغتها. القوة هنا اسم يصف الأثر أكثر مما يفسر سببه. وتعتبر هذه المرحلة، مرحلة تعقيل للمرحلة اللاهوتية، فهو يقصد أن العقل لم يعد يفسّر العالم عبر كائنات شخصية (آلهة، أرواح)، بل عبر مفاهيم مجردة. أي أن التفسير انتقل من (من فعل؟) إلى (ما المبدأ الذي يقف خلف الفعل؟). هذا انتقال مهم في تاريخ التفكير، لأنه يخفف الطابع الأسطوري ويُدخل نوعًا من التجريد والعقلنة، لكنه لا يصل بعد إلى المنهج العلمي. ومن المهم التأكيد هنا أن التعقيل هنا لا يعني العلم بالمعنى الحديث، بل يعني أن الإنسان صار يستخدم مفاهيم عقلية عامة بدل السرد القصصي أو الأسطوري. لكنه ما زال يجيب عن سؤال لماذا؟ بإحالات مفهومية واسعة، لا بسلاسل سببية قابلة للاختبار. ولهذا تُعد المرحلة الميتافيزيقية مرحلة انتقالية، فهي أقل أسطورية من اللاهوتية، وأكثر تجريدًا منها، لكنها أقل دقة وانضباطًا من المرحلة العلمية.

ففي المرحلة اللاهوتية، يسقط المطر لأن الإله أراد، وفي المرحلة الميتافيزيقية، يسقط المطر لأن الطبيعة هكذا تفعل.، أما في المرحلة العلمية، فيسقط المطر بسبب شروط فيزيائية محددة يمكن قياسها والتنبؤ بها. وبهذا المعنى، الطبيعة والجوهر والقوة ليست اكتشافات علمية، بل محطات عقلية حاول بها الإنسان تفسير العالم بلغة أكثر عقلانية، قبل أن يتعلم كيف يفسّره بالقوانين والتجربة.
والمرحلة الثالثة وهي المرحلة الوضعية، هي المرحلة التي يصفها كانط بمرحلة النضج، حيث يتخلى الإنسان عن البحث في العلل الأولى أو الغايات النهائية، ويكتفي بوصف العلاقات الثابتة بين الظواهر، أي قوانينها القابلة للملاحظة والاختبار.
في هذا السياق، حين يُذكر التخلي عن البحث في العلل الأولى التي تعني السؤال عن السبب النهائي الأعمق لوجود الأشياء، ومنها لماذا وُجد الكون أصلًا؟ ما السبب الأول الذي أطلق سلسلة الأسباب؟ من أين جاءت القوانين نفسها؟ هذا النوع من الأسئلة شغل الفلسفة واللاهوت منذ أفلاطون وأرسطو، وبلغ ذروته في مباحث العلة الأولى والمحرّك الأول والواجب الوجود. كونت لا يقول إن هذه الأسئلة بلا معنى مطلقًا، لكنه يرى أنها غير قابلة للحسم المعرفي، لأنها تتجاوز ما يمكن ملاحظته أو اختباره. فهي، من وجهة نظره، أسئلة عقلية كبرى، لكنها لا تنتج معرفة علمية قابلة للتراكم. وتعني أيضا التخلي عن البحث في الغايات النهائية والتي تعني السؤال عن لأجل ماذا؟ لماذا خُلقت الظواهر؟ ما الهدف من وجود الجبال أو الأمراض أو الإنسان؟ هذا النمط من التفكير الغائي كان مركزيًا في الفلسفة الأرسطية واللاهوت الديني، حيث تُفهم الطبيعة بوصفها متجهة نحو غايات. كونت يرى أن هذا النوع من التفسير يُسقط على الطبيعة مقاصد بشرية، ويجعل الظواهر وكأنها تعمل لتحقيق أهداف، بدل أن تُفهم بوصفها خاضعة لعلاقات وقوانين. وبالتالي فنحن أمام أحد أكثر مفاصل فكر أوغست كونت حساسية، لأنه يمسّ جوهر التحول من التفكير الفلسفي-اللاهوتي إلى التفكير العلمي الوضعي.
ففي المرحلة الوضعية، لا يُجاب عن سؤال، لماذا يحدث الشيء؟ بل يُستبدل بسؤال، كيف يحدث؟ وتحت أي شروط؟ وبأي انتظام؟ فالعلم، وفق كونت، لا يبحث عن سبب الوجود، بل عن قانون الظاهرة. أي العلاقة الثابتة التي تربط بين ظواهر يمكن ملاحظتها وتكرارها. ولهذا عرّف العلم الوضعي بأنه وصف للعلاقات الثابتة بين الظواهر، لا بحث في جوهرها أو أصلها المطلق.  فبدل أن يُسأل، ما العلة الأولى للجاذبية؟ يُسأل، كيف تتناسب قوة الجاذبية مع الكتلة والمسافة؟ وبدل يُسأل، ما الغاية من المرض؟، يُسأل، ما أسبابه البيولوجية؟ وكيف يمكن التنبؤ به أو علاجه؟ كانط، أسمى المرحلة الوضعية بمرحلة النضج لأن الفكر الإنساني يتوقف فيها عن مطاردة أسئلة لا يمكن حسمها تجريبيًا، ويركّز جهده على ما يمكن التحقق منه وبناؤه تراكميًا. إنها مرحلة الانضباط المعرفي، حيث تُقبل المعرفة المشروطة، الجزئية، القابلة للتصحيح، بدل المعرفة المطلقة.
لكن من المهم التنبيه إلى أن هذا التخلي عند كونت ليس إنكارًا ميتافيزيقيًا واعيًا، بل تعليق منهجي للأسئلة القصوى. أي أن العلم لا يقول إن العلل الأولى أو الغايات النهائية غير موجودة، بل يقول، ليست من مجال اختصاصي. ولهذا قال كونت عبارته الشهيرة بما معناها العلم لا يفسر، بل يصف ويربط. وبهذا المعنى، فالمرحلة الوضعية لا تعني القضاء على الفلسفة أو الدين، بل تعني فصل مجالات المعرفة، العلم يهتم بالقوانين والعلاقات القابلة للرصد، والفلسفة قد تتأمل المعنى الكلي، والدين يجيب عن أسئلة الغاية والقيمة، ولكن الخطأ، في نظر كونت، هو الخلط بينها. إذن، الانتقال إلى المرحلة الوضعية ليس انتقالًا من الإيمان إلى الإلحاد، ولا من الفلسفة إلى الفراغ، بل انتقال من سؤال المبدأ والغاية إلى سؤال القانون والانتظام، ومن تفسير العالم بما هو لماذا هو موجود إلى فهمه بما هو كيف يعمل؟
وهنا نصل لتشخيص ما أسميناه بالإشكالية الثانية في حديثنا هذا، وهذه تظهر هنا بوضوح.  فقانون المراحل الثلاث، الذي تبناه كانت، يفترض مسارًا خطيًا واحدًا للتاريخ العقلي للبشرية، لكنه يصطدم بالمعطيات التاريخية الفعلية. فحضارات قديمة مثل المصرية والرومانية طورت معارف هندسية وطبية وفلكية عملية ذات طابع وضعي دون أن تمر بالضرورة، كما يتصور كونت، بمسار فلسفي ميتافيزيقي منظم. كما أن تاريخ العلوم نفسه لا يسير في خط مستقيم؛ بل يشهد انقطاعات، وانتكاسات، وتعايش أنماط تفسير مختلفة في الزمن نفسه. الفيزياء الحديثة، مثلًا، لم تتخلَّ كليًا عن الأسئلة الفلسفية، بل عادت بقوة إلى قضايا الزمان والمكان والسببية.
لهذا نقد فلاسفة ومؤرخو علم كثر رؤية كونت، معتبرين إياها تبسيطية. فتوماس كون، كما رأينا في مقال سابق، بين في كتابه بنية الثورات العلمية، أن تطور العلم يتم عبر ثورات ونماذج إرشادية متغيرة لا عبر تراكم خطي. وإيمري لاكاتوش أظهر أن البرامج البحثية قد تتقدم أو تتدهور بطرق غير متزامنة. أما باشلار وكويريه فأكدا أن الخيال المفاهيمي والانقطاعات الإبستمولوجية عنصران أساسيان في العلم، لا مجرد مراحل تجاوزها التاريخي. 

٤.٤.١.٣.٢.٢١ خاتمة

إذا نظرنا إلى صورة العلم كما تتبدّى اليوم في فلسفة وتاريخ العلم المعاصرين، نجد أنها لم تعد تلك الصورة الواثقة البسيطة التي رسمتها المشاريع التأسيسية الأولى عند بيكون وكونت، بل غدت صورة أكثر تواضعًا لأنها اعترفت بحدودها، وأكثر تعقيدًا لأنها كشفت عن تشابك مساراتها، وأكثر ثراءً لأنها استوعبت تنوّع مصادرها ومناهجها وسياقاتها. 
أول مظاهر هذا التواضع يتمثل في تخلّي العلم عن ادعاء امتلاك منهج واحد كوني ثابت يقود حتميًا إلى الحقيقة. فبينما كان بيكون يتحدث عن المنهج التجريبي بوصفه الطريق الملكي للمعرفة، وكونت يرى في العلم الوضعي ذروة نضج العقل الإنساني، جاءت فلسفة العلم المعاصرة لتؤكد أن ما يسمى المنهج العلمي ليس قالبًا واحدًا، بل عائلة من المناهج تختلف باختلاف الموضوعات والسياقات. الفيزياء النظرية، والبيولوجيا التطورية، وعلوم الأرض، والعلوم الاجتماعية، لا تعمل بالطريقة نفسها، ولا تنتج المعرفة بالآليات ذاتها. هذا الاعتراف بالتعدد المنهجي كسر وهم اليقين المنهجي المطلق، وجعل العلم أكثر وعيًا بحدوده وأدواته.
ويظهر التعقيد بشكل أوضح حين ندرك أن تطور العلم لم يكن خطيًا أو تراكميًا بسيطًا كما افترض كونت، بل اتسم بالقطيعات والانقلابات والتراجعات أحيانًا. توماس كون، في حديثه عن الثورات العلمية، بيّن أن العلم لا يتقدم فقط بإضافة حقائق جديدة، بل عبر تغيّر الإطارات المفاهيمية نفسها التي يُفهم العالم من خلالها. ما يُعد حقيقة في إطار نظري معيّن قد يفقد معناه في إطار آخر. هذا جعل صورة العلم أقرب إلى تاريخ حي مليء بالصراعات والتنافسات والتأويلات، لا إلى مسيرة منتظمة تصاعدية من الجهل إلى المعرفة.
أما الثراء، فيتجلى في الاعتراف المتأخر بدور الحضارات والثقافات المختلفة في تشكّل العلم. فبينما ركزت المشاريع التأسيسية الأولى على أوروبا الحديثة بوصفها مهد العقل العلمي، كشف تاريخ العلم المعاصر عن عمق الإسهامات الإسلامية، والصينية، والهندية، واليونانية، وعن كون العلم نتاج تفاعل طويل بين ترجمات وتعديلات ونقد وتجاوزات متبادلة. لم يعد العلم يُرى بوصفه إنجازًا حضاريًا أحادي النسب، بل بوصفه شبكة معرفية عالمية تشكّلت عبر قرون من التبادل والتراكم والتصحيح.
كما أصبحت صورة العلم أكثر تعقيدًا وثراءً بفعل إدراك أثر العوامل غير العلمية في إنتاج المعرفة العلمية نفسها. فالسياقات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والمؤسساتية، باتت تُعد جزءًا من فهم كيفية نشوء النظريات وتوجيه الأسئلة البحثية. لم يعد العالم يُصوَّر كعقل محايد يعمل في فراغ، بل كفاعل معرفي يعيش داخل ثقافة، ويتأثر بأدوات عصره وأسئلته وهمومه. هذا لا ينتقص من قيمة العلم، بل يجعله أكثر إنسانية وواقعية.
وأخيرًا، أصبح العلم اليوم أكثر تواضعًا لأنه يعترف بأن تفسير الواقع لا يعني الإحاطة بكل معانيه. فالعلوم الطبيعية تصف القوانين، لكنها لا تدّعي الإجابة عن أسئلة المعنى والغاية والقيمة. هذا الفصل الواعي بين ما يستطيع العلم قوله وما يتجاوزه أعاد التوازن إلى العلاقة بين العلم والفلسفة والدين.

٤.٤.١.٣.٢.٢٢ الفجوة الفلسفية في منهج الاستقراء العلمي وطرح السيد الصدر لمعالجتها

تُعدّ مسألة الاستقراء واحدة من أعقد القضايا التي واجهت العقل الإنساني في سعيه لفهم العالم وبناء المعرفة العلمية، لأنها تمسّ جوهر العلاقة بين الخبرة المحدودة والقوانين العامة، وبين ما يُلاحظ فعليًا وما يُحكم عليه بوصفه ضرورة كونية. فمنذ أن طرح ديفيد هيوم سؤاله الإشكالي حول مبرّر انتقال العقل من ملاحظات جزئية متكررة إلى قوانين كلية تدّعي الصدق في الماضي والحاضر والمستقبل، انكشفت فجوة فلسفية عميقة في بنية المعرفة العلمية نفسها. هذه الفجوة لا تتعلق بتفصيل تقني في المنهج، بل تطعن في الأساس الذي يقوم عليه العلم التجريبي برمّته، إذ تسائل افتراضًا بديهيًا طالما اعتمد عليه الإنسان، وهو أن انتظام الماضي يضمن انتظام المستقبل.
لم تكن إشكالية هيوم حادثة معزولة في تاريخ الفكر، بل مثّلت نقطة انعطاف حاسمة أجبرت الفلاسفة على إعادة النظر في أدوات العقل وحدودها. فقد أظهرت أن الاستقراء، الذي يشكّل العمود الفقري للعلم، لا يستند إلى ضرورة عقلية ولا إلى برهان تجريبي غير دائري، بل يبدو، في صيغته التقليدية، قفزة معرفية غير مبرّرة من المعلوم إلى المجهول. هذه النتيجة الصادمة لم تمرّ دون أثر، حتى إن إيمانويل كانط اعترف بأن هيوم أيقظه من سباته الدوغمائي، معلنًا بذلك بداية مرحلة جديدة من التفلسف حول شروط إمكان المعرفة ذاتها.

٤.٤.١.٣.٢.٢٣ مسار معالجة فجوة الاستقراء عند فلاسفة العلوم

لنبدأ بالتعرف على الأورغانون، عند أرسطو التي هيمنت قرونًا للاستدلال العقلي. الأورغانون هي كلمة يونانية معناها الأداة. الأداة هذه، يقصد بها مجموعة كتبه المنطقية التي تنظّم التفكير الصحيح. هذه الأداة لم تكن جهازًا تجريبيًا، بل كانت جهازًا استدلاليًا عقليًا. جوهرها يتمثل في المنطق الصوري، وعلى رأسه القياس المنطقي. في هذا النموذج، يبدأ الباحث من مبادئ عامة يُفترض أنها صحيحة، ثم يستنبط منها نتائج جزئية بالضرورة. فإذا كانت المقدمات صادقة والبنية المنطقية سليمة، فالنتيجة صادقة بالضرورة. هكذا كان القياس عند أرسطو أداة لضبط البرهان، لا لاكتشاف القوانين. إلى جانب القياس، اعتمدت الأداة الأرسطية على مفاهيم مثل الماهيات، والعلل الأربع، والتصنيف النوعي. كان يُفترض أن لكل شيء طبيعة ثابتة، وأن معرفة هذه الطبيعة تفسّر سلوكه. لذلك كان السؤال الأرسطي غالبًا، ما هو الشيء؟ أكثر من، كيف يعمل؟ هذا جعل منهج ارسطو قويًا في تحليل المفاهيم، لكنه ضعيفًا في التعامل مع الظواهر المتغيرة والمعقدة.
قياس ارسطو هذا، يمثّل أداة منطقية وظيفتها الأساسية ضبط صحة الاستدلال والمحافظة على الاتساق الداخلي بين المقدمات والنتائج، لكنه لا يقدّم آلية لاكتشاف القوانين من الواقع نفسه. ففي مثال كلاسيكي مثل القول إن كل المعادن تتمدّد بالحرارة، والحديد معدن، إذن الحديد يتمدّد بالحرارة، لا يضيف القياس معرفة جديدة عن الطبيعة، بل يفترض قانونًا عامًا جاهزًا ويكتفي بتطبيقه على حالة جزئية. وكذلك في مثال طبي قديم من قبيل كل مرض سببه اختلال في الأخلاط، والحمّى مرض، إذن سبب الحمى اختلال الأخلاط، يكون الاستدلال صحيحًا شكليًا، حتى لو كان القانون العام نفسه خاطئًا تجريبيًا. لذلك نجح القياس الأرسطي في التعليم والجدل وتنظيم المعرفة القائمة، لكنه عجز عن تفسير ظواهر جديدة أو تصحيح القوانين نفسها، لأنه لا يقدّم وسيلة لفحص صحة المقدمات الكلية. 
هذا القصور هو ما دفع لاحقًا إلى البحث عن منهج بديل ينطلق من ملاحظة الحالات الجزئية المتكررة، كدراسة تمدّد مواد مختلفة تحت ظروف متشابهة أو مقارنة حالات المرض في وجود أعراض معينة وغيابها، لا لاستخلاص النتائج من قوانين مفترضة سلفًا، بل لاكتشاف القوانين ذاتها من انتظام الظواهر. لكن وبالرغم من قصوره، تحوّل الأورغانون، مع مرور القرون، من أداة تحليل إلى سلطة معرفية. فلم يعد مجرد منطق، بل أصبح إطارًا مغلقًا يُفكَّر داخله. فالعلماء في العصور الوسطى كانوا غالبًا يفسّرون الطبيعة عبر نصوص أرسطو، لا عبر التجربة المباشرة. وهنا رأى بيكون أن المشكلة ليست في العقل نفسه، بل في الأداة التي يستعملها العقل. ومن هنا يتضح الفرق الجوهري بين العقل الأرسطي الذي يعمل من العام إلى الخاص، والعقل العلمي الذي من المفترض أن يبدأ من الجزئيات أو الوقائع لينتهي إلى العام أو القوانين، وهو الفرق الذي يفسّر الحاجة التاريخية إلى أداة جديدة تتجاوز مجرد صحة البرهان إلى كشف بنية الواقع نفسه.
ومع الوعي بالحاجة الى أداة جديدة تتجاوز مجرد صحة البرهان إلى كشف بنية الواقع نفسه بدأت مسيرة البحث عنها عند المختصين عبر التاريخ، والذي تمثل في ابتكار آلية تتجاوز أداة ارسطو واحلالها بأدوات أخرى سميت المنهج العلمي. وعند دراسة تاريخ المنهج العلمي، نستنتج أنه كان نتيجة سلسلة ممتدة من محاولات العقل البشري لحلّ التوتر بين الملاحظة الجزئية والنتيجة الكلية، أي بين ما نراه في عدد محدود من الحالات وبين ما نريد الجزم به حول جميع الحالات، وهذه ما نسميه هنا بفجوة الاستقراء. 
فجوة الاستقراء هذه، ظهرت منذ أولى المحاولات العلمية المنظمة لإيجاد مخرج أو حل لها، ولكنها لم تُحسم تمامًا. بداياتها يمكن تتبّعها في القرن الحادي عشر الميلادي، مع ابن الهيثم في كتابه المناظر، حيث قدّم أوّل صياغة منهجية تجمع بين التجريب والملاحظة الدقيقة والقياس الرياضي؛ غير أنّ ابن الهيثم لم يحلل الاستقراء كقضية معرفية فلسفية بذاتها، لكنه وضع الشرط الإجرائي الذي تكوّنت فيه المشكلة، وهو الاعتماد على ملاحظات جزئية للوصول إلى قوانين كلية. فهو الذي يقول في المناظر، على الباحث أن يجعل نظره في جميع ما يمكنه من الأمور نظرًا مستقصيًا، ولا يثق بظنه ما لم يجرّبه. هذا التباين بين التجريب واليقين سيصبح لاحقًا جوهر مشكلة الاستقراء عند الأوروبيين. هذا التباين الذي بدأ في بدايات القرن الحادي عشر، استمرّ عبر القرون وعبر تقلبات الأحوال في المجتمعات وتتابع الاهتمام بإيجاد حلول لها من قبل المهتمين بين فترة وأخرى، لكن ما أثاره ابن الهيثم في القرن الحادي عشر لم يجد له ما يقدم له حلا وازنا له قيمته المعرفية العالية الا قلة، يتقدمهم السيد محمد باقر الصدر في النصف الثاني من القرن العشرين.
مع فرانسيس بيكون ١٦٢٦م، المؤسس المعلَن للمنهج العلمي الحديث، أتى أوّل دفاع موسّع عن الاستقراء، في كتابه الأورغانون الجديد ١٦٢٠م. وأتى مسمى كتاب بيكون ليقول إننا بحاجة لأداة جديدة غير تلك التي كانت لدى أرسطو. لم يهاجم بيكون، أرسطو بوصفه مفكرًا، بل هاجم هيمنة أداته، ورأى أن القياس المنطقي لا يولّد معرفة جديدة، بل يعيد ترتيب ما هو مفترض سلفًا. فإذا كانت المقدمات خاطئة أو غير ممتحنة تجريبيًا، فالنتائج ستكون أنيقة منطقيًا، لكنها بعيدة عن الواقع. لذلك قال إن القياس ينطلق من ألفاظ، لا من أشياء. واقترح الاستقراء المنهجي التجريبي، أداته الجديدة في كتابه الأورغانون الجديد. ومن المهم التأكيد على أن هذا الاستقراء ليس جمعا لأمثلة عشوائية ثم تعميمها سريعًا، بل هو عملية تدريجية صارمة تبدأ من الملاحظة، ثم التجربة، ثم المقارنة، ثم الاستبعاد، وصولًا إلى القوانين. أي أن العقل لا يفرض شكله على الطبيعة، بل يتعلّم منها خطوة خطوة. واستبدل بيكون التركيز على الماهيات الثابتة بالبحث في القوانين الفاعلة، أي كيف تتغير الظواهر وتحت أي شروط. فلم يعد السؤال ما طبيعة الحرارة؟ بل متى تظهر الحرارة؟ ومتى تختفي؟ وما العوامل التي تزيدها أو تقللها؟ وهي ترجمة لما حمله في كتابه بالقول إن الطبيعة لا تُفهم بالقياس، بل بالملاحظة المنظَّمة والتجربة المتدرجة. هذا التحول غيّر وظيفة العقل من قاضٍ يحكم، إلى باحث يستكشف. ومن أهم ما أضافه بيكون كجزء من أداته الجديدة، تحليله لما سمّاه أصنام العقل الأربعة، وهي أوهام متجذرة في اللغة، والعادة، والثقافة، والسلطة، فهي تعيق الفهم الصحيح للطبيعة. هذه الفكرة تكشف أن الأداة الجديدة ليست فقط منهجًا تقنيًا، بل نقدًا للعقل نفسه وكيف يخطئ.
 بهذا، يقترح فرانسيس بيكون منهجية استقراء مختلفة جذريًا عن الطرق التقليدية آنذاك، فركّز على ملاحظة الظواهر الطبيعية بدقة وتنظيم، ومقارنة الحالات المختلفة لتحديد الأنماط والعوامل المؤثرة، مع استبعاد الحالات الشاذة أو المؤثرة بالصدفة، بحيث يصبح الاستنتاج دقيقًا وموضوعيًا. وقدّم أربع جداول للاستقراء، وهي جدول الحضور لتسجيل الحالات التي تظهر فيها الظاهرة، وجدول الغياب لتسجيل الحالات التي لا تظهر فيها، وجدول القيود لملاحظة اختلاف درجات الظاهرة، وأخيرًا جدول الاستنتاج النهائي لاستبعاد العوامل غير المؤثرة واستخلاص السبب الحقيقي للظاهرة.
وفي تطبيق هذا الاستقراء، حذر بيكون مما أسماه الأصنام التي تعيق التفكير العلمي، وهي أصنام القبيلة المرتبطة بتصورات الإنسان بطبيعته، وأصنام الكهف الخاصة بتحيزات الفرد، وأصنام السوق المتعلقة باللغة والمفاهيم الاجتماعية، وأصنام المسرح المتمثلة في التقاليد الفلسفية والأفكار المستهلكة. كان الهدف من منهجه هو الوصول إلى قوانين الطبيعة الحقيقية بطريقة علمية دقيقة تمكن الإنسان من فهمها والتحكم بها، مع ضمان موضوعية التفكير وتنقيته من الانحيازات والتصورات الخاطئة. بهذا، قد يكون بيكون قدّم تصورًا لآلية الاستقراء، لكنه لم يقدّم مبرّرًا عقليًا لانتقال الذهن من حالات محدودة إلى تعميم شامل. ولذلك وصف كارل بوبر طريقته بأنها استقراء لا يستند إلى منطق، بل إلى برنامج أخلاقي.
عندما يقول كارل بوبر ذلك عنما طرحه فرانسيس بيكون، فهو يشير إلى أن منهج بيكون في الآلة الجديدة لم يكن مجرد وصف حيادي للحقائق الطبيعية أو قواعد منطقية صارمة، بل كان مدفوعًا برؤية أخلاقية وعملية حول كيف يجب على الإنسان أن يتصرف تجاه الطبيعة. فبيكون لم يطرح الاستقراء كأداة معرفية بحتة، بل كوسيلة لتحقيق سيطرة الإنسان على الطبيعة وتحسين حياة البشر، وهو بذلك يربط المعرفة بالغاية الأخلاقية والاجتماعية للعلم. ففرانسيس بيكون في الآلة الجديدة قدم الاستقراء كأداة لفهم الطبيعة، لكنه لم يقف عند مجرد وصف الظواهر أو استخراج القوانين الطبيعية بشكل محايد. بل كان هدفه أخلاقيًا وعمليًا، منطلقا من أن معرفة الطبيعة تمكن الإنسان من السيطرة عليها وتحسين حياته ومجتمعه. بمعنى آخر، الاستقراء عنده ليس هدفه فقط الحقيقة بحد ذاتها، بل تحقيق غايات الإنسان، كالسيطرة على الأمراض، تحسين الزراعة، واستغلال الموارد الطبيعية. لذلك، يمكن القول إن بيكون ربط المنهج العلمي ببرنامج أخلاقي واجتماعي، وهو ما جعله يختلف عن رؤية العلم المحايد التي يسعى إليها بعض الفلاسفة اللاحقين. كارل بوبر يرى أن هذه الرؤية فيها مشكلة فلسفية، لأنه يرى أن العلم يجب أن يكون قائمًا على المنطق وإمكانية الاختبار والفحص التجريبي للأفكار، وليس مدفوعًا بغاية مسبقة أخلاقية أو عملية. وهو يشير إلى أن منهجه العلمي مفترض مسبقًا غايات أخلاقية، وهذا يجعل الاستقراء عنده مختلفًا عن العلم الحديث الذي يركز على قابلية الافتراضات للفحص والتفنيد بغض النظرعن الغاية الأخلاقية، كما سنرى ذلك فيما طرحه.
وهنا يقدّم رينيه ديكارت ١٦٥٠م، مقاربته التي تقوم على مبدأ البداهة العقلية بوصفها الطريق الأوثق لبلوغ الحقيقة. فالعقل عند ديكارت هو الأداة الأساسية للمعرفة، وما يبدو واضحًا ومتميزًا في الذهن لا يمكن الشك فيه. ولهذا صاغ قاعدته الشهيرة في كتاب مقال عن المنهج في أنني لا أقبل شيئًا على أنه حق ما لم أعلم بوضوح أنه كذلك، مؤكدًا أن معيار اليقين ليس تكرار الملاحظة ولا التجربة، بل وضوح الفكرة وتميّزها في الذهن. ومن هذا المنطلق جعل الرياضيات النموذج الأعلى للعلم، لأنها، في نظره، تقوم على مبادئ يقينية لا يشوبها احتمال.
أما طريق الوصول إلى هذه الحقائق، فحدده ديكارت في منهج يقوم على التحليل والرجوع إلى البديهيات، ثم التركيب انطلاقًا من المبادئ الأولى. وفي كتابه التأملات في الفلسفة الأولى يعبّر عن ذلك بقوله، لا أقبل إلا ما يدركه ذهني إدراكًا واضحًا ومتميزًا، إذ لا يمكن أن يكون شيء صحيحًا ما لم يتمثّل للعقل بهذه الصورة. هذا التشديد على العقل جعله يتعامل مع الاستقراء بحذر شديد؛ فهو لا يرى في تكرار التجارب ضمانًا لليقين، بل يرى أن العلم الحقيقي يقوم على مبادئ عقلية تشبه المبادئ الرياضية. ولذلك، رغم إعلائه من شأن المنهجية، لم يمنح الاستقراء التجريبي الدور المحوري الذي سيحظى به لاحقًا لدى التجريبيين وبيكون منهم.
سأحاول هنا تبسيط ما يذهب اليه ديكارت بالتحليل والرجوع للبديهيات ومن ثم التركيب انطلاقا من المبادئ الأولية لكي تكون الفوارق في الاطروحات ومسارات التغيير واضحة.  وربما الأمثلة هي من سيعيننا على ذلك، وهنا أحدها الذي قد يكون معينا لبعض القراء. فلنفترض أن ديكارت يريد معرفة هل العالم الخارجي موجود فعلًا. هنا يبدأ ديكارت بالتحليل، أي بتفكيك المعتقدات المعقّدة إلى عناصرها الأساسية، فيشكّك أولًا في معطيات الحواس، لأن الحواس قد تخدعنا، ويشكّك في التجارب اليومية، بل حتى في القضايا العلمية التي قد تكون مبنية على افتراضات غير يقينية. بعد هذا التفكيك، يصل إلى أبسط حقيقة لا يمكن الشك فيها، وهي أنه يفكّر؛ لأن الشك نفسه فعل من أفعال التفكير. من هنا تظهر البداهة الأولى المتمثلة في، أنا أفكر، إذن أنا موجود. هذه الحقيقة يدركها العقل إدراكًا واضحًا ومتميّزًا، أي دون غموض ودون اختلاط بغيرها، ولذلك يقبلها ديكارت بوصفها يقينًا. بعد تثبيت هذه البديهية، ينتقل ديكارت إلى مرحلة التركيب، فيبني عليها معارف أخرى. فيستدل مثلًا على وجود الله بوصفه كائنًا كاملًا، ويرى أن فكرة الكمال لا يمكن أن تصدر عن ذات ناقصة، ثم يستنتج أن الله الكامل لا يمكن أن يكون مخادعًا. وبما أن الله غير مخادع، فإن ما يدركه العقل إدراكًا واضحًا ومتميّزًا لا يمكن أن يكون وهمًا، ومن هنا يعيد الاعتبار لوجود العالم الخارجي وللقوانين الرياضية والطبيعية. بهذا المعنى، لا يبدأ ديكارت من ملاحظة الأشياء في العالم، بل من حقيقة عقلية بديهية، ثم يعيد تركيب المعرفة كلها انطلاقًا منها.
ولعل مثالا رياضيا بسيطا يوضح الفكرة لبعض آخر من القراء. حين يثبت الرياضي أن مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة، لا يعتمد على قياس مثلثات كثيرة بالحس، بل يرجع إلى مبادئ بديهية في الهندسة الإقليدية، مثل تعريف الخط المستقيم والزوايا، ثم يركّب البرهان خطوة خطوة. ما يجعل النتيجة في هذا المثال يقينية، ليس تكرار الملاحظة، بل وضوح المبادئ وترابط الاستدلال. هكذا يفهم ديكارت المعرفة الصحيحة، أن ما كان مؤسسًا على بداهات عقلية واضحة، ثم مركّبًا منها استدلاليًا دون قفز أو غموض. ينتمي هذا البرهان إلى الهندسة الإقليدية، أي إلى نسق رياضي يقوم على مسلمات محددة وضعها إقليدس، وأهمها مسلمة التوازي. لذلك فقولنا إن مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة ليس حقيقة مطلقة في كل تصور هندسي ممكن، بل حقيقة مبرهَنة داخل هذا الإطار الخاص. من دون هذه المسلمات، ولا سيما مسلمة التوازي، لا يعمل البرهان، وهذا يوضح منذ البداية أننا أمام معرفة نسقية عقلية لا نتيجة تجريبية عامة. ينبغي التنويه هنا، أن المثال هذا، بالنسبة للمتخصصين في الرياضيات، ودارسي الهندسة والعلوم الأخرى، سيجدون المثال مستوى البداهة فيه، لا يجعلهم يتوقفون عنده لفهم تفاصيله، وربما ينتقدون الإسهاب في التفاصيل التي لا حاجة لهم فيها في سياق البرهنة على أن مجموع زوايا المثلث تساوي ١٨٠، ولهم الحق في ذلك. ولكن ينبغي التأكيد على أن الأهمية الفلسفية لتفاصيل لهذا المثال تكمن في أنه لا يعتمد على قياس مثلثات فعلية أو تكرار الملاحظة الحسية، بل يقوم كليًا على تعريفات واضحة، ومسلمات محددة، واستنتاجات منطقية مترابطة. وهذا يوضح نموذج المعرفة العقلية البرهانية التي يكون فيها اليقين ناتجًا عن البناء المنطقي، لا عن التراكم التجريبي. ولهذا يُستَشهد بهذا البرهان كثيرًا بوصفه مثالًا كلاسيكيًا للمنهج التحليلي–التركيبي، حيث يبدأ العقل بتفكيك المفاهيم إلى عناصرها الأساسية، ثم يعيد تركيبها بطريقة ضرورية تقود إلى نتيجة لا يمكن أن تكون على نحو آخر داخل النسق نفسه. وهو أيضًا مثال دقيق على الفرق بين المعرفة التي تقوم على الاستقراء والاحتمال، والمعرفة التي تقوم على البرهان العقلي الصارم.
نبدأ بتصوّر مثلث له ثلاثة رؤوس، نسميها A وB وC. هذا التصور ليس اعتمادًا على الرسم الحسي أو القياس، بل هو تمثيل ذهني يُستخدم لتوضيح العلاقات فقط. في الهندسة، الشكل لا يمنح اليقين، وإنما المنطق الذي يحكم العلاقات بين أجزائه. ولفهم البرهان، لا بد أولًا من توضيح معنى الزاوية. الزاوية في الهندسة الإقليدية تُعرَّف بأنها مقدار الانفتاح بين خطين مستقيمين يلتقيان عند نقطة واحدة. وبما أن أضلاع المثلث خطوط مستقيمة، فإن كل زاوية فيه ناتجة عن التقاء ضلعين مستقيمين عند أحد رؤوسه. نستدعي بعد ذلك حقيقة هندسية أساسية، وهي أن الزاوية المستقيمة، أي الزاوية التي يصنعها خط مستقيم واحد، مقدارها 180 درجة. هذه ليست نتيجة مستخلصة من التجربة، بل جزء من التعريف الاصطلاحي للقياس الزاوي داخل هذا النسق الرياضي.
الخطوة الحاسمة في البرهان تبدأ عندما نُدخل عنصرًا جديدًا لا يظهر في المثلث نفسه. نقوم بتمديد أحد أضلاع المثلث، ولنفترض أننا مددنا الضلع BA بعد النقطة A ليصبح خطًا مستقيمًا أطول. بهذا التمديد، تصبح الزاوية عند A داخل المثلث جزءًا من زاوية مستقيمة أكبر تقع على هذا الخط الممتد. هنا نستخدم مسلمة إقليدس الخامسة، وهي مسلمة التوازي. هذه المسلمة تنص على أنه من نقطة خارج خط مستقيم يمكن رسم مستقيم واحد فقط يوازيه، كما تقرر أن الزوايا المتبادلة داخليًا بين مستقيمين متوازيين ومتقاطع ثالث تكون متساوية. بناءً على ذلك، نرسم من النقطة A خطًا مستقيمًا DE   موازيًا للضلع BC.
بعد رسم هذا الخط الموازي، تتكون علاقات زاوية جديدة. الزاوية عند B في المثلث تصبح مساوية لزاوية على الخط المستقيم الممتد  DE، لأن الزاويتان متناظرتان. وبالطريقة نفسها، تكون الزاوية عند C مساوية لزاوية أخرى متبادلة داخليًا على الجهة المقابلة من الخط المستقيم نفسه. أما الزاوية عند C فهي بالفعل جزء من هذا الخط بعد تمديده. عند هذه النقطة يظهر التركيب النهائي للبرهان. على الخط المستقيم الممتد BA توجد ثلاث زوايا متجاورة، الزاوية A وزاوية تقابل زاوية B ، وزاوية تقابل زاوية C ،   وبما أن هذه الزوايا الثلاث تملأ زاوية مستقيمة واحدة، ومقدار الزاوية المستقيمة هو 180 درجة، فإن مجموع هذه الزوايا الثلاث لا بد أن يساوي 180 درجة. وبما أن كل واحدة من هذه الزوايا تقابل زاوية من زوايا المثلث، نستنتج بالضرورة أن مجموع زوايا المثلث A وB وC يساوي 180 درجة. هذه النتيجة ليست تقريبية ولا محتملة، بل نتيجة لازمة ما دامت المسلمات والتعريفات التي بُني عليها البرهان صحيحة.

وعند ديفيد هيوم، ١٧٧٦م، يصل النقاش إلى مستوى الأزمة، فالفيلسوف الأسكتلندي يعيد صياغة الإشكال بوضوح لم يسبقه إليه أحد، ويصيغ في بحثه في الفهم البشري ١٧٤٨م، الأشكال الثلاثة لإشكالاته، وهي أنه لا يمكن الاستدلال من الماضي على المستقبل عقلانيًا، ولا يوجد ضرورة في الطبيعة، بل اقتران منتظم، وثالثها أن العادة النفسية هي أصل توقعاتنا، لا المنطق. ويثبت أنّ الاستقراء لا يمكن تبريره عقلانيًا ولا تجريبيًا. فالعقل لا يمتلك ضرورة تفرض أن ما حدث في الماضي سيحدث في المستقبل، وأن الربط بين الظواهر ليس إلا عادة نفسية ناجمة عن التكرار. هنا تتحوّل الفجوة إلى مأزق فلسفي كامل، فالعلم يقوم على الاستقراء، لكن الاستقراء لا تبرير له. هذه الصياغة جعلت مشكلة الاستقراء مشكلة فلسفية مركزية، واعتُبر هيوم، أبو الشك الاستقرائي. ولكن، ما دوافع هيوم في ذلك، وكيف وصل الى هذا الرأي؟ هنا سنجد أنفسنا أمام عالم ملتزم بمبدئ تطور معه من خلال التجارب التي مر بها، والتي جعلته تحت تأثير أربع معطيات سنتناولها ببعض تفصيل دون إسهاب، الا بقدر ما يخدم سياق الحديث عن مسيرة التطور التي صاحبت طرح الفجوة المعرفية التي أثارها هيوم، ومسيرة معالجتها. 
فموقف هيوم من الاستقراء لم يكن تمرينٍ ذهني مجرّد، بل تشكّل ضمن سياق تاريخي وفلسفي وعلمي محدّد، وتغذّى من أمثلة وتجارب فكرية ومعرفية كانت حاضرة بقوة في عصره. ويمكن توضيح دوافعه وخلفيات موقفه عبر أربع مستويات مترابطة. فالخلفية الفلسفية التجريبية التي انطلق منها هيوم كانت حاسمة. حيث كان ينتمي إلى التيار التجريبي البريطاني الذي يبدأ مع جون لوك ١٦٣٢م ويبلغ ذروته النقدية معه. هذا التيار كان يشكّك في الأفكار الفطرية ويصرّ على أن كل معرفة ذات معنى يجب أن تعود، بشكل أو بآخر، إلى الخبرة الحسية. وعندما طبّق هيوم هذا المبدأ بصرامة، وجد أن مفاهيم مثل الضرورة السببية أوالربط الحتمي بين العلة والمعلول لا يمكن إرجاعها إلى أي انطباع حسي مباشر. فحسب هيوم، نحن نرى تعاقب الظواهر، لكننا لا نرى الضرورة نفسها. هذا الاكتشاف لم يكن حادثة عابرة، بل نتيجة التزام منهجي صارم بالتجريبية. التي ينسب تأسيسها لجون لوك.
 وينبغي التدقيق في التواريخ، لنستنتج أن مشروع جون لوك الفلسفي جاء في سياق تاريخي تميّز بصعود العلم الحديث وتراجع التفسيرات الميتافيزيقية المدرسية. وهذا دفعه إلى إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة عن، ما الذي يمكن للعقل الإنساني أن يعرفه؟ وما مصادر هذه المعرفة وحدودها؟ وصاغ إجابته الكبرى في عمله الأشهر مقال في الفهم البشري الصادر عام ١٦٩٠م، الذي أصبح لاحقًا مرجعًا تأسيسيًا لكل النقاشات الحديثة حول المعرفة والعقل. والفكرة المحورية في فلسفة لوك المعرفية هي رفضه القاطع لمبدأ الأفكار الفطرية. ففي مواجهة التقليد العقلاني، ولا سيما عند ديكارت، يؤكد لوك أن العقل لا يولد محمّلاً بأي أفكار أو مبادئ قبلية، بل يكون عند الولادة كصفحة بيضاء، تُكتب عليها الأفكار تدريجيًا عبر التجربة. ففي مستهل كتابه، يقول لوك فلنفترض إذن أن العقل صفحة بيضاء، خالية من كل كتابة، بلا أي أفكار؛ فكيف تمتلئ؟ إلى هذا أجيب بكلمة واحدة، من التجربة. بهذا التأسيس، يجعل لوك التجربة المصدر الوحيد لكل محتوى معرفي، سواء كان بسيطًا أو مركّبًا. وفي هذا، يميز لوك بين مصدرين أساسيين للتجربة، هما الإحساس والانعكاس.  الإحساس هو ما يمدّ العقل بالمواد الخام للمعرفة عبر الحواس، كاللون، والصوت، والحركة، والابعاد، والحرارة، وغيرها. أما الانعكاس فهو ملاحظة العقل لعملياته الداخلية، مثل التفكير، والتذكّر، والإرادة، والشك. ومن هذين المصدرين وحدهما، كما يرى لوك، تتكوّن جميع الأفكار الإنسانية. ولا يوجد في العقل شيء لم يكن قد مرّ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر أحد هذين الطريقين.
ورغم أن لوك يؤكد دور العقل في تنظيم الأفكار وربطها، إلا أن هذا الدور يظل عنده ثانويًا بالنسبة إلى التجربة. فالعقل لا يبتكر المعرفة من ذاته، بل يعالج ما تقدّمه له الخبرة. ومن هنا تنشأ أهمية لوك في تاريخ مشكلة الاستقراء؛ إذ إن حصر مصادر المعرفة في التجربة يجعل من الصعب تبرير مفاهيم مثل الضرورة والسببية والقانون الطبيعي تبريرًا عقليًا صارمًا. لوك نفسه لا ينكر السببية ولا يشكّك فيها جذريًا، لكنه يعترف بأن معرفتنا بالروابط الضرورية بين الظواهر ليست معرفة يقينية، بل قائمة على الملاحظة المتكررة والاعتياد.
لهذا يُنظر إلى لوك بوصفه الحلقة الانتقالية بين العقلانية والتجريبية النقدية. فهو لم يبلغ تشكك هيوم الراديكالي، لكنه مهّد له الطريق. فعندما تصبح التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة، دون تأسيس عقلي يفسّر لماذا نثق بانتظام الطبيعة، يصبح من المشروع أن يُطرح السؤال الذي طرحه هيوم، ما الذي يبرّر انتقالنا من ملاحظات الماضي إلى توقعات المستقبل؟ ومن هنا يمكن القول إن لوك لم يقدّم أزمة الاستقراء، لكنه وفّر الإطار المعرفي الذي جعل هذه الأزمة ممكنة وملحّة.
وينبغي ألا يُفهم موقف ديفيد هيوم بوصفه قطيعة مفاجئة، بل بوصفه تطورًا داخليًا في قلب المدرسة التي أسّسها لوك. فلو كان لوك قد قيّد المعرفة بالتجربة، فإن هيوم سيأخذ هذا القيد إلى نهايته المنطقية، ليكشف أن الاستقراء والسببية لا يستندان إلى ضرورة عقلية، بل إلى عادة نفسية. وهكذا يبقى جون لوك شخصية مفصلية، فهو ليس عقلانيًا قبليًا، ولا شكيًا هدّامًا، بل هو المؤسس الهادئ للتجريبية التي ستنقلب، مع هيوم، إلى واحدة من أعمق أزمات الفلسفة الحديثة.
والمعطى الثاني الذي ساهم في تشكل فكر وفلسفة هيوم، أنه كان شاهدًا على التحوّل العلمي الكبير الذي قاده نيوتن. فلقد حققت فيزياء نيوتن نجاحًا مذهلًا في التنبؤ، لكنها فعلت ذلك عبر قوانين مستخلصة من الملاحظة والتجربة، لا من الضرورة العقلية. ولاحظ هيوم، أن هذه القوانين تعمل في الواقع والطبيعة، لكنها لا تُبرهَن عقليًا على نحو ضروري. مثال ذلك قانون الجاذبية فنحن نلاحظ سقوط الأجسام وانتظام الحركة، لكننا لا نستطيع أن نبرهن عقليًا أن الجاذبية يجب أن تستمر غدًا كما كانت بالأمس. وهنا تتضح المفارقة أكثر، فنجاح العلم، عمّق المشكلة، وبدل أن يحلّها، يثار الاستفسار الواضح في السؤال عن كيف ينجح علمٌ لا يملك أساسًا عقليًا ضروريًا؟
كان ديفيد هيوم يعيش في قلب لحظة فكرية حاسمة من تاريخ أوروبا الحديثة، لحظة الانتقال من الفلسفة الطبيعية القديمة إلى العلم الحديث الذي بلغ ذروته مع إسحاق نيوتن. فقد صدر كتاب المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية لنيوتن عام ١٦٨٧م، قبل ولادة هيوم بسنوات قليلة، وأصبح خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر النموذج الأعلى للمعرفة العلمية. هذا السياق مهم لفهم موقف هيوم، لأنه لم يكن ناقدًا للعلم من خارجه، بل مفكرًا واعيًا تمامًا بقوته التفسيرية والتنبؤية غير المسبوقة. كان هيوم، كما يعبّر في بحث في الفهم البشري، معجبًا بقدرة العلم على ضبط الظواهر وردّها إلى قوانين عامة لكنه في الوقت نفسه كان قلقًا من الأساس الفلسفي الذي تقوم عليه هذه القوانين. فلقد لاحظ هيوم أن فيزياء نيوتن لا تستند إلى مبادئ عقلية ضرورية على الطريقة الرياضية الخالصة، بل إلى تعميمات مستخلصة من الملاحظة والتجربة. فقوانين الحركة وقانون الجاذبية لم تُستنبط من تعريفات أو بديهيات عقلية، بل صيغت بعد رصد الانتظام في الطبيعة. مما دفع هيوم للقول جميع استدلالاتنا المتعلقة بالأمور الواقعية تقوم على علاقة العلة والمعلول غير أن هذه العلاقة نفسها، بحسب هيوم، لا تُدرك بالعقل وحده، بل تُستخلص من تكرار الاقتران بين الظواهر. هنا يبرز السؤال الحاسم، المتمثل فيما الذي يبرر انتقالنا من ملاحظات محدودة في الماضي إلى قانون عام يدّعي الصلاحية المستقبلية؟
يستخدم هيوم قانون الجاذبية، كمثال نموذجي على هذا الإشكال. حيث يقول إننا نلاحظ أن الأجسام تسقط، وأن الكواكب تتحرك وفق أنماط منتظمة، وأن هذه القوانين نجحت في تفسير الظواهر والتنبؤ بها بدقة مذهلة. لكنه، يشدد على أن هذا النجاح لا يرقى إلى مستوى البرهان العقلي الضروري. ويسترسل في حجته، بأنه لا يوجد تناقض منطقي في افتراض أن الجاذبية قد تتغير غدًا، أو أن انتظام الطبيعة قد يختل، حتى لو بدا هذا الافتراض غير معقول عمليًا. فيقول بوضوح، ليس هناك شيء في العقل يُرينا أن المستقبل يجب أن يشبه الماضي. فالعقل لا يعثر في مفهوم الجاذبية أو الحركة على ضرورة عقلية تُلزم الطبيعة بالاستمرار على نسق واحد. ومن هنا تنشأ المفارقة التي التقطها هيوم بدقة فلسفية نادرة. فكلما ازداد نجاح العلم في التنبؤ والسيطرة على الظواهر، ازداد وضوح السؤال عن أساس هذا النجاح. العلم يعمل، نعم، لكنه يعمل من خلال افتراض غير مبرهَن عقلانيًا، وهو أن الطبيعة منتظمة وأن المستقبل سيشبه الماضي. هذه المفارقة عبّر عنها هيوم حين ميّز بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، مؤكدًا أن الانتقال من أحدهما إلى الآخر لا يمكن تبريره لا بالعقل الخالص ولا بالتجربة نفسها، لأن التجربة تفترض مسبقًا ما تحاول إثباته.
في كل هذا، كان هيوم يسعى إلى كشف الفجوة الفلسفية الكامنة في قلب نجاحه، لا إلى تقويض العلم أو التشكيك في نتائجه العملية. فقد خلص إلى أن اعتمادنا على الاستقراء نابع من العادة أو الاعتياد لا من البرهان العقلي عندما قال العقل ليس هو الذي يقودنا إلى هذا الاستنتاج، بل العادة وحدها، وهكذا أدى أعظم إنجاز علمي في عصره إلى أعمق أزمة فلسفية حول العقل والضرورة والمعرفة. هذه الأزمة ستصبح نقطة الانطلاق لكل النقاشات اللاحقة حول الاستقراء، من كانط إلى بوبر، ومن المناهج الاحتمالية إلى محاولات إعادة تأسيس العقلانية العلمية.
ومعطى آخر ساهم في بلورة مواقف وقناعات هيوم كان استخدامه أمثلة بسيطة من الحياة اليومية ليبيّن عمق الإشكال، كمثال شروق الشمس. فنحن نتوقع أن تشرق الشمس غدًا لأننا رأيناها تشرق كل يوم في الماضي. لكن هذا التوقع، كما يقول، لا يقوم على برهان عقلي، لأن القول بأن المستقبل يشبه الماضي هو نفسه افتراض استقرائي يحتاج إلى تبرير. ولا يمكن تبريره بالتجربة، لأن التجربة تتعلق بالماضي فقط، ولا يمكن تبريره بالعقل الخالص، لأنه ليس حقيقة تحليلية. هذا المثال اليومي البسيط كان عند هيوم أقوى من أي مثال علمي معقّد.
استخدام ديفيد هيوم للأمثلة اليومية البسيطة لم يكن مجرد أسلوب تعليمي لتقريب الفكرة، بل كان جزءًا جوهريًا من استراتيجيته الفلسفية في كشف عمق إشكال الاستقراء. هيوم كان يعتقد أن الإشكال الحقيقي لا يظهر بوضوح في المعادلات أو القوانين العلمية المعقّدة، بل يتجلّى بأقوى صورة في أبسط توقعاتنا اليومية التي نعدّها بديهية ولا نلتفت إلى أسسها. ولهذا اختار مثال شروق الشمس، لأنه مثال لا يختلف عليه أحد، ومع ذلك ينطوي على المشكلة نفسها التي يقوم عليها كل علم تجريبي. فعندما نقول إننا نتوقع شروق الشمس غدًا، فإننا نستند، في الظاهر، إلى خبرة طويلة ومتكررة، فالشمس أشرقت كل يوم في الماضي، إذن ستشرق في المستقبل. لكن هيوم يتوقف عند هذه ال إذن، ويسأل عن مقومات ومسببات هذا الانتقال؟ هل هو العقل أم التجربة؟ في بحث في الفهم البشري يصرّح هيوم بأن كل استدلال من هذا النوع يفترض مبدأ خفيًا هو أن المستقبل سيشبه الماضي، أو أن الطبيعة منتظمة على نحو ثابت. غير أن هذا المبدأ نفسه ليس بديهيًا عقليًا، ولا يمكن البرهنة عليه بالاستدلال المنطقي الخالص.
فمن جهة العقل، يبيّن هيوم أن نقيض هذه الفكرة ليس متناقضًا. فليس في العقل ما يمنع تصور أن الشمس لا تشرق غدًا، أو أن قوانين الطبيعة تتغير فجأة. لذلك لا يمكن اعتبار شروق الشمس غدًا حقيقة تحليلية من قبيل العازب هو انسان غير متزوج، بل هي قضية ممكنة نقيضها قابل للتصور دون تناقض. ولذلك يقول هيوم، يمكنني أن أتصور بسهولة أن مسار الطبيعة قد يتغير، وأن الأحداث التي اعتدنا عليها لا تحدث بالطريقة نفسها في المستقبل. ومن جهة التجربة، يبيّن هيوم أن التجربة لا تستطيع تبرير هذا الانتقال أيضًا. فكل ما تقدمه التجربة هو معلومات عن الماضي، أي انها أشرقت في الأيام السابقة. أما القول إنها ستشرق غدًا فهو تجاوز لما هو معطى بالفعل. وإذا حاولنا تبرير هذا الانتقال بالقول إن التجربة علمتنا أن المستقبل يشبه الماضي، فإننا نقع في دور منطقي، لأننا نستخدم الاستقراء لتبرير الاستقراء نفسه. وهذا، في نظر هيوم، تبرير دائري لا قيمة معرفية له.
قوة مثال شروق الشمس تكمن في أنه يكشف أن المشكلة ليست محصورة في الفيزياء أو في قوانين معقدة مثل الجاذبية أو حركة الكواكب، بل تمتد إلى أبسط توقعاتنا اليومية التي يقوم عليها سلوكنا العادي. نحن نخطط، ونعمل، ونطمئن، اعتمادًا على افتراض أن العالم سيستمر على نمطه المألوف، ومع ذلك لا نملك برهانًا عقليًا صارمًا على صحة هذا الافتراض. بهذا المعنى، المثال اليومي يكشف أن الاستقراء ليس مسألة تقنية في فلسفة العلم فقط، بل مسألة تمسّ أساس العقل العملي نفسه. لهذا اعتبر هيوم أن هذه الأمثلة البسيطة أكثر فاعلية فلسفيًا من الأمثلة العلمية المعقدة. فالعلم قد يُغري القارئ بالاعتقاد أن نجاحه العملي يكفي لتبرير أسسه، بينما المثال اليومي يجبرنا على مواجهة السؤال الجذري مباشرة وهو: لماذا نعتقد أن المستقبل سيكون شبيهًا بالماضي؟ وعندما نعجز عن تقديم جواب عقلي أو تجريبي غير دائري، تظهر الأزمة في أوضح صورها.
بهذا الأسلوب، نجح هيوم في نقل إشكال الاستقراء من كونه نقاشًا تقنيًا بين الفلاسفة إلى كونه تحديًا معرفيًا شاملًا يمسّ بنية العقل الإنساني ذاته. فمثال شروق الشمس ليس مجرد توضيح، بل هو برهان سلبي قوي على أن ما نعدّه أكثر معارفنا بداهة يستند، في النهاية، إلى العادة النفسية لا إلى الضرورة العقلية، وهو ما شكّل الأساس الذي انطلقت منه معظم النقاشات اللاحقة حول الاستقراء في الفلسفة الحديثة.
ورابع المعطيات التي ساهمت في تشكل وبلورة قناعات هيوم، هو تجربته مع نقد الميتافيزيقا. فتجربته لا يمكن فصلها عن نقده للاستقراء، لأن كليهما يندرجان ضمن مشروع فلسفي واحد هدفه إعادة رسم حدود ما يمكن للعقل البشري أن يدّعيه على نحو مشروع. كان هيوم يرى أن جزءًا كبيرًا من الفلسفة التقليدية، منذ أرسطو مرورًا بالفلسفة المدرسية وصولًا إلى العقلانيين المحدثين مثل ديكارت، قد تجاوز حدود الخبرة حين افترض وجود كيانات أو روابط غير معطاة في التجربة، ثم بنى عليها تفسيرات شاملة للعالم. هذا التوسّع الميتافيزيقي، في نظر هيوم، منح العقل ثقة أكبر مما يستحق. يقصد هيوم هنا، أنه في الفلسفة الأرسطية، ثم في صيغها المدرسية، جرى الحديث عن قوى كامنة في الأشياء وعلل صورية وفاعلية تُنتج الأثر بالضرورة. لم تكن هذه الضرورة تُستنتج من الملاحظة، بل تُفترض بوصفها مبدأ يفسّر انتظام العالم. هيوم رأى أن هذه الضرورة ليست معطىً حسيًا، فنحن لا نرى في التجربة سوى تعاقب ظاهرتين، كرة تضرب أخرى فتتحرك الثانية، أو نار تلامس قطنة فتحترق. ما نراه هو الاقتران الزمني، لا القوة الخفية التي تُجبر الأثر على الحدوث. ولذلك يقول في بحث في الفهم البشري نحن لا نملك أي فكرة عن القوة أو الضرورة إلا بقدر ما نستنتجها من التأمل في عمليات عقولنا 
وعندما انتقل إلى نقد الفلسفة العقلانية الحديثة، وجد هيوم أن ديكارت وآخرين، رغم اختلافهم عن المدرسيين، حافظوا على جوهر الفكرة نفسها. ديكارت افترض وضوحًا وتميّزًا عقليًا يكشف عن علل حقيقية، ومنهم من تحدث عن علل كافية وانسجام مسبق يربط العالم بقوانين عقلية ضرورية. بالنسبة لهيوم، هذه المفاهيم أكثر أناقة فلسفيا، لكنها لا تختلف جوهريًا عن مفاهيم القوى والعلل القديمة، لأنها جميعًا تتجاوز ما تعطيه التجربة الحسية بالفعل. من هنا جاء نقد هيوم للاستقراء بوصفه خطوة مركزية في هذا المشروع النقدي. فالاستقراء، في نظره، هو الآلية التي سمحت لهذه المفاهيم الميتافيزيقية بالبقاء؛ إذ من خلال تكرار المشاهدات، ينتقل العقل من مجرد الوصف إلى الادعاء بوجود قانون ضروري يحكم الطبيعة. هيوم أراد أن يوقف هذا الانتقال غير المبرَّر. فإذا لم يكن في التجربة ما يكشف عن ضرورة حقيقية، فلا يحق لنا فلسفيًا أن نتحدث عن قوانين طبيعة بالمعنى الميتافيزيقي القوي.
لهذا قدّم هيوم تفسيره الشهير للضرورة والقانون تفسيرًا نفسيًا لا ميتافيزيقيًا. فالضرورة، عنده، ليست رابطة قائمة في الأشياء ذاتها، بل شعور داخلي يتكوّن في الذهن نتيجة التكرار. حين نرى الظاهرة (أ) تتبعها الظاهرة (ب) مرارًا، يتشكّل فينا توقّع قوي بحدوث (ب) بعد (أ)، ونسمّي هذا التوقّع ضرورة أو قانونًا. لكن هذا الاسم، كما يوضح هيوم، يعبّر عن حالة ذهنية لا عن حقيقة كامنة في العالم الخارجي. ولذلك يقول عبارة تعبر عن قناعته وتحوي مفارقة تستحق الوقوف عندها، عندما يقول ان العادة هي المرشد العظيم للحياة البشرية، وللمفارقة هي أيضًا الأساس الذي يقوم عليه ما نعتقد أنه معرفة قانونية بالطبيعة. 
هذه العبارة تعبّر بدقة عن لبّ موقف ديفيد هيوم من الاستقراء والمعرفة العلمية، وهي تحمل في طياتها مفارقة فلسفية عميقة. فعندما يقول هيوم إن العادة هي المرشد العظيم للحياة البشرية فهو يقصد أن البشر، في ممارساتهم اليومية، لا يعتمدون على براهين عقلية صارمة كي يتصرفوا أو يتوقعوا ما سيحدث، بل يعتمدون على ما اعتادوا عليه عبر التكرار. نحن نتوقع أن النار تحرق، وأن الطعام يشبع، وأن الشمس تشرق، لا لأننا استنتجنا ذلك منطقيًا، بل لأننا رأينا هذه الأمور تتكرر مرارًا في خبرتنا السابقة. العادة هنا هي آلية نفسية طبيعية تجعلنا ننتقل تلقائيًا من مشاهدة حدث إلى توقع حدث آخر ملازم له. لكن الجزء الثاني من العبارة يكشف المفارقة. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن القوانين العلمية، كقوانين الحركة أو الجاذبية، تمثّل معرفة موضوعية صارمة عن الطبيعة، أي معرفة تقوم على ضرورة عقلية، لا مجرد توقع نفسي. غير أن هيوم يقول إن الأساس الحقيقي الذي يجعلنا نثق بهذه القوانين ليس البرهان العقلي، بل العادة نفسها. فالقانون العلمي، في نظره، ليس سوى تعميم منتظم لما اعتدنا رؤيته في التجربة، ولا يوجد في العقل ما يفرض أن يستمر هذا الانتظام بالضرورة.
المفارقة إذن أن ما نعدّه أعلى أشكال المعرفة العقلانية، القوانين العلمية، يقوم في النهاية على نفس الآلية النفسية التي تقوم عليها توقعاتنا اليومية البسيطة. الفرق بين توقع شروق الشمس وقانون الجاذبية ليس في نوع الأساس، بل في درجة التعقيد والتنظيم. كلاهما يعتمد على التكرار، وكلاهما يفتقر، عند هيوم، إلى تبرير عقلي ضروري.
بهذا المعنى، لم يكن نقد الاستقراء عند هيوم إنكارًا لفاعلية العلم أو رفضًا للانتظام الطبيعي، بل كان محاولة لتجريد الفلسفة من ادعاءات ميتافيزيقية لا يمكن تبريرها معرفيًا. أراد هيوم أن تبقى الفلسفة أمينة لما يُعطى في الخبرة، وأن تفسّر نجاح العلم تفسيرًا نفسيًا ومعرفيًا بدل اللجوء إلى علل ضرورية غامضة. وهذا ما جعل مشروعه النقدي شديد التأثير، لأنه كشف أن وراء أكثر مفاهيمنا رسوخًا في العلم والفلسفة افتراضات لم تُفحص بما يكفي. هيوم، إذا، لا ينكر أن العادة ناجحة وضرورية للحياة والعلم معًا. بل يعترف صراحة بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دونها، وأن العلم نفسه ينهار عمليًا من دون الاعتماد على الاستقراء. لكنه يصرّ على نقطة حاسمة وهي ان النجاح العملي لا يساوي التبرير العقلي. فنحن نستخدم العادة لأننا مجبرون نفسيًا وطبيعيًا على ذلك، لا لأن العقل يبرهن أنها صحيحة بالضرورة. وبهذا المعنى، تكشف العبارة عن توتر مركزي في فلسفة هيوم، فالمعرفة العلمية فعّالة ومثمرة، لكنها من حيث الأساس الفلسفي تقوم على عادة نفسية لا على ضرورة عقلية. وهذا التوتر هو بالضبط ما جعل مشكلة الاستقراء واحدة من أعمق الإشكالات في فلسفة العلم، ودفع فلاسفة لاحقين مثل كانط، ثم فلاسفة الاحتمال، ثم السيد الصدر، إلى البحث عن أساس أعمق يفسّر لماذا تنجح هذه العادة، أو كيف يمكن تحويلها من مجرد ميل نفسي إلى مبدأ معرفي مبرَّر.
ولابد هنا من التأكيد على نقطة مهمة في دوافع هيوم من اثارته لإشكاليته عن الاستقراء. فمن السهل أن يُساء فهم موقف ديفيد هيوم، وكأنه يحتفل بهدم الأساس العقلي للاستقراء أو يتبنى نوعًا من الشك العدمي، لكن القراءة الدقيقة لنصوصه تُظهر عكس ذلك تمامًا. هيوم كان واعيًا تمام الوعي بأن النتيجة التي وصل إليها مقلقة، بل ومحرِجة للعقل الإنساني. هو لا يقول إن الاستقراء وهم يجب التخلي عنه، بل يقول إننا لا نستطيع أن نتخلى عنه حتى بعد أن ندرك أنه بلا تبرير عقلي صارم. ففي بحث في الفهم البشري، يعترف هيوم صراحة بأن الحياة الإنسانية، بكل مستوياتها، تقوم على الاستقراء. الإنسان يتوقع، ويخطط، ويتصرف على افتراض أن العالم سيستمر على نمطه المعتاد. من دون هذا الافتراض، تصبح الحياة العملية مستحيلة. ولهذا يقول هيوم إن الطبيعة نفسها أجبرتنا على هذا النمط من التفكير، وجعلت العادة أقوى من أي تشكيك فلسفي. فحتى الفيلسوف الشكاك، بعد أن يغلق كتابه، يعود ليتصرف كأي إنسان عادي، يتوقع الطعام عند الجوع، والنار عند الاحتراق، والشمس عند الصباح.
لكن هذا الاعتراف لا يعني، عند هيوم، أن المشكلة قد حُلّت. هنا يظهر التمييز الحاسم الذي يصرّ عليه المتمثل في التمييز بين النجاح العملي والتبرير العقلي. فالاستقراء ناجح عمليًا بلا شك، وهو مفيد وضروري، بل لا غنى عنه. غير أن كونه ضروريًا للحياة لا يجعله مبرَّرًا عقلانيًا بالمعنى الفلسفي الصارم. هيوم يرى أن كثيرًا من الفلاسفة خلطوا بين هذين المستويين، فهم حين وجدوا أن الاستقراء يعمل، افترضوا أنه مبرَّر عقليًا، دون أن ينتبهوا إلى الفجوة المنطقية الكامنة في هذا الانتقال. هذا التوتر بين ما نضطر إليه عمليًا وما نعجز عن تبريره نظريًا هو لبّ الأزمة عند هيوم. فالعقل، عند هيوم، لا يستطيع أن يستخرج من التجربة وحدها مبدأً يضمن أن المستقبل سيشبه الماضي، ولا يستطيع أن يبرهن هذا المبدأ بالتحليل العقلي. ومع ذلك، الإنسان لا يملك خيارًا حقيقيا آخر، فهو مكوَّن نفسيًا بحيث يكوّن توقعاته عبر العادة الناشئة عن التكرار. بهذا المعنى، الاستقراء ليس حكمًا عقليًا واعيًا، بل استجابة نفسية تلقائية.
هيوم لا يخفي قلقه من هذه النتيجة. ففي أكثر من موضع، يلمّح إلى أن العقل الإنساني محدود، وأنه حين يتجاوز نطاق الخبرة المباشرة يقع في تناقضات أو عجز عن التبرير. لكن بدل أن يلجأ إلى حلول ميتافيزيقية تعيد إدخال الضرورة أو القوة إلى الطبيعة بلا سند واضح، فضّل أن يقبل بهذا التوتر كما هو، وأن يعترف بحدود العقل. فالمشكلة، في نظره، ليست في أن الاستقراء غير عملي، بل في أن العقل لا يملك الأدوات التي تخوّله تبريره على النحو الذي كان يتصوره الفلاسفة العقلانيون.
لهذا يمكن القول إن هيوم لم يهدم الاستقراء ليتركنا في فراغ، بل كشف فجوة عميقة بين العقل والحياة. نحن نعيش وكأن العالم منتظم وضروري، لكننا لا نستطيع أن نبرهن هذا الانتظام ببرهان عقلي صارم. موقف هيوم لم ينشأ من حادثة واحدة، بل من تضافر عوامل شملت، صرامة تجريبية منهجية، نجاح العلم دون أساس ضروري واضح، أمثلة يومية كاشفة، ونقد عميق للميتافيزيقا التقليدية. ومن هنا أصبحت مشكلة الاستقراء عنده أزمة فلسفية حقيقية، لا مجرد اعتراض تقني، وهي الأزمة التي ستشكّل لاحقًا نقطة الانطلاق لكل محاولات الحل، من كانط إلى فلاسفة الاحتمال، وصولًا إلى مشروع السيد محمد باقر الصدر، وكل بطريقته.
جاء إيمانويل كانط ١٨٠٤م، مباشرة بعد هيوم، في لحظة فلسفية حاسمة، واهتم بالإشكالية التي طرحها حول الاستقراء والسببية وكان واعيًا تمامًا بأن نقد هيوم للاستقراء والسببية لم يكن اعتراضًا عابرًا، بل تهديدًا جذريًا لإمكان العلم نفسه. فقد صرح في مقدمة كتابه نقد العقل المحض بأن هيوم هو الذي أيقظه من سباته الدوغمائي ، أي أنه أجبره على إعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها العلم الطبيعي، لا في نتائجه فقط. وورث كانط من هيوم السؤال عن كيف يكون العلم ممكنًا أصلًا إذا كان العقل لا يملك ضرورة تبرّر تعميم التجربة؟ وليس هل العلم ناجح؟
ينطلق كانط من رفض افتراض هيوم القائل إن العقل متلقٍّ سلبي للتجربة. فالتجربة، في نظره، لا تقدّم لنا معرفة منظَّمة بذاتها، بل مجرد معطيات حسية متفرقة. ما يجعل هذه المعطيات معرفة علمية هو أن العقل يفرض عليها بنيته الخاصة. من هنا جاء انقلاب كانط الشهير. فبدل أن تتطابق المعرفة مع الأشياء، تتطابق الأشياء، كما تظهر لنا، مع شروط المعرفة. السببية، في هذا الإطار، ليست علاقة نكتشفها في الطبيعة بالتجربة، بل مبدأ قبلي يفرضه العقل على الظواهر لكي تصبح قابلة للفهم أصلًا. بهذا المعنى، حاول كانط أن يحلّ معضلة هيوم من الجذور. فالعقل، عنده، لا ينتظر من التجربة أن تعلّمه أن لكل حادث سببًا، بل يفترض ذلك مسبقًا بوصفه شرطًا لإمكان التجربة المنظمة. إذا لم يكن العقل مزوّدًا سلفًا بمفهوم السببية، فلن نرى في تعاقب الأحداث إلا تتابعًا عشوائيًا بلا معنى. لذلك يصبح الاستقراء ممكنًا، ليس لأنه مبرَّر بالتجربة ذاتها، بل لأن التجربة لا تُفهَم إلا داخل إطار سببي ضروري يفرضه العقل.
هذا الحل يمنح العلم أساسًا قويًا من حيث المبدأ. فالقوانين العلمية ليست تعميمات هشة قائمة على العادة النفسية، كما عند هيوم، بل تعبير عن كيفية اشتغال العقل الإنساني نفسه حين يتعامل مع الظواهر. الطبيعة، كما يقول كانط، تجيب فقط عن الأسئلة التي يطرحها العقل وفق قوانينه الخاصة. بهذا المعنى، الضرورة العلمية ليست مستمدة من الواقع في ذاته، بل من الشروط القبلية التي تجعل الواقع ظاهرة قابلة للمعرفة. لكن في الوقت نفسه، يفتح هذا الحل باب إشكالات جديدة. فحل كانط عقلاني بالدرجة الأولى، إذ يجعل الضرورة والسببية جزءًا من بنية الذهن، لا من بنية العالم في ذاته. وبالتالي فالقوانين العلمية، وفق هذا التصور، صادقة بالضرورة داخل عالم الظواهر كما يظهر لنا، لكنها لا تخبرنا عن الشيء في ذاته خارج شروط الإدراك الإنساني. وهذا ما جعل كثيرًا من الفلاسفة يرون أن كانط أنقذ العلم، ولكن بثمن ميتافيزيقي ثقيل، يتمثل في الفصل بين الواقع كما هو، والواقع كما نعرفه.
إضافة إلى ذلك، لا يقدّم حل كانط تفسيرًا تفصيليًا لكيفية اختبار القوانين العلمية عمليًا أو تمييز القوانين الصحيحة من الخاطئة داخل البحث التجريبي. فهو يبرّر إمكان القانون من حيث المبدأ، لكنه لا يقدّم منهجًا تجريبيًا لاختيار القوانين أو تعديلها. ولهذا بقي حلّه، رغم عمقه الفلسفي، أقرب إلى تأسيس عقلاني للعلم منه إلى معالجة منهجية لكيفية اشتغال العلم في المختبرات والتجربة اليومية. بهذا يمكن القول إن كانط أغلق ثغرة هيوم على مستوى الأساس الفلسفي، لكنه لم يحلّ جميع الأسئلة المتعلقة بالممارسة العلمية نفسها. لقد نقل المشكلة من سؤال لماذا ينجح الاستقراء؟  إلى سؤال ما الشروط العقلية التي تجعل النجاح ممكنًا؟، وهو انتقال سيترك أثره العميق على كل الفلسفة اللاحقة، من المثالية الألمانية إلى فلسفة العلم الحديثة.
هذا التحوّل بدأ في الفلسفة الألمانية مع إيمانويل كانط مباشرة، بوصفه استجابة واعية لهيوم. وتعمق مع المثالية الألمانية اللاحقة، بعد تمهيد كانط لذلك، خصوصًا عند الفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيخته ١٨١٤م، وهومن أوائل رواد المثالية الألمانية. وانطلق من فلسفة كانط لكنه ذهب خطوة أبعد، فاعتبر أن الأنا (الذات) هي الأصل الذي يُنتج العالم معرفيًا، أي أن الواقع يُفهم بوصفه نتيجة نشاط الذات العاقلة. وبالتالي ألغى عمليًا فكرة الشيء في ذاته، وجعل الفعل العقلي والحرية أساس الفلسفة. كما تعمق التحول عند أشهر فلاسفة المثالية الألمانية غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل ١٨٣١م، الذي طوّر فلسفة شاملة ترى أن الواقع والعقل شيء واحد، وأن التاريخ والطبيعة والفكر تتطور عبر (الجدل- الأطروحة–نقيضها–تركيب). فعنده، العقل أو الروح المطلقة تتجلى تدريجيًا في العالم والتاريخ، ولا يبقى شيء خارج العقل. وبالتالي فلم يعد العقل عندهم، مجرد إطار ثابت، بل صار فاعلًا تاريخيًا يُنتج أنماط الفهم والقانونية عبر تطوّر الوعي نفسه. والقوانين، لديهم، ليست مجرد انتظامات تُلاحظ، بل تعبير عن عقلانية تتكشف تدريجيًا في التاريخ والطبيعة. وبالتالي، فالاستقراء عندهم لا يُفهم بوصفه قفزة نفسية، بل بوصفه لحظة ضمن مسار عقلاني أوسع، حيث الواقع نفسه يُفهم على أنه قابل للفهم لأنه عقلاني في بنيته. بهذا المعنى، انتقلت المشكلة من الشك في الاستقراء إلى تفسير عقلانية العالم ذاته.
وفي فلسفة العلم الحديثة، حدث انتقال مشابه، ولكن بلغة مختلفة وأكثر تواضعًا ميتافيزيقيًا، كما حصل في الوضعية المنطقية، التي ترى أن المعرفة ذات المعنى لا تكون إلا إذا أمكن التحقق منها تجريبيًا كما في العلوم الطبيعية، أو تحليلها منطقيًا كما في الرياضيات والمنطق.  بمعنى أنها لم تحاول تبرير الاستقراء ميتافيزيقيًا، بل سعت إلى إعادة صياغة القوانين العلمية بوصفها صيغًا احتمالية أو علاقات ترابط قابلة للاختبار. ووفق هذا الاتجاه، فإن كثيرًا من القضايا الميتافيزيقية والتأملات الفلسفية التقليدية لا تُعد خاطئة بقدر ما تُعد عديمة المعنى معرفيًا، لأنها لا تخضع لاختبار تجريبي ولا لتحليل منطقي دقيق.  لكن، وبعد البداية القوية للوضعية المنطقية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، بدأت تصطدم بمشكلات داخلية عميقة لم تستطع تجاوزها. وكان من أهم هذه المشاكل، مبدأ التحقق نفسه، أي القول إن الجملة لا تكون ذات معنى إلا إذا أمكن التحقق منها تجريبيًا أو كانت تحليلية منطقية. حيث تبيّن سريعًا أن هذا المبدأ لا يمكن التحقق منه تجريبيًا ولا هو قضية تحليلية، وبالتالي، ووفق معايير الوضعية الخاصة، يكون عديم المعنى. هذا الاعتراض، الذي وُصف كثيرًا بأنه انتحار ذاتي للمذهب، فتح الباب لنقد واسع من داخل الفلسفة التحليلية نفسها. ومن أوائل وأهم من وجّهوا النقد كان كارل بوبر، الذي سنأتي على ذكره بعد قليل بشيء من التفصيل.  
وفي المناهج الاحتمالية والبايزية الحديثة، يظهر شكل جديد من هذا التحوّل. وفيه لا يُسأل إن كان الاستقراء يقيني؟ بل يسأل ما الشروط العقلانية التي تجعل تحديث الاعتقاد على ضوء الدليل معقولًا؟ والنجاح فيه، لا يُفهم بوصفه كشفًا ضروريًا عن الواقع، بل بوصفه نتيجة اتباع قواعد عقلانية في التعامل مع عدم اليقين. فالاحتمال لا يبرّر القانون بوصفه حقيقة مطلقة، لكنه يبرّر تفضيله عقلانيًا ضمن منظومة معرفية متماسكة. وهكذا يُعاد تعريف النجاح، ليس ببلوغ اليقين، بل بإدارة المعرفة بطريقة عقلانية ناجحة، وسنعود للاحتمالية والبازية في سياق الحديث عن أطروحات السيد الصدر. 
إذن، ما حدث تاريخيًا هو انتقال من سؤال تبريري مباشر إلى سؤال تأسيسي أعمق. فبدل أن نسأل، لماذا الاستقراء صحيح؟ أصبح السؤال، ما الذي يجعل المعرفة العلمية ممكنة أصلًا؟ لتجيب المثالية الألمانية بإرجاع القانون إلى بنية العقل، وتذهب فلسفة العلم الحديثة لإعادة تعريف العقلانية العلمية نفسها، إما بوصفها نقدًا دائمًا كما ذهب اليه بوبر، أو ترجيحًا احتماليًا منظمًا كما هو في البايزية. وفي كلا المسارين، وكل المراحل، ظلّ هيوم حاضرًا بوصفه المفكّر الذي أجبر الفلسفة على الاعتراف بأن نجاح العلم ليس أمرًا بديهيًا، بل مشكلة فلسفية عميقة تتطلب إعادة التفكير في العقل، والواقع، ومعنى المعرفة نفسها.
وحاول جون ستيوارت ميل ١٨٧٣م، الدفاع عن الاستقراء عبر الانتظامات الطبيعية. وحاول تقديم حل عملي لإشكالية هيوم من خلال تطوير قوانين الاستقراء التجريبية. فاقترح قواعد منهجية مثل وجود عوامل وشروط ومتغيرات مصاحبة، مشتركة عند تكرار ظاهرة ما، وأسمى هذا بالتوافق، وغياب عامل أو عوامل عند غياب الظاهرة في مقابل وجوده عند وجودها، وأسمى هذا بالاختلاف، ومقدار أو قيمة العوامل والمتغيرات المصاحبة للظاهرة، في الغياب والحضور أسماه الموالاة.  في كتابه نظام منطقي، لا يبحث جون ميل عن السبب مباشرة، بل يقارن بين الحالات التي تظهر فيها الظاهرة والحالات التي تغيب فيها، ويراقب ما الذي تغيّر من ظروف وشروط ومعلومات تزامنت مع كل حالة. فإذا وُجد عامل حاضر دائمًا عند حضور الظاهرة وغائب عند غيابها، عُدّ هذا العامل سببًا مرجحًا أو جزءًا من السبب.
في قاعدة التوافق، تكون الشروط والظروف والمعلومات، هي العناصر المشتركة بين حالات متعددة لحدوث الظاهرة. مثال ذلك أن نلاحظ حدوث تسمم غذائي في عدة أشخاص، فنبحث عن الطعام أو الظروف المشتركة بينهم. هذه الأطعمة أو الظروف هي الظروف والشروط، التي يُشتبه في كونها سببًا. وفي قاعدة الاختلاف، تُفهم الشروط والظروف والمعلومات بوصفها الفروق بين حالتين متشابهتين تقريبًا، إحداهما حدثت فيها الظاهرة والأخرى لم تحدث. فإذا غاب عامل واحد فقط مع غياب الظاهرة، اعتُبر هذا العامل من الشروط والظروف والمعلومات الحاسمة. أما في قاعدة الموالاة أو التغيّر المتلازم، فالشروط والظروف والمعلومات تعني مقادير المتغيّرات، كدرجة الحرارة، شدة التيار، تركيز المادة، سرعة الجسم، حيث يُلاحظ أن زيادة الظاهرة أو نقصانها يتلازم مع زيادة أو نقصان أحد هذه العوامل.
ومن هذا قام ميل باستخلاص العلاقات السببية من الملاحظات والتجارب. وقدم دعما للاستقراء كأداة منهجية للبحث العلمي، لكنه لم يقدم مبررًا منطقيًا لجعله قاعدة ضرورية للعلم، بل جعله مجرد أداة عملية تساعد الباحث على الوصول إلى استنتاجات معقولة. لكنه يعترف بأن افتراض انتظام الطبيعة نفسه غير مبرر، وبذلك يعود إلى نقطة البداية.
بعد ميل، قام كارل بوبر ١٩٩٤م، الذي تحدثنا عنه مفصلا في مقال سابق، بانقلاب منهجي كامل. ففي كتابه منطق البحث العلمي ١٩٣٤م، قدم خطوة إنقاذيه للمنهج العلمي، لكن عبر تغيير اللعبة. فهولم يحاول تبرير الاستقراء، بل يتجاوز الاستقراء كله ويجعله موهومًا، وأسس العلم على منهج التكذيب أو الدحض. فهو يرى أن العلم لا يقوم على التحقق، بل على القابلية للتكذيب. فالقوانين العلمية العامة، مثل كل المعادن تتمدد بالحرارة، لا يمكن التحقق منها نهائيًا مهما كثرت الملاحظات، لكنها يمكن أن تُفند بملاحظة واحدة مضادة. بهذا المعنى، اعتبر بوبر أن معيار الوضعيين لا يستوعب طبيعة العلم الحقيقي، وأنه يستبعد القوانين العلمية ذاتها التي يدّعون الدفاع عنها. وقد صاغ ذلك بوضوح في كتابه منطق الكشف العلمي، حيث جعل التكذيب لا التحقق هو الحدّ الفاصل بين العلم واللاعلم عندما قال إنه لا يمكن للعلم أن يُؤكَّد بشكل نهائي عبر الملاحظة أو التجربة، وإنما يمكنه أن يُفند أو يُكذَّب عبر تجربة واحدة تتعارض مع توقعاته.
 لكن حل بوبر يأتي بثمن كبير، فهو ينكر أي أساس منطقي للمراكمة العلمية الاستقرائية، ويرى أنّ العلم سلسلة من محاولات تخمين ثم دحض. ويقول ليس هناك ما يسمّى تأييدًا نظريًا؛ هناك فقط بقايا مؤقتة لفرضيات لم تفشل بعد، وهو يقصد بذلك أن العلوم لا تثبت نظريًا بشكل نهائي أي فرضية، وأن ما نعتبره قوانين علمية أو حقائق مثبتة، هو في الواقع مجرد فرضيات نجت من التجارب والفحص حتى الآن. لكن العلم الواقعي، كما يرى عدد من علماء المنهج، يعمل فعلًا باستقراءات، وليس بمجرد تفنيدات. فتكون خطوته بمثابة التفاف على الفجوة التي أثارها هيوم. كما أن هذا الحل، ورغم أناقته، الا أنه ترك فجوة، تتمثل في كيف نفسر نجاح العلم إذا كان قائمًا فقط على الهدم لا على التراكم؟

أما توماس كون ١٩٩٦م، فقد حاول الالتفاف أو تجاوز إشكاليات هيوم من نافذة أخرى متمثلة في قراءته لتاريخ العلوم وتغير النماذج (البارادايم) عبر الزمن. فكون ركّز على السياق الاجتماعي والتاريخي للعلم، حيث اعتبر أن ما نسميه قوانين طبيعية ونتائج استقرائية يعتمد على البارادايم أو الإطار العلمي السائد في زمن معين. من وجهة نظر كون، الاستقراء الكلاسيكي لا يمكن أن يكون الأساس المطلق للعلم، بل هو جزء من الديناميكيات الاجتماعية للبحث العلمي، إذ تتغير القوانين والمناهج مع التحولات الثورية في البارادايمات العلمية.
واتت معالجة بول فييراباند ١٩٩٤م، وتعدت ليس فقط الإستقراء، بل المنهج العلمي بكليّته. ففييراباند جاء لينتقد الصرامة المنهجية نفسها، مؤكدًا أن الاستقراء ليس الطريقة الوحيدة لتقدم العلم، ودافع عن تعددية الأساليب العلمية واستخدام التجربة والابتكار بحرية، معتبراً أن فرض قاعدة صارمة واحدة للاكتشاف العلمي يقلل من ديناميكية البحث. هذه المقاربة تؤكد على حرية الفكر العلمي لكنها قد تؤدي إلى نسبية مفرطة إذا لم تتوازن بالمعايير التجريبية والمنطقية، وسنسترسل في هذا الموضوع في مقال لاحق عند الحديث عن اللامنهج.


٤.٤.١.٣.٢.٢٤ السيد الصدر والفجوة الفلسفية في منهج الاستقراء العلمي

وفي هذا السياق، تبرز أهمية مشروع السيد محمد باقر الصدر بوصفه محاولة معاصرة وجريئة لمعالجة هذه الفجوة من جذورها. فقد رأى أن الحلول الفلسفية السابقة، سواء في التراث الإسلامي أو في الفلسفة الغربية الحديثة، لم تنجح في تقديم أساس معرفي صلب يبرّر الانتقال الاستقرائي، وظلّت إما أسيرة العادة النفسية أو متكئة على مبادئ ميتافيزيقية غير مبرهنة. ومن هنا جاء كتابه الأسس المنطقية للاستقراء ليقدّم مقاربة جديدة تمزج بين المنطق ونظرية الاحتمال، ساعيًا إلى تحويل التراكم الاستقرائي من مجرد ترجيح ذاتي إلى يقين موضوعي مبرّر رياضيًا ومنطقيًا.
ننطلق في حديثنا، من إدراك أن فجوة الاستقراء ليست مجرد إشكال فلسفي نظري، بل هي خيط ناظم لمسيرة تطور المنهج العلمي منذ أرسطو مرورًا بابن الهيثم وفرنسيس بيكون وديكارت وهيوم، وصولًا إلى المحاولات المعاصرة لإعادة تأسيس العقلانية العلمية. ومن خلال تتبّع هذا المسار التاريخي والمعرفي، يتضح أن سؤال الاستقراء كان ولا يزال سؤالًا عن حدود العقل، ومعنى اليقين، وكيفية تبرير المعرفة في عالم لا يُعطينا سوى وقائع جزئية، بينما يطالبنا العقل بفهم كليٍّ منظم. نبدأ الحديث عن المسار التاريخي لمعالجة الفجوة، لنقف شهودا على المحاولات المتعددة في طبيعتها وأطروحاتها، من علماء تجريبيين، وفلاسفة في مختلف المجالات، ونستعرض بعد ذلك أطروحات السيد الصدر، ونقارنها بالأطروحات الأخرى، ونبرز مواطن الاتفاق والاختلاف ومواطن القوة في طرحه، وبعدها نستعرض الاعتراضات الفلسفية على أطروحات السيد الصدر. ونبدأ بآلة أرسطو. 
ويأتي السيد محمد باقر الصدر عام ١٩٧١م، أي بعد ميل وقبل كل من بوبر وكون، ليقدم في كتابه الآسس المنطقية للاستقراء، أطروحته ضمن الفلسفة العلمية الإسلامية الحديثة. في هذا السياق يأتي مشروع السيد محمد باقر الصدر ليقدّم واحدًا من أكثر الحلول عمقًا وجِدّة في تاريخ الاستقراء. حيث أعاد صياغة المنهج العلمي من الداخل، مركزًا على العلاقة بين الاحتمال الموضوعي والضرورة العقلية. فهو يختلف جذريًا عن كل من سبقه.  فالصدر قام بتحديد الموقع الفلسفي الدقيق لنظريته في الاستقراء عبر تمييزها عن أربع قراءات مؤثرة في فلسفة العلم، ولم يختزل الاستقراء في أيٍّ منها، بل قدّم تأسيسًا منطقيًا موضوعيًا. فالصدر لا يرى الاستقراء عملية نفسية كما عند هيوم، فهيوم فسّر الانتقال من الملاحظة الجزئية إلى التعميم الكلي بوصفه عادة ذهنية أو ميلاً نفسياً ناتجًا عن التكرار، لا بوصفه استدلالًا عقلانيًا مبرَّرًا. فعند هيوم، نحن لا نملك سببًا عقليًا يبرّر توقع المستقبل على مثال الماضي، وإنما نتعوّد على هذا التوقع نفسيًا. السيد الصدر يرفض هذا الاختزال، لأنّه يجعل العلم قائمًا على الإلف والعادة لا على المعرفة المبرَّرة، ويؤكد أن الاستقراء ليس مجرّد شعور بالاطمئنان، بل عملية لها بنية عقلية يمكن تحليلها وتبريرها. والصدر لا يرى الاستقراء تقليدًا تجريبيًا بلا أساس كما عند بوبر، حيث أنكر القيمة المنطقية للاستقراء أصلًا، ورأى أن العلم لا يقوم على تعميم الملاحظات، بل على فرضيات جريئة تُختبر بالتكذيب. في هذا التصور، بوبر يتعاطى مع الاستقراء ليس كأداة معرفية حقيقية، بل وهم ورثناه من النزعة التجريبية. والسيد الصدر يعارض هذا الموقف لأنه يرى أن العلم الواقعي لا يمكن أن يُفهم دون افتراض انتقال من الجزئي إلى الكلي، وأن التكذيب نفسه يفترض خلفية استقرائية في تقييم الفرضيات والنتائج. وينفي الصدر ان يكون الاستقراء أمرا اجتماعيًا كما عند توماس كون، وهذا يعني أن الصدر لا يفسّر الاستقراء بوصفه نتاجًا لبنية اجتماعية أو نموذج إرشادي تتحكم فيه الجماعة العلمية. كون يرى أن ما يُعدّ دليلًا أو استنتاجًا مقبولًا يتحدد داخل إطار اجتماعي تاريخي، لا وفق منطق يطرحه كون ويبقى ثابتا. والصدر يرفض هذه النسبيّة المعرفية، ويؤكد أن للاستقراء قيمة موضوعية تتجاوز توافق الجماعة العلمية، وإلا أصبح صدق العلم تابعًا للسلطة أو الإجماع لا للواقع. والصدر لا يعد الاستقراء فوضويًا كما عند فايرآبند، فهو يرفض الرؤية التي تنكر وجود أي منهج عقلي منظم في العلم، وترى أن كل شيء جائز في الممارسة العلمية. فايرآبند يشكك في أي قواعد عامة للاستدلال العلمي. أما الصدر، فيرى أن الاستقراء ليس ممارسة عشوائية، بل عملية منضبطة تخضع لقوانين عقلية يمكن الكشف عنها وتحليلها.
ونستنتج من هذا، أن السيد الصدر قدّم تصورًا يتمايز عن كل هؤلاء، فالاستقراء عنده هو انتقال عقلاني مضبوط تحكمه قوانين منطقية في الاحتمال، تؤدي تدريجيًا إلى درجة موضوعية من الاطمئنان يمكن أن ترقى، في شروط محددة، إلى اليقين، ولا يبقى معها احتمال النقيض عقلانيًا أو معقولًا. وبذلك قدم الصدر حلا علميا يعالج إشكال هيوم الذي امتد ٨٠ عاما، بشكل مباشر دون الحاجة للالتفاف على الإشكال كما ظهر في بعض الحلول، ودون الوقوع في شك هيوم، أو رفض بوبر، أو نسبية كون، أو فوضوية فايرابند.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥ أمثلة تطبيقية توضّح حلّ السيد الصدر لمشكلة الاستقراء

عندما يلاحظ العلماء أن معدنًا مثل الحديد يتمدد عند التسخين في كل تجربة أجروها، فإن الفلسفة التقليدية عاجزة عن تفسير كيف ينتقل العقل من هذه الملاحظات الجزئية إلى الجزم بوجود قانون عام يقول كل المعادن تتمدّد بالحرارة. هنا تظهر مشكلة الاستقراء بطرح، لماذا نثق أن المستقبل سيشبه الماضي؟ السيّد الصدر يعالج الأمر بمنهج الاحتمال؛ إذ يرى أن كل تجربة ناجحة ترفع احتمال صحّة الفرضية بشكل تراكمي، لا على المستوى النفسي، بل على المستوى الرياضي الموضوعي. فكلما تكررت الملاحظات من دون استثناء، يتضاءل احتمال الخطأ بنحو يقترب من الصفر، وهذا الاقتراب نفسه هو أساس اليقين. وعلى هذا الأساس يمكن للعالم أن يثق بالقانون، لا لأنه شاهد جميع المعادن، بل لأن بنية الواقع الاحتمالية تسمح بتحويل الظن المتراكم إلى يقين موضوعي عند حدّ معين. مثال آخر من الطب، عند ملاحظة الأطباء أن دواءً معيّنًا يشفي نسبة عالية من المرضى في بيئات مختلفة وتحت شروط متعدّدة، فإن الصدر يرى أنّ العقل لا يعتمد هنا على عادة نفسية، كما يثير هيوم، بل يعتمد على تراكم احتمالات كاشف عن وجود قانون واقعي يحكم العلاقة بين الدواء والشفاء.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥.١ مثال من الفيزياء: تمدد المعادن بالحرارة

عندما بدأ العلماء يلاحظون أن قطع الحديد والنحاس والفضة تتمدد عند تسخينها، لم يكن لديهم دليل منطقي قاطع بأن كل معدن يتمدد بالحرارة. فالمشاهدات كانت جزئية ومنتقاة، ولم يختبروا كل المعادن الموجودة أو المحتملة. المشكلة التي واجهتها الفلسفة التقليدية كانت في كيف ننتقل من هذه الحالات الفردية إلى قانون عام. هنا يعمل نموذج الصدر الاحتمالي. فكل تجربة ناجحة، حيث يتمدد المعدن بالحرارة، لا تُعطي يقينًا منفردًا، لكنها تضيف مقدارًا صغيرًا من الاحتمال لصالح وجود علاقة واقعية بين الحرارة والتمدد. ومع كل تكرار للتجربة في ظروف مختلفة وباستخدام معادن مختلفة، يتضح أن النتيجة ليست مصادفة، بل تنتظم في اتجاه واحد. ومع تراكم هذه التجارب، يزداد احتمال صحة الفرضية وفق بنية رياضية موضوعية، حتى يصبح احتمال الخطأ متناهي الصغر، ويكون شبيها لاحتمال سقوط ورقة بنفس الطريقة مئة ألف مرة مصادفة. عند هذه النقطة يصبح العقل العملي مبرَّرًا في قبول القانون كحقيقة، لأن الاحتمال الاحتمالي التراكمي يكشف عن وجود سبب واقعي يحكم الظاهرة، وليس مجرد تكرار عشوائي. بهذا الشكل يتجاوز الصدر مشكلة هيوم حول أن الماضي لا يبرر المستقبل، ليس لأن المستقبل يشبه الماضي، بل لأن تراكم الاحتمالات يكشف عن قانون حقيقي في العالم الخارجي.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥.٢ مثال من علم الوراثة: انتقال الصفات بين الأجيال

عندما درس مندل البازلاء في القرن التاسع عشر، سجّل مئات الملاحظات حول الصفات الوراثية كاللون والشكل. كل تجربة كانت تُنتج أنماطًا معينة بنسبة مثلا ١:٣، في الصفات السائدة والمتنحية. لكن هذه الملاحظات لا تفرض منطقيًا قانون الوراثة، بل تقدم احتمالات جزئية. لو كان الأمر مجرد حوادث عشوائية، لكانت النسب تتقلب بشكل غير منضبط. لكن مندل لاحظ أن كل تجربة جديدة تؤكد نفس النمط، وأن احتمال حدوث هذا النمط بالصدفة عبر كل تلك التجارب يكاد يكون معدومًا. هنا يعمل الاستقراء الاحتمالي كما شرحه الصدر، فكل تكرار للنمط الوراثي يرفع احتمال وجود قانون بنيوي في الجينات يتحكم في انتقال الصفات. ومع تضاؤل احتمال المصادفة، يصبح العقل مضطرًا للاعتراف بأن هذه الظاهرة تكشف عن بنية واقعية داخل المادة الوراثية، حتى قبل اكتشاف ال دي إن أي، بزمن طويل. بهذا يتحول الظن العلمي إلى يقين عملي قائم على التراكم الاحتمالي، وهو يقين موضوعي لأنه يعتمد على واقع السببية لا على عادة نفسية، وهو بالضبط ما أراد الصدر تأسيسه كبديل للفجوة التي كشفها هيوم.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥.٣ الطب السريري

يقدّم مثال الطب السريري نموذجًا قويًا لكيفية تراكم الاحتمال حتى يصبح أشبه بيقين عملي. لنفترض أن العلماء لاحظوا أن دواءً جديدًا يخفض ضغط الدم في خمس تجارب سريرية منفصلة. هذه النتائج لا تكفي وحدها للحكم بوجود علاقة سببية، فقد تكون التغيرات عشوائية أو مرتبطة بنمط حياة المرضى. ولكن عندما تتكرر النتائج في عشرات التجارب، وفي بلدان مختلفة، ومع آلاف المرضى، يصبح احتمال أن تكون المصادفة مسؤولة ع
ن هذا التكرار، ضئيلاً للغاية. في هذا السياق يعمل الاستقراء الاحتمالي، فكل تجربة إضافية ترفع درجة اليقين الموضوعي بوجود علاقة سببية بين الدواء وخفض الضغط. ومع تضاؤل احتمال المصادفة إلى حدود شبه معدومة، يصبح العقل العملي مبررًا في اعتبار العلاقة قانونًا طبيًا صالحًا للاستخدام، لا لأنه يقين منطقي مطلق، بل لأنه يقين احتمالي موضوعي يكشف انتظامًا حقيقيًا في الطبيعة.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥.٤ بنية جزيئات المواد

وفي الكيمياء يظهر مثال مشابه في دراسة بنية الجزيئات. فعندما لاحظ العلماء أن الروابط التساهمية تتكون دائمًا عند مشاركة الذرات للإلكترونات، كانت الملاحظات الأولى جزئية. لكن تكرار هذه الملاحظات في كل عناصر المجموعة الرابعة والسادسة وغيرها، وفي عشرات المركبات المتنوعة، جعل احتمال المصادفة يتضاءل إلى حد كبير. هذا التراكم الاحتمالي كشف أن مشاركة الإلكترونات، ليست مجرد نمط متكرر، بل قانون بنيوي في التفاعل الكيميائي. بهذا يكون الاستقراء، وفق تحليل الصدر، كاشفًا لسببية واقعية، لأن كل تأييد جديد يقلل احتمال أن يكون التكرار مجرد صدفة ويقوّي احتمال وجود بنية واقعية ثابتة خلف الظواهر.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥.٥ الصفائح التكتونية

وفي الجيولوجيا لدينا الصفائح التكتونية، لتكون خير مثال. كانت ملاحظات الانجراف القاري مجرد ظواهر مشتتة، كانطباق سواحل أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتشابه المتحجرات بين القارات، وتوزّع السلاسل الجبلية. كل واحدة من هذه الشواهد ليست دليلاً حاسمًا، لكنها تزيد احتمال فرضية الانجراف. ومع تراكم الأدلة من قياسات المغناطيسية القديمة، وحركة قاع المحيط، وانشطة الزلازل، أصبح احتمال المصادفة شبه معدوم. ووفق نموذج الاستقراء الاحتمالي تصبح كل إضافة قرينة موضوعية تكشف عن قانون واقعي هو حركة الصفائح، وليس مجرد عادة تفسيرية أو توافق لغوي بين العلماء. وهذا بالضبط ما يميز منهج الصدر عن المناهج الغربية، فهو يقدم تفسيرا لكيف يصبح الاحتمال نفسه حاملًا للمصداقية، وليس مجرد رقم في الحسابات.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥.٦ الخطوات الأساسية للاستدلال الاحتمالي عند الصدر

يبدأ الصدر من ملاحظة بسيطة، وهي أن التجارب المتكررة ليست شواهد عشوائية، بل هي شواهد مرتبطة ببنية سببية في الواقع. كل تجربة ناجحة ترفع احتمال وجود علاقة واقعية وليس مجرد مصادفة. ثم ينتقل إلى مرحلة ثانية وهي أن الاحتمال لا يبقى ساكنًا، بل يتراكم؛ فكل شاهد جديد يزيد من قوة الفرضية وفق قواعد حساب الاحتمالات. وعندما تتجاوز الاحتمالات حدًّا معينًا، يصبح احتمال المصادفة صغيرًا إلى درجة لا يمكن للعقل العملي أن يعتدّ به. وهنا يصل الاستدلال إلى درجة كشف وليست درجة ظنّ، أي أن العقل يرى القانون كأنه حقيقة واقعية. وفي المرحلة الأخيرة، يربط الصدر هذه البنية الاحتمالية بفكرة السببية، بحيث يصبح اليقين الناشئ عن الاستقراء مبنيًا على كشف قانون واقعي حاكم، لا على مجرد حسابات عددية.

٤.٤.١.٣.٢.٢٥.٧ مقارنة بين حلّ السيّد الصدر وحلّ كارل بوبر

كارل بوبر رفض أساسًا فكرة أن الاستقراء يمكن أن يؤدي إلى معرفة يقينية، ولذلك جعل العلم مبنيًا على التخطئة لا على التأكيد. فالقانون العلمي عند بوبر لا يمكن إثباته مهما تكررت التجارب، ويمكن فقط دحضه بتجربة واحدة مخالفة. أما السيّد الصدر فانتقد هذا الاتجاه لأنه يعطّل مفهوم اكتشاف القوانين ويجعل العلم مبنيًّا على الهدم لا على البناء. وبدل أن يتخلّى عن الاستقراء، أعاد إعادة تأسيسه. يرى الصدر أن بوبر يخلط بين اليقين الرياضي واليقين العملي؛ فالعلم لا يحتاج إلى يقين مطلق، بل يحتاج إلى أساس موضوعي يضمن أن القانون ليس مجرّد تخمين. ومن هنا، يذهب الصدر إلى أن التراكم الاحتمالي، عندما يبلغ مستوى معينًا، يُنتج يقينًا موضوعيًا، بينما بوبر يرى أن التجارب كلها مهما كثرت لا تولّد أي درجة من اليقين. المقارنة هنا تُظهر أن الصدر حافظ على الواقعية العلمية على خلاف بوبر، وفي الوقت نفسه تجاوز الشكل التقليدي للاستقراء الذي انتقده هيوم.












٤.٤.١.٣.٢.٢٦ تصنيف معالجات الفلاسفة والعلماء الغربيين لإشكالية هيوم

يمكن تصنيف معالجات الفلاسفة والعلماء الغربيين لإشكالية هيوم في مسألة الاستقراء تصنيفًا دقيقًا بحسب زاوية الاهتمام العلمي والمنهجي، لأن الخلاف لم يكن حول وجود المشكلة، بل حول طبيعتها ونوع الحل الممكن لها. هذا التصنيف يكشف بوضوح لماذا لم يظهر حل واحد متفق عليه، ولماذا تفرّعت المناهج بدل أن تتوحد. ونقوم هنا بعرضٌ تحليلي متسلسل لهذه الأصناف، مع تعريف كل صنف وذكر أبرز الأسماء الممثلة له، وبيان ما يميّزه عن غيره، ونتبع ذلك بجدول ٤٨ كخلاصة لذلك. 
تطورت معالجة إشكالية الاستقراء بعد هيوم في مسارات متعددة، لم تقتصر على الانقسام التقليدي بين التحليل المنطقي ورفض بوبر، بل شهدت تعقيدًا متزايدًا مع صعود فلسفة الاحتمال ونظرية التوكيد العلمي. فبعد أن أظهر الفلاسفة التحليليون، من أمثال برتراند راسل وجورج مور، عجز المنطق الصوري عن تبرير الانتقال من الجزئي إلى الكلي، اتجه بعض فلاسفة العلم إلى إعادة توصيف المشكلة بدل حلّها.
في هذا السياق، لم يكتفِ فلاسفة العلم أمثال كارل بوبر وتوماس كون، واللذين للتو انتهينا من مراجعة رؤاهم وأطروحاتهم، بإعادة كتابة تاريخ العلم، بل سعوا إلى إعادة تعريف العقلانية العلمية نفسها. بوبر أنكر الاستقراء وعدّه وهمًا منهجيًا، بينما رأى كون أن ما يُسمّى تقدمًا علميًا هو في حقيقته تحولات نموذجية لا تخضع لمنطق تراكمي صارم. غير أن هذه المقاربات، رغم أهميتها الوصفية، لكنها لم تُجب عن السؤال ، لماذا يكون قبول القوانين العلمية عقلانيًا أصلًا؟
هنا برز مسار فلسفة الاحتمال ونظرية التوكيد، حيث حاول فلاسفة مثل جون ماينارد كينز ورودلف كارناب في مرحلته الاحتمالية إعادة بناء العقلانية العلمية على أساس الترجيح بدل اليقين. ومع تطور هذا المسار، ظهرت نظرية التوكيد البايزية بوصفها محاولة منهجية لقياس قوة الأدلة في دعم الفرضيات العلمية.
ضمن هذا الإطار، يُعد وِزلي سلفن سالمون أحد أهم الأسماء المفصلية. ففي كتابه أسس الاستقراء العلمي ١٩٦٧م، لم يكتفِ سالمون بتبنّي الصيغة البايزية الاحتمالية، بل انتقد اختزال التوكيد في مجرد حساب رياضي، مؤكدًا على ضرورة إدخال البعد السببي الموضوعي في فهم كيف تؤكد الأدلة الفرضيات. سالمون رأى أن الاستقراء ليس مجرد تحديث اعتقاد ذاتي، بل استجابة عقلية لبنية سببية حقيقية في العالم، وهو ما يقرّبه، من حيث لا يقصد، من فكرة الضرورة الموضوعية، عند السيد الصدر.
إلى جانب سالمون، تبرز جرترود هيوز بوصفها ممثلة لاتجاه إبستمولوجي تحليلي متقدم في فهم التبرير الاحتمالي. فقد ركزت هيوز في أعمالها على مفهوم التبرير الاستدلالي، وذهبت إلى أن تراكم الأدلة لا يرفع فقط من درجة الاحتمال العددي، بل يُنتج حالة عقلية يصبح فيها إنكار الفرضية غير معقول معرفيًا. هذه الصياغة تلتقي بشكل واضح مع أطروحة الصدر حول انتفاء احتمال النقيض موضوعيًا، مع اختلاف الإطار المفاهيمي والمصطلحي.
أما مارين ليرر، فقد أسهم في ربط نظرية التوكيد بنظرية المعرفة، مؤكدًا أن الاحتمال الذي يبرر المعرفة يجب أن يكون موضوعيًا لا نفسيًا، وهو ما جعله حلقة وصل بين البايزية والمعرفة المعيارية. وفي السياق نفسه، وظّف جون بولكنغهورن الأدوات البايزية في نقاش العلاقة بين العلم والدين، معتبرًا أن تراكم الأدلة العلمية يقود إلى درجة من العقلانية تجعل رفض بعض الفرضيات الوجودية، ومنها الإيمان بالله، غير معقول.
وسط هذا المشهد المركب، يبرز مشروع السيد محمد باقر الصدر بوصفه مسارًا ثالثًا مستقلًا. فهو لا ينتمي إلى البايزية الحسابية، ولا إلى رفض بوبر، ولا إلى غيره من التصنيفات، بل يعيد السيد الصدر بأطروحته، تأسيس الاستقراء على قاعدة الضرورة الموضوعية التي تنشأ من انتظام الواقع نفسه. وبذلك يتقاطع الصدر مع سالمون وهيوز وليرر في رفض النفسية الخالصة والذاتية، لكنه يتجاوزهم بتأسيس منطق استقرائي غير احتمالي وغير حسابي.





٤.٤.١.٣.٢.٢٦.١ المناهج البايزية الحديثة في الاستقراء

تعود تسمية المناهج البايزية الحديثة في الاستقراء، إلى توماس بايز١٧٦١م، ونُشرت أفكاره في الاحتمال عام ١٧٦٣م، بعد موته ب ١٢ عاما، في مقالته الشهيرة حول حل مسألة في نظرية الاحتمالات، فهي تقوم على فكرة أساسية مفادها أن المعرفة العلمية لا تتقدّم عبر يقين قطعي، بل عبر تحديث عقلاني لدرجات الثقة في الفرضيات كلما ظهرت معطيات جديدة. هذا التصور بدأ يتبلور رياضيًا في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وتحوّل فلسفيًا إلى منهج مؤثر في القرن العشرين، حين أُعيد توظيفه في فلسفة العلم ونظرية المعرفة. فبدل أن يُطرح السؤال بصيغة، هل القانون صحيح أم باطل؟ أصبح يُطرح بصيغة، إلى أي درجة يُرجَّح صدقه في ضوء المعطيات المتاحة حاليًا؟
غير أن هذه الأفكار بقيت محدودة الأثر طوال القرن الثامن عشر والتاسع عشر، إلى أن أعاد بيير- سيمون لابلاس ١٨٢٧م، تطويرها وتوسيعها رياضيًا في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ومع ذلك، ظل استخدامها فلسفيًا ضعيفًا حتى بدايات القرن العشرين. في القرن العشرين، خصوصًا منذ ثلاثينياته وأربعينياته، عادت البايزية إلى الواجهة مع تطور الإحصاء الرياضي ونظرية القرار، ثم شهدت نقلة فلسفية واضحة بعد خمسينيات القرن العشرين في أعمال باحثين مثل الفيلسوف رودولف كارناب ١٩٧٠م، وعالم المنطق الألماني، الذي كان أحد رواد مدرسة المنطق التجريبي والتحليل اللغوي، وركّز على استخدام المنطق والرياضيات كأساس لفهم العلم، وطور مفهوم الاحتمال المنطقي الذي يربط بين المعتقدات العلمية والأدلة بطريقة منهجية، مما جعله أداة لتقييم قوة الاستنتاج العلمي، ومثل  الرياضي والفيلسوف الإيطالي برونو دي فينيتي١٩٨٥م، الرياضي والفيلسوف الإيطالي، الذي اشتهر بتطوير ما يعرف بالاحتمال الشخصي وكان يرى أن الاحتمال ليس مجرد خاصية فيزيائية أو تكرارية، بل يمثل درجة اعتقاد الفرد المبني على المعلومات المتوفرة لديه، وهو ما أتاح تحويل الاحتمالات إلى أداة عقلانية لتنظيم التفكير العلمي واتخاذ القرارات. حيث تحوّل الاحتمال من أداة حسابية إلى مبدأ عقلاني لتنظيم الاعتقاد العلمي. في هذه المرحلة، أصبحت البايزية إطارًا عامًا لفهم الاستقراء بدل أن تكون مجرد تقنية رياضية.
من حيث الأدوات، تعتمد المناهج البايزية على ثلاث ركائز، فرضية أو قانون مبدئي يُعطى احتمالًا قبليًا قبل التجربة، ومعطيات تجريبية جديدة، وقاعدة رياضية لتحديث الاحتمال بعد ورود الدليل. هذا التصور تبلور بصيغته الناضجة في النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصًا مع تطور الحوسبة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح التحديث الاحتمالي عمليًا وقابلًا للتطبيق الواسع. وتطوّرت البايزية الحديثة منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين إلى اتجاهين رئيسيين. اتجاه ذاتي يرى الاحتمال تعبيرًا عن درجة الاعتقاد العقلاني للفرد، كما عند دي فينيتي وبعض فلاسفة القرار، واتجاه موضوعي يسعى إلى تقييد الاحتمالات بقيود عقلانية أو بنيوية، كما في أعمال كارناب وبعض فلاسفة العلم التحليليين. هذا الانقسام يعكس استمرار اشكالية ديفيد هيوم التي طرحها في القرن الثامن عشر حول تبرير الاستقراء. وظهرت قوة المناهج البايزية بوضوح منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، مع استخدامها المتزايد في الفيزياء، والطب، والاقتصاد، ثم لاحقًا في الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة في بدايات القرن الحادي والعشرين. فالنماذج التنبؤية، وأنظمة التشخيص الطبي، وخوارزميات التعلّم الإحصائي كلها تعتمد على تحديث الاحتمالات بناءً على البيانات المتراكمة، وهو ما عزّز الثقة بفاعلية الاستقراء البايزي عمليًا.


٤.٤.١.٣.٢.٢٦.١.١ مفهوم الاستقراء في مناهج البازية الحديثة

في المناهج البايزية الحديثة يُفهم الاستقراء بوصفه عملية حسابية تُقاس فيها قوة الدليل بالأرقام، حيث تُعبَّر العلاقة بين الفرضية والدليل بصيغة احتمالية من نوع (P(h|e))، أي احتمال صدق الفرضية بعد توفر الدليل. هذا التصور يجد جذوره في أعمال بيير سيمون لابلاس، ثم تطور في فلسفة العلم المعاصرة مع رودلف كارناب، وويزلي سَلمُن، وغيرهم. فحين تتكرر التجارب المؤيدة لفرضية ما، يُقال إن احتمالها يرتفع تدريجيًا من 0.6 إلى 0.9 ثم إلى 0.99، دون أن يبلغ اليقين المنطقي الكامل. في مثال بيولوجي بسيط، إذا اختُبر مضاد حيوي على بكتيريا معينة ونجح في 90 تجربة من أصل 100، فإن البايزي يعبّر عن ذلك بالقول إن احتمال فعاليته بلغ 90%، وإذا استمر النجاح في تجارب لاحقة قد يصل إلى 99%. غير أن السيد محمد باقر الصدر، في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء (1971)، يرى أن هذا الأسلوب لا يمس جوهر المشكلة، لأنه يظل أسير التعبير الكمي، بينما المطلوب هو تفسير كيف ولماذا يتحول التكرار إلى يقين عقلاني. الصدر لا ينكر الاحتمال من حيث المبدأ، لكنه يرفض اختزال المعرفة العلمية في أرقام، ويؤكد أن تراكم النجاحات يؤدي إلى حالة يصبح فيها احتمال الخطأ «مهملًا إلى درجة اللاعقلانية»، أي ممكنًا من الناحية الصورية، لكنه مرفوض عقلًا في الممارسة المعرفية. وهو يضرب لذلك أمثلة قريبة من الحياة اليومية، تشبه ما أشار إليه جون بولكنغهورن حين قال إن العلم يتقدم إلى نقطة يصبح فيها رفض الفرضية غير معقول، لا لأنها بلغت 100% حسابيًا، بل لأن البديل لم يعد قابلًا للتصديق عقلانيًا.

٤.٤.١.٣.٢.٢٦.١.٢ علاقة اطروحات الصدر والمناهج البايزية 

علاقة هذه المناهج بأطروحات السيد محمد باقر الصدر ١٩٨٠م، تعود إلى مشروعه الفلسفي الذي تبلور في ستينيات القرن العشرين، وبلغ ذروته بنشر كتابه الأسس المنطقية للاستقراء سنة ١٩٧١م. في مشروعه، أدخل الصدر الاحتمال إلى قلب الاستقراء في وقت كانت فيه البايزية الفلسفية ما تزال محصورة إلى حد كبير في الدوائر الغربية، ورفض أن يكون الانتقال من الجزئي إلى الكلي قفزة نفسية أو عادة ذهنية بلا أساس موضوعي. وفي أوائل السبعينيات، تبنّى السيد الصدر فكرة التراكم الاحتمالي للأدلة، وهي فكرة مركزية في البايزية، لكنه منحها تفسيرًا ميتافيزيقيًا مختلفًا. فالاحتمال عنده ليس مجرد درجة اعتقاد ذاتية، بل علامة على وجود نظام واقعي يحكم الظواهر، وأن تكرار الانتظام عبر الزمن يكشف عن قانون حقيقي في العالم الخارجي، لا مجرد نجاح عملي للتنبؤ.
من هنا نرى، أن المناهج البايزية، التي بدأت جذورها الرياضية في القرن الثامن عشر، وتبلورت فلسفيًا في القرن العشرين، قدّمت أفضل إطار حديث لإدارة الاستقراء علميًا. لكن مشروع الصدر، الذي ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين، حاول أن يتجاوز هذا الإطار بإعطاء تفسير فلسفي موضوعي لنجاح الاحتمال نفسه. وبهذا يصبح الاحتمال، عند الصدر، جسرًا معرفيًا بين العقل والواقع، لا مجرد أداة حسابية لإدارة الشك، وهو ما يميّز أطروحته عن كثير من الاتجاهات البايزية المعاصرة.
كما ذكرنا، فإن نظرية السيد محمد باقر الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء، ترتبط بالمناهج البايزية الحديثة بعلاقة تقاطع عميق في البنية الاحتمالية مع اختلاف جوهري في الأساس الفلسفي والغاية المعرفية. فكلتاهما تنطلقان من الإقرار بأن المعرفة العلمية لا تُبنى على يقين منطقي صارم، وأن الاحتمال يلعب دورًا مركزيًا في تبرير الانتقال من المعطيات الجزئية إلى القوانين العامة. غير أن هذا الاشتراك لا يعني التطابق، بل يكشف عن مسارين مختلفين لمعالجة المشكلة نفسها.
فالصدر يقدّم تصورًا للاحتمال بوصفه احتمالًا موضوعيًا مرتبطًا ببنية الواقع، لا مجرد درجة اعتقاد ذاتية. فهو يرى أن تكرار الظواهر المنتظمة لا يزيد فقط من ثقة الباحث النفسية، بل يكشف عن وجود نظام واقعي يحكم الظواهر، ما يجعل ارتفاع الاحتمال مؤشرًا معرفيًا له قيمة كاشفة. هذا التصور يقترب ظاهريًا من الاستخدام البايزي للاحتمال، لكنه يختلف عنه في النقطة الحاسمة، المتمثلة في أن الاحتمال عند الصدر ليس مجرد أداة لتحديث الاعتقاد، بل هو تعبيرعن علاقة واقعية بين الظواهر.
في المقابل، تقوم المناهج البايزية الحديثة، كما عند جايـنز أو دي فينيتي، على تفسير الاحتمال بوصفه درجة اعتقاد عقلاني تُحدَّث وفق قاعدة بايز عند ورود معطيات جديدة. الدليل التجريبي لا يبرهن القانون، بل يزيد من معقوليته داخل منظومة الاعتقادات السابقة. هنا يظهر الفارق بوضوح، فالبايزية تُعنى بكيفية إدارة الاعتقاد عقلانيًا في ظل عدم اليقين، بينما يسعى الصدر إلى تبرير لماذا يكون هذا الاعتقاد، في حالات معينة، كاشفًا عن الواقع، لا مجرد سياسة معرفية ناجحة.
 ولتوضيح ذلك، اعيد صياغة ما قلناه أعلاه في الفرق بين ما ذهب له السيد الصدر وما تذهب له مناهج البايزية، ومحاولة إيضاحها ببعض أمثلة قد تعين في تقريب الصورة. ونبدأ بالتمييز بين سؤالين مختلفين، رغم تشابه اللغة المستخدمة فيهما، هل الاحتمال يخبرنا بشيء عن الواقع نفسه؟ أم أنه يخبرنا فقط عن درجة ثقتنا نحن بما نعتقده عن الواقع؟
عند السيّد الصدر، الاحتمال ليس مجرد إحساس داخلي بالاطمئنان، يزداد مع تكرار التجربة، بل هو علامة عقلية على وجود نظام واقعي يحكم الظواهر. فعندما نلاحظ، مثلًا، أن الحديد يتمدّد كلما سُخّن، ثم يتكرر هذا السلوك في ظروف مختلفة ومع مواد مشابهة، فإن ارتفاع احتمال صحة هذا القانون لا يعني فقط أننا أصبحنا أكثر اقتناعًا نفسيًا، بل يعني، عند الصدر، أن الواقع نفسه منظم بطريقة تجعل هذا السلوك قانونًا موضوعيًا. الاحتمال هنا يؤدي وظيفة كاشفة، فهو طريق عقلي لاكتشاف البنية المنتظمة للعالم، لا مجرد أداة لإدارة الشك. ويمكن توضيح ذلك بمثال بسيط من الحياة اليومية. فلو لاحظ شخص أن الشمس تشرق كل يوم من الشرق، فإن الصدر لا يرى أن تكرار هذه الملاحظة يزيد فقط من ثقة الشخص النفسية، بل يكشف عن نظام كوني فعلي تحكمه قوانين فلكية. ارتفاع الاحتمال هنا ليس مجرد شعور بالترجيح، بل مؤشر معرفي على انتظام واقعي مستقل عن ذهن الملاحظ. ولهذا يصرّ الصدر على أن الاستقراء ليس عادة نفسية، بل طريق عقلاني لمعرفة الواقع.
أما في المناهج البايزية الحديثة، كما نجد عند برونو دي فينيتي أو إدوين جايـنز، فالأمر يُفهم بطريقة مختلفة. الاحتمال يُعرَّف بوصفه درجة اعتقاد عقلاني لدى الباحث، تتغير عندما تظهر معطيات جديدة. فإذا لاحظنا نفس الظاهرة السابقة مرارًا، فإن ما يحدث، وفق البايزية، هو تحديث في مستوى الثقة، لا اكتشاف مباشر لبنية الواقع. وتزايد مستوى الثقة هذا، لا يعني تثبيت أو إثبات القانون العلمي، بل هذا يعني أن القانون أصبح أكثر معقولية ضمن شبكة المعتقدات الحالية. الاحتمال هنا أداة لتنظيم التفكير واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين، لا مرآة تعكس النظام الواقعي نفسه.
ولتقريب الصورة، يمكن تشبيه البايزية بشخص يدير محفظة استثمارية، وكل معلومة جديدة تجعله يعيد حساب المخاطر ويعدّل قراراته، دون ادعاء أنه كشف قوانين حتمية للسوق. في المقابل، يشبه تصور الصدر عمل عالم فيزيائي يعتقد أن انتظام الظواهر ليس مجرد نمط ظاهري، بل دليل على قوانين فعلية تحكم الطبيعة، وأن العقل قادر، بدرجة معقولة، على كشف هذه القوانين عبر الاستقراء. من هنا يتضح الفارق الجوهري بين البايزية التي تسأل كيف ينبغي لعقل رشيد أن يحدّث اعتقاداته عندما تتغير المعلومات؟  والصدر الذي يسأل لماذا يكون هذا التحديث، في حالات معينة، كاشفًا عن الواقع لا مجرد استراتيجية ناجحة؟ هذا هو الفرق بين الاحتمال بوصفه سياسة معرفية عقلانية، والاحتمال بوصفه طريقًا فلسفيًا لاكتشاف النظام الموضوعي للعالم.
ومع ذلك، توجد نقاط تقاطع تقنية لافتة. فالصدر يستخدم لغة قريبة جدًا من منطق التحديث الاحتمالي حين يبيّن أن تكرار المشاهدات المتشابهة يرفع احتمال وجود قانون عام، وأن هذا الارتفاع ليس خطيًا، بل تراكميًا. هذا يشبه تمامًا ما تفعله النماذج البايزية عند تحديث الاحتمال اللاحق بناءً على البيانات الجديدة. الشاهد هنا أن الصدر سبق زمنيًا كثيرًا من الصياغات الشائعة اليوم في فلسفة الاحتمال، لكنه صاغها داخل إطار فلسفي مختلف. هذا التقاطع يظهر بوضوح عند مقارنة معالجة الصدر لمثال تعاقب الظواهر المنتظمة، بمعالجة البايزيين لمشكلة التنبؤ. فكما يقول البايزيون إن رؤية ألف غراب أسود ترفع احتمال أن كل الغربان سود، يرى الصدر أن هذا التكرار يولّد يقينًا عمليًا موضوعيًا، لا لأن العقل اعتاد ذلك نفسيًا، بل لأن انتظام الوقائع يكشف عن علّة أو قانون واقعي. الفرق أن البايزي يقف عند حدّ الترجيح العقلاني، بينما يتجاوزه الصدر إلى مستوى الكشف المعرفي.
كذلك، يقدّم الصدر ما يمكن اعتباره نقدًا استباقيًا لبعض الصعوبات البايزية، خصوصًا مشكلة الاحتمالات الأولية، ففي البايزية، يبقى اختيار الاحتمالات القبلية مسألة إشكالية، وقد تكون ذاتية أو عرفية. الصدر، بالمقابل، يسعى إلى تقليل هذه الذاتية عبر ربط الاحتمال ببنية الواقع ونظام العلل، بحيث لا يكون الترجيح ناتجًا فقط عن افتراضات الباحث السابقة، بل عن انتظام موضوعي في العالم الخارجي. ونحتاج لبعض تبسيط وامثلة لجعل الصورة أكثر وضوحا. 
نبدأ من حيث يبدأ الباحث في المناهج البايزية، فهو يبدأ دائمًا بما يُسمّى الاحتمال القبلي، أي مقدار الثقة الأولية التي يعطيها لفرضية ما قبل النظر في أي بيانات جديدة، وقيمة الاحتمال هذا هي قيمة يخمنها أو يقدرها الباحث. المشكلة في هذا، أن الاحتمال القبلي لا يأتي من الواقع مباشرة، بل من تقدير الباحث نفسه أو من عرف علمي متّفق عليه. فعند وجود شخصان ينظران إلى المسألة نفسها، فاحتمال أنهما يبدآن باحتمالات قبلية مختلفة، أمر وارد رغم امتلاكهما للبيانات نفسها لاحقًا. هذا ما يجعل البايزية قوية كأداة تنظيم عقلاني للاعتقاد، لكنها عرضة لاتهام الذاتية في نقطة البداية وكمثال توضيحي، لو اختلف عالمان حول وجود جسيم فيزيائي جديد، قد يعطي الأول احتمالًا قبليًا مرتفعًا بسبب خلفيته العلمية، بينما يعطي الثاني احتمالًا منخفضًا لأن مدرسته العلمية مختلفة متحفظ. عند ورود البيانات التجريبية نفسها، سيحدّث كل واحد اعتقاده بطريقة عقلانية، لكن قد يصلان إلى نتائج مختلفة بسبب اختلاف نقطة الانطلاق. المشكلة هنا ليست في التحديث، بل فيمن أين جاءت البداية.
السيد الصدر يتعامل مع هذه الإشكالية بطريقة مختلفة. فهو لا يبدأ من درجة اعتقاد نفسية، بل من انتظام واقعي في العالم. عنده، الاحتمال لا يُعطى للفرضية لأنها تبدو معقولة للباحث، بل لأنه يوجد في الواقع نمط متكرر ومنظَّم يحتاج إلى تفسير. فترجيح الفرضية لا ينبع فقط من العقل، بل من بنية العلل في الخارج. فلو لاحظ شخص أن الشمس تشرق كل يوم من الشرق، فإن البايزي قد يرفع احتمال شروقها غدًا بسبب خبرته السابقة جعلته واثقًا بذلك. أما الصدر فيقول، ان تكرار الشروق لا يزيد الثقة النفسية فقط، بل يكشف عن نظام واقعي ثابت في حركة الأجرام السماوية. الاحتمال عند الصدر هنا، ليس رأيًا شخصيًا، بل هو مؤشرًا على قانون يحكم الظاهرة. ولو رأيت جهازًا إلكترونيًا يعمل بالطريقة نفسها كل مرة عند الضغط على زر معيّن، فإن ترجيحك لوجود دارة كهربائية منتظمة داخله لا يأتي من افتراضك المسبق، بل من انتظام الفعل والنتيجة. الصدر يرى أن هذا الانتظام نفسه هو ما يمنح الاحتمال قيمته المعرفية، لا مجرد تحديث اعتقاد شخصي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الصدر يقدّم نقدًا استباقيًا لبعض صعوبات البايزية. فهو يتفق معها في أن المعرفة الاستقرائية ليست يقينًا منطقيًا، لكنه يرفض أن تكون مجرد سياسة عقلانية لإدارة الاعتقاد. الاحتمال عنده مرتبط بالواقع لا بالذهن فقط، وبنظام العلل لا بتفضيلات الباحث، وبذلك يحاول تقليل الذاتية التي تعاني منها مشكلة الاحتمالات الأولية في البايزية. فالبايزية تسأل، كيف أعدّل اعتقادي عقلانيًا؟ بينما الصدر يضيف سؤالًا أعمق يتمثل في لماذا يكون هذا الاعتقاد كاشفًا عن واقع موضوعي أصلاً؟
برغم هذا الافتراق والفروقات، الا ان العلاقة بينهما عميقة، ومن الشواهد المهمة على ذلك، أن عددًا من فلاسفة العلم المعاصرين، وإن لم يذكروا الصدر بالاسم، عادوا للبحث عن صيغ موضوعية للاحتمال داخل الإطار البايزي نفسه. هذه المحاولات تقترب في روحها من مشروع الصدر، وإن اختلفت في اللغة والمقدمات، ما يدل على أن الإشكال الذي عالجه الصدر لا يزال حيًا ومفتوحًا.
الخلاصة أن نظرية الصدر ليست بايزية بالمعنى الاصطلاحي الحديث، لكنها تتقاطع مع البايزية في الأدوات وتفترق عنها في الأساس الفلسفي. البايزية تنظّم الاعتقاد، والصدر يؤسّس للكشف. البايزية تسأل، كيف نُحدّث ثقتنا عقلانيًا؟ والصدر يسأل، لماذا يكون هذا التحديث دالًا على واقع منظم؟ ومن هنا تأتي أهمية قراءة مشروع الصدر اليوم بوصفه مساهمة عميقة يمكن أن تغني النقاش المعاصر حول الاحتمال والاستقراء، لا أن تُختزل في كونه مجرد صيغة مبكرة من البايزية.

٤.٤.١.٣.٢.٢٦.١.٣ الاختلاف بين البازية والصدر

ينتقل الخلاف بين البايزية والصدر إلى مستوى أعمق عند مفهوم اليقين نفسه. في البايزية، اليقين ليس خاصية في الواقع، بل نتيجة لحساب ذهني يقوم به الباحث اعتمادًا على المعطيات المتاحة. أما الصدر فيؤسس ما يسميه الضرورة الموضوعية، أي أن العالم الخارجي يمتلك انتظامات حقيقية تجعل بعض الفرضيات أقرب إلى بنية الواقع من غيرها، بصرف النظر عن أذهاننا وحساباتنا. هذا التصور يعيد النقاش إلى ما بعد هيوم، الذي أنكر أي ضرورة عقلية في السببية، واكتفى بردّها إلى العادة النفسية. الصدر، على العكس، يرى أن تكرار الظواهر ليس مجرد تتابع عرضي، بل كاشف عن رابطة واقعية تجعل فرضية الانتظام أرجح موضوعيًا من فرضية الصدفة. في الفيزياء مثلًا، عندما نلاحظ أن جميع الأجسام تسقط بالتسارع نفسه تقريبًا في ظروف متشابهة، فإن البايزي يقول إن احتمال صحة قانون السقوط الحر يزداد مع كل تجربة، بينما يقول الصدر إن طبيعة العالم نفسها تُنتج هذا الانتظام، وإن تراكم الشواهد يجعل تفسير الظاهرة بالصدفة تفسيرًا غير عقلاني. هذا الموقف يلتقي جزئيًا مع ما أشار إليه أينشتاين حين قال إن أعجب ما في الكون أنه قابل للفهم، أي أن انتظامه ليس وهمًا ذهنيًا، بل خاصية واقعية. ومن هنا يصبح اليقين عند الصدر نتيجة انكشاف بنية الواقع، لا مجرد حاصل ضرب احتمالات.
أما الاختلاف الثالث فيتجلى في ارتباط البايزية الوثيق بنظرية القرار، حيث تُربط المعرفة العلمية بالاختيار العملي تحت عدم اليقين. في هذا الإطار، لا يُسأل: هل الفرضية صحيحة حقًا؟ بل: هل من العقلاني أن أتصرف على أساسها؟ هذا المنحى نجده بوضوح في فلسفة فرانك رامزي وبرونو دي فينيتي، حيث يُختزل الاعتقاد العلمي في سلوك مراهنة عقلاني. الطبيب البايزي، مثلًا، قد يختار علاجًا معينًا لأنه يملك احتمال نجاح أعلى من غيره، حتى لو لم يكن متيقنًا من فعاليته فعليًا. الصدر يرى أن هذا خلط بين ميدان العمل وميدان المعرفة؛ فالقرار العملي قد يكون مبررًا حتى مع ضعف الدليل، لكن المعرفة العلمية تتطلب أكثر من مجرد ترجيح نفعي. اليقين الاستقرائي عنده ليس قرارًا مفيدًا، بل نتيجة منطقية نوعية لتراكم الأدلة بحيث تنتفي بدائل التفسير المعقولة. وهذا ما يجعله يميز بوضوح بين أن أتصرف كما لو أن الفرضية صحيحة، وبين أن أكون مبررًا عقلانيًا في الاعتقاد بصدقها. بهذا المعنى، يقدم الصدر منطقًا مستقلاً للاستقراء، لا يعتمد على المراهنة ولا على الحساب وحده، بل على تفسير عقلاني لكيفية انتقال الذهن من التكرار إلى الضرورة، وهو ما لم تنجح البايزية، رغم قوتها الأداتية، في حسمه فلسفيًا حتى اليوم.

٤.٤.١.٣.٢.٢٦.١.٤ نظرية التأكيد البايزية وعلاقتها بطرح السيد الصدر

منذ اشكالية ديفيد هيوم على الانتقال من الجزئي الى الكلي، بوصفه غير مبرهن عقليًا، انقسمت الجهود الفلسفية بين من حاول تجاوزه عمليًا بالاحتمال، ومن سعى إلى إعادة تأسيسه على أسس عقلية جديدة. في هذا السياق يبرز مشروع السيّد محمد باقر الصدر بوصفه محاولة متميّزة لإعادة بناء الاستقراء لا باعتباره عادة نفسية أو إجراءً عمليًا فحسب، بل كعملية عقلانية لها أساس موضوعي، وهو ما يجعله قريبًا في بعض نتائجه من مناهج الاحتمال الحديثة، مع اختلاف جوهري في المنطلقات والغايات.
بينما توجه بعض فلاسفة الاحتمال المعاصرون مثل وزلي سلفن سنجر ومارين ليرر، إلى معالجة مشكلة الاستقراء عبر المناهج البايزية، التي تقوم على تحويل الاستدلال العلمي إلى حساب عقلاني لدرجات الترجيح بدل البحث عن يقين مطلق. فالاستقراء، في هذا الإطار، لا يمنح قوانين مؤكدة، بل يرفع احتمال صدق الفرضيات كلما تراكمت الشواهد المؤيدة لها وفق قواعد رياضية واضحة. هذا التحول لم يكن إنكارًا للعقل، بل إعادة تعريف لدوره بوصفه منظِّمًا لاحتمالات معقولة، وهو ما منح الاستقراء شرعية معرفية عملية دون ادعاء تأسيسه على يقين منطقي صارم. وتتضح علاقة أطروحة السيّد الصدر بالمناهج البايزية الحديثة في هذا المستوى العميق من التفكير، لا في التفاصيل التقنية. ابتداء، فالصدر، وقبل شيوع البايزية المعاصرة في فلسفة العلم، سعى إلى تأسيس مبدأ موضوعي يبرّر الانتقال من الجزئي إلى الكلي، مستخدمًا لغة الاحتمال بوصفها أداة عقلية لا مجرد حساب تجريبي. وبينما ينطلق البايزيون من نماذج رياضية لتحديث الاعتقاد، ينطلق الصدر من تحليل فلسفي لمفهوم الاحتمال نفسه وربطه ببنية العقل والمعرفة. ومن هنا يمكن القول إن مشروع الصدر يلتقي مع البايزية في الهدف العام، أي إنقاذ الاستقراء من السقوط بسبب اثارة هيوم، لكنه يختلف عنها في كونه يسعى إلى تأسيس فلسفي قبلي لشرعية هذا الانتقال، لا الاكتفاء بتبريره كآلية ناجحة في الممارسة العلمية.
وشهد النصف الثاني من القرن العشرين تطورًا لافتًا في فلسفة العلم، تمثّل في بروز ما يُعرف بـنظرية التأكيد البايزية، وهي نظرية تسعى إلى تفسير كيفية ازدياد معقولية الفرضيات العلمية عبر تراكم الأدلة، من خلال حساب التغير في درجات الاحتمال قبل ورود الدليل وبعده. ووفق هذا المنهج، لا تُعد الفرضية مؤكَّدة أو مرفوضة دفعة واحدة، بل تزداد قوتها التفسيرية تدريجيًا كلما دعمتها شواهد تجريبية جديدة. والمثير للاهتمام أن هذا الإطار، رغم نشأته داخل السياق الغربي المعاصر وباستقلال تام عن تراث السيد محمد باقر الصدر، يلتقي معه في عدد من النقاط الجوهرية المتعلقة بطبيعة الاستقراء، وحدود اليقين، وعلاقة العقل بالواقع. 
يتميّز حلّ السيد محمد باقر الصدر لمشكلة الاستقراء بأنه لا يكتفي بتجاوز إشكال هيوم جزئيًا أو الالتفاف عليه عمليًا، بل يعيد الصدر بناء أساس معرفي موضوعي للاستقراء من جذوره. فبينما انطلقت أغلب المعالجات الغربية من الاعتراف بعجز التبرير المنطقي الصارم للاستقراء ثم البحث عن بدائل وظيفية أو احتمالية، سعى الصدر إلى الإجابة عن السؤال الذي تهرّب منه كثيرون، وهو لماذا يكون الانتقال من الجزئي إلى الكلي انتقالًا عقلانيًا مبرَّرًا، لا مجرد عادة نفسية أو رهان عملي؟ هذا الطموح التأسيسي هو ما يمنح مشروعه طابعًا مختلفًا نوعيًا. وعند مقارنة الصدر بفلاسفة مثل جون بولكنغهورن، يتضح أن بولكنغهورن ، رغم عمقه الفلسفي والعلمي، يتحرك في أفق تفسيري احتمالي؛ فهو يقبل بأن العلم لا يقوم على اليقين، بل على أفضل تفسير للمعطيات، ويرى في انتظام الطبيعة ومعقوليتها مؤشرًا عقلانيًا منفتحًا على الإيمان. غير أن هذا المسار، كما عند الصدر، لا يعالج مشكلة الاستقراء في ذاتها، بل يعيد صياغة موقعها داخل رؤية تفسيرية أوسع. الصدر، بالمقابل، لا يكتفي بالقول إن الاستقراء ناجح عمليًا أو معقول تفسيريًا، بل يسعى إلى بيان الشروط المنطقية التي تجعل نجاحه مبرَّرًا معرفيًا.
أما مقاربات فلاسفة الاحتمال مثل وِزلي سلفن سنجر أو مارين ليرر، فتقوم غالبًا على تحويل الاستقراء إلى مسألة ترجيح عقلاني أو قبول مبرَّر ضمن شبكة من الاعتقادات المتماسكة. في هذه الرؤى، لا يُطلب من الاستقراء أن يكون يقينيًا أو مؤسسًا لقوانين ضرورية، بل يكفي أن يكون معقولًا في إطار نظرية في التبرير أو في الاتساق المعرفي. الصدر يختلف جذريًا هنا، لأنه يرى أن هذا النوع من الحلول، رغم تطوره، يبقي الاستقراء معلقًا داخل الدائرة نفسها، كقوانين احتمالية تُبرَّر باحتمالات أخرى، دون أساس موضوعي يفسّر لماذا يكون لهذا الترجيح وزن معرفي حقيقي في كشف الواقع.
ففي كتابه العلم والتدبير الإلاهي الصادر عام ١٩٨٩م، يؤكد الفيزيائي والفيلسوف البريطاني جون بولكنغهورن أن طبيعة المعرفة العلمية لا تنسجم مع نموذج اليقين المنطقي الصارم الذي نجده في الرياضيات أو في البراهين الصورية، بل تقوم على نمط مختلف من العقلانية، يتشكّل عبر تراكم الشواهد التجريبية واتساقها. ففي كتابه، يصرّح بأن العلم لا يسير من مسلّمات يقينية إلى نتائج قاطعة، بل من أدلة جزئية إلى استنتاجات يصبح إنكارها، مع الزمن، غير معقول عقلانيًا. هذا التصور يضع اليقين العلمي في منزلة وسطى بين الشك الخالص والبرهان المنطقي، حيث لا تُستبعد الفرضية المنافسة استبعادًا منطقيًا مطلقًا، لكنها تُقصى لأن قبولها لم يعد ينسجم مع وزن الأدلة المتراكمة. ولتوضيح هذا المعنى، يشير بولكنغهورن في مواضع متعددة إلى مثال تطور نظرية الذرة. فلم يكن وجود الذرات حقيقة منطقية لا تقبل النفي، بل فرضية تفسيرية تعززت عبر قرون من التجارب، من قوانين الغازات إلى الحركة البراونية ثم البنية الإلكترونية للذرة. ومع كل دليل جديد، لم يصبح نفي الذرات مستحيلًا من حيث التصور، لكنه صار تفسيرًا تعسفيًا لا ينسجم مع انتظام النتائج. وهنا يظهر ما يقصده بولكنغهورن حين يقول إن العقل العلمي يُجبر عمليًا على قبول أفضل تفسير، لا لأن البديل متناقض منطقيًا، بل لأن كلفته التفسيرية أصبحت غير معقولة.
هذا التصور يلتقي على نحو لافت مع ما عبّر عنه السيد محمد باقر الصدر بمفهوم الضرورة الاستقرائية. فالصدر يرفض اختزال اليقين في الاستحالة المنطقية للنقيض، ويرى أن هذا الفهم لا ينسجم مع طبيعة المعرفة العلمية ولا مع التجربة الإنسانية اليومية. وفي الأسس المنطقية للاستقراء يؤكد أن اليقين الاستقرائي يتحقق عندما يبلغ الدليل درجة من التراكم تجعل فرضية الصدفة أو الخطأ غير معقولة عقلًا، رغم بقائها ممكنة ذهنيًا. فاليقين هنا ليس سدًّا لباب التصور، بل سدًّا لباب العقلانية. ويمكن توضيح ذلك بمثال من الفيزياء الحديثة، كقبول قانون الجاذبية أو القوانين الأساسية للحركة. فالعالم الفيزيائي لا يدّعي أن من المستحيل منطقيًا أن تتوقف الجاذبية غدًا أو أن تنقلب قوانين الحركة فجأة، لكن انتظام الكون عبر عدد هائل من المشاهدات والتجارب يجعل هذا الاحتمال، وإن كان متصورًا ذهنيًا، مهملًا عقلًا إلى حد لا يسمح بأخذه على محمل الجد. وهذا بالضبط ما يسميه الصدر الضرورة الاستقرائية، وهي ضرورة نابعة من واقع العالم وانتظامه، لا من قواعد المنطق الصوري.
ويبرز التقاطع أكثر في البعد الفلسفي لهذا الموقف. فبولكنغهورن ينتقد النزعة الوضعية التي تطلب يقينًا منطقيًا قبل الاعتراف بالمعرفة، ويرى أن هذا الطلب نفسه غير علمي، لأن العلم يعيش ويزدهر في منطقة الاحتمال المعقول. وبصورة موازية، يؤكد الصدر أن اشتراط البرهان المنطقي الصارم للاستقراء يؤدي إلى إنكار العلم كله، لأن العلم لا يعمل بهذا المعيار أصلًا. كلاهما، إذن، يدافع عن عقلانية تقوم على قوة الدليل لا على استحالة النقيض. بهذا المعنى، يمكن القول إن ما يسميه بولكنغهورن رفض الفرضية يصبح غير عقلاني هو التعبير المعاصر نفسه عمّا صاغه الصدر فلسفيًا تحت عنوان الضرورة الاستقرائية. ففي الحالتين، لا يُلغى احتمال الخطأ من حيث الإمكان الذهني، لكنه يُنزَع من ساحة العقل العملي والمعرفي، لأن بنية العالم وانتظامه جعلا قبوله ضربًا من التعسف لا من التفكير الرشيد.
ويعزز هذا التقاطع ما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي وِزلي سلفن سنجر في كتابه أسس الاستدلال العلمي، الصادر عام ١٩٦٧م، إذ يرى أن جوهر الاستدلال العلمي لا يقوم على القياس المنطقي الصارم، ولا على استنباط النتائج من مقدمات يقينية على الطريقة الأرسطية، بل على عملية تدريجية يتزايد فيها وزن الفرضيات بفعل الأدلة المستمدة من العالم الواقعي. فالعلم، بحسب سنجر، لا يبدأ من مسلّمات قطعية، وإنما من فرضيات تفسيرية تُختبر باستمرار، وكل اختبار ناجح لا يثبت الفرضية إثباتًا منطقيًا، لكنه يرفع من درجة معقوليتها واحتمال صدقها. ولذلك يؤكد أن قوة الاستدلال العلمي لا تكمن في شكله الصوري، بل في علاقته المتنامية بالخبرة والتجربة. هذا التصور يتضح عند النظر في أمثلة تاريخ العلم التي يستحضرها سنجر ضمنيًا، مثل قبول قوانين الحركة أو نظرية الجراثيم في الطب. فهذه النظريات لم تُستنبط من مبادئ عقلية بحتة، ولم تُثبت ببرهان منطقي يمنع النقيض، بل تعززت عبر تراكم الملاحظات والتجارب السريرية والمخبرية. كل تجربة ناجحة لم تكن دليلًا مستقلًا معزولًا، بل كانت لبنة تُضاف إلى بناء احتمالي يتعاظم مع الزمن، إلى أن يصبح إنكار النظرية أقل عقلانية من قبولها، رغم بقاء احتمال الخطأ ممكنًا من حيث المبدأ.
هذا الفهم الاحتمالي، الواقعي للاستقراء يلتقي بعمق مع ما أسسه السيد محمد باقر الصدر في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء. فالصدر، مثل سنجر، يرفض اختزال المعرفة العلمية في القياس المنطقي أو في الاستنباط الصوري، ويرى أن الاستقراء عملية عقلية خاصة تنمو داخل تماس مباشر مع بنية الواقع. لكنه يضيف بعدًا فلسفيًا أدق حين يبيّن أن تكرار الشواهد لا يؤدي فقط إلى زيادة كمية في المعلومات، بل يولّد تحولًا نوعيًا في القيمة المعرفية للفرضية نفسها، وهو ما عبّر عنه بمفهوم التوالد الذاتي لليقين. ففي تحليل الصدر، ليست كل مشاهدة جديدة مجرد رقم إضافي في سلسلة إحصائية، بل هي عنصر فاعل في تغيير موقع الفرضية داخل شبكة التفسير العقلي. ومع تكرار الشواهد المتجانسة، تنتقل الفرضية من كونها احتمالًا ضعيفًا إلى احتمال قوي، ثم إلى ما يسميه الصدر يقينًا استقرائيًا، أي حالة يصبح فيها احتمال الخطأ مهملًا عقلًا، وإن لم يُلغَ منطقيًا. وهذا ما يجعله يؤكد أن اليقين الاستقرائي ليس قفزة نفسية، بل نتيجة موضوعية لتفاعل العقل مع انتظام الواقع. ويمكن توضيح هذا التلاقي بين سنجر والصدر بمثال بسيط من الحياة العلمية واليومية معًا. فلو لاحظ باحث أن مادةً كيميائية تتمدد بالحرارة في تجربة واحدة، فلن يكوّن يقينًا علميًا. لكن مع تكرار التجربة في ظروف مختلفة، ومع مواد مشابهة، لا تبقى كل ملاحظة مجرد إضافة عددية، بل تتغير طبيعة الحكم نفسه: يصبح افتراض التمدد قانونًا عامًا هو التفسير الأكثر عقلانية للواقع. هنا لا يعمل العقل بمنطق القياس الصوري، بل بمنطق تراكم الأدلة الذي يولّد ضرورة معرفية متدرجة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن سنجر والصدر، رغم اختلاف السياق الفلسفي واللغة الاصطلاحية، يلتقيان في أمر محدد يتمثل في أن الاستقراء ليس استدلالًا ناقصًا قياسًا إلى المنطق الصوري، بل نمط عقلاني مستقل، يقوم على ازدياد احتمالية الفرضيات بفعل تفاعلها المستمر مع الواقع. غير أن الصدر يذهب خطوة أبعد حين يمنح هذا الازدياد الاحتمالي أساسًا فلسفيًا موضوعيًا، ويراه تعبيرًا عن انتظام العالم نفسه، لا مجرد آلية نفسية أو قرار عملي، وهو ما يجعل مشروعه امتدادًا نقديًا عميقًا لما طرحه فلاسفة الاستدلال العلمي في النصف الثاني من القرن العشرين.
وتتجلى الفكرة ذاتها في أطروحات الفيلسوفة جيرترود هيوز، التي ناقشت في أعمالها المرتبطة بالتبرير الاستدلالي أن المعرفة العقلانية، وخصوصًا في السياقات العلمية، لا تتأسس على دليل منفرد مهما بدا قويًا، بل على شبكة من الشواهد المتراكمة التي تعيد تشكيل الموقف المعرفي بأكمله. فالدليل الواحد، بحسب هيوز، يظل قابلًا للتأويل أو التشكيك، أما حين تتعدد الأدلة وتتقاطع من مصادر وتجارب مستقلة، فإنها لا تضيف مجرد دعم كمي للفرضية، بل تغيّر طبيعة علاقتها بالعقل. في هذه المرحلة يصبح التمسك بالبديل التفسيري المنافس أقل عقلانية، لا لأن العقل قرر تجاهله، بل لأن بنيته التفسيرية تفشل في استيعاب هذا الكم من الشواهد. وتعبّر هيوز عن هذا المعنى بصيغ قريبة من قولها إن العقلانية لا تقتضي استحالة الخطأ، بل تقتضي أن يصبح البديل غير المدعوم أقل قابلية للتبرير. فاليقين هنا لا يُفهم بوصفه انعدامًا منطقيًا للنقيض، وإنما بوصفه حالة معرفية تنشأ حين تتراكم الاحتمالات لصالح فرضية بعينها إلى درجة يصبح معها الدفاع عن النقيض ضربًا من التعسف التفسيري. وهذا التصور ينسجم مع كثير من ممارسات العلم الواقعي، حيث تُقبل النظريات لا لأنها لا تُخطئ منطقيًا، بل لأن بدائلها تزداد ضعفًا أمام طوفان الأدلة. ويمكننا محاولة توضيح هذا، بمثال من تاريخ الطب. فقبول نظرية الجراثيم لم يقم على تجربة واحدة أو ملاحظة معزولة، بل على تراكم هائل من الشواهد، كالملاحظة المجهرية، نجاح التعقيم، نتائج المضادات الحيوية، وانخفاض معدلات العدوى. كل شاهد بمفرده لم يكن حاسمًا، لكن اجتماعها جعل تفسير الأمراض بالهواء الفاسد أو التوازنات الغامضة تفسيرًا غير عقلاني، لا بمعنى استحالته المنطقية، بل لعجزه عن تفسير هذا الانتظام المتكرر في النتائج.
هذا الفهم لليقين بوصفه ثمرة تراكم احتمالي بنيوي يتقاطع بوضوح مع ما طرحه السيد محمد باقر الصدر في حديثه عن انتفاء احتمال النقيض موضوعيًا. فالصدر يؤكد أن استبعاد النقيض في المعرفة الاستقرائية لا يعود إلى اقتناع نفسي أو قرار عملي، بل إلى تآكل الأساس الموضوعي للنقيض نفسه مع تكرار الشواهد. فحين تتوالد الأدلة في اتجاه واحد، لا يبقى النقيض مجرد احتمال ضعيف، بل يصبح احتمالًا فارغًا من القدرة التفسيرية، أي أنه يفقد مشروعيته العقلانية من حيث هو تفسير للواقع. ويشرح الصدر هذا المعنى بقوله إن العقل لا يختار الفرضية الأقوى، بل يجد نفسه ملزمًا بها بفعل انتظام الواقع في الشواهد التي تفرض نمطًا معينًا من الفهم. وهذا الالتزام ليس قرارًا نفعيًا ولا رهانا عمليًا، بل نتيجة مباشرة لبنية العلاقة بين الدليل والواقع. هنا يلتقي الصدر وهيوز في أن اليقين ليس حالة نفسية، ولا قفزة ذاتية، بل حصيلة موضوعية لتراكم احتمالات تتجاوز حدّ المعقولية في قبول النقيض.
ومرة أخرى، نورد مثالا بسيط من أجل تقريب هذا المعنى. فإذا لاحظ شخص أن جهازًا كهربائيًا يتوقف دائمًا عند انقطاع التيار، فإن احتمال وجود سبب كهربائي يصبح مع تكرار الملاحظة هو التفسير العقلاني الوحيد. ليس لأن العقل قرر ذلك اعتباطًا، بل لأن فرضية المصادفة أو الخلل العرضي تفقد قدرتها على الصمود أمام هذا الانتظام المتكرر. عند هذه النقطة، يصبح نفي السبب الكهربائي غير معقول، رغم بقائه ممكنًا من حيث التجريد الذهني. بهذا المعنى، تكشف أطروحات جيرترود هيوز والصدر عن رؤية مشتركة عميقة لليقين الاستدلالي، ترى فيه نتيجة بنيوية لتراكم الشواهد، لا لحظة نفسية أو اختيارًا عمليًا. فالبديل لا يُقصى لأنه غير مرغوب، بل لأنه يعجز موضوعيًا عن تفسير انتظام الواقع، وهو ما يمنح اليقين طابعه العقلاني القوي دون ادعاء العصمة المنطقية أو الإغلاق النهائي لباب المراجعة.
أما مارين ليرر، ففي كتابه نظرية المعرفة الصادر عام ١٩٧٤م، فيؤكد على أن ما يبرّر انتقال العقل من الدليل إلى النتيجة ليس مجرد شعور نفسي بالاقتناع، ولا اختيارًا عمليًا تحكمه المصلحة أو المنفعة، بل بنية موضوعية تجعل بعض النتائج أرجح من غيرها بحكم واقع الأشياء نفسه. فالاستدلال، بهذا المعنى، ليس تفضيلًا ذهنيًا ولا رهانًا عمليًا، وإنما كشف عن علاقات قائمة في العالم تجعل الانتقال من المقدمات إلى النتائج انتقالًا معقولًا موضوعيًا. ولهذا يؤكد فلاسفة العلم المعاصرون أن التبرير الاستدلالي يهدف إلى بيان لماذا تكون الفرضية أقرب إلى الصدق، لا لماذا نفضّل العمل على أساسها. وكما يعبّر بيتر أتشيسون في سياق نقده للاختزال النفسي لليقين الاعتقاد المبرَّر ليس حالة شعورية، بل هو موقف معرفي تفرضه علاقة موضوعية بين الدليل والفرضية. هذا الفهم يلتقي بوضوح مع ما يسميه السيد محمد باقر الصدر بـالاحتمال الموضوعي في نظريته عن التوالد الاستقرائي. فالصدر يميّز بصرامة بين الاحتمال بوصفه حالة ذهنية (كالشعور بدرجة من الطمأنينة) وبين الاحتمال بوصفه تعبيرًا عن واقع موضوعي. فالاحتمال الموضوعي عنده لا ينشأ من ضعف المعرفة أو من جهلنا بالعوامل الخفية، بل ينشأ، كما ذكرنا سابقا، من انتظام حقيقي في العالم يجعل تكرار الظاهرة دليلًا على قانون أو علّة مستقرة. ولهذا يصرّح الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء بأن الاستقراء لا يستمد قوته من نفسية الإنسان، بل من واقع الكون الذي يفرض نظامًا يجعل الصدفة تفسيرًا غير معقول مع تراكم الشواهد. ونقرب الفكرة هنا بمثال علمي بسيط من الفيزياء. فعندما نلاحظ تمدد المعادن المختلفة بالحرارة في مختبرات متعددة، وتحت شروط مختلفة، فإن ازدياد عدد المشاهدات لا يزيد فقط من ثقتنا النفسية بالنتيجة، بل يكشف عن انتظام موضوعي في طبيعة المادة. فقولنا إن المعدن يتمدد بالحرارة ليس تعبيرًا عن ميل ذهني، بل عن علاقة سببية مستقرة في العالم. هذا ما يجعل احتمال الخطأ، أي أن يكون التمدد مجرد صدفة متكررة بلا علّة احتمالًا نظريًا مجردًا، لكنه غير عقلاني موضوعيًا. وهنا يتجسد مرة أخرى، ما يقصده الصدر بأن الاحتمال الموضوعي يتوالد من الواقع نفسه مع كل تجربة جديدة.
ويتضح الفرق أكثر عند مقارنته بالمقاربات التي تختزل التبرير في نظرية القرار. ففي بعض الاتجاهات البايزية العملية، يُقال إن الفرضية مبرَّرة إذا كان من العقلاني اتخاذ القرار على أساسها، حتى لو بقي الشك النظري قائمًا. أما في الإطار الذي نتحدث عنه هنا، سواء في فلسفة الاستدلال العلمي أو عند الصدر، فالمسألة أعمق من القرار، فالفرضية لا تُقبل لأنها نافعة أو لأن الرهان عليها رابح، بل لأنها أصبحت، بفعل تراكم الأدلة وانتظام الظاهرة، أقرب إلى بنية الواقع نفسه. وكما عبّر باس فان فراسن عند تمييزه بين الاعتقاد والالتزام العملي اتخاذ القرار لا يصنع الحقيقة، بل يفترض بنية احتمالية سابقة في العالم. بهذا المعنى، فإن القول إن المعرفة الاستدلالية تقوم على احتمال موضوعي هو تأكيد على أن العقل لا يخلق المعقولية من ذاته، بل يكتشفها في العالم. وهذا هو جوهر الالتقاء بين المفهوم الفلسفي العام للاستدلال العلمي ومفهوم الصدر في التوالد الاستقرائي، فكلاهما يرى أن قوة الاستدلال لا تنبع من اقتناعنا ولا من حسابات المنفعة، بل من انتظام موضوعي يجعل بعض التفسيرات ممكنة نظريًا لكنها غير معقولة عقلًا، ويجعل أخرى تفرض نفسها بوصفها التعبير الأصدق عن واقع الأشياء. من خلال هذه المقارنات، تتضح مساحات الالتقاء بين المنهج البايزي ومنطق الصدر الاستقرائي. فكلاهما يرى أن الأدلة لا تُنتج اليقين دفعة واحدة، بل تزيد من قوة الفرضية تدريجيًا، وأن تراكم الشواهد قد يبلغ حدًا يصبح معه رفض الفرضية غير عقلاني. كما يشتركان في رفض اختزال الاحتمال إلى مجرد حالة نفسية أو عادة ذهنية، وفي الإقرار بأن القوانين العلمية لا تتمتع بيقين منطقي مطلق، لكنها تملك قوة إلزام عقلية كافية لتأسيس المعرفة والعمل.
غير أن مواضع الالتقاء المتعددة، لا يمكن أن تُخفي الاختلافات العميقة في المنهج والأساس الفلسفي. فالمنهج البايزي يعتمد صراحة على الاحتمال الكمي، ويصوغ علاقته بين الفرضية والدليل عبر معادلات من قبي، احتمال الحدث h، عند معرفتنا بحدوث e) والتي يعبر عنها إحصائيا P(h|e)، حيث تُقاس قوة الفرضية رقميًا. أما السيد الصدر، فيرفض الحاجة إلى هذا القياس العددي، ويؤسس يقينه الاستقرائي على ضرورة موضوعية تنشأ من تكرار الظواهر وانتظامها، دون الحاجة إلى تحويل هذا الانتظام إلى أرقام أو نسب مئوية.
كما أن البايزية الحديثة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنظرية القرار، حيث تُفهم عقلانية قبول الفرضية بوصفها تفضيلًا عمليًا في ظل عدم اليقين، أي بوصفها أفضل رهان بالنظر إلى النتائج المتوقعة. في المقابل، يرفض الصدر اختزال المعرفة العلمية إلى قرارات نفعية، ويؤكد أن اليقين الاستقرائي ليس مجرد اختيار عملي، بل نتيجة منطقية–موضوعية لارتباط الأدلة ببنية الواقع. لهذا السبب، لا يمكن النظر إلى مشروع الصدر بوصفه نسخة دينية أو إسلامية من البايزية، بل بوصفه تأسيسًا لمنطق بديل يسعى إلى حل مشكلة الاستقراء من جذورها الفلسفية. ففي مقابل هيوم، الذي ردّ الاستقراء إلى العادة النفسية، وبوبر، الذي أنكر الاستقراء لصالح منهج الدحض، وكون، الذي فسّر العلم بتحولات النماذج الاجتماعية، والمنهج البايزي، الذي قدّم حسابًا رياضيًا دون جواب حاسم عن لماذا يجب قبول الفرضية عند ارتفاع احتمالها، يقدّم الصدر حلًا نوعيًا فريدًا. هذا الحل يعيد الاستقراء إلى أساس منطقي موضوعي، ويشرح كيف يتولد اليقين ذاتيًا من تراكم الأدلة، ولماذا يصبح قبول النقيض غير عقلاني عندما تنتفي احتمالاته إلى حدٍّ معيّن. والأهم من ذلك، أنه يدمج الاستقراء في بنية معرفية واحدة تشمل العلم والدين والأخلاق، دون أن يفصل بين العقل النظري والعقل العملي. من هنا، تتجلى خصوصية مشروع السيد محمد باقر الصدر بوصفه أحد أعمق المحاولات الفلسفية في القرن العشرين لمعالجة مشكلة الاستقراء في المنهج العلمي، جامعًا بين الدقة المنطقية، والواقعية العلمية، والوعي الفلسفي بتاريخ الإشكال، على نحو لم يبلغه معظم فلاسفة العلم الغربيين منذ أن أثارها هيوم ووصولا الى فايرابند، الذي انطلق في معالجاته من تنظيره ضد المنهج. 
يتضح من المقارنة أن بولكنغهورن، وسنجر، وهيوز، وليرر يلتقون جميعًا في نقطة مركزية مفادها أن العلم لا يقوم على يقين منطقي صارم، بل على تراكم أدلة يجعل رفض الفرضية غير عقلاني. وهذه الفكرة هي جوهر ما عبّر عنه السيد الصدر بمفهوم الضرورة الاستقرائية، لكن الفارق الحاسم أن هؤلاء جميعًا ظلّوا داخل الإطار الاحتمالي (الصريح أو الضمني)، بينما تجاوز الصدر هذا الإطار نحو منطق نوعي مستقل.
فالصدَر لا يقول إن الفرضية أرجح فحسب، بل يقول إن بنية الواقع نفسها تُنتج حالة عقلية ملزمة، تجعل قبول النتيجة واجبًا عقلانيًا، لا مجرد خيار عملي أو قرار نفعي. ومن هنا يمكن القول إن الصدر لا يُكمل البايزية، بل يتجاوزها تأسيسيًا، مقدّمًا حلًا فلسفيًا لمشكلة الاستقراء لم يتحقق بصورة مكتملة في أي من المشاريع الغربية المعاصرة.





٤.٤.١.٣.٢.٣٧ تميّز ما طرحه السيد الصدر 

في مقابل الطروحات الاجتماعية أو التداولية، التي نجد جذورها عند كون وتقاطعاتها عند بعض تلامذته مثل جيرترود هيوز، حيث يُفهم العلم بوصفه ممارسة جماعية تُشرعن قواعدها من داخل الجماعة العلمية نفسها، يرفض الصدر اختزال الاستقراء إلى كونه نتاجًا لاتفاق اجتماعي أو تقليد مؤسسي. فهو يرى أن هذا المسار يفسّر كيف يعمل العلم، لكنه لا يفسّر لماذا يكون العلم كاشفًا عن الواقع. والتمييز بين التفسير السوسيولوجي للعلم والتبرير المعرفي لصدقه هو أحد النقاط التي يُظهر فيها مشروع الصدر تفوقًا تحليليًا واضحًا. الأهم من ذلك أن الصدر لا يقع في الثنائية الغربية الحادة بين اليقين الرياضي والظن التجريبي. فهو يطوّر مفهومًا دقيقًا لليقين العملي الموضوعي، الذي لا يبلغ درجة الضرورة المنطقية، لكنه مع ذلك ليس مجرد احتمال نفسي أو عرف علمي. بهذا المفهوم، يقدّم الصدر إطارًا يسمح بفهم القوانين العلمية بوصفها مكتشفة حقًا، لا مجرد فرضيات مؤقتة أو أدوات تنبؤية، من دون أن يطالبها بما لا تطيقه من يقين مطلق.
خلاصة التميّز أن حلّ الصدر يجمع بين ما تفرّق في الفلسفة الغربية، فهو يأخذ مأزق هيوم على محمل الجد، ويتجاوز تشكيك بوبر دون العودة إلى الاستقراء الساذج، ويتفادى النسبية الاجتماعية لكون، ولا يكتفي بالاحتمال البراغماتي عند بولكنغهورن وليرر. إنه مشروع يعيد للاستقراء مكانته بوصفه أداة عقلية كاشفة عن الواقع، لا عادة نفسية، ولا مقامرة عقلانية، ولا اتفاقًا مؤسسيًا، بل عملية معرفية لها منطقها الداخلي وقيمتها الموضوعية.
أما علاقة ما قدّمه السيد محمد باقر الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء وما طوّره فلاسفة الاحتمال الغربيون مثل وِزلي سلفن سنجر ومارين ليرر فهي علاقة تقاطع في المشكلة لا في المنهج ولا في الأفق الفلسفي. الجميع ينطلق من المأزق نفسه الذي صاغه هيوم، المتمثل في كيف نُبرّر الانتقال من الملاحظات الجزئية إلى القوانين العامة؟ لكن طرق المعالجة تسير في اتجاهات مختلفة، تكاد تكون متوازية أكثر منها متداخلة.
السيد الصدر، كما أسلفنا، يقدّم مشروعًا تأسيسيًا يهدف إلى إعادة بناء العقلانية الاستقرائية من الداخل. هو لا يقبل أن يكون الاستقراء مجرد ترجيح عملي أو رهان عقلاني، بل يبحث عن أساس موضوعي يجعل من الاستقراء أداة كاشفة عن الواقع، حتى وإن لم تنتج يقينًا منطقيًا صارمًا. لذلك أدخل مفهوم الاحتمال الموضوعي، وربطه بالبنية الواقعية للعالم، لا بالحالة النفسية للعارف ولا باتساق منظومة المعتقدات فقط. الاستقراء عنده ليس مجرد سياسة معرفية رشيدة، بل عملية لها ما يبررها في طبيعة الواقع نفسه.
في المقابل، فلاسفة الاحتمال مثل سنجر وليرر ينطلقون من تسليمٍ مسبق بأن التبرير اليقيني للاستقراء مستحيل، وأن المطلوب ليس تأسيس الاستقراء ميتافيزيقيًا أو منطقيًا، بل تبريره ضمن نظرية في العقلانية أو في التبرير المعرفي. سنجر يركّز على قواعد الاختيار العقلاني في ظل عدم اليقين، وليرر يطوّر نظرية في التبرير تقوم على الاتساق والدفاع العقلاني عن الاعتقاد داخل شبكة معرفية. الاستقراء هنا يُفهم بوصفه ممارسة معقولة ضمن شروط بشرية محدودة، لا بوصفه طريقًا موضوعيًا لكشف القوانين.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن الصدر أعمق من حيث السؤال وأجرأ من حيث الهدف، بينما الفلاسفة الاحتماليون أكثر تواضعًا من حيث الادعاء وأكثر حذرًا من حيث الميتافيزيقا. الصدر يسأل، لماذا ينجح الاستقراء؟ ولماذا ينبغي للعقل أن يثق به؟ أما سنجر وليرر فيسألان، متى يكون من المعقول أن نثق به؟ والفرق هنا ليس تقنيًا، بل فلسفيًا جذريًا.




٤.٤.١.٣.٢.٢٧.١ في العلاقة بين اسهامات السيد الصدر واسهامات الفلاسفة الغربيين

في علاقة ما طرحه السيد الصدر بما طرحه بعض فلاسفة الاحتمال الغربيين، تبرز نقطتين رئيسيتين، لم نتطرق لهما، أولهما سبب عدم النقل أو الإشارة المتبادلة بين السيد الصدر وفلاسفة الاحتمال الغربيين رغم التقاطع بين أطروحتهم معه، والثانية تتعلق بأطروحة لابلاس التي تبدوا قريبة جدا مما طرحه السيد الصدر. 
أما عن السبب المحتمل في عدم النقل أو الإشارة المتبادلة، فله عدة أسباب متراكبة لا تتعلق بالضعف أو الإهمال بقدر ما تتعلق بسياقات إنتاج المعرفة. أول هذه الأسباب هو العزلة اللغوية والثقافية. كتاب الصدر كُتب بالعربية، ولم يُترجم ترجمة فلسفية رصينة إلى اللغات الأوروبية في الوقت الذي كانت فيه فلسفة الاحتمال تتبلور داخل الدوائر الأنغلوسكسونية. وبالمقابل، لم يكن كثير من أعمال فلسفة العلم التحليلية الغربية متداولًا على نطاق واسع في البيئة الفكرية التي كتب فيها الصدر. ويبرز اختلاف الانتماء المدرسي كسبب ثان محتمل، . الصدر يكتب من داخل تقليد فلسفي يجمع بين المنطق، وفلسفة العلم، والميتافيزيقا، ونظرية المعرفة، مع حضور واضح لهواجس دينية وعقلية كبرى. أما سنجر وليرر فينتميان إلى تقليد تحليلي صارم يميل إلى تجزئة المشكلات وتحييد الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. هذا الاختلاف يجعل كل طرف لا يرى الآخر شريكًا مباشرًا في النقاش، رغم اشتراكهم في المشكلة نفسها. والسبب الثالث المحتمل، هو زمني ومنهجي. الصدر نشر كتابه في أواخر الستينيات، في مرحلة كان فيها الجدل الغربي لا يزال منشغلًا بتداعيات بوبر وكون، ولم تكن نظريات التبرير الاحتمالي قد نضجت بالشكل الذي نعرفه لاحقًا. وعندما نضجت هذه النظريات، لم يكن كتاب الصدر حاضرًا في الفضاء الأكاديمي الغربي بوصفه عملًا فلسفيًا قابلًا للتداول والنقد.
لهذا يمكن القول إن العلاقة بين الصدر وفلاسفة الاحتمال هي علاقة تقارب غير معلن، تترجم اشتراك في الهمّ، اختلاف في الغاية، وانفصال في السياق. ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة مشروع الصدر اليوم بوصفه مساهمة عالمية محتملة في فلسفة الاستقراء، لا مجرد اجتهاد محلي، لأنه يقدّم حلًا لم تُحسم الحاجة إليه حتى داخل الفلسفة الغربية المعاصرة.   
أما فيما يتعلق بتقارب أطروحة السيد الصدر ولابلاس، فيمكن القول ابتداءً إن هناك تشابهًا ظاهريًا بين المشروعين، لكن هذا التشابه لا يعني التطابق، لأن ما قدّمه الصدر يختلف عن لابلاس من حيث مستوى التحليل، وطبيعة التبرير، والغاية الفلسفية التي يتحرّك في إطارها كل مشروع.
لابلاس قدّم نظرية عامة في الاستدلال الاحتمالي بالمعنى الرياضي والتقني الدقيق. انطلق من صيغة بايز ووسّعها لتصبح أداة حسابية لتحديث الاعتقاد في الفرضيات على ضوء الشواهد المتراكمة، وبذلك وفّر تبريرًا عمليًا للاستقراء، أي تفسيرًا لكون الانتقال من الملاحظات الجزئية إلى القوانين العامة تصرّفًا عقلانيًا من حيث النجاح العملي وزيادة درجة الاحتمال مع تكرار الشواهد. غير أن هذا التبرير بقي محصورًا داخل الإطار الأداتي نفسه، فالاحتمال يُستخدم لأنه ينجح، لا لأنه مؤسَّس فلسفيًا من حيث المبدأ. بهذا المعنى، لم يعالج لابلاس مشكلة الاستقراء كما صاغها هيوم، بل تجاوزها عمليًا. هو لم يُجب عن سؤال: لماذا يكون الاستقراء مبرّرًا في ذاته؟ بل اكتفى بإظهار أنه مفيد وناجح في العمل العلمي. في المقابل، كان مشروع السيّد الصدر مختلفًا جذريًا في الهدف والمستوى. الصدر لم ينشغل بسؤال الكيفية التقنية لإجراء الاستدلال الاحتمالي، بل ركّز على السؤال الأعمق: لماذا يكون هذا الاستدلال مشروعًا أصلًا؟ وما الذي يمنحه شرعية معرفية غير اعتباطية؟ لذلك لم يقدّم أداة حسابية جديدة، بل سعى إلى تأسيس نظرية في الأساس الفلسفي لتلك الأداة. وهنا ندرج ثلاثة فوارق جوهرية بين الطرحين.
الفرق الجوهري الأول يتمثّل في طبيعة الاحتمال نفسه. لابلاس يتعامل مع الاحتمال بوصفه درجة ترجيح عقلية مرتبطة بحالة المعرفة والمعلومات المتاحة، في حين حاول الصدر أن يؤسّس لفكرة الاحتمال الموضوعي، أي أن يكون هناك ما يبرّر الانتقال من الجزئي إلى الكلي في بنية الواقع ذاته، لا في مجرد الحالة النفسية للعالِم أو قراره العملي. ومن هنا رفض الصدر اختزال الاستقراء في كونه عادة نفسية كما عند هيوم، أو رهانًا عمليًا ناجحًا كما عند لابلاس، أو درجة اعتقاد ذاتية كما عند البايزيين المتأخرين، مؤكدًا أنه عملية عقلية ذات أساس موضوعي. أما الفرق الجوهري الثاني فهو التمييز بين اليقين المنطقي واليقين العملي. لابلاس لم يُقم هذا التمييز بصورة مركزية، بينما جعله الصدر محورًا أساسيًا في مشروعه. الصدر يرى أن الخطأ الفلسفي الكبير يكمن في مطالبة العلم بيقين رياضي مطلق، ثم الحكم عليه بالعجز عندما لا يبلغه. العلم لا يحتاج إلى يقين مطلق، لكنه يحتاج إلى مبرّر موضوعي لليقين العملي، أي أساس عقلاني يضمن أن القانون العلمي ليس مجرد تخمين اعتباطي. والفرق الجوهري الثالث يكمن في أن لابلاس افترض الاستقراء كنقطة بداية، في حين جعل الصدر الاستقراء نفسه موضوعًا للتحليل والتأسيس. لابلاس يفترض انتظام الطبيعة ويستخدم الاحتمال لتبرير التعميم على هذا الأساس، أما الصدر فيسأل عن مشروعية افتراض الانتظام ذاته، وما الذي يجعل هذا الافتراض عقلانيًا وغير دائري. ومن هنا جاءت محاولته لتأسيس علاقة سنخية بين التكرار في الظواهر وبنية الواقع، لا مجرد ربط إحصائي ناجح.
بناءً على ذلك يمكن القول بدقة إن لابلاس قدّم نظرية ناجحة في ممارسة الاستقراء، بينما قدم الصدر نظرية في شرعية الاستقراء نفسها. لذلك لا يصح القول إن الصدر قدّم ما قدّمه لابلاس بعينه، لأن الصدر يتحرّك في مستوى فلسفة المنهج، لا في مستوى تقنية الاستدلال. وإذا أردنا تقريب الصورة بتشبيه، فإن لابلاس قدّم آلة دقيقة تعمل بكفاءة عالية، في حين حاول الصدر أن يبرهن لماذا هذه الآلة ليست وهمًا ولا خدعة عقلية. ولهذا السبب يُعد مشروع الصدر فريدًا حتى عند مقارنته بالبايزية الحديثة، لا تكرارًا لها ولا مجرد صياغة أخرى لأطروحاتها.
وهنا نضيف أمرا آخر يبين أين اتفق السيد الصدر مع الطرح البايزية وأين افترقا، خصوصا في مفهوم الاحتمال.  في كتابه ظهور الاحتمال، ١٩٧٥م، درس إيان هاكينغ التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم الاحتمال عبر التاريخ، موضحًا كيف انتقل من كونه فكرة ذات طابع أخلاقي أو فلسفي إلى أن أصبح أداة رياضية وعلمية دقيقة. ففي القرن السابع عشر، لم يكن الاحتمال يُفهم بوصفه رقمًا أو معادلة، بل كان مرتبطًا بمفاهيم مثل الصدق، والنية، والعدالة، والاحترام، أي أنه كان جزءًا من التفكير الأخلاقي المرتبط بالحكمة اليومية واتخاذ القرار في غياب اليقين. فقد كان الناس يتحدثون عن احتمال صدق شخص أو احتمال عدالة موقف ما، وهي تعبيرات تعتمد على تقديرات أخلاقية لا على حسابات كمية.
غير أن هذه الصورة بدأت تتغير عندما ظهرت الحاجة إلى قياس المجهول بطريقة أكثر دقة، خصوصًا مع انتشار ألعاب الحظ والمراهنات، ثم توسع التجارة والتمويل، ما دفع العلماء والرياضيين إلى التفكير في طرق لصياغة عدم اليقين بأرقام واضحة. وهنا بدأ الاحتمال يتحول إلى حساب رياضي يمكن استعماله في التنبؤ، بدلاً من كونه مجرد حكم أخلاقي. وأصبحت الأسئلة تتعلق بكيفية حساب فرصة ظهور رقم معيّن في رمية نرد، أو احتمال حدوث خسارة في تجارة ما، وهي أسئلة تتطلب أدوات رياضية وليس قيمًا فلسفية.
ومع تقدم العلوم، استقر الاحتمال باعتباره مفهومًا علميًا يُستخدم لفهم العالم المادي والنفسي على حد سواء. في الفيزياء، مثلاً، أصبح الاحتمال جزءًا أساسيًا من ميكانيكا الكم، حيث لا يمكن وصف حركة الجسيمات إلا من خلال الاحتمالات. وفي الإحصاء، صار الاحتمال أساسًا لقراءة البيانات وفهم الظواهر الاجتماعية والطبية. وحتى في علم النفس، أصبح وسيلة لفهم كيفية اتخاذ الناس للقرارات تحت ظروف عدم اليقين.
ويبرز هاكينغ من خلال هذا التحليل أن الاحتمال لم يكن مجرد تقدم رياضي، بل كان تحولًا في طريقة البشر لفهم العالم، من النظر إليه عبر قيم أخلاقية غامضة، إلى التعامل معه عبر أرقام ونماذج تسمح بالتنبؤ، والتحكم، وإجراء التجارب. بهذه الطريقة أصبح الاحتمال عنصرًا أساسيًا في العلم الحديث، ومفتاحًا لفهم كل شيء من الطقس إلى الأسواق المالية إلى سلوك الإنسان. ومن خلال هذا التحليل التاريخي، بيّن أن المفاهيم العلمية ليست مجرد تطورات عقلية، بل تتأصل في تغيرات ثقافية ومعرفية واجتماعية، إذ نشأ مفهوم الاحتمال في سياق تراجع النظرة الحتمية للعالم وصعود فكرة اللايقين. وفي كتابه اخضاع أو ترويض الصدفة، ١٩٩٠م، وسّع هاكينغ هذا البحث ليكشف كيف أن الصدفة لم تعد مرادفاً للجهل، بل أصبحت أداة علمية لفهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية، مؤكداً أن المفاهيم العلمية تتبدل تبعاً لأنماط التفكير السائدة.

٤.٤.١.٣.٢.٢٧.٢ اعتراضات على أطروحات السيد الصدر وردود عليها 

في تتبعنا البسيط، سجلت اعتراضات عدة علمية وفلسفية جادّة وموثّقة وُجّهت إلى طرح السيد محمد باقر الصدر حول مشكلة الاستقراء ونظريته المعروضة في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء. وتنطلق معظم هذه الانتقادات والاعتراضات من نقاشات منهجية ومعرفية خالصة، صدرت عن باحثين عرب وغربيين يعملون في فلسفة العلم ونظرية المعرفة. وتكتسب أهميتها من كونها تتعامل مع مشروع الصدر بوصفه محاولة فلسفية حقيقية لحل مشكلة استعصت على الفكر الغربي منذ هيوم، لا بوصفه طرحًا وعظيًا أو أيديولوجيًا.
أحد الاعتراضات، الانتقادات، يرتبط أساسًا بفلاسفة التحليل المنطقي وفلسفة العلم الذين يرون أن أي محاولة لتأسيس الاستقراء على انتظام واقعي تقع في الدور. ومن أبرز الأسماء التي يُستأنس بها في هذا السياق، وإن لم يتناولوا الصدر مباشرة، رودولف كارناب ١٩٧٠م، في كتابه عام ١٩٥٠م، الأساس المنطقي للاحتمالات حيث يصرّ على أن انتظام الطبيعة ليس حقيقة ميتافيزيقية مُبرهنة، بل افتراض منهجي، كذلك نلسون غودمان ١٩٩٨م، في كتابه عام ١٩٥٥م، الحقيقة، الخيال، والتنبؤ، حيث يبيّن أن مشكلة التنبؤ المشروع، لا تُحلّ بالاحتكام إلى انتظام مفترض، لأن مفهوم الانتظام نفسه يعتمد على قواعد إسقاط، لا يمكن تبريرها دائريًا. ومن الباحثين العرب، نجد أن جواد علي كسّار أشار في دراساته حول فلسفة السيد الصدر، ولا سيما في بحوثه عن الأسس المنطقية للاستقراء، إلى أن الصدر حين يستند إلى سنخية العلّة والمعلول بوصفها معطى واقعيًا، فإنه لا يقدّم برهانًا مستقلاً غير استقرائي على هذه السنخية، مما يجعلها، من منظور تحليلي صارم، مفترضة أكثر مما هي مبرهنة. الاعتراض هنا ليس إنكار قيمة طرح الصدر، بل التشكيك في ادعائه أنه تجاوز الدائرة الهيومية بالكامل. وخلاصة اعتراضهم كان، حسب رأيهم، على تبني السيد الصدر أن اليقين الاستقرائي ليس مجرد حالة نفسية أو عادة ذهنية، بل له أساس واقعي في بنية العالم نفسه، إذ إن انتظام الطبيعة يسمح للعقل بتكوين يقين غير رياضي لكنه حقيقي.  ففلاسفة التحليل المنطقي الحديث اعترضوا على هذا التصور، معتبرين أن الصدر لم يقدّم برهانًا مستقلًا كافيًا على وجود هذا الانتظام الواقعي. فمحاولة تبرير الانتظام بالاستقراء تفترض مسبقًا صحة مبدأ الانتظام، وهو ما يوقع، بحسبهم، في نوع من الدور المنطقي. وقد أشار الباحث جواد علي كسّار، في دراساته حول فلسفة الصدر، إلى أن اعتماد الصدر على فكرة نسنخية العلّة والمعلول، لتأسيس اليقين يفترض هذه السنخية بوصفها معطى واقعيًا، دون إقامة برهان منفصل تمامًا عليها.
ويمكن تناول هذا الاعتراض بشكل منهجي وبتوخ للدقة في المفاهيم. فهذا الاعتراض يفترض فهمًا اختزاليًا لما يقصده السيد الصدر بالانتظام الواقعي. فالصدر لا يزعم أنه يبرهن على انتظام الطبيعة بالاستقراء نفسه، ولا أنه يستخرج المبدأ من داخل التجربة وحدها، بل يرى أن العقل الإنساني من حيث هو عقل عاقل يفترض حدًا أدنى من المعقولية في الواقع الخارجي، وإلا استحال كل فهم وكل معرفة. هذا الافتراض ليس استدلالًا دائريًا، بل شرط إمكان للمعرفة ذاتها، وهذا يشبه ما يسميه كانط شروط إمكان التجربة، كما تناولناه في احدى المقالات السابقة. فالانتظام عند الصدر ليس نتيجة للاستقراء، بل هو ما يجعل الاستقراء ممكنًا أصلًا. وحين يستأنس بفكرة سنخية العلّة والمعلول، فهو لا يقدمها كبرهان تجريبي، بل كمعطى عقلي تفسيري يفسر لماذا تنتج الطبيعة انتظامًا قابلًا للفهم. وهذا ما عبّر عنه أينشتاين في عبارته الشهيرة، أكثر ما لا يُفهم في الكون هو أنه قابل للفهم، وهي عبارة كثيرًا ما يستشهد بها المدافعون عن الطرح الموضوعي للانتظام. فالصدر هنا لا يدور في حلقة مغلقة، بل يضع حدًا فاصلاً بين ما هو شرط عقلي سابق، وما هو استنتاج لاحق.
والاعتراض الثاني الذي صدرمن باحثين ينتمون إلى المدرسة البايزية أو المتأثرين بها. ومن بين هذه الأسماء برونو دي فينيتي ١٩٨٥م، الذي شدد في كتابه عام ١٩٧٥م، نظرية الاحتمال، على أن الاحتمال لا معنى له خارج كونه درجة اعتقاد عقلاني ذاتي منضبط بقواعد الاتساق. من هذا المنطلق، يُنظر بعين الريبة إلى مفهوم الاحتمال الموضوعي كما عند الصدر. كما تناول الدكتور عدنان صويري هذه النقطة في كتاباته حول الاستقراء، مبيّنًا أن الصدر يستخدم مصطلحات احتمالية دون أن يربطها بنموذج رياضي أو بقواعد تحديث اعتقاد من نوع قاعدة بايز. فالبايزيون، مثل ريتشارد جيفري ٢٠٠٢م، في كتابه منطق القرارات. يرون أن الحديث عن احتمال قائم في الواقع هو خلط بين منطق الانطولوجيا والإبستمولوجيا. وعليه، يُعترض على الصدر بأنه يستعمل الاحتمال استعمالًا فلسفيًا نوعيًا، لا حسابيًا، مما يجعله غير قابل للاندماج المباشر في نظرية التأكيد الحديثة. وهذا لب الاعتراض الذي يقولون فيه أن الصدر يستخدم لغة الاحتمال، لكنه لا يطوّرها ضمن بناء رياضي صارم على غرار ما نجده في نظرية التأكيد البايزية الحديثة. فالاحتمال عنده يُستعمل بمعناه الفلسفي النوعي، لا بوصفه قيمة عددية تخضع لقواعد حسابية دقيقة. وهم يرون أن مفهوم الاحتمال الموضوعي (الغموض الاحتمالي) عند الصدر يظل غير محدد بدقة من منظور بايزي، لأن البايزيين ينظرون إلى الاحتمال بوصفه درجة اعتقاد عقلاني، لا صفة قائمة في الواقع الخارجي نفسه. ومن هنا ينشأ الخلاف الجوهري بين تصورين مختلفين لطبيعة الاحتمال والمعرفة.

 الاعتراض على الغموض الاحتمالي الذي يفترضه أنصار البايزية، وعدم التزام الصدر بالبناء الرياضي للبايزية، فهو راجع الى غموض ظاهري فقط.  واساسه، عندهم، هو افتراض أن كل حديث عن الاحتمال يجب أن يكون حسابيًا بالضرورة. الصدر يتعمد عدم تحويل الاستقراء إلى معادلة رياضية، لأنه يرى أن المشكلة أصلًا ليست رياضية، بل فلسفية. الاحتمال عنده ليس درجة اعتقاد ذاتي، كما في كثير من الصياغات البايزية، بل تعبير عن موقع الفرضية من الواقع في ضوء الأدلة المتراكمة. ومن هنا فإن ما يسميه البايزيون، غياب الصياغة الدقيقة، هو في نظر الصدر تحرر مقصود من اختزال المعرفة في الحساب. وقد أشار كارل بوبر نفسه، رغم نقده للاستقراء، إلى أن الصيغ الاحتمالية لا تفسر لماذا يصبح قبول نظرية ما ملزمًا عقليًا عند حد معين. الصدر يملأ هذه الفجوة بالتمييز بين إمكان الخطأ ومعقوليته، وهي نقطة يعترف عدد من فلاسفة الاحتمال المعاصرين بأن الحساب وحده لا يحسمها. ويمكن أن نضيف أيضا، بإحالة المهتمين الى بدايات الاحتمال وكيفية استخدامه التي كانت تبتعد عن التكميم (استخدام الأرقام والكميات)، وتستخدم لترجيح وتقييم مقدار الوثوق فيما يطرح أمامه، وهذا ما ذكرناه في أحد التفريعات في هذا المقال في الباب في العلاقة بين اسهامات السيد الصدر واسهامات الفلاسفة الغربيين، عندما تطرقنا الى دراسة إيان هاكينغ عن التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم الاحتمال عبر التاريخ في كتابه ظهور الاحتمال، ١٩٧٥م.   
بالرغم من أن أطروحة توماس كون، خاصة في كتابه بنية الثورات العلمية المنشور عام ١٩٦٢، والذي تطرقنا له في أحد المقالات في سياق الحديث عن تاريخ العلوم وفلسفة العلوم، لا يناقش السيد الصدر، لكنه يقدّم إطارًا يُستخدم للاعتراض عليه. فوفق كون، ما نعدّه انتظامًا في الطبيعة، يتشكل داخل بارادايم معيّن، وليس خاصية محايدة مستقلة عن الإطار النظري. التحول من فيزياء نيوتن إلى النسبية العامة عند أينشتاين أمر غيّر مفهوم العلّية، والقانون، وحتى معنى التفسير العلمي. ومن هنا فإن بعض الفلاسفة ممن تأثروا بكون، مثل بول فايرابند ١٩٩٤م، في كتابه ضد المنهج (يقصد المنهج العلمي)، يرون أن افتراض انتظام ثابت يُنتج يقينًا استقرائيًا هو إسقاط ميتافيزيقي لا ينسجم مع تاريخ العلم الفعلي. من هذا المنظور، يُعترض على الصدر بأن حديثه عن انتظام واقعي يشكّل أساسًا دائمًا لليقين يتجاهل تاريخية مفاهيم الانتظام نفسها. فما يعد انتظامًا موضوعيًا في الطبيعة قد يكون في الحقيقة نتاج إطار نظري معين، لا خاصية ثابتة في العالم. ويمكن الاستشهاد بالتحول التاريخي من فيزياء نيوتن إلى فيزياء أينشتاين، حيث تغيّر مفهوم العلّية ذاته، ومعه تغيّر معنى الانتظام والقانون. هذا التحول يُستخدم للاعتراض على فكرة وجود انتظام واقعي ثابت يمكن أن يشكّل أساسًا دائمًا لليقين الاستقرائي كما يفترض الصدر، حسب ما يذهبون اليه. من الواضح أن هذا الاعتراض يخلط بين ثبات الانتظام الواقعي وثبات التفسير النظري لهذا الانتظام. والسيد الصدر لا يقول إن القوانين أو النماذج العلمية نهائية أو غير قابلة للمراجعة، بل يقول إن العقل لا يمكنه العمل دون افتراض وجود انتظام في الواقع، حتى لو تغيّرت صيغه النظرية. الانتقال من فيزياء نيوتن إلى فيزياء أينشتاين لم يُلغِ الانتظام، بل أعاد تعريفه على مستوى أعمق. سقوط الأجسام لم يصبح فوضويًا بعد النسبية، بل صار يُفهم ضمن بنية زمكانية مختلفة. وهذا ما يجعل الاعتراضات التي تنطلق من قبل المتبنين لا طروحات كون، غير ذا قيمة. فحتى كون نفسه يعترف بأن العلم لا ينهار إلى فوضى تامة، وأن البارادايم الجديد ينجح لأنه يفسر انتظامات لم يعد القديم قادرًا على تفسيرها.
ومن داخل الفلسفة الإسلامية الحديثة، برز اعتراضا يتعلق بما سُمّي القفزة من الاحتمال إلى اليقين. فقد رأى عدد من الباحثين، ومنهم الفيلسوف والمفكر المعاصر مهدي بن الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي، ١٩٩٩م وآخرين. الحائري في انتقاده لا طروحات الصدر، يقول إن الصدر ينتقل من الاحتمال العالي إلى اليقين العملي دون تقديم تبرير كافٍ لهذه القفزة. فحتى لو بلغ احتمال صحة فرضية معينة درجة عالية جدًا، فإن ذلك، عند الحائري، لا يحولها إلى يقين منطقي، بل إلى اطمئنان قوي أو ترجيح راجح. غير أن الصدر يتعامل مع هذه المرحلة بوصفها يقينًا موضوعيًا، وهو ما اعتُبر توسعًا غير مبرهن بما فيه الكفاية في مفهوم اليقين. هذا الاعتراض، يفترض أن الصدر يدّعي انتقالًا من الاحتمال إلى يقين منطقي صارم من نوع اليقين الرياضي أو البرهاني. غير أن هذا الافتراض لا يطابق نصوص الصدر ولا بنيته المفهومية. فالسيد الصدر يميّز بدقة بين اليقين المنطقي الصوري، واليقين العملي أو الموضوعي الذي يعمل به العقل الإنساني في كل مجالات المعرفة غير الرياضية، بما فيها العلم الطبيعي نفسه. فالقفزة التي يتحدث عنها الحائري ليست قفزة غير مبررة من حيث المبدأ، بل هي توصيف فلسفي لما يحدث فعلًا في سلوك العقل حين تبلغ احتمالات النقيض درجة من الضآلة تجعل التمسك بها غير عقلاني. هذا المعنى قريب مما يسميه الفيلسوف والاقتصادي جون مينارد كينز اليقين العملي، وما يعترف به كارل بوبر نفسه حين يتحدث عن درجة عالية من التعضيد، وإن رفض تسميتها يقينًا. الصدر لا يقول إن الاحتمال يصبح يقينًا لأنه بلغ رقمًا معينًا، بل لأن بنية الواقع المنتظمة، كما تُدرك عبر تكرار مستقل غير متواطئ، تُنتج إلزامًا عقلانيًا بالكف عن التعامل مع النقيض بوصفه خيارًا معرفيًا جديًا. لذلك فاعتراض الحائري وأمثاله يصيب لو كان الصدر يتحدث عن يقين منطقي مطلق، لكنه يضعف كثيرًا إذا أُخذ مفهوم اليقين العملي الموضوعي كما قصده الصدر، لا كما أُعيد تفسيره بمنطق صوري لا يعمل أصلًا في العلوم التجريبية.
وبالتالي، فإن الاعتراض يقوم على خلطٍ جوهري بين نوعين مختلفين من اليقين. فالمعترض يفترض أن الانتقال من الاحتمال إلى اليقين يعني بالضرورة الانتقال إلى يقين مطلق، منطقي، غير قابل للخطأ. بينما الصدر يصرّح بوضوح أن ما ينتج عن الاستقراء ليس يقينًا منطقيًا رياضيًا، بل يقين عملي عقلائي. هذا اليقين لا ينفي الإمكان العقلي للخطأ، لكنه ينفي معقوليته العملية. أي أن الخطأ يبقى ممكنًا من حيث التجريد، لكنه يصبح غير ذي وزن معرفي ولا يصلح أساسًا للشك أو التوقف. من هذا المنطلق، يرى أنصار الصدر أن الاعتراض يطالب الاستقراء بما لم يطالب به أحد أصلًا، لا في العلم ولا في الحياة اليومية. فالعلم نفسه لا يعمل بيقين منطقي صارم، بل يعمل بضمانات عقلية عملية. حين يقبل الفيزيائي قانون الجاذبية، أو حين يعتمد الطبيب علاجًا ثبت نجاحه عبر آلاف الحالات، فهو لا يفعل ذلك لأنه استحال منطقيًا أن يكون القانون أو العلاج خاطئًا، بل لأن احتمال الخطأ صار ضئيلًا إلى درجة لا تبررعقلا تعليق الفعل أو الامتناع عن القبول. وهذا هو بالضبط ما يسميه الصدر الضرورة العملية.  ويؤكد أنصار الصدر أن الانتقال من الاحتمال العالي إلى اليقين العملي ليس قفزة اعتباطية ولا قرارًا نفسيًا، بل نتيجة منطقية لبنية الواقع نفسه. فالواقع، بحسب الصدر، ليس فوضويًا، بل تحكمه انتظامات ثابتة. ومع تكرار المشاهدة، لا يزداد مجرد شعورنا بالاطمئنان، بل تتغير القيمة الموضوعية للفرضية. الاحتمال المناقض لا يُلغى ذهنيًا، بل يُستبعد موضوعيًا بسبب عجزه عن تفسير هذا الانتظام المستمر دون افتراض صدف متراكبة غير معقولة.
من هذا، يتضح أن طرح الصدر يميز بين إمكان الخطأ ومعقولية الخط. فإمكان الخطأ هو حكم منطقي مجرد، لا يزول في أي معرفة تجريبية. أما معقولية الخطأ فهي حكم عقلاني عملي يتغير بتغير الأدلة. وعندما تتراكم الأدلة إلى حدّ يجعل افتراض الخطأ مساويًا لافتراض سلسلة لا نهائية من المصادفات المتناسقة، فإن العقل لا يملك خيارًا معرفيًا محايدًا، فهو مخير بين القبول أو السقوط في اللاعقلانية العملية. وفي هذه النقطة بالذات يتولد اليقين العملي. كما أن أنصار أطروحة الصدر، يرون أن الحائري في اعتراضه، يغفل عن حقيقة أن كل الممارسات العقلانية الإنسانية مبنية على هذا النوع من اليقين، لا على اليقين المطلق. فالثقة بانتظام الطبيعة، والاعتماد على الذاكرة، وقبول شهادة الآخرين، وحتى الاستدلال المنطقي نفسه، كلها تفترض استحالة عملية للخطأ، لا استحالة منطقية. ولو اشترطنا اليقين المطلق، لتعطلت المعرفة والعلم والحياة معًا. ومن ثم فإن مطالبة الاستقراء وحده بما لا يُطلب من سائر أشكال المعرفة هي مطالبة غير عادلة منهجيًا. وبهذا المعنى، لا يمثل الانتقال من الاحتمال العالي إلى اليقين العملي ثغرة في أطروحة الصدر، بل هو جوهر الحل الذي قدمه لمشكلة هيوم، وهو حلّ يحفظ للعقل إلزامه، وللعلم موضوعيته، ولليقين معقوليته، من دون ادعاء ما لا يمكن ادعاؤه.
وتظهر اعتراضات أخرى ذات طابع تقني فيما يخص اعتماد الصدر على مبدأ سنخية العلّة والمعلول، الذي يشكّل حجر زاوية في حلّه لمشكلة الاستقراء. فهذا المبدأ، وإن كان راسخًا في الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، لا يحظى بقبول واسع في فلسفة العلم الحديثة. ففلاسفة مثل هيوم وبوبر يرفضون أصلًا الحديث عن سنخية ضرورية بين العلّة والمعلول، ويعتبرونها بقايا ميتافيزيقية لا يمكن تبريرها تجريبيًا. ومن ثم يُنظر إلى اعتماد الصدر على هذا المبدأ بوصفه نقطة ضعف من منظور فلسفة العلم المعاصرة.
 وفي مورد الرد والايضاح هنا، يمكننا التأكيد على أن الصدر لا يقدم هذا المبدأ بوصفه فرضية تجريبية تنافس قوانين الفيزياء، بل بوصفه إطارًا ميتافيزيقيًا تفسيريًا يفسر لماذا تكون القوانين ممكنة أصلًا. رفض هيوم وبوبر للسنخية لا يعني أنهم استغنوا عنها فعليًا، بل أنهم أعادوا صياغتها بلغة أخرى. فبوبر، حين يتحدث عن البنية العقلانية للواقع التي تجعل التكذيب ممكنًا، يفترض ضمنيًا نوعًا من الملاءمة بين العقل والعالم. وكثير من فلاسفة العلم المعاصرين، مثل نانسي كإرتريات وروي باسكار، عادوا صراحة إلى أشكال من الواقعية السببية بعد أن تبين لهم أن الاستغناء الكامل عن العلّية يجعل تفسير العلم ذاته معلقًا في الهواء. من هنا، فإن اعتماد الصدر على السنخية لا يبدو بقايا ميتافيزيقية متجاوزة، بل خيارًا فلسفيًا واعيًا يعيد إدخال العلّية بوصفها شرطًا لتفسير النجاح المعرفي للعلم.
تناول بعض الباحثين الغربيين مشروع الصدر بنظرة تحليلية متوازنة، وفي الفصل المخصص له ضمن دليل أكسفورد المرجعي في الفلسفة الإسلامية الصاد رعام ٢٠١٦ أشار الباحث أغا، في سياق اعتراضه الدقيق، إلى أن الصدر قدّم مشروعًا فلسفيًا جادًا ومختلفًا عن الاتجاهات الغربية السائدة، لكنه لا ينجح بالكامل في إقامة رابطة ضرورية واضحة بين تكرار التجربة وارتفاع الاحتمال إلى مستوى اليقين. كما لاحظ أن الصدر يستخدم لغة احتمالية دون أن يدمج منهجه دمجًا صريحًا مع النماذج البايزية أو مع الصياغات الرياضية التي طوّرها كارناب وغيرُه. لكن هذا الاعتراض يفترض معيارًا بعينه للضرورة، هو المعيار الرياضي–الصوري أو البايزي الحسابي. بينما مشروع الصدر لا ينافس كارناب ولا يقدّم نفسه بوصفه نظرية تأكيد احتمالي رياضية، بل بوصفه تأسيسًا فلسفيًا لمنطق الاستقراء من حيث هو فعل عقلاني مبرَّر. الصدر يرى أن الطلب بضرورة صورية بين التجربة واليقين هو طلب غير واقعي، لأن العلم نفسه لا يعمل بهذه الضرورة. الضرورة التي يقيمها الصدر هي ضرورة عقلية عملية ناتجة عن انتفاء المعقولية البديلة، لا عن استحالة منطقية. ولهذا فإن عدم دمجه الصريح في النماذج البايزية ليس نقصًا بالضرورة، بل هو تعبير عن اختلاف المشروعين في الغاية؛ فالبايزية تُعنى بكيف نحدّث درجات الاعتقاد، بينما الصدر يُعنى بسؤال أعمق: لماذا يكون هذا التحديث ملزمًا للعقل أصلًا، ولماذا لا يبقى الاحتمال دائمًا مفتوحًا بلا التزام معرفي؟ بهذا المعنى، فإن الصدر يشتغل في طبقة فلسفية أسبق من الطبقة الرياضية التي تعمل فيها البايزية.
يمكننا اجمال لاعتراضات في أن مشروع الصدر يفترض انتظامًا واقعيًا غير مبرهن، ويستخدم الاحتمال استعمالًا فلسفيًا، ويتجاهل تغيّر مفاهيم القوانين والعلّية تاريخيًا، ويعتمد على مبدأ السنخية المختلف عليه. ويمكننا في المقابل، اجمال الرد عليه بتفكيكه إلى مستوياته. فالصدر لا يفترض انتظامًا ساذجًا أو ثابتًا بمعزل عن التاريخ، بل يتحدث عن حدّ أدنى من القابلية للانتظام دونها لا يكون العلم ولا حتى نقد العلم ممكنًا. فتغيّر القوانين من نيوتن إلى أينشتاين لا يعني انعدام الانتظام، بل يعني أن الانتظام أعمق من صيغنا النظرية عنه. وهذا ما عبّر عنه أينشتاين نفسه بقوله إن أكثر ما يثير الدهشة في الكون هو قابليته للفهم. أما استعمال الاحتمال بمعناه الفلسفي، فهو مقصود لا عيب فيه، لأن الاحتمال الرياضي نفسه يفترض خلفية فلسفية حول معنى الترجيح والعقلانية. وأما مبدأ السنخية، فالصدر لا يقدمه بوصفه بديهية ميتافيزيقية معزولة، بل بوصفه شرطًا معقولًا لفهم العلّية والتفسير، شرطًا لا يستطيع العلم الاستغناء عنه عمليًا، حتى لو أنكره لفظيًا. فالعلماء يرفضون السنخية في الخطاب الفلسفي، لكنهم يفترضونها في المختبر حين يبحثون عن آليات مناسبة لا عن مجرد اقترانات عشوائية.
وفي المحصلة، لا تُظهر هذه الاعتراضات فشل مشروع الصدر بقدر ما تكشف موقعه الحقيقي، بانه مشروع فلسفي تأسيسي يعمل في مستوى أعمق من الحساب الاحتمالي، وأقرب إلى سؤال العقلانية نفسها. هو لا ينافس البايزية ولا يتجاهل تاريخ العلم، بل يحاول أن يفسر لماذا يكون العلم، بكل تغيره ولا يقينه الرياضي، ملزمًا للعقل البشري ومثمرًا للمعرفة. ومن هنا فإن بقاء مشروع الصدر محل نقاش مفتوح ليس علامة نقص، بل علامة حيوية فلسفية؛ إذ لا تُستثمر هذه الكثافة النقدية إلا في الأطروحات التي تمس جذور الإشكال، لا أعراضه السطحية.

٤.٤.١.٣.٢.٢٨ خلاصة وخاتمة

شكّل ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر المنعطف الحاسم في نقاش الاستقراء، حين بيّن أن الانتقال من ملاحظات جزئية إلى قانون كلي لا يمكن تبريره منطقيًا لا بالعقل الخالص ولا بالتجربة نفسها. فقد أوضح في كتابه مقال في الطبيعة البشرية، وكتاب مقال في فهم البشر أن افتراض استمرار انتظام الطبيعة هو افتراض غير مبرهن، وأن الاعتماد عليه يعود في جوهره إلى العادة النفسية لا إلى ضرورة عقلية. بهذا المعنى، وضع هيوم المشكلة بدقة غير مسبوقة، لكنه لم يقدّم حلًا فلسفيًا لها، بل ترك فجوة معرفية عميقة في أساس العلم.
في سياق مختلف، قدّم توماس بايز ثم بيير- سيمون لابلاس في القرن الثامن عشر والتاسع عشر إطارًا رياضيًا قويًا للتعامل مع عدم اليقين عبر حساب الاحتمالات وتحديثها في ضوء المعطيات الجديدة. غير أن هذا الإنجاز، على أهميته، ظل عمليًا أكثر منه فلسفيًا. فقد مكّن العلماء من ترجيح الفرضيات، لكنه لم يقدّم تبريرًا معرفيًا عميقًا يفسّر لماذا يكون هذا الترجيح كاشفًا عن الواقع، ولا كيف يتجاوز اعتراض هيوم. كان الاحتمال هنا أداة حسابية نافعة، لا أساسًا فلسفيًا للاستقراء.
مع منتصف القرن العشرين، شهدت فلسفة العلم تحوّلًا واضحًا مع أعمال رودولف كارناب وبرونو دي فينيتي، حيث أُعيد تفسير الاحتمال بوصفه منطقًا عقلانيًا لتنظيم الاعتقاد. عند كارناب، أصبح الاحتمال درجة تأييد منطقي بين الدليل والفرضية، وعند دي فينيتي تحوّل إلى درجة اعتقاد ذاتية متّسقة تحكمها قواعد عقلانية. هذا التحول نقل النقاش من سؤال هل الاستقراء مبرَّر موضوعيًا؟ إلى سؤال كيف ينبغي للعقل أن يدير اعتقاداته في ظل عدم اليقين؟ وبذلك جرى احتواء مشكلة هيوم عمليًا، لا حلّها فلسفيًا، عبر إعادة تعريف ما نطلبه من الاستقراء.
في الاتجاه المقابل، كارل بوبر قدّم نقدًا جذريًا للاستقراء، معتبرًا أنه وهم منطقي لا يمكن إصلاحه. واقترح بوبر الاستعاضة عنه بمنهج التكذيب، حيث لا تُثبت القوانين، بل تُعرّض لمحاولات الدحض المستمر. غير أن هذا الحل، رغم قوته النقدية، أدّى عمليًا إلى هدم فكرة اكتشاف القوانين دون أن يقدّم بديلاً بنائيًا يفسّر كيف يتقدم العلم فعليًا من الفرضيات إلى القوانين المستقرة. ولهذا بقيت مشكلة الانتقال من الجزئي إلى الكلي قائمة، وإن أُعيدت صياغتها بلغة مختلفة.
في هذا السياق المتشابك، برز مشروع السيد محمد باقر الصدر بوصفه محاولة فريدة لإعادة تأسيس الاستقراء نفسه. فالصدر لم يكتفِ بوضع قواعد عملية، ولم يحوّل الاحتمال إلى حالة نفسية أو اجتماعية، بل سعى إلى بناء استقراء عقلاني منظم، يستخدم الاحتمال أداةً، لكنه يمنحه أساسًا موضوعيًا مرتبطًا ببنية الواقع ونظام العلل فيه. في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء، حاول الصدر أن يبيّن أن تكرار الظواهر المنتظمة لا يرفع فقط درجة الاطمئنان الذهني، بل يكشف عن وجود نظام واقعي يجعل القانون العلمي مرجّحًا ترجيحًا كاشفًا، لا مجرد تخمين ناجح. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن البايزيين المعاصرين يلتقون مع الصدر في النتيجة العملية، أي في اعتماد الترجيح الاحتمالي أداةً مركزية في العلم. لكنهم يفترقون عنه في التفسير الفلسفي العميق لسبب نجاح هذا الترجيح. فبينما يرى البايزيون الاحتمال سياسة عقلانية لإدارة الاعتقاد في ظل عدم اليقين، يرى الصدر أن هذا الترجيح، في ظروف معينة، يعكس علاقة واقعية في العالم الخارجي، لا مجرد انسجام داخلي في منظومة المعتقدات. وهذا ما يمنح مشروعه موقعًا مميزًا بوصفه جسرًا بين نقد هيوم، وأدوات الاحتمال الحديثة، والحاجة إلى تأسيس معرفي موضوعي للاستقراء.


وصلى الله على محمد وآل محمد



ونواصل في المقال القادم 


في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور! XIV
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ١٥ حيث نتحدث فيه وما يأتي من مقالات بعده،  عن المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين، ثم نعرض  أطروحات بول فايرابند التي وضعها في كتابه ضد المنهج والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!!  

فؤاد
٢١ يناير ٢٠٢٦

تعليقات