تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١٣

"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازا ت العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر، عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم، ونفصِّل في أطروحاته، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"
بعد الحديث في المقالات الأربعة، التي كانت تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين.
واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة، ب ١٢ مقالا تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، وفيها تحدثنا عن المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره. وهنا مقال رقم ١٣ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم ١٧)، حيث تحدثنا في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج العلوم عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار وبعد عرض رؤية لاكتوش، وكيف تتشابه وتختلف مع بارادايم كون، وبعد الحديث عن أنماط كرومبي الستة، وعن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، وتحدثنا عن دور كل من لاري لاودان عن فلسفته الواقعية للعلم كون العلم، في فلسفته، أداة لحل المشكلات، و برونو لاتور الذي يرى أن العلم ليس رحلة عقلانية محضة ولا مشروعًا منفصلًا عن تفاعلات البشر والأشياء. فهو شبكة تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية، وتُنتج الحقيقة عبر علاقات وتشابكات لا يمكن ردّها إلى أصل واحد. وفي السياق، استحضرنا الثنائيات التي كانت إحدى المرتكزات التي اعتمدتها الحداثة، وكيف تم تجاوزها من قبل كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز، وتصميم بنثام للبانوبتيكون ، وكيف استفاد لاتور منهم. وبعد تغطية مساهمات كل شافيز و ستيفنز و هاكينغ ، نكمل الحديث، عن تجسير الكسندر كويريه بين التحليل الفلسفي والتاريخي المفهومي للعلوم، و لمحة عن دور المسلمين واسهاماتهم، في سياق الحديث عن آناليس ماير وأعمالها ونختم بذلك ليكون الطريق سالكا للحديث في المقال الذي يليه، عن المرحلة المفصلية السابعة في المنهج، نمهد لها باستعراض المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين، ثم نعرض أطروحات بول فايرابند التي وضعها في كتابه ضد المنهج والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!! وتقبلوا توصيفنا لما تم تغطيته في بعض المقالات الاخيرة ، بأنها بمثابة خلط أوراق تهيئة لنظرية بول فايرابند ضد المنهج.
٤.٤.١.٣.٢.١١ ملهم العقل العلمي، الكساندر فلاديمير كورية
بداية، نعاود التأكيد بأن الاهتمام بتاريخ العلوم في أوروبا وأجزاء من العالم الإسلامي، بدأ نتيجة تزاوج عوامل فكرية وثقافية متعددة، أبرزها الحاجة إلى فهم تطور المعرفة الإنسانية وتحديد أسسها المنهجية. فقد شعر المفكرون بأن العلم ليس مجرد تراكم للمعارف، بل عملية عقلية واجتماعية تتفاعل مع الثقافة والدين والسياسة، وأن فهم الماضي ضروري لتوجيه الحاضر والمستقبل العلمي. كما ساهمت الرغبة في الإصلاح الفكري والمنهجي، التي عبّر عنها فرانسيس بيكون ودعا من خلالها إلى تتبع أخطاء القدماء وتصحيح مسار البحث، في جعل دراسة تاريخ المعرفة أداة لتحليل المنهج العلمي. وفي السياق الإسلامي، برزت الدوافع أيضًا في شكل موسوعات وترجمات، كما عند ابن النديم وابن أبي أصيبعة، اللذان يعدان نموذجين بارزين لكيفية تحوّل الاهتمام بتاريخ العلماء والكتب إلى مشروع معرفي واعٍ، لا يكتفي بالحفظ، بل يسهم في تنظيم المعرفة، وتقويمها، وربطها بالسياق الفكري والديني للعصر.
فابن النديم، ٩٩٥م، يُعدّ صاحب أول موسوعة بيبليوغرافية كبرى في الحضارة الإسلامية، حملت عنوان الفهرست. هذا العمل ليس مجرد قائمة كتب، بل خريطة شاملة للمعرفة الإنسانية كما كانت معروفة في القرن الرابع الهجري. فقد جمع فيه أخبار الكتب والمؤلفين في علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة، والفلسفة، والرياضيات، والطب، والفلك، والكيمياء، إضافة إلى تراث الأمم السابقة من يونان وفرس وهنود. وتكمن أهمية الفهرست، في أنه وثّق حركة الترجمة الكبرى عن اليونانية والسريانية والفهلوية، وذكر أسماء المترجمين (كحنين بن إسحاق وثابت بن قرة)، وناقش أحيانًا قيمة الكتب أو اتجاهاتها الفكرية. بهذا المعنى، كان ابن النديم يمارس تاريخًا نقديًا للمعرفة، يربط النتاج العلمي بسلاسل النقل، والانتماءات المذهبية، والسياقات الثقافية، من غير فصل بين العلم والرؤية الكونية التي يحتضنها المجتمع الإسلامي.
أما ابن أبي أُصيبعة ، ١٢٧٠م، فقد مثّل مرحلة أكثر تخصصًا ونضجًا في هذا المسار من خلال كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء، الذي يُعد موسوعة تاريخية في الطب والعلوم الطبيعية، تضم تراجم أطباء وفلاسفة من اليونان (كأبقراط وجالينوس)، ثم أطباء الإسلام من مختلف الأمصار، وصولًا إلى معاصريه. لم يكتفِ ابن أبي أصيبعة بالسرد التاريخي، بل قدّم تقييمات علمية، وذكر مؤلفات الأطباء، ومنهجهم، وأحيانًا الخلافات العلمية بينهم. كما أبرز التفاعل بين الطب والفلسفة والدين، موضحًا كيف اندمجت العلوم الطبيعية في المنظومة الإسلامية دون أن تُفصل عن القيم الأخلاقية والإنسانية.
ويمكن الوصول للنتيجة المهمة في تفحص العلاقة كل من ابن النديم وابن أبي أصعيبة، في أنهما لم ينظرا إلى دراسة السابقين بوصفها حنينًا للماضي، بل باعتبارها شرطًا لتقدّم العلم. حفظ ابن النديم الذاكرة الشاملة للعلوم، وبيّن مسارات انتقالها وتحوّلها، بينما ركز ابن أبي أصيبعة على علم الطب تحديدا، ليظهر كيف يتطور عبر الأجيال بالنقد والتراكم.، بذا، فكلاهما أسهم في ترسيخ فكرة أن المعرفة مشروع تاريخي تراكمي، وأن فهم العلماء السابقين ضرورة لإنتاج معرفة جديدة منسجمة مع المعايير الفكرية والدينية السائدة في الحضارة الإسلامية. لهذا، حين يُشار إليهما في سياق الحديث عن الدوافع الإسلامية لدراسة تاريخ الأفكار والعلوم، فهما شاهدان على أن الموسوعة والترجمة والتراجم العلمية لم تكن أعمالًا ثانوية، بل أدوات مركزية لحفظ العلم، وتنظيمه، وإعادة توطينه داخل أفق حضاري إسلامي واعٍ بذاته وبغيره.
من كل هذا، يمكننا الاستنتاج بأن الاهتمام بتاريخ العلوم لم يأتِ صدفة، بل كان استجابة لحاجة عقلية منهجية وثقافية لفهم كيف تطوّرت المعرفة، وكيف يمكن للإنسانية أن تبني عليها مستقبلاً أكثر دقة وموضوعية، ما يمهد الطريق لكل المدارس اللاحقة، من سارتون إلى كون وكرومبي ومن أتى بعدهم.
وأحد أبرز مؤرّخي وفلاسفة العلم في القرن العشرين، هو ألكسندر فلاديمير كورية، وهو من الشخصيات التي لعبت دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى الثورة العلمية. وُلد ١٨٩٢م، في روسيا وهاجر إلى فرنسا، ليلتحق بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا (EPHE) في باريس، حيث درس ودرّس معظم حياته. وقد جمع كورية بين تكوين فلسفي عميق وثقافة تاريخية واسعة، ما جعله قادرًا على قراءة العلم بوصفه مشروعًا فكريًا وثقافيًا، لا مجرد سلسلة من الاكتشافات التقنية أو التجارب المعملية.
كورية هو أول من أسس، بطريقة منهجية مقنعة، للقناعة بأن الثورة العلمية في القرن السابع عشر لم تكن مجرد تقدّم في القياسات أو تحسينًا للأدوات، بل كانت، تحوّلًا في البنية العقلية للإنسان الغربي، كما كتب في كتابه المعنون من العالم المغلق إلى الكون اللامتناهي المنشور عام ١٩٥٧م. في كتابه هذا، يصف كوريه التحول الجذري في الفكر البشري خلال الثورة العلمية، بأن الإنسان قد انتقل من رؤية كون محدود ومحكوم بغايات إلى رؤية كون مفتوح لا نهائي تحكمه قوانين عقلية صارمة، مما غيّر نظرة الإنسان لمكانه في الوجود وأدى إلى نشوء الحداثة، حيث يتناول الكتاب دور كوبرنيكوس، ديكارت، ونيوتن في هذا التحول. فالعلم الحديث، في نظره، لم يُولد في المختبرات بقدر ما ولد في الفلسفة والرياضيات ورؤية العالم. وقد بيّن في دراساته عنهم، أن ما تغير ليس فقط ماذا نعرف، بل كيف نعرف وما الذي نعتبره حقيقة. ولهذا يُقال إن كورية هو من فلسَفَ تاريخ العلم وأعاد إليه عمقه الفكري.
وبالتمعن في تحليله العميق لغاليليو، يمكن الاستنتاج أنه كان من أبرز إسهامات كورية خاصة في كتابه دراسات غاليليو١٩٣٩م، حيث كشف أن غاليليو لم يصل إلى قوانين الطبيعة من ملاحظة بسيطة، بل من بناء رياضي عقلي سبق التجربة وتجاوز الحسّ المباشر. وهذا الطرح أثّر لاحقًا في مفكرين مثل توماس كون، الذي اعترف بأن كورية ألهمه في صياغة فكرة البرادايم في كتابه بنية الثورات العلمية. ويمكن القول إن كورية كان من أوائل من أكّدوا أن العلم الحديث يقوم على التجربة الفكرية بقدر قيامه على التجربة التجريبية، وأنه وليد ثورة تصورية أكثر من كونه ثورة أدوات.
وبسبب أسلوبه البحثي في ربطه بين العلم والفلسفة والدين وعلم الكونيات، أصبح كورية متميزا ومنفردا بهذا الأسلوب، مما جعل أعماله ذات تأثير واسع. فكتب في دراسات غاليليو، الثورة العلمية لم تغيّر صورة العالم فحسب، بل غيّرت موقع الإنسان فيه. وهذا الربط بين العلم ورؤية الإنسان لذاته كان جديدًا في زمنه، وفتح الباب أمام فهم تاريخ العلم بوصفه جزءًا من تاريخ الأفكار والثقافة الغربية، لا مجرد سرد لسير المخترعين والمنجَزات.
ويستند المؤرخون اليوم إلى أعمال كورية باعتبارها أساسية في دراسة العقل العلمي. فقد أعاد قراءة نصوص العلماء بطريقة دقيقة وغنية، مبيّنًا أن اللغة والمفاهيم والمخيال الفلسفي، تلعب دورًا لا يقل أهمية عن التجربة المختبرية. ونوضح أن المخيال الفلسفي هوالحقل الوسيط بين الفكرة العقلية المجردة والتجربة المعيشة والرمزية، حيث تتكوّن الصور الكبرى، والاستعارات، والنماذج الذهنية التي يستخدمها الفيلسوف، غالبًا دون وعي كامل، لفهم العالم وتنظيم التفكير فيه. المخيال الفلسفي ليس خيالًا حرًا بالمعنى الأدبي، ولا برهانًا منطقيًا صارمًا، بل هو بنية تصوّرية تمنح الفلسفة اتجاهها العام، وتحدد ما الذي يبدو معقولًا أو مستحيلًا أو بديهيًا داخل نسق فكري معيّن. ولهذا يُنظر إلى كوريه غالبًا بوصفه الأب الروحي للمقاربات المعرفية والثقافية في تاريخ العلوم، وهو تأثير يظهر بوضوح في أعمال شابين وشايفر وكون ولاتور، الذين وسّعوا نفس الفكرة لكن في سياقات اجتماعية ومادية جديدة.
هذه المقدّمة عن الخطوط العريضة التي تحكم أعمال كورية، تمهّد للحديث عن عطائه الفكري، وعن رؤيته التي ترى العلم كتحوّل في البنية العقلية والثقافية، وعن تأثيره العميق في تأسيس الحقل الحديث لتاريخ وفلسفة العلوم. وهنا نعرض أبرز إنجازاته.
فكورية، يعد من أوائل من أعادوا تعريف معنى الثورة العلمية من حدث تجريبي تقني إلى تحول عميق في البنى العقلية والفلسفية التي تُشكِّل رؤية الإنسان للعالم. ففي كتابه المهم من العالم المغلق الى الكون اللامتناهي يؤكد أن الانتقال من الكون المغلق ذي الحدود الصلبة في الفلسفة اليونانية والقرون الوسطى إلى الكون اللامتناهي عند كوبرنيكوس وغاليليو وديكارت كان بمثابة ولادة عقل جديد، فيقول كورية لقد تغيّر العالم، لأن الإنسان غيّر إطار تفكيره، وهي جملة تلخّص قلب مشروعه الفكري.
وكان لتحليلاته لغاليليو أثر كبير في إعادة تقييم مكانته في تاريخ العلم. فقد بيّن كورية أن غاليليو لم يكن مجرد تجريبي بارع، بل كان مفكرًا رياضيًا يضع التصورات العقلية قبل الملاحظة. وفي كتابه دراسة غاليليو، يوضح أن قوانين السقوط والسرعة والحركة لم تُشتق مباشرة من الملاحظة، وإنما من تجارب فكرية صاغها غاليليو أولًا في إطار رياضي مثالي، ثم استخدم التجربة لتأكيدها، لا لاكتشافها. وهذا التفسير كان نقطة تحول في دراسات غاليليو، وأثر بوضوح في أعمال توماس كون حول التحولات النموذجية.
كما أسهم كورية أيضًا في إعادة قراءة العلاقة بين العلم والفلسفة في القرن السابع عشر بوصفهما مجالين متداخلين، فقد رأى أن علماء مثل ديكارت وكبلر ونيوتن لم يفصلوا بين التفكير الفلسفي والتفكير العلمي، بل دمجوا الرياضيات، والميتافيزيقا، والبحث التجريبي في مشروع موحّد. وبيّن في دراساته عن كبلر أن الأخير لم يكتشف قوانين حركة الكواكب فقط عبر الملاحظة، بل عبر قناعة فلسفية عميقة بأن الطبيعة مكتوبة بلغة الرياضيات. كان هذا التأكيد على الطابع الفلسفي للعلم جزءًا أساسيًا من إسهام كورية في جعل تاريخ العلم جزءًا من تاريخ الأفكار الأوروبية.
وكان من أهم إنجازاته تأسيس منهج جديد في كتابة تاريخ العلم، يعتمد على تحليل النصوص الأصلية بدقة لغوية وفلسفية، بدل الاكتفاء بسرد قصة التقدم العلمي. وبذلك انتقل تاريخ العلم من كونه مجالًا ثانويًا يروي سيرة المكتشفين إلى مجال مركزي في فهم التحولات الفكرية الكبرى. ولذلك اعترف مفكرون كتوماس كون وآناليس ماير وبول فايابند بأن منهج كورية كان ملهمًا لهم في التركيز على العقل العلمي لا على التراكم التجريبي وحده.
كما رسّخ كورية فكرة أن الثورة العلمية لم تكن نتيجة عباقرة منفصلين، بل ثمرة تحول حضاري شامل يشمل الدين، والفلسفة، والرياضيات، والخيال العلمي. وقد توسع في هذا الاتجاه في دراساته حول تأثير التصوف المسيحي والفلسفة الأفلاطونية المحدثة على الفكر العلمي المبكر، مؤكدًا أن جذور العلم الحديث ليست مادية خالصة، بل تتشابك مع رؤى لاهوتية وكوسمولوجية كانت حاضرة بقوة في القرن السابع عشر.
وساهم كورية أيضًا في إبراز الترابط بين العلم والتحولات الحضارية الكبرى. ففي أبحاثه عن تأثير التصوف المسيحي، والفلسفة الأفلاطونية المحدثة، والاتجاهات اللاهوتية في العصور الوسطى المتأخرة، أوضح أن الأفكار التي سبقت الثورة العلمية كانت مشبعة بتأملات حول ترتيب الكون وهدفه. وقد قدّم هذه الأفكار في مقالات مهمة أظهرت أن الجذور الثقافية للعلم الحديث أعمق بكثير مما يُصوِّره النموذج الاختزالي القائل إن العلم نتاج العقلانية الخالصة. يقول كورية في إحدى مقالاته، لا يمكن للعلم أن يولد من الفراغ، إنه يولد من رؤية الإنسان للعالم ومكانه فيه.
وبهذه الإسهامات مجتمعة أصبح كورية أحد أبرز من أعادوا تعريف تاريخ وفلسفة العلوم، إذ نقل هذا الحقل من مجرد سرد تاريخي إلى تحليل فكري يشرح كيف تتغير رؤية الإنسان للعالم عبر الزمن. وأصبح أحد الأعمدة التي تأسس عليها الحقل الحديث لتاريخ وفلسفة العلوم. ونقل دراسة العلم من التركيز على كيف تمّت التجربة، إلى ما هي الرؤية الفكرية التي جعلت التجربة ممكنة. وهذا التحول جعل أعماله لا تزال مرجعًا أساسيًا لكل من يدرس نشأة العلم الحديث وفلسفته. وبذلك يمكن القول إن إرثه العلمي لا يكمن فقط في كتبه، بل في الأفق الجديد الذي فتحه أمام الباحثين لفهم العلم كجزء من تاريخ الإنسانية الثقافي والعقلي.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١ بعض أمثلة لتوضيح أفكار كورية
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.١ من العالم المغلق الى الكون اللامتناهي
في كتابه من العالم المغلق الى الكون اللامتناهي، يفتح كورية نقاشه الشهير بتحليل الكون المغلق لدى التقليد الأرسطي-البيزنطي، ثم يبيّن كيف تحوّل هذا التصور إلى كون لامتناهي في عصر ما بعد كوبرنيكوس. كمثال تطبيقي، يوضّح كورية كيف كانت صورة العالم عند الوسط المتوسط (القرون الوسطى) تتكئ على فكرة ترتيب هرمي، حيث تكون الأرض ثابتة في المركز، والسموات تدور في كرات سماوية شفافة مرتّبة طبقيًا، وكلّ كرة تحتفظ بمكانها وفق نظام متناسق ومغلق. تفسير كورية هنا لا يكتفي بذكر التحوّل الفلكي كوقائع رصدية فقط، بل يربطه بتبدل جذري في تصور الإنسان لموقعه في الكون أي بتبدّل في بنية العقل نفسها. هذا يبيّن إحدى نقاطه الأساسية، التي تتمثل في أن التغيير العلمي ليس تراكمًا تقنيًا فحسب، بل انقلابًا في الإطار المفاهيمي الذي يُنتَج فيه المعنى.
يمكننا اعتباران هذا يشكل تمثيلًا دقيقًا ومكثّفًا لأفكار ألكسندر كورية، بل هو من أفضل الأمثلة التطبيقية على منهجه في قراءة تاريخ العلم. وما يميّز هذا المثال أنه لا يختزل أطروحة كورية في الفلك أو في مجال محدد، بل يضعها في إطارها الفلسفي الأعمق، وهو بالضبط ما أراده كورية في كتابه من العالم المغلق إلى الكون اللامتناهي. ينطلق كورية في هذا الكتاب من تحليل ما يسميه العالم المغلق، وهو الكون الأرسطي–البيزنطي الذي ساد في القرون الوسطى. هذا العالم ليس مغلقًا بمعنى فيزيائي بسيط، بل هو مغلق مفاهيميًا. الكون هنا بنية منتهية، لها مركز واضح، وحدود متعارف عليها، وترتيب هرمي صارم. الأرض تحتل المركز لا بوصفها جرمًا فحسب، بل بوصفها محور النظام الكوني، بينما تنتظم السماوات في كرات شفافة متراكبة، لكل منها طبيعتها وحركتها ومكانتها. هذا التصور يجمع بين الفيزياء والفلك والميتافيزيقا واللاهوت في صورة واحدة متماسكة.
في تفسيره لهذا النموذج، يبيّن كورية أن الهرمية الكونية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي التعبير الرمزي عن رؤية شاملة للعالم. فالتقسيم بين عالم ما تحت فلك القمر وعالم ما فوقه يعكس تمييزًا بين التغير والثبات، بين النقص والكمال. المكان هنا ليس متجانسًا، بل مشحون بالقيمة، هناك أعلى وهناك أسفل، وهناك مركز وهناك محيط، وكل موضع يحمل معنى وجوديًا وأخلاقيًا. بهذا المعنى، فإن ثبات الأرض ليس نتيجة قياس تجريبي فحسب، بل ضرورة فلسفية تفرضها بنية العالم المغلق نفسه.
هذا الوصف الذي تقدّم هو توصيف دقيق لما يسميه كورية الفضاء القيمي أو الوجودي في صورة العالم الأرسطية–الوسيطة، حيث لا يكون المكان إطارًا هندسيًا محايدًا، بل نظامًا معنويًا مرتبًا هرميًا. ويمكن توضيح هذه الأماكن وخصائصها ووظائفها. ففي مركز العالم تقع الأرض، وهي ليست مجرد جرم مادي، بل موضع وجودي خاص. المركز هنا هو موضع الثقل، والسكون، والكمال النسبي في الاستقرار. كل الأجسام الثقيلة تميل طبيعيًا إلى هذا المركز، لا بفعل قوة خارجية، بل لأن طبيعتها تقتضي ذلك. ثبات الأرض ليس مسألة قياس أو تجربة، بل نتيجة حتمية لتعريف المكان نفسه. فالمركز هو الموضع الذي لا يُطلب بعده موضع آخر. لذلك يصبح القول بحركة الأرض في هذا التصور ليس مجرد خطأ علمي، بل خللًا ميتافيزيقيًا في معنى المكان الطبيعي.
وفوق الأرض يمتد العالم السفلي، أي مجال العناصر الأربعة، وهي التراب، والماء، والهواء، والنار. هذا المجال هو مجال التغير، والفساد، والتكوّن، حيث الحركة غير منتظمة، والظواهر خاضعة للنقص والاختلال. لكل عنصر فيه مكانه الطبيعي، فالتراب يسعى إلى الأسفل، والنار تسعى إلى الأعلى، والماء والهواء بينهما. وهذا يشكل مسرح الحياة البشرية والظواهر الطبيعية اليومية، لكنه في الوقت نفسه أدنى مراتب الوجود من حيث الكمال والثبات.
ويأتي بعده فلك القمر، الذي يشكل الفاصل الحاسم الذي يفصل ذألك العالم السفلي عما يعلوه. هذا الحد ليس فلكًا فلكيًا فقط، بل حدًا أنطولوجيًا، فهو لا يقتصر على كونه فاصلًا تقنيًا أو وصفيًا في بنية الكون المادي، بل يمثّل فاصلًا في أنماط الوجود نفسها، أي حدًّا بين نوعين مختلفين من الكينونة والقوانين والمعنى. وحين يوصف بأنه حدّ أنطولوجي، فهذا يعني أن هذا الحدّ يفصل بين مستويين من الوجود لا يخضعان لنفس القوانين ولا يمتلكان الخصائص نفسها. ففي التصور الأرسطي–الوسيط الذي يحلّله كوريه، حدّ فلك القمر ليس مجرد مدار، بل يمثل الحدّ الذي ينتهي عنده العالم القابل للتغير ويبدأ عالم الكمال والثبات. وعنده ينتهي التغير والمساحة القابلة للفساد ويبدأ الثبات. فأسفل القمر يوجد تغير، موت، وولادة، بينما أعلى القمر يوجد انتظام، أبدية، حركة كاملة. لهذا كان القمر أكثر من جرم سماوي؛ كان علامة فاصلة بين نمطين من الوجود.
فوق فلك القمر يبدأ العالم العلوي أو السماوي، المؤلف من أفلاك شفافة متداخلة، يحمل كل منها كوكبًا أو جرمًا سماويًا. الحركة هنا دائرية، منتظمة، لا بداية لها ولا نهاية، لأنها الحركة الأكمل في الفلسفة الأرسطية. هذه الأفلاك لا تتحرك لأن لها وزنًا أو اندفاعًا، بل لأن طبيعتها عقلية–غائية، تسعى إلى التشبه بالكمال. ووظيفتها الكونية هي حفظ النظام، والانتظام الزمني، وربط العالم السفلي بإيقاع كوني أعلى.
في أقصى المحيط يقع فلك النجوم الثابتة، وهو الحد النهائي للعالم المادي كله. بعده لا يوجد مكان، لأن المكان نفسه يُعرّف داخل هذا الكون المغلق. هذا الفلك يمنح الكون شكله الكلي، وحدوده، ووحدته. والنجوم الثابتة ليست ثابتة بالمعنى الحركي فقط، بل ثابتة وجوديًا، لأنها لا تخضع للتكوّن والفساد، فهي موجودة على نحو كامل ومتحقق باستمرار، ولا تمر بحالات ولادة أو تغير جوهري كما هو حال الموجودات الأرضية. فالثبات هنا يعني دوام الهوية واستمرار الكينونة دون انقطاع أو نقص. عند هذا الحد ينغلق الكون على ذاته بوصفه كُلًّا مكتفيًا، لا يحتاج إلى فضاء خارجي.
وأخيرًا، خلف هذا المحيط، لا مكانيًا، بل ميتافيزيقيًا، يُتصوَّر المحرّك الأول أو العقل الإلهي. هذا ليس مكانًا بالمعنى الحرفي، لكنه قمة الترتيب الهرمي للقيمة والمعنى. منه تستمد الأفلاك حركتها، ومنه يستمد الكون انتظامه. ووظيفته ليست التدخل السببي المباشر، بل تتمثل وظيفته في كونه غاية نهائية، موضوع الشوق الكوني، ومصدر المعقولية.
بهذا الترتيب، يصبح المكان شبكة من المعاني لا مجرد إحداثيات. الأعلى ليس فقط أعلى فيزيائيًا، بل أسمى وجوديًا؛ والأسفل ليس فقط أدنى مكانيًا، بل أقل كمالًا. المركز ليس نقطة في الفضاء، بل ضرورة فلسفية. ومن هنا نفهم لماذا شدّد كورية على أن الانتقال إلى كون متجانس لا مركز له لم يكن تصحيحًا فلكيًا فحسب، بل انهيارًا كاملًا لهذا النظام القيمي للمكان، وبداية تصور جديد للعالم والإنسان معًا.
وعندما ينتقل كورية إلى عصر كوبرنيكوس وما بعده، لا يقدّم التحول على أنه مجرد استبدال نموذج فلكي بآخر، بل يراه انفجارًا داخل هذا المخيال الكوني. فإزاحة الأرض من المركز تقوّض فكرة المركز ذاتها، وتفتح الباب أمام كون لا نهائي، متجانس، بلا أعلى أو أسفل، بلا مركز مميز. ومع غاليليو، تصبح الرياضيات اللغة الوحيدة للطبيعة، ومع نيوتن يترسخ هذا التحول في صورة قوانين عامة تحكم فضاءً لا متناهيًا. هنا لا يعود الكون مرتبًا طبقيًا، بل يتحول إلى فضاء صامت تحكمه علاقات كمية مجردة.
بهذا المعنى، يوضّح هذا المثال بدقة، إحدى أطروحات كورية المركزية، المتمثلة في أن الثورة العلمية كانت ثورة في بنية العقل قبل أن تكون تقدمًا تقنيًا في الرصد أو الحساب. التغيير لم يقع فقط في الأدوات أو المعادلات، بل في الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه ومكانه في العالم. الإنسان لم يعد في مركز كون ذي معنى مسبق، بل في فضاء لا نهائي يتطلب منه أن يصنع المعنى بنفسه. هذا المثال لا يشرح فقط انتقالًا من نموذج فلكي إلى آخر، بل يكشف عن الفكرة الأعمق التي دافع عنها كورية طوال أعماله، وهي أن تاريخ العلم هو تاريخ تحولات مفهومية كبرى، وأن فهم هذه التحولات لا يتم عبر الوقائع وحدها، بل عبر تحليل الإطار الفلسفي الذي يجعل هذه الوقائع ممكنة ومفهومة أصلاً.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٢ غاليليو وموقعه في بناء العلم الحديث
مثال آخر يركز عليه كور يه بعنفوان هو موقع غاليليو في بناء العلم الحديث. ففي دراسته عن غاليليو، يعيد كوريه قراءة نصوص غاليليو ليبرهن أن ما يُنسب إليه غالبًا من تجارب مختبرية كان في كثير من الأحيان نتاجًا لتخطيط نظري دقيق وتجارب فكرية سبقت التجارب. فتجربة المنحدر، أو مقاربة سقوط الأجسام، عند كورية ليست مجرد رصد عفوي، بل تصميم رياضي عقلي يُمكّن من صياغة قانون عام للحركة. من هنا يستخلص كورية أن غاليليو هو بالأساس رياضي وفيلسوف، يستخدم الرياضيات لبناء صورة جديدة للطبيعة قبل أن يسعى لتثبيتها عبر أدوات وقياسات. هذه القراءة تغيّر موقع التجربة، فلم تعد التجربة مصدر المعرفة الوحيد، بل هي جزء من عملية عقلية رياضية أوسع تشكّل المعنى العلمي.
وهذا المثال يعتبر تجسيدا واضحا ومباشرا لأفكار ألكسندر كورية، بل إنه يمسّ قلب مشروعه في قراءة الثورة العلمية الحديثة. فطريقة كورية في تناول غاليليو ليست دراسة تاريخية تقنية، بل تحليل فلسفي لمنطق تشكّل المعرفة العلمية الحديثة، وهو ما يظهر جليًا في دراسة كورية. فكورية يركز في أعماله عن غاليليو على إعادة ترتيب العلاقة بين العقل والتجربة. هو يرى أن الصورة الشائعة التي تقدّم غاليليو بوصفه رائدًا للتجربة المختبرية الخالصة هي صورة تبسيطية، بل مضلِّلة تاريخيًا وفلسفيًا. عند كورية، غاليليو لم يبدأ من التجربة ثم يستخلص منها القوانين، بل بدأ من تصور رياضي للطبيعة، ثم لجأ إلى التجربة بوصفها وسيلة للتحقق والتوضيح، لا بوصفها مصدرًا أوليًا للمعنى العلمي.
ففي تحليله لتجربة المنحدر وسقوط الأجسام، يبيّن كورية أن هذه التجارب لم تكن ممكنة أصلًا دون افتراضات رياضية مسبقة، مثل تجانس الزمن، واستمرارية الحركة، وقابلية الظواهر الطبيعية للصياغة الرياضية. هذه الافتراضات ليست مستخلصة من الحس المباشر، بل هي قرارات نظرية عميقة. التجربة هنا مصمَّمة لتُظهر ما تسمح به البنية الرياضية للعقل، لا لتكشف واقعًا خامًا مستقلًا عنها. ولهذا يصف كورية كثيرًا من تجارب غاليليو بأنها أقرب إلى التجارب الفكرية المُمَسرحة منها إلى التجريب المختبري بالمعنى الحديث. وممسرحة في هذا السياق، تعني أي أنها مُعدّة سرديًا وتمثيليًا أكثر مما هي إجراءات مخبرية بالمعنى الحديث القائم على الضبط الدقيق، والتكرار المعياري، والقياس الكمي الصارم. أي أنها تُعرض للقارئ وكأنها مشهد مُقنع يُمثَّل أمام العقل
من هذا المنطلق، يعيد كورية تعريف موقع غاليليو في تاريخ العلم. بالنسبة لكورية، فغاليليو ليس مجرد تقني بارع في القياس، بل هو فيلسوف للطبيعة يعمل بالرياضيات. الطبيعة عنده مكتوبة بلغة رياضية، وهذه اللغة لا تُكتشف بالحواس وحدها، بل تُفهم بالعقل قبل كل شيء. والتجربة لا تُنتج القانون، بل تُترجِم القانون إلى ظاهرة قابلة للمشاهدة والقبول الاجتماعي داخل الجماعة العلمية.
هذا المثال يوضّح إحدى النقاط المركزية عند كورية، أن التحول العلمي الحديث لم يكن انتقالًا من التأمل إلى التجربة، بل انتقالًا من العالم الكيفي المشبع بالمعنى إلى عالم رياضي مجرد، تُصبح فيه التجربة خاضعة لبنية نظرية مسبقة. ولهذا يؤكد كورية أن العلم الحديث وُلد من تحالف عميق بين الرياضيات والميتافيزيقا، لا من القطيعة مع الفلسفة كما يُروَّج أحيانًا. هذا المثال لا يشرح فقط موقف كورية من غاليليو، بل يختصر رؤيته العامة لتاريخ العلم، أي أن المعرفة العلمية لا تتقدّم بتراكم الملاحظات، بل عبر قفزات مفهومية تعيد تعريف ما هو قابل لأن يُلاحظ أصلًا. وغاليليو، في قراءة كورية، هو أحد أعظم ممثلي هذه القفزة، لأنه أعاد بناء الطبيعة في العقل قبل أن يعيد اختبارها في العالم.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٣ يوهانس كبلر كحالة نموذجية لتداخل الفلسفة والفيزياء واللاهوت
كورية أيضًا يسلّط الضوء على حالة يوهانس كبلر كحالة نموذجية لتداخل الفلسفة والفيزياء واللاهوت. في تحليلاته لكبلر يؤكد كورية أن بحث كبلر عن قوانين كواكبية، لم يكن مجرد استخراج لنماذج من المراصد، بل كان تعبيرا عن اقتناع فلسفي-ميتافيزيقي بأن الكون منظم هندسيًا، وأن الشكل الرياضي يعكس حقيقة كونية أعمق. فقراءة كورية لكبلر تُظهر أن القوانين العلمية تنشأ من تقاطعات بين إحساس جمالي–فلسفي (عن تناغم الكون) وبين التفكير الحسابي الصارم؛ هنا تتضح أطروحة كوريه بأن العلم يرتبط بسياق فكري أوسع من مجرد أدوات العمل.
استخدم كورية العديد من الحالات في دراساته لها، وكانت حالة يوهانس كبلر أكثر الحالات استخداما من قبله لإبراز طبيعة التحول في العقل العلمي الحديث، فهي في نظر كورية تمثل مثالا نموذجيا ودقيقا لتوضيح أفكار ألكسندر كورية. وهي ليست هامشية، بل مركزية، لأنها تكشف بوضوح أن نشأة القوانين العلمية لم تكن فعلًا تقنيًا معزولًا، بل ثمرة تفاعل عميق بين الفلسفة والرياضيات واللاهوت. كورية يرى أن كبلر لم يتعامل مع حركة الكواكب بوصفها مسألة رصدية محضة، بل بوصفها مشكلة عقلية–ميتافيزيقية في المقام الأول. فكبلر كان مقتنعًا، قبل الوصول إلى قوانينه الشهيرة، بأن الكون منظم وفق بنية هندسية عقلانية، وأن الله قد خلق العالم على أساس عدد ونسبة وشكل. هذا الاقتناع ليس نتيجة للرصد، بل هو إطار سابق عليه، يوجّه اختيار الفرضيات، ويحدّد ما الذي يُعد تفسيرًا مرضيًا للحركة السماوية. بهذا المعنى، فإن الرصد عند كبلر يعمل داخل أفق فلسفي سابق، لا خارجه.
وفي تحليله لنصوص كبلر، يبيّن كورية أن البحث عن المدارات البيضاوية لم يكن طريقًا مستقيمًا من البيانات إلى القانون، بل مسارًا متعرجًا مليئًا بالافتراضات الجمالية والرمزية. فكرة أن للكواكب مدارات هندسية دقيقة تعبّر عن تناغم كوني تعود إلى تقاليد أفلاطونية–فيثاغورية عميقة، حيث يُنظر إلى الرياضيات بوصفها لغة الوجود نفسه. كبلر لم يكن يسعى فقط إلى مطابقة الحساب مع الرصد، بل إلى الكشف عن المعنى الكامن في النظام السماوي. من هنا يؤكد كورية أن قوانين كبلر لا يمكن فهمها بوصفها استنتاجات تجريبية، بالمعنى الحديث الضيق. إنها نتاج تلاقٍ بين حس جمالي يرى في الكون نظامًا متناغمًا، وعقل رياضي قادر على تحويل هذا الحس إلى علاقات كمية دقيقة. هذا التداخل بين الجمالي والرياضي والميتافيزيقي لا يُعد عند كورية عيبًا في العلم الناشئ، بل شرطًا من شروط إمكانه التاريخي.
بهذا المثال، تتجلى إحدى أطروحات كورية الأساسية، التي تقول إن العلم الحديث لم يولد من قطيعة كاملة مع اللاهوت أو الفلسفة، بل من إعادة توجيه عميقة لهما داخل أفق رياضي جديد. وكبلر يمثل لحظة انتقالية، حيث ما يزال الإيمان بتناغم إلهي للعالم حاضرًا بقوة، لكنه يُترجم لأول مرة إلى قوانين قابلة للصياغة الرياضية الدقيقة. لذلك يرى كورية أن فهم نشأة العلم الحديث يقتضي فهم هذه الخلفية الفكرية الواسعة، لا الاكتفاء بتتبع الأدوات والتقنيات. بهذا القراءة من قبل مورية لمسيرة تطور وإنتاج قوانين كبلر، يتكشف جوهر منهج كورية في تاريخ العلم، وهو أن القوانين العلمية هي نتاج مخيال فلسفي وعقلي بقدر ما هي نتاج حساب وتجربة. وبهذا المعنى، يصبح العلم تعبيرًا عن رؤية للعالم، لا مجرد تقنية ناجحة للتنبؤ والسيطرة.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٤ تحليله اعمال نيوتن
تصلُ قراءة كوريه إلى ذروتها في تحليله لعمل نيوتن، إذ يرى أن كتاب نيوتن المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية، عام ١٦٨٧م، الذي يعتبر أحد أعظم الأعمال في تاريخ العلم، بل غالبًا يُنظر إليه بوصفه الأساس الصلب للفيزياء الكلاسيكية، لم يكن وثيقة رياضية فحسب، بل كان مشروعًا ميتافيزيقيًا يقدّم صورة للعالم تعمل بالقوى والقوانين الرياضية الشاملة. كورية يُبيّن كيف أن نيوتن جعل الكون نظامًا قابلًا للحساب والتكهن الرياضي، بحيث أصبح بالإمكان تفسير الحركة الثابتة والمتغيرة عبر قوانين عامة. هذه النقطة تُوضّح كيف أن التطور العلمي أفضى إلى رياضيات الطبيعة، أي تحويل العالم إلى مجال يمكن صياغته بأشكال رياضية صارمة، وهذا ما اقترحه كورية كرصد لانقلاب معرفي ذي طابع فلسفي عميق. لقد قدّم نيوتن صياغة رياضية شاملة للطبيعة، واضعًا فيها قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجذب العام، ومبيّنًا كيف يمكن تفسير حركة الأجسام الأرضية والسماوية بالقوانين نفسها. هذه النقطة بالذات كانت ثورية، لأنها ألغت الفصل التقليدي بين عالم تحت القمر وعالم فوق القمر الذي ساد منذ أرسطو. ويمكن اعتبار هذا المثال تعبيرًا آخر، بالغ الدقة عن أفكار ألكسندر كورية، بل إن قراءة كورية لنيوتن تمثّل بالفعل ذروة تحليله لمسار تشكّل العلم الحديث. ما تقترحه هنا ينسجم تمامًا مع أطروحته الأساسية القائلة إن الثورة العلمية لم تكن مجرد تراكم تقني، بل تحولًا ميتافيزيقيًا في صورة العالم.
فكورية يرى أن كتاب نيوتن لا يمكن فهمه بوصفه مؤلفًا في الميكانيكا فقط، بل بوصفه مشروعًا فكريًا شاملًا يعيد تعريف ماهية الطبيعة ذاتها. الطبيعة عند نيوتن لم تعد كيانًا كيفيًا أو بنية هرمية مشحونة بالمعنى، بل أصبحت نظامًا كونيًا تحكمه قوانين رياضية عامة تعمل في فضاء متجانس وزمن مطلق. هذا التحول لا يخص الأدوات الرياضية وحدها، بل يطال الأسس الفلسفية التي يقوم عليها تصور العالم. وفي تحليله، تكمن أهمية نيوتن في أنه وحّد، لأول مرة، بين حركات سماوية وأرضية تحت نفس القوانين. سقوط حجر على الأرض ودوران القمر حولها يخضعان لقانون واحد هو قانون الجذب العام. هذا التوحيد يمثّل لحظة قطيعة مع التصور الوسيط الذي كان يفصل بين عالم علوي كامل وعالم سفلي ناقص. الكون النيوتني عند كورية هو كون بلا مستويات أنطولوجية مختلفة، تحكمه علاقات كمية قابلة للحساب أينما وُجدت.
ويُبرز كورية كذلك البعد الميتافيزيقي الخفي في كتاب نيوتن، فافتراض المكان المطلق والزمان المطلق ليس استنتاجًا تجريبيًا، بل خيارًا فلسفيًا ضروريًا لبناء النسق الرياضي. نيوتن، وإن أعلن رفضه للعلل الخفية، لم يتخلَّ عن الميتافيزيقا، بل أعاد صياغتها في صورة مفاهيم رياضية مجردة. بهذا المعنى، فإن العلم الحديث عند كورية لا يقصي الفلسفة، بل يحوّلها إلى بنية رياضية صامتة تعمل في خلفية القوانين.
هذا المثال يوضّح بدقة ما يسميه كورية رياضيات الطبيعة. فالطبيعة لم تعد تُفهم من خلال الغايات أو الصفات الجوهرية، بل من خلال المعادلات والعلاقات الرياضية. العالم يصبح قابلًا للتنبؤ والسيطرة لأن بنيته صارت متجانسة، قابلة للقياس، ومفتوحة أمام العقل الرياضي. هذا التحول لا يعني فقط تقدّمًا علميًا، بل تغيّرًا جذريًا في علاقة الإنسان بالعالم. لذلك، فإن قراءة نيوتن، تصيب جوهر فكر كورية. فنيوتن عنده ليس مجرد خاتمة تقنية لمسار بدأ مع غاليليو وكبلر، بل هي اللحظة التي اكتمل فيها الانقلاب المفهومي، من عالم مغلق ذي معنى هرمي إلى كون لامتناهٍ تحكمه قوانين رياضية عامة. بهذا المعنى، يصبح كتاب نيوتن المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية، وثيقة فلسفية بقدر ما هي علمية، وشاهدًا على أن العلم الحديث هو، في عمقه، إعادة بناء عقلية شاملة لصورة الواقع.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٥ منطق العلم نفسه لبيان أن علاقتنا بالطبيعة تتبدّل حين يتغير الإطار الفكري العام
وليس فقط في الفلك والميكانيكا يطبّق كوريه فكره؛ فقد استخدم أمثلة من منطق العلم نفسه لبيان أن علاقتنا بالطبيعة تتبدّل حين يتغير الإطار الفكري العام. فحين ينتقل المجتمع من تصور سماوي متدرّج إلى كونٍ لامتناهي يُمثَّل رياضيًا، تتبدّل أدوات المسألة، اللغة العلمية، طرق القياس، حتى ما يُعدّ تفسيرًا مقبولًا. بهذا الأسلوب يقدّم كوريه أمثلة تاريخية متعددة تُظهر أن النصوص العلمية (مقالات، رسائل، مذكرات) يجب قراءتها ضمن أفقها الفكري الخاص، لا بعين الحاضر. هذا الموقف دفع لاحقًا مفكرين مثل توماس كون إلى الاعتراف بأثر كوريه على فكرة البرادايم التي صاغها في كتابه بنية الثورات العلمية، ١٩٦٢م.
نعم، يمكن اعتبار هذا المثال تعبيرًا دقيقًا ومتكاملًا عن أفكار ألكسندر كورية، بل إنه يوسّع تطبيق فكره من تاريخ الفلك والميكانيكا إلى منطق تشكّل المعرفة العلمية نفسها، وهو ما كان كورية حريصًا عليه في مجمل أعماله. ما نطرحه هنا لا يخرج عن منهجه، بل يكشف عمقه الفلسفي. فكورية يرى أن العلم لا يتغير فقط عندما نكتشف وقائع جديدة، بل عندما يتغيّر الإطار الفكري الذي يجعل هذه الوقائع قابلة للفهم أصلًا. فالانتقال من كونٍ هرمي مغلق إلى كونٍ لامتناهٍ متجانس لا يغيّر صورة السماء فقط، بل يغيّر اللغة التي نصف بها الطبيعة، وأنماط الأسئلة التي نطرحها، والمعايير التي نحكم بها على صحة التفسير. فما كان يُعد تفسيرًا كافيًا في عالم أرسطي–وسيط يصبح بلا معنى في عالم نيوتني، والعكس صحيح.
في هذا السياق، يؤكد كورية أن أدوات العلم ليست محايدة. فمفاهيم مثل القانون، والسبب، والقوة، والحركة، تتغير دلالتها بتغيّر الإطار الميتافيزيقي العام. وبينما كان القانون الطبيعي في العالم الوسيط، تعبيرًا عن انتظام غائي أو ترتيب كوني ذي معنى، أصبح في العلم الحديث علاقة رياضية مجردة قابلة للتعميم اللامتناهي. هذا التحول لا يمكن رصده بالقياس وحده، بل بتحليل الخلفية الفلسفية التي تعمل في صمت خلف النصوص العلمية.
من هنا تأتي أهمية موقف كورية من قراءة النصوص التاريخية. فهو يرفض قراءتها بعين الحاضر أو محاكمتها بمعايير لاحقة، ويصرّ على ضرورة فهمها داخل أفقها المفهومي الخاص. فالتجربة، والمعادلة، وحتى البرهان، لا تحمل المعنى نفسه عبر العصور. لذلك يعامل كورية المقالات والرسائل والمذكرات العلمية بوصفها وثائق فكرية تكشف عن بنية عقلية، لا مجرد سجلات لنتائج تقنية. هذا المنهج هو ما جعل كورية يؤثر بعمق في فلسفة العلم اللاحقة، وخصوصًا عند توماس كون. ففكرة كون عن البرادايم، أي الإطار الذي يحدد ما يُعد مسألة علمية، وما يُعد حلًا، وما يُعد دليلًا، تحمل بصمة كورية بوضوح، حتى وإن صاغها كون بلغة سوسيولوجية وتاريخية أوسع. كون نفسه أقرّ بأن قراءاته لكورية كانت حاسمة في بلورة فكرته عن الثورات العلمية. وبهذا المعنى، فإن هذا المثال، لا يوضح فقط فكر كورية، بل يبيّن لماذا يُعد حلقة مفصلية بين تاريخ العلم وفلسفته. كورية لا يدرس العلم بوصفه تقنية ناجحة فحسب، بل بوصفه تحولًا في طريقة الإنسان في فهم العالم. ومن هنا تأتي قوته في إنه يذكّرنا بأن كل علم يفترض صورة ضمنية للواقع، وأن تغيّر هذه الصورة هو ما يصنع التحولات الكبرى في تاريخ المعرفة.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٦ ميكانيكا الكم مثالًا يوضح أطروحة كوريه
ترى مدرسة كورية أن ظهور ميكانيكا الكم لم يكن نتيجة تراكم في التجارب، بل نتيجة انقلاب جذري في المفاهيم العلمية نفسها. فمثلا، تأثير كومبتون وهو ظاهرة فيزيائية اكتُشفت عام ١٩٢٣م، على يد آرثر هولي كومبتون، تُعد من الأدلة الحاسمة على الطبيعة الجسيمية للضوء. فعند تسليط أشعة سينية ذات طول موجي قصير على مادة تحتوي على إلكترونات شبه حرة، لوحظ أن جزءًا من الإشعاع المتشتت يخرج بطول موجي أكبر من الطول الموجي الأصلي. هذا التغيّر لا يمكن تفسيره بالفيزياء الكلاسيكية على أن الضوء موجة، بل يفسَّر على أساس أن الفوتون يتصرف كجسيم يصطدم بإلكترون، فينقل إليه جزءًا من طاقته وزخمه. العلاقة الرياضية التي صاغها كومبتون بين زاوية التشتت والتغير في الطول الموجي قدّمت برهانًا تجريبيًا قويًا على أن الضوء يحمل كمية حركة، مما دعم مفهوم الفوتون الذي كان ما يزال مثار جدل آنذاك. وبهذا أجبر الفيزيائيين على قبول ازدواجية طبيعة الضوء جسيم- موجة. فبينما كانت ظاهرتي التداخل والحيود، تشير إلى الطبيعة الموجية، جاء تأثير كومبتون ليؤكد أن الضوء، في تفاعلات معينة، لا يمكن فهمه إلا بوصفه جسيمًا كموميًا. بهذا المعنى، مثّل التأثير نقطة تحول مفهومية في الفيزياء الحديثة، وأسهم في ترسيخ أسس ميكانيكا الكم بدل أن يكون مجرد تجربة إضافية ضمن تراكم تجريبي.
وتجارب فرانك–هيرتز، التي أُجريت عام ١٩١٤م، على يد جيمس فرانك وغوستاف هيرتز، كانت أول دليل تجريبي مباشر على تكميم الطاقة في الذرة. في هذه التجارب، تم تسريع إلكترونات داخل أنبوب يحتوي على بخار الزئبق، ثم تم قياس التيار الناتج. ولوحظ أن التيار ينخفض فجأة عند قيم محددة من طاقة الإلكترونات، ثم يعود للارتفاع، في نمط متكرر ومنتظم. هذا السلوك لا يمكن تفسيره إلا إذا افترضنا أن الإلكترونات لا تفقد طاقتها بشكل مستمر، بل في قفزات محددة عند إثارة ذرات الزئبق إلى مستويات طاقة أعلى. وبالتالي قدّمت تجارب فرانك–هيرتز دعمًا تجريبيًا مباشرًا لنموذج بورالذري، الذي افترض وجود مستويات طاقة منفصلة داخل الذرة. فقد أثبتت هذه التجارب أن الذرة لا تمتص الطاقة إلا بمقادير محددة، وأن البنية الداخلية للمادة محكومة بقوانين كمومية لا تسمح بالاستمرارية الكلاسيكية. وبذلك، أسهمت هذه التجارب في ترسيخ فكرة التكميم بوصفها مبدأً أساسيًا في وصف الطبيعة المجهرية، ومهّدت الطريق لتطور ميكانيكا الكم بوصفها إطارًا نظريًا جديدًا يتجاوز الفيزياء الكلاسيكية.
فظهور مفاهيم مثل الدالة الموجية، واللايقين، وتكميم الطاقة، كان في نظر كورية والمدرسة التي تلتْه، انتقالًا من عالم مفاهيم كلاسيكي يقوم على الحتمية، إلى عالم مفهومي جديد يقوم على الاحتمال والبنى الرياضية التجريدية. أن التجربة لا تخلق النظرية، بل تفسَّر من خلال النظرية، تمامًا كما قال في كتاباته عن غاليليو. أما الاتجاهات التجريبية أو الوضعية فترى أن ميكانيكا الكم جاءت بسبب تجارب مثل تأثير كومبتون وتجارب فرانك–هيرتز. وأن التراكم التجريبي هو الذي أجبر الفيزيائيين على تغيير تصورهم. بالتالي يمثّل تاريخ ميكانيكا الكم مثالًا دقيقًا على الفكرة الأساسية لدى كورية.
وهذا المثال يعتبر تطبيقًا مشروعًا ومعبّرًا عن أفكار ألكسندر كورية، مع تنبيهٍ منهجي مهم، كوريه نفسه لم يكتب دراسات تفصيلية موسعة عن ميكانيكا الكم كما فعل مع غاليليو أو نيوتن، لكن الطريقة التي تُقرأ بها ميكانيكا الكم هنا تنتمي بوضوح إلى روحه ومنهجه، وإلى ما يُسمّى عادة مدرسة كورية في تاريخ وفلسفة العلم.
ينطلق هذا المثال من الفكرة المركزية عند كورية، وهي أن التحولات الكبرى في العلم لا تُفهم بوصفها استجابة مباشرة لتراكم الوقائع التجريبية، بل بوصفها انقلابات في البنية المفهومية التي يُفكَّر بها في الطبيعة. في هذا الإطار، تُقرأ ميكانيكا الكم لا على أنها نتيجة سلسلة من التجارب المفاجئة فحسب، بل بوصفها انهيارًا تدريجيًا للإطار الكلاسيكي الذي كان يفهم العالم من خلال الحتمية، والاستمرارية، والتصور الميكانيكي البسيط للسببية. وفق هذا المنظور، فإن مفاهيم مثل الدالة الموجية، ومبدأ اللايقين، وتكميم الطاقة لا تمثّل حلولًا تقنية لمشكلات تجريبية معزولة، بل تعبّر عن انتقال إلى عالم مفهومي جديد بالكامل. هذا العالم لا يفترض أن الطبيعة تتصرف وفق مسارات محددة سلفًا، بل وفق بنى رياضية احتمالية لا يمكن ردّها إلى تصورات حسية مباشرة. هنا يظهر بوضوح ما كان كورية يؤكد عليه دائمًا، وهو أن الفيزياء الحديثة لم تعد تصويرًا للعالم، بل بناءً رياضيًا مجردًا.
في المقابل، تمثّل الاتجاهات التجريبية أو الوضعية، كما أشرت، قراءة مختلفة لتاريخ ميكانيكا الكم. فهي ترى أن التجارب مثل تأثير كومبتون، وتجارب فرانك–هيرتز، وأطياف الذرات هي التي فرضت نفسها على الفيزيائيين، وأجبرتهم على تعديل نظرياتهم. في هذه القراءة، النظرية تأتي متأخرة، بوصفها استجابة اضطرارية لوقائع لا يمكن إنكارها. لكن كوريه كان سيحذّر من هذا التفسير لأنه يُخفي السؤال الأعمق الذي يقول، لماذا لم تُفهم هذه التجارب داخل الإطار الكلاسيكي نفسه؟ ولماذا استدعت لغة جديدة بالكامل؟ من منظور كوريه، لا تصبح التجربة مُحرِجة أو ناقضة، إلا عندما يتغير الإطار المفهومي الذي تُفسَّر ضمنه. التجربة لا تتكلم بذاتها، بل تتكلم بلغة نظرية. وهذا بالضبط ما شدّد عليه في تحليله لغاليليو، من أن التجربة ليست نقطة البداية، بل لحظة داخل بناء عقلي أسبق. إسقاط هذا المبدأ على ميكانيكا الكم يوضّح أن التجارب لم تُنتج النظرية، بل كشفت حدود الإطار القديم وفتحت المجال لبناء إطار جديد.
بهذا المعنى، يصبح تاريخ ميكانيكا الكم مثالًا متأخرًا، لكنه بالغ الدلالة، على الفكرة الجوهرية لدى كوريه، في أن العلم يتقدّم عندما تتغيّر مفاهيمه الأساسية، لا عندما تتكدّس بياناته فقط. التحول من الفيزياء الكلاسيكية إلى الفيزياء الكمية يشبه، من حيث البنية، التحول من العالم الأرسطي إلى عالم غاليليو-نيوتن. في الحالتين، نحن أمام انقلاب في العقل العلمي، لا مجرد تحسين في دقة القياس. لذلك، فإن هذا المثال، لا يوضّح أفكار كورية فحسب، بل يبيّن أيضًا مدى خصوبة منهجه خارج سياقه التاريخي الأصلي. إنه يؤكد أن قراءة العلم بوصفه تاريخًا فكريًا تظل أداة تفسيرية قوية، حتى عند التعامل مع أكثر فروع الفيزياء حداثة وتجريدًا.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٧ مثال من نظرية النسبية العامة
تُظهر قصة أينشتاين مع النسبية، كيف يعمل الانقلاب المفهومي الذي يؤكد عليه كورية. فالنسبية لم تكن نتيجة تجارب مباشرة، بل نتاج تغيير كامل في الصورة العقلية للفضاء والزمن والجاذبية. وقد كتب أينشتاين نفسه التجربة قد تُرشد، لكنها لا يمكن أن تكون أصل المفهوم الأساسي. وهو تصريح يوافق تمامًا منهج كورية. فتجربة قياس انحراف ضوء النجوم أثناء الكسوف، جاءت لاحقًا لتأكيد نظرية صيغت أصلاً على مستوى عقلي، ورياضي صرف، مما يبرهن على أهمية الأطر المفهومية التي تحدث عنها كورية. نعم قصة أينشتاين، في هذا السياق، تُظهر كيف يمكن للتحولات الجذرية في الفهم العلمي أن تُنتج نتائج جديدة قبل أي تجارب تؤكدها، وهو ما يمثل صلب منهج كورية في قراءة التاريخ العلمي.
عند كورية، لا تُفسَّر التطورات العلمية الكبرى بوصفها تراكمًا تدريجيًا للبيانات التجريبية، بل كتحولات في الإطار المفهومي الذي يجعل تلك البيانات قابلة للفهم. في حالة النسبية، صاغ أينشتاين مفاهيم جديدة للفضاء والزمن والجاذبية، مستفيدًا من البنية الرياضية والفيزيائية السابقة، لكنه أعاد تنظيمها في تصور شامل جديد. فالمبادئ الأساسية، مثل تماثل القوانين الفيزيائية في كل الأطر العالية وسرعة الضوء الثابتة، لم تُستنبط مباشرة من تجارب، بل من إعادة تشكيل عقلية الفيزيائي حول ما يمكن أن يكون ممكنًا في الطبيعة. والتجربة، مثل رصد انحراف ضوء النجوم أثناء كسوف الشمس، لم تُنشئ النظرية، بل أكدت صحة بناء عقلي ورياضي صاغه أينشتاين مسبقًا. هذا يتوافق تمامًا مع تصريح أينشتاين نفسه، الذي ذكرنا للتو. هذا القول يلتقي مع ما كان كورية يشدّد عليه دائمًا من أن التجربة ليست البداية، بل عنصر ضمن نظام فكري أوسع يحدد معنى النتائج ويجعلها ذات قيمة تفسيرية.
من منظور كورية، تُظهر النسبية أن التغيير في العلوم لا يكون مجرد تحسين للأدوات أو زيادة في الدقة، بل تحوّل جذري في التصور العقلي للطبيعة. ما كان يُنظر إليه سابقًا كمسافة وزمن مطلقين أصبح الآن مرنًا ومتغيرًا وفق إطار مراقب. هذا الانقلاب المفهومي يوضّح الفكرة الجوهرية لكورية، من أن التغيير العلمي يبدأ في العقل البشري وفي بنية المفاهيم التي يستخدمها، وليس فقط في التجارب الميدانية أو الملاحظات المباشرة.
بهذا المعنى، قصة أينشتاين والنسبية ليست مجرد مثال على الفيزياء الحديثة، بل تطبيق عملي لمنهج كورية في فهم تطور المعرفة العلمية. إنها تُبرز كيف يمكن للأطر المفاهيمية الجديدة أن تسبق التجربة وأن تحدد طبيعة الأسئلة والأدوات والمقاييس التي ستصبح مقبولة لاحقًا.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٨ مثال الهندسة اللا إقليدية
في نظر كورية، ظهور الهندسات اللا إقليدية يمثل ثورة مفهومية ليست مرتبطة بأي واقع تجريبي. فغوص ريماّن وبولياي ولوباتشيفسكي في هندسات بديلة لم يأت استجابة لتجربة، بل جاء من تحول في قدرة العقل على تصور شكل الفضاء. ثم لاحقًا أثبتت النسبية العامة أن الفضاء الفعلي أقرب إلى هندسة ريمان، مما يجعل المفاهيم العقلية تسبق التجربة وتفسّرها، وهو نوع الدليل التاريخي الذي يحب كورية الاعتماد عليه. فريمان وبولياي ولوباتشيفسكي هم ثلاثة من كبار الرياضيين في القرن التاسع عشر، ويُعدّون الروّاد المؤسِّسين لما يُعرف بـ الهندسات اللاإقليدية، أي تلك التي كسرت احتكار هندسة إقليدس بوصفها الوصف الوحيد الممكن للفضاء.
فنيكولاي إيفانوفيتش لوباتشيفسكي ١٧٩٢م، عالم الرياضيات الروسي، يُعد أول من نشر بشكل منهجي هندسة متكاملة تقوم على رفض مسلّمة التوازي الإقليدية. في هندسته، يمرّ من نقطة خارج مستقيم عدد لا نهائي من المستقيمات التي لا تقطعه، على عكس إقليدس. هذه الهندسة عُرفت لاحقًا باسم الهندسة الزائدية. أهمية لوباتشيفسكي أنه أثبت أن من الممكن بناء نسق هندسي كامل ومتسق منطقيًا دون الاعتماد على مسلّمات إقليدس، وهو ما كان يُعد ضربًا من المستحيل لقرون طويلة.
وتوصل يانوش بولياي، ١٨٠٢م، الرياضي المجري، بشكل مستقل تقريبًا إلى النتائج نفسها التي وصل إليها لوباتشيفسكي، ونشر أفكاره عام ١٨٣٢م، في ملحق شهير بكتاب والده في الهندسة. بولياي كان واعيًا تمامًا بالطابع الثوري لاكتشافه، حتى إنه كتب أنَّه خلق عالمًا جديدًا من لا شيء. هذه العبارة بالذات يحب مؤرخو العلم، ومنهم كورية، الاستشهاد بها لأنها تعبّر عن الطابع المفهومي الخالص للهندسة اللاإقليدية.
أما برنارد ريمان ١٨٢٦م، وهو الرياضي الألماني، فقد نقل الثورة الهندسية إلى مستوى أعمق. ففي محاضرته الشهيرة عام ١٨٥٤م، بعنوان عن الفرضيات التي تقوم عليها الهندسة، لم يكتفِ برفض مسلّمة التوازي، بل أعاد التفكير في مفهوم الفضاء نفسه. عند ريمان، الفضاء ليس كيانًا ثابتًا مسبقًا، بل بنية قابلة للتحديد بوساطة المقاييس، وقد يكون منحنياً. هذه هي الهندسة الإهليلجية/الريمانية التي سمحت لاحقًا بتمثيل الفضاء المنحني.
ومن منظور كورية، لا تكمن أهمية هؤلاء الثلاثة في إنجازهم الرياضي، فقط، بل في الدلالة الفلسفية لعملهم. فهم برهنوا تاريخيًا أن العقل قادر على ابتكار أطر تصورية للفضاء لا تستند إلى أي تجربة حسية مباشرة. الهندسة هنا لا تصف العالم كما يُعطى، بل تخلق عوالم ممكنة رياضيًا. ولاحقًا، جاءت النسبية العامة عند أينشتاين ١٩١٥م، لتستخدم هندسة ريمان في وصف الجاذبية والفضاء-الزمان، مؤكدة ما كان كورية يؤكد عليه دائمًا، وهي أن المفاهيم الرياضية تسبق التجربة، والتجربة تأتي لتأويلها والتحقق من ملاءمتها للطبيعة. لهذا تُعد أعمال ريمان وبولياي ولوباتشيفسكي مثالًا نموذجيًا على الانقلاب المفهومي، الذي يشكّل جوهر قراءة كورية لتاريخ العلم.
ويمكن اعتبار هذا المثال توضيحًا مباشرًا لمنهج ألكسندر كورية في فهم الانقلابات المفهومية في العلم. ما يوضحه هنا ليس مجرد تحول رياضي، بل إعادة تشكيل للعقل العلمي نفسه، وهو جوهر ما كان كورية يركز عليه في قراءة تاريخ العلم. فوفقًا لكورية، ظهور الهندسات اللاإقليدية لم يكن نتيجة تراكم بيانات أو تجارب، بل نتاج تغيير في القدرة المفهومية للعقل البشري على تصور الفضاء. الرياضيون مثل رييمان وبولياي ولوباتشيفسكي لم يتلقوا إشارات تجريبية تدعوهم لتغيير الهندسة، بل طوروا نماذج رياضية بديلة استنادًا إلى التفكير العقلي المجرد والبحث عن انسجام داخلي في المفاهيم. هذه الخطوة تمثل انقلابًا في بنية التفكير الرياضي، إذ أصبحت الأفكار التجريدية قادرة على إنتاج نظم كاملة قابلة للتحقق لاحقًا، حتى قبل أن يُكتشف ما يتوافق معها في الواقع.
تأكيد النسبية العامة لاحقًا بأن الفضاء الفعلي يتصرف وفق هندسة ريمان يجعل هذه العملية نموذجًا حيًا للطريقة التي وصفها كورية، من أن المفاهيم العقلية تسبق التجربة وتفسّرها. التجربة هنا لا تُنشئ النظرية، بل تؤكد صحة بنية فكرية مسبقة. هذا يعكس فكرة كورية الأساسية بأن التغيير العلمي ليس تراكمًا تدريجيًا للوقائع، بل انقلابًا في الإطار المفاهيمي الذي يعطي معنى للوقائع. يمكننا من خلال هذا المثال أن نفهم كيف يتيح منهج كورية رؤية التطورات العلمية كتحولات في القدرة العقلية على التمثيل والتصور، سواء في الفيزياء، أو الرياضيات، أو العلوم الطبيعية. إن الثورة المفهومية في الهندسات اللاإقليدية توضح أن الفهم العلمي يتقدم عندما يغير العلماء إطار التفكير، وليس فقط عندما يجمعون المزيد من البيانات التجريبية. هذا يضع الهندسات اللاإقليدية كنموذج تاريخي حيوي لمنهج كورية في التعامل مع العلم كحقل فكري قبل أن يكون مجموعة أدوات وتجارب.
٤.٤.١.٣.٢.١١.١.٩ مقارنة بعض العلماء والمفكرين الآخرين وكورية
تبدأ المقارنة الزمنية والفكرية من ألكسندر كورية، الذي يُعد من أوائل من أدخلوا البعد الفلسفي العميق إلى دراسة تاريخ العلوم. فلقد كتب كورية في النصف الأول من القرن العشرين، متأثرًا بالمثالية الألمانية والفكر الفينومينولوجي، وكان يرى أن التحولات العلمية الكبرى لا يمكن فهمها فقط كتراكم للمعارف أو تطور للأدوات، بل يجب أن تُفهم كتغير في الرؤية الميتافيزيقية للعالم. ففي قراءته لغاليليو مثلًا، لا يراه مجرد عالم تجريبي، بل مفكرًا قلب البنية المفهومية التي ورثها من أرسطو، إذ استبدل فكرة العالم المملوء بالصفات، بعالم منظم وفق كميات وقوانين رياضية. وعند نيوتن، اعتبر كورية أن الثورة لم تكن فقط في قوانين الحركة، بل في تأسيس تصور جديد عن الفضاء واللانهاية والطبيعة كنسق عقلاني متجانس. هذه القراءة جعلت كورية أحد مؤسسي ما يمكن تسميته بـ التاريخ الإبستمولوجي للعلم، حيث الفكرة العلمية تُفهم في ضوء الإطار الفكري الذي تنتج داخله.
أما غاستون باشلار، الذي جاء بعد كورية زمنيًا وامتد فكره إلى منتصف القرن العشرين، فقد تبنى رؤية قريبة لكن أكثر ديناميكية. رأى باشلار أن تاريخ العلم لا يسير خطيًا، بل عبر ما سماه القطيعات الإبستمولوجية، أي اللحظات التي يتجاوز فيها الفكر العلمي تصوّراته السابقة بقطع جذري معها. فإذا كان كورية يتحدث عن تحوّل في الرؤية الميتافيزيقية، فإن باشلار يتحدث عن تطهر عقلي من العوائق المعرفية. ففي حالة غاليليو مثلًا، لم يكن مجرد ملاحظ دقيق للطبيعة، بل مفكر تحرر من التجربة الأولى أو الحسّ المشترك، ليؤسس مفهومًا جديدًا للواقع يقوم على التجريد الرياضي. وفي حالة نيوتن، يرى باشلار أن ظهور الميكانيكا الكلاسيكية كان نتيجة تراكم تجاوزات متتالية للعوائق، لا نتيجة استمرارية فكرية كما ظن المؤرخون التقليديون.
وفي الستينيات، جاء توماس كون ليمنح هذا التصور التاريخي بنية أكثر منهجية من خلال مفهوم الباراديم الشهير، أو النموذج الإرشادي، في كتابه بنية الثورات العلمية١٩٦٢م. استلهم كون من كورية وباشلار الفكرة الأساسية عن التحول الجذري، لكنه صاغها بلغة أكثر تاريخية وسوسيولوجية. فالثورة العلمية عنده لا تعني فقط القطيعة المعرفية، بل أيضًا تحول المجتمع العلمي نفسه في معاييره ومفاهيمه وأمثلتِه النموذجية. وفي قراءته لغاليليو، ركّز كون على انتقال المجتمع العلمي من نموذج أرسطوطاليسي وصفي إلى نموذج تجريبي رياضي جديد، بينما مثّل نيوتن في نظره اكتمال هذا النموذج واستقراره داخل ما سماه العلم العادي. ومع ذلك، رأى كون أن الانتقال بين النماذج لا يخضع لمنطق برهاني صارم، بل يشبه التحول الثقافي، مما جعله في موضع وسط بين الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع.
ثم يأتي إيمري لاكاتوش، الذي كتب في أواخر الستينيات والسبعينيات متأثرًا ببوبر وكون في آن واحد، ليحاول التوفيق بين البعد العقلاني عند بوبر والبعد التاريخي عند كون. فرفض فكرة كون القائلة بأن التحولات العلمية غير عقلانية تمامًا، وفي الوقت نفسه اعتبر أن تصور بوبر للتكذيب الصارم غير واقعي تاريخيًا. ومن هنا جاء مفهومه البرامج البحثية العلمية، حيث يُنظر إلى العلم كسلسلة من التطورات داخل برامج لها نواة صلبة، من الفرضيات الأساسية وحزام واقٍ، من الفروض المساعدة التي تتغير مع الزمن. وفي دراسته لحالة نيوتن، رأى أن البرنامج النيوتوني ظل تقدميًا طالما استطاع تفسير ظواهر جديدة، لكنه أصبح متراجعًا مع ظهور برنامج أينشتاين النسبي. بهذا جمع لاكاتوش بين منطق الاكتشاف التاريخي ومنهجية التبرير الفلسفي، مما جعله جسراً بين عقلانية بوبر النقية ونسبية كون التاريخية.
أما إيان كوهين، المؤرخ الأمريكي للعلم والمتخصص في أعمال نيوتن، فقد مثّل في الخمسينيات والستينيات تيارًا تاريخيًا موازياً لكون ولاكاتوش، لكنه أكثر تركيزًا على التحليل الوثائقي الدقيق. رأى كوهين أن العلم لا يتطور فقط عبر القطيعات أو البرامج، بل أيضًا من خلال تفاعل متواصل بين النظرية والممارسة والتقنية. في دراسته لغاليليو ونيوتن، ركز على الطريقة التي طورت بها الأدوات التجريبية والمفاهيم الرياضية بعضها بعضًا، وأوضح أن الثورة العلمية لا يمكن فصلها عن البيئة الثقافية والمؤسساتية التي أحاطت بها. لذا، يمكن اعتباره صوتًا واقعيًا ومكمّلًا للمقاربات الفلسفية التي قدّمتها بقية الأسماء.

يمكن القول إن كورية قدّم واحدًا من أكثر المواقف تأثيرًا في تاريخ وفلسفة العلوم، لأنه أعاد تعريف العلم بوصفه تغيرًا في الصورة العقلية للعالم لا مجرد تراكم للملاحظات. ومن هنا يختلف كورية جذريًا عن الاتجاهات التجريبية والوضعية، التي ترى أن العلم يعتمد أساسًا على البيانات. فبينما يؤمن الوضعيون أن التجربة هي أصل المعرفة، يرى كورية أن التجربة نفسها لا يمكن فهمها إلا من خلال مفاهيم سابقة. تجربة غاليليو في سقوط الأجسام، في نظره، لم تكن ممكنة إلا بعد أن اخترع عقليًا عالمًا رياضيًا ثم أسقطه على الواقع.
أما بالمقارنة مع توماس كون، فكلاهما يشتركان في تصور العلم كتحولات جذرية، لا كتطور مستمر. لكن بينما يركز كون على الجانب الاجتماعي والثقافي، أي كيف يغيّر العلماء اتفاقاتهم الجماعية، يركز كورية على التحول في البنية العقلية والرياضية للعلم. فكون يتحدث عن تبدل البرادايم وكورية يتحدث عن تبدل عالم المعقول. هذا يقربه أكثر للفينومينولوجيا، حيث المفهوم يحدد المجال الممكن للفهم.
كما يختلف كورية عن فييرابند؛ فالأخير يجعل المعرفة العلمية فوضوية، بينما يصرّ كورية على أن العقل له بنية، وأن الثورات العلمية ليست عشوائية، بل تتبع منطقًا داخليًا في تطور المفاهيم.
أما تأثيره على لاتور والمدرسة المادية الجديدة، فظهر في فكرة أن العالم يُعاد بناؤه، عبر الممارسات العلمية. بينما يضيف لاتور أن الأشياء نفسها تشارك في إنتاج المعرفة المنعطف المادي، يبقى كورية داخل إطار معرفي عقلاني يرى أن التاريخ الفكري هو جوهر فهم التحولات العلمية.
باختصار، تميز كورية بأن جعل العلم نشاطًا عقليًا- مفهوميًا قبل أن يكون تجريبيًا–اجتماعيًا، وبذلك أثّر على فلسفة العلم في القرن العشرين بأثر يشبه أثر كوبرنيكوس في الفلك، في تحويل مركز الاهتمام من التجربة إلى المفهوم، ومن الملاحظة إلى الصورة العقلية للعالم. الجدول ٣٩ يلخص مقارنة كورية مع العلماء لآخرين، والجدول ٤٠ يوضح مواقف العلماء ومن بينهم كورية واسهاماتهم.

٤.٤.١.٣.٢.١٢ آناليس ماير الشخصية المفصلية في التخلي عن السرديات السطحية
تُعد آناليس ماير، ١٩٧١م، واحدة من أبرز مؤرخي العلوم والفلسفة في القرن العشرين، وقد تميّزت بقدرتها الفريدة على الجمع بين
التحليل الفلسفي العميق والالتزام الصارم بتحليل النصوص الأصلية من حيث لغتها، وألفاظها، وبنيتها، وسياقها التاريخي، دون إسقاط معانٍ لاحقة أو مفاهيم معاصرة عليها، وهي القراءة الدقيقة للنص في لغته وزمنه وثقافته، لا في ضوء ما نعرفه اليوم فقط (وهذا ما يسمى بالدقة الفيلولوجية). تلقت تكوينها العلمي في الفلسفة وتاريخ العلوم في الجامعات الألمانية، ضمن تقليد أكاديمي صارم يُعلي من شأن دراسة النصوص الأصلية وتحليل المفاهيم في سياقاتها التاريخية. هذا التكوين جعلها تتحرر من السرديات التبسيطية الشائعة حول نشأة العلم الحديث، وأكسبها حسًّا نقديًا مكّنها من مساءلة فرضية القطيعة الجذرية بين العصور الوسطى والعصر الحديث.
انصبت مساهمات ماير الأساسية على الفلسفة الطبيعية في أواخر العصور الوسطى، ولا سيما النقاشات المدرسية (السكولاستيكية) المتعلقة بالحركة، والسرعة، والسببية، وبنية القوانين الطبيعية. ومن خلال دراساتها الموسعة، بيّنت أن كثيرًا من المفاهيم التي نُسبت تقليديًا إلى غاليليو ونيوتن لها سوابق نظرية دقيقة في أعمال مفكرين وسيطيين، مثل جون بوريدان ونيكول أورسم. وهما من أبرز فلاسفة الطبيعة في أواخر العصور الوسطى (القرن الرابع عشر)، ويُعدّان حلقتين أساسيتين في السلسلة الفكرية التي مهّدت لعلم الحركة الحديث عند غاليليو ولاحقًا نيوتن. لا بد أن نؤكد هنا، أن أهميتهما لا تنبع ويجب أن لا تفهم منطلقين من وصفهما أساتذة مباشرِين لهؤلاء، بل بوصفهما مصدرًا مفاهيميا غير مباشر أثّر في البنية النظرية التي اشتغل عليها العلم الحديث.
فجون بوريدان، ١٣٥٨م كان فيلسوفًا ومدرّسًا في جامعة باريس، وبرز خصوصًا بنقده لفيزياء أرسطو في مسألة الحركة. وكان إسهامه الأشهر هو تطوير نظرية الدفع، التي تقول إن الجسم المتحرك يكتسب مقدارًا من الدفع يستمر معه بعد زوال القوة المحركة، ولا يتوقف إلا بسبب مقاومة الوسط. هذه الفكرة كسرت التصور الأرسطي القائل إن الحركة تحتاج إلى محرّك حاضر دائمًا. ورغم أن الدفع عند بوريدان لا يمثل القصور الذاتي بالمعنى الذي اتى به نيوتن، الا إنه يمثل خطوة حاسمة في الاتجاه نفسه.
وعند تتبع علاقة بوريدان بغاليليو ونيوتن، نجد أنها ليست بعلاقة نقل نصي مباشر، بل علاقة تأثير مفاهيمي تاريخي. فغاليليو حين صاغ مبدأ القصور الذاتي بصيغة رياضية وتجريبية، كان يعمل داخل أفق فكري سبق أن تزعزع فيه النموذج الأرسطي بفضل أمثال بوريدان. أما نيوتن، فقد بلور هذا المسار نهائيًا حين صاغ قانون القصور الذاتي بصيغته الدقيقة، محوّلًا فكرة الدفع الوسيطية إلى مبدأ فيزيائي عام مستقل عن الوسط.
أما نيكول أورسم ، ١٣٨٢م فكان عالمًا موسوعيًا وفيلسوفًا، ورياضيًا، ولاهوتيًا، ومستشارًا للملك الفرنسي. وكان إسهامه الأبرز يتمثل في إدخال التمثيل الرياضي-الهندسي للحركة. فقد ابتكر طريقة لتمثيل تغير السرعة مع الزمن باستخدام أشكال هندسية تشبه إلى حد بعيد الرسوم البيانية الحديثة، حيث يمثَّل الزمن على محور، والسرعة أو الشدة على محور آخر. هذه المقاربة سمحت بالتفكير في الحركة بوصفها كمية قابلة للتمثيل الرياضي، لا مجرد وصف كيفي.
وفي هذا الجانب تظهر علاقة أورسم بغاليليو بوضوح. فغاليليو لم يكن أول من ربط الحركة بالرياضيات، بل أول من وحّد بين التمثيل الرياضي والتجربة المنهجية. فأورسم مهّد الطريق نظريًا، وغاليليو حوّل هذا التمهيد إلى علم فيزيائي مكتمل. أما نيوتن، فقد ورث هذا التراكم وصاغه بلغة رياضية أكثر تجريدًا وشمولًا، مستخدمًا الهندسة والتحليل الرياضي لتأسيس الميكانيكا الكلاسيكية. ومن اللافت أن أورسم ناقش أيضًا، على نحو نظري، إمكانية حركة الأرض، معتبرًا أن الحجج الفيزيائية ضدها ليست قاطعة، حتى إن لم يتبنَّ النموذج الكوبرنيكي صراحة.
المقصود بهذا، أن أورسم اتخذ موقفًا فلسفيًا–فيزيائيًا متقدمًا جدًا قياسًا بسياق القرن الرابع عشر، من دون أن يكون كوبرنيكيًا قبل كوبرنيكوس، بالمعنى الحرفي. فهو لم يقل صراحة بدوران الأرض حول الشمس، لكنه فكّك الأسس الفيزيائية والفلسفية التي كانت تُستَخدم لإثبات سكون الأرض، وبيّن أنها ليست براهين حاسمة كما كان يُعتقد. وبذلك فأورسم ميّز بين البرهان الفيزيائي والبرهان الميتافيزيقي أو اللاهوتي. فالحجج الشائعة ضد حركة الأرض في الفلسفة الأرسطية كانت تقول إن الأرض، بوصفها أثقل الأجسام، يجب أن تكون في مركز الكون وساكنة فيه، لأن الحركة الطبيعية للأجسام الثقيلة هي نحو المركز لا حوله. أورسم ناقش هذه الفكرة وبيّن أن القول بسكون الأرض ليس نتيجة ضرورة فيزيائية لا تقبل النقض، بل هو اختيار نظري منسجم مع تصور كوني معيّن، ويمكن تخيّل بدائل له دون الوقوع في تناقض منطقي. وأيضا، استخدم أورسم ما يمكن تسميته اليوم مبدأ نسبية الحركة بصيغة مبكرة. فقد قال إن الظواهر التي نلاحظها في السماء، كحركة النجوم اليومية، يمكن تفسيرها على نحوين متكافئين، وهما إما أن تكون السماء هي التي تدور حول الأرض، أو أن تكون الأرض هي التي تدور بينما السماء ثابتة. ومن داخل التجربة الحسية المباشرة لا يمكن الجزم بأحد التفسيرين، لأن الملاحِظ الموجود على الأرض لا يملك معيارًا مطلقًا للتمييز بين الحركة والسكون. هذا التفكيك يضرب في الصميم الادعاء بأن الحسّ المشترك أو المشاهدة اليومية تحسم المسألة. كما ناقش أورسم اعتراضًا فيزيائيًا كلاسيكيًا مشهورًا ضد حركة الأرض، وهو حجة المقذوفات الذي يقول بأنه، لو كانت الأرض تتحرك، لكان الحجر المقذوف عموديًا لا يعود إلى موضعه نفسه. أورسم ردّ بأن الحجر يشترك في حركة الأرض قبل قذفه، وبالتالي يحتفظ بها أثناء حركته، فلا يظهر أي انحراف ملحوظ. هذا التحليل يقترب كثيرًا من فكرة القصور الذاتي أو حفظ الحركة التي ستتبلور لاحقًا عند بوريدان ثم غاليليو. ويمكن ملاحظة امتناع أورسم عن تبنّي نموذج بديل صريح كسيناريو كوبرنيكوس لاحقًا. و يبدوا أن السبب في ذلك ليس عجزًا في التحليل الفيزيائي، بل إدراكه أن الاختيار بين سكون الأرض وحركتها يتجاوز الفيزياء إلى مجمل الإطار الكوني–الفلسفي السائد آنذاك، بما فيه اللاهوت وتفسير النصوص الدينية. لذلك حافظ على القول التقليدي بسكون الأرض بوصفه الأرجح اجتماعيًا ولاهوتيًا، لا لأنه مُلزِما علميًا.
من هنا، يمكننا القول إن أورسم يرى إن الحجج الفيزيائية ضد حركة الأرض ليست قاطعة، يعني أنه فصل بين ما هو قابل للبرهنة الفيزيائية وما هو موروث تصوري، وفتح الباب أمام إمكانات نظرية جديدة دون أن يقفز خارج أفق عصره. وهذا بالضبط ما يجعل أورسم شخصية محورية في تاريخ الفكر العلمي، فلقد زعزع المسلّمات من الداخل، ومهّد مفاهيميا لما سيأتي لاحقًا عند غاليليو وكوبرنيكوس، من غير أن يعلن الثورة كاملة بنفسه. وهذا الاستعداد الفكري لزعزعة المسلّمات الكونية الأرسطية هو جزء من المناخ الذهني الذي جعل الثورة العلمية ممكنة لاحقًا.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.١ ماير وإعادة الاعتبار للعقلانية الوسيطة
في ضوء أطروحات آناليس ماير، يُمثّل بوريدان وأورسم دليلان قويان على أن الثورة العلمية لم تكن قطيعة مفاجئة مع الماضي، بل ذروة لمسار طويل من التحولات المفهومية. فغاليليو ونيوتن لم يهدموا بناءً خاليًا، بل أعادوا تنظيم مواد فكرية كانت قيد التشكل منذ قرون. ولهذا فالعلاقة بين هؤلاء ليست علاقة سبق وتأخر زمني فحسب، بل علاقة استمرارية عقلانية في تاريخ التفكير العلمي. بهذا المعنى، أعادت ماير الاعتبار للعقلانية الوسيطة، وأظهرت أنها لم تكن عائقًا أمام العلم، بل كانت أحد شروط إمكانه. فالعقلانية الوسيطة هي ذلك النمط من التفكير الذي ساد في العصور الوسطى، ويقوم على التعامل مع الطبيعة والعالم بوصفهما قابلين للفهم بالعقل، ولكن ضمن أطر مفاهيمية ومنهجية تختلف عن العقلانية الحديثة. فهي عقلانية لا تفصل بين الفلسفة والطبيعيات والرياضيات واللاهوت فصلًا قاطعًا، ولا ترى في العقل أداة تجريبية محضة، بل قوة تحليلية تعمل عبر المفاهيم، والتمييزات الدقيقة، والاستدلال المنطقي، وربط الظواهر بمبادئ عامة. هذه العقلانية كانت عقلانية اشتغال فكري جاد، لا مجرد تكرار حرفي للسلطة الأرسطية كما شاع في الصورة النمطية عنها. في السردية الحديثة الشائعة، صُوِّرت العصور الوسطى بوصفها زمنًا للجمود والسلطة النصية، حيث طغى النقل على العقل، ولم يبدأ التفكير العلمي الحقيقي إلا مع الثورة العلمية في القرن السابع عشر. هذه الصورة، التي ترسخت عند مفكرين مثل إتيان بونو دو كوندياك وأوغست كونت وهما مفكّران فرنسيان لعب كلٌّ منهما دورًا مهمًا في تكريس صورةٍ اختزالية عن تاريخ العقلانية. فكوندياك وكونت لم يكتفيا بتقديم نظريات فلسفية في المعرفة أو في تطور العلم، بل أسهما بقوة في صياغة سردية تاريخية معيّنة عن العقل نفسه. هذه السردية قدّمت تاريخ الفكر الإنساني بوصفه مسارًا خطّيًا تصاعديًا، بحيث تُفهم الحداثة العقلانية على أنها قطيعة تامة مع العصور الوسطى التي تشكل المرحلة المظلمة، وليست امتدادًا معقّدًا لها. وهنا بالضبط يأتي دور آناليس ماير في إعادة النظر الجذرية في هذا الحكم.
فماير أعادت الاعتبار للعقلانية الوسيطية عبر العودة الصارمة إلى النصوص العلمية نفسها، لا عبر السرديات الفلسفية العامة. من خلال تحليلها الفيلولوجي الدقيق لأعمال علماء القرن الرابع عشر، مثل بوريدان، أورسم، وألبرت الساكسوني، أظهرت أن هؤلاء لم يكونوا شارحين سلبيين لأرسطو، بل مفكرين مارسوا نقدًا داخليًا عقلانيًا عميقًا للفيزياء الأرسطية، مستخدمين مفاهيم جديدة مثل الدفع، والميل، وتغير الشدة، والكمية المتغيرة. هذا الاشتغال يدل على عقلانية تحليلية حقيقية، لا على مجرد حفظ أو تقليد.
أبرز ما كشفته ماير هو أن العقلانية الوسيطية كانت عقلانية مشغولة بحل مشكلات حقيقية داخل الإطار النظري المتاح لها. فبدل أن تتجاهل التناقضات، كانت تعالجها عبر تمييزات مفاهيمية دقيقة، وتعديلات نظرية محسوبة، واختبارات فكرية. هذا النوع من العقلانية لا يشبه العقلانية التجريبية الحديثة، لكنه لا يقل عنها صرامة من حيث الالتزام بالاتساق المنطقي وتفسير الظواهر. كما بينت ماير أن كثيرًا من الأدوات المفهومية التي استُخدمت لاحقًا في الفيزياء الحديثة لم تظهر فجأة، بل تبلورت داخل هذا العقل الوسيطي. فالانتقال إلى التفكير في الحركة بوصفها كمية قابلة للتدرج والقياس، والحديث عن تغير السرعة، وتمثيل الشدة عبر مخططات هندسية عند أورسم، كلها شواهد على عقلانية لا تكتفي بالوصف الكيفي، بل تسعى إلى التحليل الكمي ضمن الإمكانات المتاحة.
بهذا المعنى، لم تُعد ماير الاعتبار للعقلانية الوسيطية عبر الادعاء بأنها كانت حديثة قبل أوانها، بل عبر إظهار أنها كانت عقلانية مكتملة في شروطها التاريخية الخاصة. هي عقلانية لا تُقاس بمعايير نيوتن أو غاليليو، بل بمعايير قدرتها على توليد مفاهيم، ومواجهة مشكلات، وبناء استمرارية فكرية حقيقية. والنتيجة الأهم في مشروع ماير هي تقويض ثنائية العقل/اللاعقل التي استُخدمت لتبرير قطيعة حادة بين العصور الوسطى والعلم الحديث. فالعقلانية الوسيطية، كما أعادت ماير رسمها، ليست نقيضًا للعقلانية الحديثة، بل إحدى حلقاتها التكوينية. ومن دون هذا الاعتراف، يبقى تاريخ العلم سردية مبتورة، تُضخِّم لحظة الثورة وتُغفل العمل العقلي الطويل الذي جعلها ممكنة.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢ وللعرب اسهاماتهم
فكما كان لبورديان اسهاماته في تطوير نظرية الدفع، ويحسب لماير الرجوع اليه وقرأة ما قاله عن الدفع، كذلك ينبغي لنا استحضار ما قاله غير بورديان ممن سبقوه في هذا المجال. فلنظرية الدفع جذور واضحة ومتعددة في التراث العلمي العربي-الإسلامي، بعضها صريح وبعضها ضمني، وقد سبقت بوريدان زمنيًا ومفاهيميًا في كسر التصور الأرسطي للحركة.
في الفيزياء الأرسطية الكلاسيكية، كانت المشكلة الأساسية هي تفسير استمرار الحركة بعد انفصال الجسم عن محرّكه، كما في السهم بعد مغادرته القوس. أرسطو فسّر ذلك بحركة الوسط (الهواء) الذي يدفع الجسم المتحرك، وهو تفسير واجه اعتراضات مبكرة. هذا الإشكال نفسه كان حاضرًا بقوة في نقاشات العلماء المسلمين منذ القرن التاسع الميلادي، لا بوصفه جدلًا فلسفيًا مجردًا، بل بوصفه مسألة فيزيائية مرتبطة بالرمي، والسقوط، والمقذوفات.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.١ الكندي وابتكاره لفكرة الدفع
ويُعد أبو إسحاق الكندي ٨٦٦م، أول من عبّروا عن فكرة قريبة من الدفع، حين ميّز بين القوة المُحدِثة للحركة والقوة التي تبقى في الجسم بعد انفصال المؤثر. ففي رسائله في الحركة، يشير إلى أن الجسم المقذوف يكتسب أثرًا من الفاعل يستمر معه زمنًا، وإن لم يصغ ذلك في نظرية مكتملة. هذه الفكرة تقوّض ضمنيًا رأي أرسطو بأن الحركة تحتاج إلى محرّك حاضر دائمًا. ما قدّمه أبو إسحاق الكندي يمثّل بالفعل إحدى أقدم الصياغات الفلسفية-الطبيعية لفكرة قريبة من مفهوم الدفع. ولذا سنفرد لها بعض فقرات للتفصيل في إنجازاته ومساهماته، حتى وإن لم تتحول عنده إلى نظرية مكتملة الأركان.
فأبو إسحاق الكندي، وبالرغم من وجود أراء أخرى تقول بخلاف ذلك، إلا أنه يعتبرعند بعض المؤرخين أول فيلسوف عربي، وكان مشروعه العلمي يقوم على إدخال الفلسفة الطبيعية والرياضية اليونانية في سياق إسلامي عقلاني، مع إعادة صياغتها وليس مجرد نقلها. اهتمامه بالحركة جاء ضمن اشتغاله الأوسع على مفاهيم القوة، والزمان، والمكان، والكم، وهي مفاهيم رآها أساسية لفهم الطبيعة على نحو عقلي منسق. ونجد في رسائله المتعلقة بالحركة والطبيعيات، أن الكندي يميّز بوضوح بين القوة التي تُحدِث الحركة وبين الأثر الذي يبقى في الجسم المتحرك بعد زوال الفاعل. هذا التمييز بالغ الأهمية تاريخيًا، لأنه يكسر افتراض ارسطو القائل إن الحركة لا تستمر إلا بوجود محرّك مباشر وحاضر. فعند الكندي، الفاعل لا يظل ملازمًا للفعل، بل يترك أثرًا في الجسم يكون هو السبب في استمرار الحركة. هذا الأثر الذي يكتسبه الجسم المقذوف لا يسمّيه الكندي مصطلحًا تقنيًا ثابتًا مثل الدفع أو الميل، لكنه يتحدث عنه بوصفه قوة مكتسبة أو أثرًا فعليًا ينتقل من المحرّك إلى المتحرّك. استمرار الحركة، وفق هذا التصور، ليس معجزة ولا فعلًا للوسط، بل نتيجة طبيعية لبقاء هذا الأثر زمنًا محدودًا، إلى أن يزول بسبب مقاومة الوسط أو ضعف القوة المكتسبة.
اللافت في معالجة الكندي أنه لا يحاول تفسير الظاهرة تفسيرًا كيفيًا صرفًا، بل يربطها بفهمه العام للقوة بوصفها مقدارًا يمكن أن يشتد أو يضعف. فالحركة عنده ليست حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية تخضع للتغير والتناقص. هذا التصور يمهّد لفكرة أن توقف الجسم لا يحدث فجأة، بل نتيجة استنزاف تدريجي للأثر الحركي، وهو عنصر سيصبح مركزيًا لاحقًا في نظريات الميل والدفع. كما أن الكندي يتجاوز تفسير ارسطو للوسط بوصفه سببًا للحركة، دون أن يصرّح برفضه المباشر. فالوسط عنده قد يكون عامل مقاومة لا عامل إحداث، وهو قلب ضمني للوظيفة التي أسندها أرسطو للهواء أو الماء في تفسير حركة المقذوفات. بهذا المعنى، يضع الكندي اللبنة الأولى لفصل تفسير الحركة عن دور الوسط الإيجابي.
مع ذلك، يبقى الكندي ضمن أفق فلسفي عام، ولا يسعى إلى بناء نظرية فيزيائية متكاملة للحركة. فهو لا يضع قوانين عامة، ولا يقدّم صياغة رياضية، ولا يوسّع الفكرة لتشمل كل أنماط الحركة. لكن هذه المحدودية لا تعود إلى ضعف في الفكرة، بل إلى طبيعة المرحلة التأسيسية التي كان يعمل فيها، حيث كان الهدف هو تحرير المفاهيم أكثر من بناء أنساق مغلقة.
ومن هنا تكمن أهمية الكندي التاريخية في كونه أول من فصل مفاهيميا، بين الفعل المُحدِث للحركة واستمرار الحركة نفسها داخل التراث الإسلامي. هذا الفصل هو الشرط الأول لظهور مفاهيم أكثر نضجًا عند الفارابي ثم ابن سينا، حيث سيُصاغ مفهوم الميل بصورة أوضح وأكثر انتظامًا. من هذه الزاوية، يمكن القول إن الكندي لم يقدّم نظرية الدفع، لكنه فتح الأفق العقلي الذي جعلها ممكنة. فهو مثّل اللحظة التي بدأ فيها السؤال يُطرح بوضوح، لماذا يستمر الجسم في الحركة بعد زوال المحرّك؟ وكل ما جاء بعده في هذا المسار كان تطويرًا وتدقيقًا لهذا السؤال الأول.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.٢ الفارابي ومعالجته العميقة
أما أبو نصر الفارابي ٩٥٠م، فقد قدّم معالجة أعمق في السماء والعالم وشرحه للفيزياء، حيث تحدث عن ميل يكتسبه الجسم بسبب الفعل المحرّك، ويكون هذا الميل سبب استمرار الحركة. هذا الميل ليس مجرد توصيف لغوي، بل مفهوم فيزيائي يفسّر لماذا يستمر الجسم في الحركة بعد زوال المؤثر، ولماذا تختلف المسافات بحسب القوة الابتدائية. كثير من دارسي تاريخ العلم يرون أن مفهوم الميل عند الفارابي هو أحد الجذور المباشرة لفكرة الدفع. لقد شكلت معالجات أبو نصر الفارابي حلقة مفصلية بين الفيزياء الأرسطية الكلاسيكية والتطورات اللاحقة في الفكر الوسيط. فلقد اشتغل على الفلسفة الطبيعية في إطار مشروعه الكبير لشرح العلوم العقلية وتنظيمها. وتناوله لمسألة الحركة لم يكن هامشيًا، بل جاء ضمن اهتمامه بفهم البنية العقلية للطبيعة كما ورثها عن أرسطو، مع إدخال تعديلات تفسيرية تهدف إلى حل الإشكالات التي ظلّت عالقة في الفيزياء الأرسطية، وعلى رأسها مسألة استمرار الحركة بعد زوال المؤثر.
ففي شرحه لكتب أرسطو الطبيعية، وخاصة في مباحث السماء والعالم وشرحه لكتاب الفيزياء، يتوقف الفارابي عند الإشكال المتعارف عليه عن سبب استمرارية الجسم المقذوف في الحركة بعد انفصال القاذف عنه. أرسطو كان قد عزا ذلك إلى فعل الوسط، لكن هذا التفسير بدا للفارابي غير كافٍ. لذلك قدّم مفهوم الميل بوصفه أثرًا يكتسبه الجسم من المحرّك، ويظل قائمًا فيه بعد زوال الفعل المباشر.
الميل عند الفارابي ليس مجرد توصيف لغوي، بل هو خاصية فيزيائية حقيقية تحدث في الجسم بسبب الفعل المحرّك. هذا الميل هو الذي يفسّر استمرار الحركة، وهو يضعف تدريجيًا بفعل مقاومة الوسط أو بفعل ميل آخر مضاد. بهذا المعنى، ينقل الفارابي تفسير الحركة من الاعتماد على عامل خارجي دائم إلى الاعتراف بعامل داخلي مكتسب، وهو انتقال مفاهيمي مهم في تاريخ الفيزياء. كما يميّز الفارابي بين الميل الطبيعي والميل القسري. فالميل الطبيعي هو الذي يدفع الأجسام إلى مواضعها الطبيعية، أما الميل القسري فهو الذي ينشأ عن فعل خارجي كالرمي أو الدفع. استمرار الحركة القسرية مرتبط ببقاء هذا الميل القسري، لا ببقاء المحرّك. هذا التمييز سيكون له أثر مباشر لاحقًا عند ابن سينا ثم عند فلاسفة القرن الرابع عشر في أوروبا.
ويقصد الفارابي بالميل القسري بأنه خاصية حركية مكتسبة تنشأ في الجسم نتيجة فعل خارجي مباشر كالدفع أو الرمي أو الجذب، وتبقى في الجسم بعد زوال هذا الفعل. فالجسم لا يستمر في الحركة لأن المحرّك ما زال يؤثّر فيه، بل لأن أثر الفعل الأول قد خلّف فيه ميلًا خاصًا يحمل الحركة إلى الأمام. بهذا المعنى، يصبح سبب استمرار الحركة كامنًا في الجسم نفسه، لا في الوسط المحيط ولا في الفاعل بعد انفصاله عنه. المثال الأوضح هو الحجر المقذوف، فبعد أن تنفصل اليد عنه، يواصل السير في الهواء مسافة وزمنًا، لأن فيه ميلًا قسريًا اكتسبه لحظة القذف. ومثل ذلك السهم بعد انطلاقه من القوس، أو العربة التي تستمر في السير قليلًا بعد توقف الدافع.
أما الميل الطبيعي فهو، في المقابل، الاتجاه الحركي الذي يصدر عن طبيعة الجسم الذاتية دون تدخل خارجي. فالأجسام الثقيلة، كالحجر والحديد، تميل بطبيعتها إلى الحركة نحو الأسفل طلبًا لموضعها الطبيعي، بينما تميل الأجسام الخفيفة –كالهواء والنار في التصور القديم– إلى الصعود. هذا الميل لا يُكتسب ولا يزول بسهولة، لأنه متجذر في ماهية الجسم نفسها. فإذا تُرك الحجر دون دفع أو رمي، فإنه لا يحتاج إلى قوة خارجية كي يسقط؛ سقوطه تعبير مباشر عن ميله الطبيعي.
يؤكد الفارابي أن الحركة القسرية لا تدوم بطبيعتها، لأن الميل القسري يضعف مع الزمن بسبب مقاومة الوسط وثقل الجسم، إلى أن يغلب الميل الطبيعي فيستعيد الجسم اتجاهه الأصلي. فالحجر المقذوف إلى الأعلى، مثلًا، يتحرك أولًا بفعل الميل القسري، لكن ما إن يضعف هذا الميل حتى يظهر الميل الطبيعي، فينقلب اتجاه الحركة من الصعود إلى السقوط. هنا تظهر الحركة كنتيجة لتفاعل ميلين متعاكسين، لا كنتيجة لدافع دائم.
هذا التمييز كان بالغ الأثر عند ابن سينا، الذي عمّقه وجعله أكثر صراحة واستقلالًا عن فيزياء ارسطو. فقد أكّد ابن سينا أن الميل القسري يبقى في الجسم بعد انقطاع المؤثر، وأنه هو السبب الحقيقي لاستمرار الحركة، رافضًا تفسير أرسطو القائم على دفع الهواء للجسم المتحرك. بهذا الانتقال، لم يعد الوسط عنصرًا فاعلًا في حفظ الحركة، بل أصبح عاملًا مقاومًا لها، وهو تطور مفهومي حاسم في تاريخ علم الحركة.
كما ترك هذا التمييز أثرًا عميقًا في الفلسفة الطبيعية الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ولا سيما عند جون بوريدان ونيكول أورسم. فقد أعادا صياغة الميل القسري بوصفه كمية يمكن أن تزداد وتتناقص، وربطاه بالسرعة والكتلة، مقتربين بذلك من تصور أكثر رياضية للحركة. بوريدان، على وجه الخصوص، صرّح بأن الجسم المقذوف يحمل في داخله اندفاعًا هو الذي يحفظ حركته، وهو تصريح يرى مؤرخو العلم أنه امتداد مباشر لأفكار الفارابي وابن سينا عبر التراث العربي–الإسلامي المترجَم.
بهذا المعنى، لم يكن التمييز بين الميل الطبيعي والميل القسري مجرد تفريق لغوي أو تصنيفي، بل خطوة مفصلية نقلت تفسير الحركة من الاعتماد على المحيط والعلل الخارجية إلى تحليل داخلي قائم على خصائص الجسم نفسه. وهذا التحول هو الذي مهّد، تاريخيًا وفكريًا، لظهور مفهوم القصور الذاتي في الفيزياء الحديثة، حتى وإن لم يصل الفارابي أو ابن سينا بعد إلى صيغته النهائية التي أتى بها نيوتن لاحقا.
الأهمية الفلسفية لموقف الفارابي لا تكمن فقط في الحل الجزئي لمشكلة المقذوفات، بل في إعادة تعريف العلاقة بين السبب والنتيجة في الحركة. فالحركة لم تعد حدثًا يتطلب سببًا حاضرًا في كل آن، بل يمكن أن تكون نتيجة سبب سابق يخلّف أثرًا باقياً. هذا التصور يمثّل خطوة أساسية نحو التفكير في الاستمرارية الحركية، حتى وإن لم يصل إلى مفهوم القصور الذاتي بالمعنى الحديث. من جهة المنهج، يظل الفارابي ملتزمًا بالإطار الأرسطي العام، لكنه يمارس نقدًا داخليًا عقلانيًا، لا قطيعة. فهو لا يرفض أرسطو صراحة، بل يعيد تأويله ويكمّله حيث يرى قصورًا تفسيرياً. هذا الأسلوب هو ما يجعل إسهامه جزءًا من العقلانية الوسيطية التي أعادت آناليس ماير الاعتبار لها لاحقًا.
كما أن مفهوم الميل عند الفارابي لا يُقدَّم بوصفه قانونًا رياضيًا، بل كمفهوم فيزيائي/فلسفي، وهو ما ينسجم مع أدوات عصره. لكن هذا لا يقلل من أهميته التاريخية، لأن تحديد المفهوم هو الشرط الأول لأي تحويل لاحق إلى لغة رياضية، كما حدث عند أورسم وغاليليو.
من كل هذا، يتبين أن الفارابي أسهم إسهامًا نوعيًا في تحرير تفسير الحركة من الاعتماد المطلق على المحرّك الخارجي، عبر إدخال مفهوم الميل بوصفه خاصية مكتسبة في الجسم المتحرك. بهذا المعنى، يُعدّ حلقة أساسية في السلسلة الفكرية التي تمتد من النقد الأرسطي الوسيط إلى تشكّل الفيزياء الحديثة، حتى وإن بقيت معالجته محكومة بأفقها الفلسفي الوسيط.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.٣ ابن سيناء: الحلقة الأوضح والأكثر تأثيرا
ويأتي ابن سينا ١٠٣٧م، بوصفه الحلقة الأوضح والأكثر تأثيرًا. فله كتابين معروفين هما الشفاء والنجاة، وكلاهما من مؤلفاته الأصيلة. كتاب الشفاء هو موسوعة فلسفية-علمية كبرى ألّفه ابن سينا بالعربية، وهو ليس كتابا طبيا كما قد يوحي اسمه كتاب الشفاء والذي يضم أربعة أقسام كبرى هي، المنطق، الطبيعيات، الرياضيات، والإلهيات. القسم الذي تَرِد فيه مناقشة الحركة والميل والدفع هو قسم الطبيعيات، ولا سيما مباحث الحركة، والقسر، والميل. ألف ابن سينا كتابه هذا، الشفاء خلال إقامته في همذان وأصفهان، أي في العقدين الأخيرين من حياته الفكرية. أما النجاة فاسمه الصحيح هو النجاة من الغرق في بحر الضلالات ويُختصر عادة إلى النجاة، وهو كتاب ألّفه ابن سينا بنفسه، وليس تلخيصًا لاحقًا من تلاميذه، وإن كان يعتمد على مادته السابقة في الشفاء. يعد النجاة مختصرًا فلسفيًا يقدّم الأفكار الأساسية لابن سينا في المنطق والطبيعيات والإلهيات بأسلوب أقرب وأسهل. وقد كُتب بعد الشفاء. في كلا الكتابين، يظهر تصور ابن سينا للحركة القسرية بوضوح، حيث يميّز بين المحرّك الخارجي والميل القسري الذي يكتسبه الجسم بعد انفصال المؤثر، ويجعل هذا الميل هو سبب استمرار الحركة إلى أن تعوقه مقاومة الوسط أو ميل طبيعي معاكس. هذا التصور هو الذي جعله يُعدّ أحد الجذور المباشرة لنظرية الدفع الوسيطية التي ستظهر لاحقًا عند بوريدان.
بهذا الكلام قدم ابن سينا تفسيرًا للحركة المقذوفة يختلف جذريًا عن التفسير الأرسطي التقليدي، يقترب كثيرًا مما سيُعرف لاحقًا في أوروبا الوسيطية باسم نظرية الدفع، كما صاغها جان بوريدان في القرن الرابع عشر. فحين يقول ابن سينا إن الجسم اكتسب ميلًا قسريًا يحفظ حركته بعد انفصال القاذف، فهو ينقل سبب استمرار الحركة من الوسط الخارجي، الهواء، إلى خاصية مكتسبة داخل الجسم نفسه.
ففي الفيزياء الأرسطية، كان السؤال المركزي عن سبب استمرار حركة الجسم بعد أن يتركه المحرّك، والذي كان يفسره أرسطو بأن الهواء المزاح أمام الجسم يعود ليدفعه من الخلف، أي أن الوسط هو الذي يواصل تحريك الجسم. هذا التفسير واجه مشكلات عديدة، خاصة في المقذوفات الثقيلة، وكان يبدو أقرب إلى حل لفظي منه إلى تحليل فيزيائي دقيق. ابن سينا رفض هذا التفسير ضمنيًا، واعتبر أن الهواء قد يعوق الحركة بدل أن يكون سببها. وعندما يتحدث ابن سينا عن ميل قسري، فهو يقصد بذلك أثرًا ديناميكيًا يولّده الفعل الابتدائي للقاذف، ويظل قائمًا في الجسم حتى تُضعفه المقاومة أو يزول تدريجيًا. هذا الميل ليس حركة ذاتية طبيعية، كما في سقوط الأجسام نحو مركزها، بل حالة مكتسبة مؤقتة، وهو ما يجعل تفسير ابن سينا وسيطًا بين أرسطو ونيوتن، فهو ليس قصورًا ذاتيًا بالمعنى الحديث، لكنه تحوّل حاسم نحو جعل الحركة خاصية للجسم لا للوسط.
ولذلك يقرّ مؤرخو العلم، مثل أنيل ميرتشنت وديفيد ليندبرغ، بأن ابن سينا تجاوز تفسير أرسطو القائم على دفع الهواء. ويقصدا بذلك أن ابن سينا تجاوز الإطار التفسيري الأرسطي نفسه، لا أنه مجرد شارح لأرسطو. فليندبرغ، في دراساته عن تطور علم الحركة في العصور الوسطى، يبيّن أن ابن سينا كان من أوائل من فككوا منطق دفع الهواء، وقدموا بديلًا مفاهيميًا أكثر اتساقًا مع الملاحظة. وميرتشنت تشير إلى أن هذا التحول يُظهر كيف أن الفكر الإسلامي لم يكن ناقلًا سلبيًا، بل مختبرًا نظريًا أنتج حلولًا أصلية لمشكلات الفيزياء القديمة.
وعندما يقول المؤرخون إن صياغة ابن سينا أقرب إلى بوريدان، فهم يعنون أن البنية المفاهيمية واحدة تتمثل في قوة أو ميل يُغرس في الجسم، يستمر بعد زوال المؤثر، ويضعف بفعل المقاومة. الفارق أن بوريدان سيحوّل هذه الفكرة لاحقًا إلى نظرية أكثر انتظامًا داخل الجامعات الأوروبية، بينما بقيت عند ابن سينا ضمن نسق فلسفي/طبيعي أوسع لم يُصَغ بعدُ في قالب ميكانيكا مستقلة. ومن هذا، نصل لخلاصة أن هذا النص من ابن سينا يعني أن نواة الفيزياء الجديدة للحركة وُضعت قبل بوريدان بعدة قرون، وأن ما فعله مفكرو أوروبا الوسيطة لم يكن خلق الفكرة من عدم، بل تطويرًا مؤسسيًا ورياضيًا لأفكار كمية وديناميكية كانت قد نضجت في التراث الفلسفي/العلمي الإسلامي.
لم يقدّم ابن سيناء في دراساته لمسألة الحركة الأرضية، رسومًا هندسية، لكنه قدّم مفاهيم كمية أساسية، فميز بين السرعة الثابتة والمتغيرة، وربط مقدار الحركة بالقوة الابتدائية والمقاومة. هذا التمييز ضروري منطقيًا قبل أي تمثيل بياني، لأنه يحدد ما الذي يُمثَّل رياضيًا. معالجة ابن سينا لمسألة الحركة الأرضية لا يقوم على التمثيل الهندسي كما عند ابن الهيثم أو أورسم لاحقًا، بل كان يقوم على تحرير المفاهيم الكمية الأساسية التي لا يمكن لأي فيزياء للحركة أن تقوم بدونها.
تناول ابن سيناء الحركة في سياق مشروعه الفلسفي الطبيعي، خصوصًا في قسم الطبيعيات من كتاب الشفاء، وكذلك في النجاة. ورغم أن لغته ظلت فلسفية تحليلية، فإنها تنطوي على تمييز دقيق مثل خطوة متقدمة في التفكير الكمي بالحركة. أحد أهم إسهاماته يتمثل في تمييزه الواضح بين السرعة الثابتة والسرعة المتغيرة. فالحركة عنده ليست نوعًا واحدًا، بل يمكن أن تكون منتظمة إذا لم تتغير شروطها، أو متغيرة إذا دخلت عوامل تؤثر في مقدارها. هذا التمييز ليس لفظيًا، بل مرتبط بفهمه لطبيعة التأثيرات التي تعمل على الجسم المتحرك، وهو ما يسمح بالتفكير في التسارع والتباطؤ، حتى وإن لم تُستخدم هذه المصطلحات صراحة. كما يربط ابن سينا مقدار الحركة بما يسميه القوة الابتدائية التي يُحدِثها المحرّك في الجسم. هذه القوة لا تزول بزوال الفاعل مباشرة، بل تترك في الجسم أثرًا يُعرف عنده بـالميل. هذا الميل هو السبب في استمرار الحركة، ويضعف تدريجيًا بسبب مقاومة الوسط وثقل الجسم نفسه. هنا نرى تصورًا قريبًا جدًا من نظرية الدفع، لكنه أكثر تجريدًا وتنظيمًا فلسفيًا.
المهم في تصور ابن سينا أن المقاومة ليست سبب الحركة، بل سبب في تراجعها وتلاشيها. فالحركة تستمر ما دام الميل قائمًا، وتتلاشى عندما تستهلكه عوامل خارجية. هذا التصور يقلب المنظور الأرسطي الذي كان يرى في الوسط عاملًا مساعدًا على استمرار الحركة. عند ابن سينا، الوسط يعارض الحركة، لا يدعمها.
كما يعالج ابن سينا العلاقة بين الحركة والزمن بطريقة ضمنية دقيقة. فمقدار الحركة لا يُفهم إلا من خلال الزمن الذي تستغرقه، وهذا ما يجعل السرعة مفهومًا مركبًا، لا مجرد صفة. ورغم أنه لا يقدّم صيغة رياضية لهذه العلاقة، فإن تحليله المفهومي يسمح بتمثيلها لاحقًا في لغة رياضية. وفي الحركة الأرضية تحديدًا، يميّز ابن سينا بين الحركات الطبيعية والحركات القسرية، لكنه يعيد تفسير هذا التمييز. فحتى الحركة القسرية، عنده، تصبح طبيعية بعد أن يكتسب الجسم الميل المناسب. هذا التعديل المفاهيمي يخفف من حدة الفصل الأرسطي بين النوعين، ويفتح المجال لفهم أكثر استمرارية للحركة.
ما يميّز معالجة ابن سينا هو أنها تُجرّد الحركة من صورتها الحدسية وتحوّلها إلى مسألة علاقات، كعلاقات بين قوة ابتدائية، وميل مكتسب، ومقاومة، وزمن. هذه العلاقات هي التي ستتحول لاحقًا إلى معادلات في الفيزياء الحديثة، لكن دون هذا التحرير المفاهيمي، لم يكن ذلك ممكنًا. ورغم أن ابن سينا لم يستخدم الرسوم الهندسية أو القياس التجريبي المكثف، فإن عمله كان تأسيسيًا من ناحية تحديد المفاهيم التي يجب أن تُقاس. فهو يضع اللغة التي تجعل القياس ممكنًا، حتى وإن لم يقم بالقياس نفسه.
يتضح من خلال هذا الاستعراض لإسهامات ابن سينا، أنه أسهم في فهم الحركة الأرضية عبر بناء إطار مفهومي كمي متماسك، يقوم على التمييز بين أنواع السرعة، وربط الحركة بالقوة الابتدائية والمقاومة، وتفسير الاستمرار الحركي عبر مفهوم الميل. وبهذا، كان حلقة أساسية في السلسلة التي ستقود لاحقًا إلى بوريدان وأورسم ثم غاليليو ونيوتن، لا من حيث الصياغة الرياضية، بل من حيث البنية العقلية للحركة.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.٤ أبو البركات البغدادي ونقده الصريح لأرسطو
بعد ذلك، في كتابه المعتبر في المحكمة، قدم أبو البركات البغدادي، عام ١١٦٥م، نقدًا صريحًا لأرسطو، وذهب أبعد من ابن سينا حين أكد أن الميل يزداد بتكرار الفعل، وأن الجسم قد يحمل أكثر من ميل في اتجاهات مختلفة. هذا التطوير يقربه من الفهم الديناميكي للحركة، ويضعف بشدة فكرة المحرك الدائم الحضور. وأتى بعده ابن باجة الأندلسي، عام ١١٣٩م، وناقش مسألة الحركة في الفراغ، واعتبر أن الجسم سيستمر في الحركة بسبب ما اكتسبه من قوة داخلية حتى دون وسط، وهو طرح يضرب قلب التفسير الأرسطي الذي يعتمد على الهواء، وكان مهمًا جدًا في انتقال النقاش إلى أوروبا اللاتينية.
يُعد أبو البركات البغدادي حلقة متقدمة أخرى، لأنه تعامل مع تغيّر السرعة لا بوصفه حالة فجائية، بل بوصفه تدرّجًا، وميّز بين الحركة المتسارعة والمتباطئة. هذا الوعي بالتغيّر التدريجي هو الشرط المفاهيمي الذي سيقود لاحقًا إلى التفكير في تمثيل السرعة بوصفها دالة في الزمن. كما أن معالجته لم تكتفِ بتفسير استمرار الحركة أو توقفها، بل انتقلت إلى تحليل كيفية تغيّر السرعة نفسها، وهو عنصر حاسم في الانتقال من تصور الحركة بوصفها حالة إلى تصورها بوصفها عملية ديناميكية.
أبو البركات، في كتابه المعتبر في الحكمة، ينطلق من نقد عميق لفيزياء أرسطو، لا من موقع الرفض الكلي، بل من موقع إعادة الفحص العقلي والتجريبي. فهو يلاحظ أن الحركة في الواقع لا تقع غالبًا على وتيرة واحدة، بل تتغير شدتها مع الزمن، وأن هذا التغيّر لا يمكن فهمه إذا اعتُبرت الحركة مجرد انتقال ثابت من موضع إلى موضع. في تحليله للحركة، يميّز أبو البركات بوضوح بين الحركة المتسارعة والحركة المتباطئة. السرعة عنده ليست مقدارًا ثابتًا يُضاف أو يُنزع دفعة واحدة، بل هي مقدار يتزايد أو يتناقص تدريجيًا. هذا التدرّج هو ما يلفت انتباهه، ويجعله يرفض فكرة أن التغيّر في الحركة يحدث آنياً أو فجأة. ويربط أبو البركات هذا التدرّج بعلاقة بين القوة المؤثرة في الجسم والزمن الذي تعمل فيه. فالقوة لا تُحدث كامل أثرها في لحظة واحدة، بل يتراكم أثرها شيئًا فشيئًا، فتزداد السرعة تدريجيًا. وهذا التصور قريب جدًا مما سيُعرف لاحقًا بفكرة التسارع، حتى وإن لم تُصَغ في لغة رياضية أو رمزية.
كما يقدّم أبو البركات تصورًا نقديًا لمسألة السقوط، حيث يلاحظ أن الأجسام الساقطة لا تتحرك بسرعة واحدة منذ البداية، بل تبدأ ببطء ثم تتسارع. هذه الملاحظة التجريبية البسيطة، التي ستصبح حجر الزاوية عند غاليليو، تُستخدم عنده كدليل على أن السرعة متغيرة بطبيعتها، وأن فهم الحركة يتطلب تتبع تغيّرها مع الزمن. المهم في طرح أبي البركات أنه لا يفسّر هذا التغيّر بردّه إلى طبيعة غامضة، بل إلى علاقة سببية قابلة للفهم العقلي. فالتسارع ليس خاصية ميتافيزيقية، بل نتيجة لتأثير مستمر للقوة، وعدم وجود مقاومة كافية لإيقاف هذا التزايد. بهذا، يقترب من تصور ديناميكي للحركة، حيث لا تكون الحالة اللحظية للحركة كافية لفهمها، بل يجب النظر إلى تاريخها الزمني.
كما أن نقده للتمييز الأرسطي الصارم بين الحركة الطبيعية والقسرية يظهر هنا بوضوح. فالحركة عنده لا تنقلب فجأة من نوع إلى آخر، بل تمر عبر حالات انتقالية، تتغير فيها السرعة تدريجيًا. هذا التصور لاستمرار الحركة، يضعف الفواصل المفهومية الحادة التي فرضتها فيزياء أرسطو.
ورغم أن أبا البركات لم يقدّم تمثيلًا هندسيًا أو صياغة رياضية للتسارع، فإن إسهامه المفاهيمي بالغ الأهمية، لأنه نقل مركز الثقل من السؤال عن سبب الحركة إلى السؤال عن كيفية تغيّرها. وهذا التحول هو الشرط الضروري لظهور علم الحركة الحديث. ويمكننا القول إن أبا البركات البغدادي أسهم في تاريخ الفيزياء عبر إدخال فكرة التدرّج في السرعة، والتمييز بين التسارع والتباطؤ، والنظر إلى الحركة بوصفها عملية زمنية متغيرة. وبهذا، مثّل حلقة متقدمة في السلسلة التي ستقود لاحقًا إلى التحليل الرياضي للتسارع عند غاليليو ثم نيوتن، لا عبر الصياغة الرياضية، بل عبر إعادة بناء المفهوم نفسه.
هذه الأفكار وغيرها، لم تبقَ محصورة في العالم الإسلامي، بل انتقلت عبر الترجمات اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، خاصة عبر طليطلة وصقلية. وقد عُرفت مفاهيم الدفع والميل في النصوص المدرسية الأوروبية. لذلك، حين يطوّر جون بوريدان نظريته في الدفع، فإنه يعمل داخل تقليد فكري سبق أن تشرّب هذه المناقشات، حتى لو لم يذكر مصادره الإسلامية صراحة، فهو يتميز في عمله بأنه نظم النظرية وعممها وربط الدفع بكمية المادة والسرعة. لكنه، في كل هذا، لم يبدأ من فراغ. ويشهد بذلك الفيزيائي والفيلسوف ومؤرخ العلم الفرنسي بيري دوهيم ١٩١٦م، الذي يُعدّ من أهم من أعادوا تقييم العلم الوسيط، خصوصًا الفيزياء المدرسية في القرون الوسطى، وربطها بنشأة العلم الحديث بدل تصويرها كقَطعٍ تام معها. وبرغم أن دوهيم كان في الأصل فيزيائيًا نظريًا، واشتغل في مجالات الديناميكا الحرارية، والمرونة، والكهرباء، إلا أن شهرته الواسعة جاءت من عمله في فلسفة العلم وتاريخه، حيث رفض الصورة الوضعية السائدة التي ترى أن العلم الحديث بدأ فجأة مع غاليليو وكوبرنيكوس، بعد قرون مظلمة، خالية من الإبداع العلمي. فلقد كانت أبرز أطروحات دوهيم التاريخية تقول، أن الفيزياء الحديثة هي ثمرة تطور تدريجي داخل الفكر المدرسي الوسيط، لا قطيعة معه. ففي كتابه الضخم نظام العالم، الذي نُشر في عشرة مجلدات، درس نصوص علماء القرن الثالث عشر والرابع عشر مثل جون بوريدان، نيكول أورسم،و ألبرت السكسوني، وأظهر أنهم قدّموا أفكارًا حاسمة في الحركة، والدفع، ونسبية الحركة، مهدت مباشرة لقوانين غاليليو ونيوتن.
في هذا السياق، يُعدّ دوهيم من أوائل من أبرزوا نظرية الدفع باعتبارها حلقة انتقالية أساسية بين فيزياء أرسطو وميكانيكا نيوتن. وقد شدّد على أن هذه النظرية لم تكن مجرد تأملات فلسفية، بل محاولات علمية جادّة لفهم الحركة بلغة كمية وديناميكية. وفي فلسفة العلم، يُعرف دوهيم بما يُسمّى أطروحة دوهيم–كوين، التي تقول إن الفرضيات العلمية لا تُختبَر منفردة، بل ضمن شبكة من الافتراضات النظرية، وأن فشل تجربة لا يدحض فرضية واحدة مباشرة، بل يفتح المجال لإعادة النظر في البنية النظرية ككل. هذه الفكرة أثّرت بعمق في فلاسفة لاحقين مثل كارل بوبر، ولاكاتوش، وتوماس كون.
وتكمن أهمية دوهيم في كونه شكل الجسر المنهجي بين تاريخ العلم وفلسفته، فقد استخدم التحليل الفيلولوجي الدقيق للنصوص اللاتينية الوسيطية ليبرهن أن ما اعتُبر لاعقلانية وسيطة، كان في الحقيقة عقلانية علمية منضبطة تعمل ضمن أفقها المفاهيمي الخاص. وبذلك مهّد الطريق لأعمال لاحقة مثل أعمال آناليس ماير، ألكسندر كوريه، إدوارد غرانت، ومارشال كلاجيه. باختصار، بيير دوهيم كأن من أهم من فكك أسطورة القطيعة الجذرية بين العصور الوسطى والعلم الحديث، وأعاد الاعتبار للتراث العلمي الوسيط بوصفه مرحلة تأسيسية لا هامشية في تاريخ العقلانية العلمية، ولذلك قال الميكانيكا الحديثة لم تولد فجأة في القرن السابع عشر، بل نمت ببطء عبر مساهمات المدرسيين، الذين كانوا بدورهم ورثة العلم العربي.
الخلاصة الدقيقة هي أن نظرية الدفع عند بوريدان ليست استيرادًا مباشرًا من ابن سينا أو غيره، لكنها ثمرة مسار تراكمي كان للعلماء المسلمين فيه دور تأسيسي حقيقي، خاصة في كسر القاعدة الأرسطية القائلة بضرورة المحرّك الدائم. ومن دون هذا الكسر المفاهيمي، لم يكن الانتقال إلى القصور الذاتي الذي أتى به غاليليو و نيوتن ممكنًا.
وفي الحديث بشكل أوسع من حصره في نظرية الدفع، ليشمل التمثيل الرياضي/الهندسي للحركة نفسها والذي يمثل انتقالا من الوصف الكيفي إلى تصوير الحركة ككمّ قابل للقياس والتمثيل، يمكننا تتبع تطوره لنجد له جذورا حقيقية في اهتمامات العلم العربي–الإسلامي، لكنها لم تُصَغ في صورة محاور إحداثية مكتملة كما كان عند أورسم، بل ظهرت في صورة مفاهيم، أدوات رياضية، وتحليل كمّي للحركة مهّد منطقيًا لهذا التحول. وفيما يلي، نكمل استعراض مساهمات المسلمين ونتفحص طبيعتها وتدرجها زمنيا.
فمنذ العصر العباسي المبكر، ارتبطت دراسة الحركة عند العلماء المسلمين بالرياضيات لا بالفلسفة الطبيعية وحدها. ويكفي أن نلاحظ أن علم الهيئة وعلم الحيل وعلم الميقات، كانت ميادين يُفهم فيها الزمن والحركة والسرعة بوصفها مقادير قابلة للحساب، لا مجرد صفات حسية. بدأ العلماء المسلمون في التعامل مع الحركة ليس فقط بوصفها موضوعًا للفلسفة الطبيعية، بل كمسألة كمية يمكن قياسها وتحليلها رياضيًا. فقد ارتبطت دراسة الحركة ارتباطًا وثيقًا بالرياضيات، بما يعكس رؤية منهجية لم تكن مجرد متابعة للفكر الأرسطي، بل كانت امتدادًا للتجربة الفكرية والرياضية التي بدأت في العلوم اليونانية والهندية، وتمت صياغتها في سياق إسلامي غني بالتطبيقات العملية.
يمكن ملاحظة هذا بوضوح في ميادين مثل علم الهيئة، حيث كان يُدرس موقع الأجرام وحركتها في السماء، ولا يقتصر العمل فيه على الملاحظة الكيفية لمواضع الكواكب، بل على حساب السرعات والزوايا والفترات الزمنية بدقة. هذا الاهتمام بالكميات مكّن العلماء من توقع مواقع الكواكب، وحساب الظواهر الفلكية مثل الكسوف والخسوف، بما يبرز أن الحركة كانت تُفهم بوصفها مقدارًا قابلًا للقياس والتحليل، وليس مجرد وصف ظاهري. وإضافة لعلم الهيئة، كان لعلم الحيل دور واضح أيضا، وهو العلم الذي تناول الميكانيكا العملية والهندسة الميكانيكية. تعامل العلماء مثل بني موسى بن شاكر مع الحركة بوصفها ظاهرة كمية يمكن تفكيكها إلى مقادير زمنية ومسافات وسرعات، خاصة عند دراسة الآليات المختلفة. فقد تم تصميم الحيل والأجهزة ليس كأدوات للتسلية فحسب، بل كوسائل لفهم كيف تنتقل القوة، وكيف يكتسب الجسم ميلًا معينًا يسمح باستمرار الحركة، وهو ما يمثل خطوة أولية نحو ما سيُعرف لاحقًا بنظرية الدفع عند بوريدان. أما في علم الميقات، فقد كان الزمن محورًا أساسيًا في دراسة الحركة. فقد قام العلماء المسلمين بقياس الفواصل الزمنية بدقة، وربطها بالمسافة المقطوعة والسرعة، ما أتاح لهم التمييز بين الحركة الثابتة والحركة المتغيرة. وبهذه الطريقة، صار بالإمكان التفكير في الحركة كمسألة تدرج زمني رياضي، قبل أن يتم تحويل هذا الفهم إلى تمثيل هندسي صريح كما حدث لاحقًا عند أورسم.
هذه المجالات الثلاثة، مجتمعة، أعدت الأرضية مفاهيميا ومنهجيا للنهضة العلمية الأوروبية. فقد قدّم العلماء المسلمين الأدوات الفكرية لفهم الحركة ككمية قابلة للقياس والتحليل، ووضعوا المفاهيم التي ستمكّن من تمثيلها رياضيًا وهندسيًا لاحقًا. وهذا يوضح أن النهج الإسلامي لم يكن مجرد توثيق فلسفي، بل نقلة نوعية نحو العلم الكمي التجريبي، والذي سيساعد غاليليو ونيوتن على صياغة الحركة في قوانين رياضية دقيقة.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.٥ بنو شاكر من أول من تعاملوا مع الحركة كمسألة كمية
ويُعد بنو موسى بن شاكر، من أوائل من تعاملوا مع الحركة كمسألة هندسية–كمّية، خصوصًا في كتاب الحيل. فالحركة هنا تُحلَّل إلى مقادير زمنية ومسافات وسرعات ضمن آليات ميكانيكية، ويجري التحكم فيها هندسيًا. صحيح أنهم لم يرسموا منحنيات سرعة مقابل الزمن، لكنهم تعاملوا مع الحركة بوصفها مقدارًا يمكن تنظيمه رياضيًا. تمثّل اعمال بني موسى بن شاكر مرحلة مبكرة وحاسمة في تحويل النظر إلى الحركة من وصفٍ فلسفي عام إلى تحليل هندسي–كمّي عملي.
فبنو موسى بن شاكر، وهم محمد وأحمد والحسن، عاشوا في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وكانوا من أبرز علماء بيت الحكمة في بغداد. مشروعهم العلمي لم يكن فلسفيًا بالمعنى النظري المجرد، بل كان موجّهًا إلى التحليل الرياضي والتطبيقي للظواهر الميكانيكية. وهذا ما يجعل تناولهم للحركة مختلفًا نوعيًا عن المعالجات الكلامية أو الفلسفية السائدة في عصرهم. في كتابهم الشهير كتاب الحيل، لا تُدرس الحركة بوصفها مفهومًا مجردًا، بل بوصفها عنصرًا يمكن تصميمه والتحكم فيه. الحركة هنا تُحلَّل إلى عناصر أساسية، زمن، مسافة، سرعة، واتجاه، وكل عنصر يُدمج داخل منظومة هندسية دقيقة. الآلات التي وصفوها، كالأواني ذاتية الامتلاء، والصمامات، والآليات المتتابعة، لا تعمل إلا إذا فُهمت الحركة فهمًا كمّيًا مضبوطًا، حتى وإن لم تُصغ القوانين بصيغة رياضية رمزية.
يتميّز عمل بني موسى بأن الحركة تُفهم بوصفها عملية زمنية قابلة للتجزئة. فالتدفق لا يحدث دفعة واحدة، بل على مراحل، والحركة لا تُقاس بنقطة واحدة، بل بسيرورة يمكن التحكم في سرعتها أو إيقافها أو عكسها. هذا الوعي بالزمن بوصفه متغيرًا فيزيائيًا فعّالًا هو خطوة مفاهيمية مهمة، لأنه يمهّد لفهم الحركة بوصفها علاقة بين مقدارين، لا مجرد انتقال من موضع إلى آخر. كما يظهر في كتاب الحيل اهتمام واضح بفكرة الضبط والاتزان. فالحركة لا تُترك لعفويتها، بل تُقنَّن عبر صمامات وأوزان وضغوط محسوبة. وهذا يعني أن بني موسى كانوا يدركون أن الحركة يمكن أن تُنظَّم هندسيًا عبر علاقات كمية، حتى إن لم يُعبَّر عنها بمعادلات. هنا تتجلى عقلانية تقنية ترى في الطبيعة نظامًا قابلًا للتدخل العقلاني.
اللافت أيضًا أن بني موسى يشتغلون ضمن إطار رياضي هندسي بحت، بعيدًا عن التفسيرات الميتافيزيقية للحركة. فنحن لا نجد عندهم نقاشًا عن الطبيعة أو الميل الطبيعي، بل نجد وصفًا دقيقًا لكيفية تحريك السوائل والأجسام باستخدام مبادئ هندسية. فهم يتعاملون مع الحركة بوصفها علاقة بين مقادير، مقدار السائل، مساحة الفتحة، زمن التدفق، موضع الذراع أو الثقل. ولا يسألون، لماذا يميل الماء إلى الأسفل؟ بل، يكون السؤال بصيغة كيف نجعل الماء يرتفع؟، أو يتوقف؟، أو ينساب بمعدل معيّن؟ هذا يضعهم أقرب إلى عقلية المهندس والمنظّم الآلي، لا إلى عقلية الفيلسوف التأملي. هذا الانتقال من السؤال لماذا تتحرك الأجسام؟، إلى السؤال كيف نتحكم في حركتها؟، يمثّل تحولًا معرفيا مهمًا في تاريخ العلم، وهذا يتمثل في الانتقال من سؤال السبب الغائي إلى سؤال الآلية والضبط.
فالسبب الغائي يهتم بالعلل في الفلسفة الأرسطية، ويعني الغاية أو الهدف الذي من أجله يحدث الشيء. فعندما يُسأل عن حركة جسم وفق هذا المنظور، يكون السؤال: لِمَ يتحرك؟ وما الغاية التي يحققها؟ فمثلًا، يقول أرسطو إن الحجر يسقط لأن طبيعته تقتضي الرجوع إلى موضعه الطبيعي في مركز الكون. هنا لا يُفسَّر السقوط بكيفية حدوثه خطوة خطوة، بل بكونه تحقيقًا لكمالٍ أو غايةٍ مرتبطة بطبيعة الحجر. بهذا فلسبب الغائي يربط الظاهرة بمعنى وجودي أو كوني أوسع، وليس بآلية دقيقة. في هذا الإطار، تكون الطبيعة أشبه بكائن عاقل يسعى إلى غايات، والحركة فعل موجّه نحو مقصد. لذلك كانت أسئلة الفلسفة الطبيعية القديمة من نوع، لماذا يميل الثقيل إلى الأسفل؟ لماذا تتحرك الأجرام السماوية حركة دائرية؟ والإجابة تكون دائمًا بالرجوع إلى الغاية أو الطبيعة أو الكمال.
أما سؤال الآلية والضبط فينتمي إلى نمط مختلف من التفكير. هنا لا يُسأل، لماذا تتحرك الأجسام، بل، كيف تتحرك؟ وتحت أي شروط؟ وما العوامل التي يمكن التحكم بها لتغيير الحركة؟ هذا النوع من السؤال يهتم بالعلاقات بين المقادير كالقوة، والزمن، والمسافة، والضغط، والشكل الهندسي. فبدل القول إن الماء ينساب لأنه يطلب موضعه الطبيعي، يُسأل، ما قطر الأنبوب؟ ما مقدار الانحدار؟ كم يستغرق التدفق؟ وكيف يمكن إيقافه أو تسريعه؟ والضبط يعني أن الحركة لم تعد مجرد حدث طبيعي يُشاهَد، بل عملية يمكن تصميمها، تنظيمها، وتكرارها. عندما يصنع بنو موسى جهازًا يجعل الماء يتوقف تلقائيًا بعد زمن معين، فهم لا يفسّرون الحركة، بل يتحكمون فيها. وهذا جوهر التحول. فالمعرفة لم تعد تفسيرًا للكون فقط، بل أداة للتدخل فيه. بهذا المعنى، الانتقال من السبب الغائي إلى سؤال الآلية والضبط هو انتقال من عقلٍ تأملي يفسّر العالم بمعناه إلى عقلٍ تقني يشتغل على العالم بوصفه نظامًا قابلًا للتشكيل. وهذا التحول هو أحد الجذور العميقة للعلم الحديث، لأنه يفصل الظاهرة عن مقاصدها الميتافيزيقية، ويربطها بقوانين وعلاقات يمكن اختبارها وتطبيقها. فبدل تفسير الحركة باعتبارها تحقيقًا لطبيعة الشيء أو كماله، تصبح الحركة شيئًا يمكن تصميمه، تقسيمه، وتعديله. هذا التحول مهم لأنه يفتح الباب لفهم الحركة باعتبارها ظاهرة قابلة للقياس والتكرار، لا مجرد خاصية نوعية.
ومن خلال هذه الآليات، يتعامل بنو موسى ضمنيًا مع مفاهيم قريبة من السرعة المنتظمة والمتغيرة. فبعض الأجهزة تعتمد على تدفق ثابت، وأخرى على تدفق متدرج، وأخرى على استجابة لحركة سابقة. هذا يعني أن الحركة عندهم ليست حالة واحدة، بل أنماط متعددة يمكن التفريق بينها بحسب الشروط الهندسية. ورغم أن بني موسى لم يقدّموا نظرية عامة للحركة، ولم يربطوا أعمالهم بفلسفة طبيعية شاملة، إلا أن إسهامهم كان تأسيسيًا من جهة أخرى، وهذا يتمثل في تحويل الحركة إلى موضوع للقياس والتصميم. هذا التحويل هو الشرط الأول لأي تمثيل رياضي لاحق، كما سيظهر عند أورسم ثم عند غاليليو. من هنا، فإن من أهم اسهامات بني موسى بن شاكر في تاريخ العلم، لم تكن عبر التنظير الفلسفي للحركة، بل عبر ممارستها هندسيًا وكمّيًا. فلقد تعاملوا مع الحركة بوصفها مقدارًا يمكن ضبطه، لا مجرد صفة تُوصَف. وبهذا المعنى، كانوا من أوائل من مهّدوا الطريق أمام العقلانية التي ستربط بين الرياضيات والحركة في تطور العلم اللاحق.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.٦ بن قرة ونقاش العلاقة بين الزمن والمسافة
ومن بين العلماء اللذين لابد من الوقوف عندهم واستحضار سيرتهم وجوانب من اسهاماتهم فهو ثابت بن قرة ، ٩٠١م. فلقد كان له دور أكثر مباشرة في هذا الاتجاه. ففي رسائله في الميكانيكا والوزن، ناقش العلاقة بين الزمن والمسافة والقوة، وتعامل معها بلغة رياضية صريحة. وهو من أوائل من نقلوا وطوروا فكرة أن الظواهر الطبيعية يمكن إخضاعها لعلاقات رياضية منتظمة، لا مجرد تصنيفات كيفية. كان ثابت بن قرة رياضيًا بالدرجة الأولى، وهذا ما ينعكس بوضوح على معالجته للمسائل الميكانيكية. فعلى خلاف كثير من معاصريه الذين ظلوا أسرى اللغة الكيفية الأرسطية، سعى ثابت لردّ الظواهر الفيزيائية إلى علاقات كمية يمكن التعبير عنها هندسيًا. هذا التوجّه يظهر جليًا في رسائله في الوزن والميزان والحيل الميكانيكية، حيث لا تُناقَش الحركة باعتبارها طبيعة فحسب، بل باعتبارها مقدارًا مرتبطًا بالزمن والمسافة. في معالجته لمسائل الوزن، يتعامل ثابت مع القوة بوصفها قابلة للمقارنة والقياس. فهو يربط بين مقدار القوة وبين المسافة التي تُحرِّكها، والزمن الذي تستغرقه الحركة، في إطار يشبه ما سيُعرف لاحقًا بعلاقات العمل والحمل. وعلى الرغم من أن المصطلحات الحديثة لم تكن متوفرة، فإن البنية الرياضية للفكرة واضحة، فالقوة لا تُفهم بمعزل عن أثرها الحركي. كما يظهر عند ثابت وعي مبكر بالعلاقة بين الزمن والحركة. فهو لا يكتفي بوصف المسافة المقطوعة، بل يُدخِل الزمن ضمنيًا في التحليل، خاصة حين يناقش السرعة والتدرج في الحركة. هذا يعني أن الحركة عنده ليست لحظة آنية، بل عملية ممتدة يمكن تحليلها إلى مقاطع زمنية، وهو تصور ضروري لأي تمثيل رياضي لاحق للحركة. وفي رسائله المتعلقة بالميزان، يعالج بن قرة مبدأ الاتزان بوصفه علاقة رياضية دقيقة بين الأثقال والمسافات. هذه المعالجة تتجاوز الوصف التجريبي، لأنها تقوم على برهنة هندسية. والاتزان هنا ليس مجرد سكون، بل حالة ديناميكية تُفهَم من خلال تساوي التأثيرات، وهو مفهوم قريب جدًا من التفكير في القوى المتقابلة وتأثيرها الحركي المحتمل.
الأهم من ذلك أن ثابت بن قرة لا يفصل بين النظرية والتطبيق. فالمسائل التي يناقشها ليست ذهنية صرفًا، بل مرتبطة بآلات حقيقية وحركات محسوسة. ومع ذلك، فإن لغته تبقى لغة برهان، لا مجرد وصف عملي. وهذا ما يجعله حلقة مفصلية بين تراث الحيل الميكانيكية عند بني موسى وبين المعالجة الرياضية الصارمة التي ستتطور لاحقًا في أوروبا.
من الزاوية المعرفية، يمكن القول إن ثابت بن قرة كان واعيًا بأن فهم الحركة يتطلب تحويلها إلى بنية رياضية، حتى وإن لم يصل إلى صياغة قوانين عامة. لقد أدرك أن العلاقة بين الزمن والمسافة والقوة ليست عرضية، بل جوهرية، وأن تحليلها هو مفتاح فهم الظواهر الميكانيكية. ورغم أنه لم يتبنَّ نظرية الدفع بصيغة صريحة كما فعل بوريدان لاحقًا، فإن طريقته في التفكير تمهّد لها بوضوح. فالحركة عنده لا تحتاج إلى تفسير غائي أو ميتافيزيقي مستمر، بل إلى تحليل العلاقات الكمية التي تحفظها أو توقفها. وهذا التحول في زاوية النظر هو ما سيُستثمر لاحقًا في تقاليد علمية أخرى. إجمالا، يمكننا القول إن ثابت بن قرة يمثل مرحلة متقدمة في تاريخ التفكير في الحركة، حيث لم تعد الحركة مجرد مسألة فلسفية، ولا مجرد حيلة تقنية، بل موضوعًا رياضيًا قابلًا للبرهنة. وبهذا المعنى، فإن إسهامه لا يقتصر على عصره، بل يشكّل جزءًا من السلسلة الطويلة التي قادت إلى تمثيل الحركة رياضيًا في العلم الحديث.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.٧ ويأتي ابن الهيثم بمنهجه في تحليل الحركة في الضوء
ورغم شهرته في البصريات، فإن منهجه في تحليل الحركة في الضوء كان تحليلًا رياضيًا–هندسيًا صارمًا، يجعل من ابن الهيثم، ١٠٤٠م، شخصية محورية. فهو يدرس سرعة الضوء، وانتشاره، وزمن انتقاله، مستخدمًا خطوطًا وزوايا ومسافات، أي إنه يفكّر في الظواهر الطبيعية بوصفها قابلة للتمثيل الهندسي. وكثير من مؤرخي العلم يرون أن هذا الأسلوب هو الذي مهّد لربط الفيزياء بالرياضيات في أوروبا لاحقًا، لا سيما عند كبلر وغاليليو. فابن الهيثم يمثل بالفعل نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ التفكير العلمي، لا من حيث الموضوع فحسب، بل من حيث المنهج الذي جمع بين الرياضيات والهندسة والتجربة بصورة غير مسبوقة.
يعد ابن الهيثم شخصية محورية لأن اشتغاله على الضوء لم يكن اشتغالًا بصريًا محضًا، بل كان في جوهره اشتغالًا على الحركة بوصفها ظاهرة فيزيائية قابلة للتحليل الكمي. فالضوء عنده ليس مجرد كيفية حسية، بل شيء ينتقل، ويستغرق زمنًا، ويتبع مسارًا يمكن تمثيله بخطوط وزوايا ومسافات. بهذا المعنى، فإن دراسته للبصريات هي في الوقت نفسه دراسة لنمط خاص من الحركة. وفي كتابه الشهير المناظر، يتعامل ابن الهيثم مع انتشار الضوء بوصفه عملية هندسية منتظمة. فهو يفترض أن الضوء ينتقل في خطوط مستقيمة في الوسط المتجانس، ويبرهن على ذلك باستخدام أشكال هندسية دقيقة. هذا الافتراض ليس حدسًا فلسفيًا، بل نتيجة تحليل رياضي مدعوم بالملاحظة والتجربة، وهو ما يجعل الحركة الضوئية عنده خاضعة لقوانين قابلة للصياغة. كما يناقش ابن الهيثم مسألة زمن انتقال الضوء، وهي مسألة بالغة الأهمية تاريخيًا. ورغم أنه لا يصرّح صراحة بأن للضوء سرعة محدودة بالمعنى الحديث، فإنه يعامل الضوء بوصفه شيئًا ينتقل من مصدر إلى مستقبل، لا بوصفه حضورًا فوريًا. هذا وحده كافٍ لإخراج الضوء من إطار الفعل الآني الأرسطي إلى إطار الحركة الممتدة زمنًا، حتى وإن لم تُقاس السرعة عددياً. في تحليله للانعكاس والانكسار، تظهر بوضوح عقلانيته الهندسية. فالعلاقة بين زاوية السقوط وزاوية الانعكاس أو الانكسار تُحلَّل باستخدام خطوط وزوايا ومسافات، أي باستخدام أدوات رياضية صريحة. هنا لا يُفسَّر سلوك الضوء بقوى خفية أو ميول طبيعية، بل بعلاقات هندسية دقيقة، ما يعني أن الحركة تخضع لبنية رياضية مستقلة عن التصورات الميتافيزيقية.
الأهم من ذلك أن ابن الهيثم يربط التحليل الرياضي بالتجربة المنهجية. فهو لا يكتفي برسم الأشكال، بل يصمّم تجارب للتحقق من صحة الفرضيات الهندسية. هذا الربط يجعل التمثيل الهندسي للحركة ليس مجرد أداة عقلية، بل أداة اختبار وفحص. وبهذا يسبق بكثير النموذج الذي سيُعرف لاحقًا عند غاليليو بوصفه توحيدًا بين الرياضيات والتجربة.
من الناحية المعرفية، ينظر ابن الهيثم إلى الطبيعة بوصفها نظامًا يمكن للعقل أن يفككه إلى عناصر بسيطة ويعيد تركيبه رياضيًا. الحركة هنا ليست ظاهرة غامضة، بل نمط من العلاقات القابلة للتمثيل. وهذا التصور يضعه في خط تطور واضح مع ثابت بن قرة وبني موسى، لكنه يتجاوزهما من حيث الصرامة المنهجية والوعي النقدي. كما أن نقده للتراث الأرسطي في البصريات يكشف عن استقلالية فكرية مهمة. فهو لا يرفض أرسطو أو بطليموس بالجملة، لكنه يختبر أقوالهم بالبرهان والتجربة، ويعدلها أو يرفضها عند الحاجة. وهذا الموقف النقدي هو ما جعل منهجه قابلًا للانتقال والتأثير في سياقات علمية لاحقة.
من كل هذا يمكننا القول إن ابن الهيثم لم يدرس الضوء فحسب، بل حوّل الحركة الضوئية إلى نموذج للعلم الطبيعي، فالظاهرة تُحلَّل رياضيًا، وتُمثَّل هندسيًا، وتُختبَر تجريبيًا. وبهذا المعنى، فاسم ابن الهيثم يتجاوز البصريات ليطال الأسس المنهجية التي ستقوم عليها الفيزياء الحديثة لاحقًا، سواء في دراسة الضوء أو في دراسة الحركة عمومًا.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٢.٨ من الأندلس، شروح نقدية لأرسطو
في الأندلس، قدّم ابن باجة وابن رشد شروحًا نقدية لأرسطو أكدت أن دراسة الحركة لا يمكن أن تبقى وصفية خالصة، بل يجب أن ترتبط بالقياس. ابن رشد، رغم محافظته النسقية، فتح الباب أمام قراءة أكثر رياضية للطبيعة، وهو ما انتقل إلى الجامعات الأوروبية.
وهذا يلقي الضوء على مفارقة دقيقة في موقف ابن رشد من العلم الطبيعي، فهو من جهة فيلسوف محافظ على النسق الأرسطي، ومن جهة أخرى أسهم، بقصد أو بغير قصد، في تمهيد الطريق لقراءة رياضية للطبيعة أثّرت لاحقًا في الفكر الأوروبي.
فعندما نقول إن ابن رشد كان محافظ نسقيًا، فالمقصود أنه ظلّ وفيًّا للبنية العامة لفلسفة أرسطو المتمثلة في مركزية الطبيعة، ثبات الأرض، التمييز بين العالمين العلوي والسفلي، وتفسير الحركة ضمن إطار العلل الأربع، وخاصة العلة الغائية. فابن رشد لم يطرح ثورة على أرسطو، ولم يشكّك في أسس فيزيائه كما فعل بعض المتأخرين، كابو البركات البغدادي وابن سيناء وجون بوريدان، و اورسم وغاليليو، بل اعتبر نفسه الشارح الأكبر الذي يعيد بناء أرسطو بأقصى قدر من الدقة. لكن هذه المحافظة لم تكن جمودًا. ففي شروحه الكبرى على الطبيعيات والسماء والعالم، شدّد ابن رشد على أن دراسة الطبيعة لا ينبغي أن تبقى وصفية أو لغوية، بل يجب أن ترتبط بالقياس والدقة الرياضية حيثما أمكن. فهو يميّز بوضوح بين الشرح الخطابي الذي يكتفي بالتصور العام، والشرح البرهاني الذي يسعى إلى تحديد المقادير والنسب. هذا التمييز فتح المجال لفهم الحركة والزمان والمكان بوصفها موضوعات قابلة للقياس، لا مجرد مفاهيم فلسفية عامة. كما أن ابن رشد أكّد أن الرياضيات ليست غريبة عن دراسة الطبيعة، بل هي أداة ضرورية لضبطها، وإن كان يرى، على طريقة مدرسة ارسطو، أن الرياضيات لا تكشف جوهر الطبيعة بل تضبط مظاهرها. ومع ذلك، فإن هذا الاعتراف بدور الرياضيات في فهم الظواهر الطبيعية مثّل خطوة مهمة، لأنه أقرّ بشرعية التفكير الكمي داخل الفيزياء.
أهمية هذا الموقف تتضح عندما نعلم أن شروح ابن رشد تُرجمت إلى اللاتينية منذ القرن الثالث عشر، ودخلت بقوة إلى مناهج الجامعات الأوروبية في باريس وبادوفا وبولونيا. هناك، تلقّى طلاب الفلسفة الطبيعية أرسطو عبر شروحات وفهم ابن رشد، أي عبر قراءة تؤكد الدقة المفاهيمية والبرهان العقلي والتمييز بين أنماط التفسير. هذه القراءة ساعدت لاحقًا مفكرين مثل بوريدان وأورسم على تطوير تحليل كمي للحركة من داخل الإطار الأرسطي نفسه.
لم يكن ابن رشد رياضيًا بالمعنى الحديث، ولم يؤسس فيزياء رياضية، لكنه نقّى النسق الأرسطي، شدّد على البرهان، وشرعن إدخال القياس. هذا ما جعل فكره قابلًا لأن يُستثمر لاحقًا في اتجاه لم يكن هو نفسه ليذهب إليه. ومن هنا يُقال إنه، رغم محافظته النسقية، فتح الباب، نظريًا ومنهجيًا، أمام قراءة أكثر رياضية للطبيعة انتقلت إلى الجامعات الأوروبية وأسهمت في التحولات اللاحقة في تاريخ العلم.
نعم، يمكن تناول إسهام ابن باجة وابن رشد في هذا السياق بتفصيل أعمق، لأنه يمثل مرحلة محورية في تطور الفكر العلمي، حيث يبدأ الانتقال من الوصف الفلسفي إلى التفكير الكمي والتحليلي في دراسة الحركة والطبيعة.
ابن باجة، ١١٣٨م، ركّز على نقد الطريقة الأرسطية في تفسير الظواهر الطبيعية، مشيرًا إلى أن الوصف وحده لا يكفي لفهم الحركة. فقد أشار إلى ضرورة ربط الظواهر بالقياس والكمية، بحيث تصبح الحركة موضوعًا يمكن دراسته بطريقة عقلية منظمة، لا مجرد سرد كيفي. في فلسفته، الحركة ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل هي حدث قابل للقياس والتقدير، ما يفتح الباب أمام تفكير أكثر دقة في السرعة، المسافة، والزمن.
ولكي نضع ابن باجة في موقع أكثر دقّة ضمن تطوّر المنهج الأرسطي، من دون أن نُسقط عليه تصوّرات لاحقة أو نبالغ في حداثته، يمكن استحضار أن نقد ابن باجّة لم يكن موجّهًا إلى أرسطو بوصفه مؤسّسًا للعلم، بل إلى ما ساد بعد أرسطو من الاكتفاء بشرح أقوال ارسطو وتفسير ألفاظه وإعادة ترتيب حججه، من دون السعي إلى تطوير المفاهيم أو اختبارها أو توسيع قدرتها التفسيرية. فهو لم يرفض المنهج الأرسطي من حيث المبدأ، وإنما رأى أن تحويله إلى وصف لغوي للظواهر، من دون اختبار علاقاتها الكمية، يُفرغه من طاقته التفسيرية. بهذا المعنى، ابن باجّة كان يعمل داخل النسق الأرسطي، لكنه يدفعه نحو حدوده القصوى.
كما أن تركيزه على القياس لا يعني الانتقال إلى التجريب بالمعنى الحديث، بل إلى عقلنة القياس. فالقياس عنده ليس أداة تقنية مستقلة، بل وسيلة لإخضاع الظاهرة الطبيعية لبنية عقلية صارمة، تسمح بالمقارنة والترتيب والتدرّج. والحركة عنده تُفهم بوصفها مقدارًا متغيّرًا، لا مجرد كيفية، وهو ما يخفّف من ثقل اللغة الغائية في تفسير الطبيعة، دون أن يلغيها تمامًا. أيضا، أعاد ابن باجّة تعريف موقع العقل في دراسة الطبيعة. فبدل أن يكون العقل مجرّد مُفسِّر للنص الأرسطي، يصبح أداة تنظيم للخبرة الطبيعية. هذا التحوّل المنهجي يجعل من الفيزياء مجالًا قابلاً للتقنين العقلي، لا مجرد امتداد للميتافيزيقا، وهو ما يضعه في خط تطوّر مبكر نحو الفصل النسبي بين العلم الطبيعي والفلسفة الأولى. كذلك ينبغي التنبيه إلى أن حديثه عن السرعة والمسافة والزمن لا يصل إلى بناء علاقات رياضية صريحة بينها، لكنه يُمهّد لذلك مفاهيميا. فالحركة عنده ليست طبيعة تُوصَف، بل عملية تُحلَّل، وهذا التحوّل من الجوهر إلى العملية هو أحد الشروط الضرورية لولادة الفيزياء الكمية لاحقًا، سواء في العالم الإسلامي أو في أوروبا.
فإسهام ابن باجّة يتمثل في كونه حلقة انتقالية دقيقة، فهو لا يزال وفيًّا للإطار الأرسطي العام، لكنه يُفرغه تدريجيًا من لغته الوصفية الثقيلة، ويدفعه نحو لغة أكثر ضبطًا وصرامة. وبهذا المعنى، فإن إضافته لا تكمن في نتائج علمية جاهزة، بل في تحويل السؤال نفسه:، مما طبيعة الحركة؟، إلى كيف يمكن ضبطها عقليًا وقياسها؟، وهو تحوّل سيصبح لاحقًا حجر الأساس للفيزياء الحديثة.
ابن رشد، أخذ هذا التوجه خطوة أبعد، رغم حفاظه على البنية النسقية للأفكار الأرسطية. في شروحه على أرسطو، أبرز أن فهم الحركة والظواهر الطبيعية لا يمكن أن يظل بعيدًا عن الحساب والقياس. فهو لم يقدّم صيغًا رياضية حديثة، لكنه مهّد لقراءة الطبيعة بوصفها شبكة علاقات قابلة للتقدير الكمي. هذه النظرة تُظهر وعيًا بأن التجربة والملاحظة وحدهما لا تكفيان، وأن العقل بحاجة إلى أدوات القياس لتفسير الحركة بدقة أكبر.
اللافت في معالجة ابن رشد أنه لم يرفض النظام الفلسفي الأرسطي، بل قام بـنقد داخلي، مع الحفاظ على البنية الفلسفية العامة. لكنه أضاف بعدًا عمليًا وكمّيًا، يمكن اعتباره مقدمة لتطور التفكير العلمي في أوروبا. فالتراث الذي تركه، من خلال شروحه التي انتقلت لاحقًا إلى الجامعات الأوروبية مثل بولونيا وباريس، ساهم في تهيئة العقل الأوروبي لقبول النهج التجريبي والرياضي للطبيعة.
كما أن ابن رشد ركّز على العلاقة بين المبدأ والنتيجة، فالحركة ليست مجرد حقيقة محسوسة، بل علاقة بين قوة محركة واستجابة الجسم، وهذه العلاقة يمكن تحليلها عقليًا ومن ثم قياسها. هذا النهج هو ما سيمكن لاحقًا علماء مثل غاليليو من صياغة قوانين الحركة رياضيًا، بعدما وُضع الفكر الأوروبي في إطار نقدي قائم على العقل والتجربة والكمية.
وبشكل عام، يمكن القول إن عمل ابن باجة وابن رشد شكّل جسرًا فكريًا بين الطرح الأرسطي التقليدي في العالم الإسلامي وبين النهج الكمي التجريبي الذي ساد أوروبا لاحقًا. فقدما الأساس المفاهيمي للتفكير في الحركة كمسألة قابلة للقياس والتحليل، مع الحفاظ على انسجام فلسفي يمكن نقله عبر الترجمات والشروحات، ما أتاح لاحقًا تطور الفيزياء الحديثة في القرن السابع عشر. فتأثير ابن باجة وابن رشد لم يقتصر على النقد الفلسفي للأرسطية، بل شمل إرساء أسس منهجية لدراسة الطبيعة بطريقة قابلة للقياس والتحليل، وهو ما مثل حلقة حاسمة في السلسلة التي تربط التراث الإسلامي بالنهضة العلمية الأوروبية. جدول ٤١ يستعرض التدرج المنهجي والفكري للمهتمين بالعلوم وتاريخه.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٣ كل هذا عند العرب المسلمين، فماذا كان ينقصهم؟!
ما لم يقدم عليه المسلمون في زمانهم، هو الخطوة الاصطلاحية الأخيرة التي تتمثل في تحويل هذه العلاقات إلى مخططات هندسية صريحة تمثل الكمية مقابل الزمن كما فعل أورسم. هذه الخطوة ليست بسيطة، لكنها أيضًا لم تكن ممكنة دون كل ما سبقها من تفكيك الحركة وتحويلها إلى مقادير. ولكن ماذا يقول مؤرخو العلم مثل مارشال كلاغيت ، ٢٠٠٥م، وإدوارد غرانت ٢٠٢٠م، وهما اثنان من أبرز مؤرخي العلم المتخصصين في العصور الوسطى، ويمثّلان اتجاهًا تاريخيًا دقيقًا يعارض فكرة أن العلم الحديث نشأ فجأة من قطيعة تامة مع التراث الوسيط.
فمارشال مؤرخ علم أمريكي يُعد من أهم من درسوا تطور الفيزياء والرياضيات من العصور القديمة إلى أواخر العصور الوسطى. اشتهر بأعماله حول علم الحركة في القرون الوسطى، وبخاصة مدرسة باريس في القرن الرابع عشر. كلاغيت ركّز على تتبّع الاستمرارية المفهومية، وأظهر أن مفاهيم مثل السرعة، التسارع، وتغيّر الشدة لم تظهر فجأة مع غاليليو، بل تطورت تدريجيًا داخل إطار وسطي غني. في كتابه علم الميكانيكا في العصور الوسطى، بيّن أن أعمال بوريدان وأورسم وغيرهما كانت ذروة مسار طويل بدأ جزئيًا في التراث العربي–الإسلامي عبر ابن سينا وأبي البركات وغيرهما. لذلك يؤكد كلاغيت أن أورسم لم يبتكر من العدم، بل أعاد تركيبًا هندسيًا لأفكار كمية كانت متداولة، وكثير منها وصل إلى أوروبا عبر التراث العربي–الإسلامي المترجَم. أي أن المشوار بدأ بالتحول الإسلامي المبكر من الوصف الفلسفي إلى التحليل الكمي للحركة، ثم أتى أورسم وأعطى الشكل، لا المادة الأول، أي أنه مهد رياضيا-تصويريا. ومن هنا، تصبح علاقة ذلك بغاليليو ونيوتن أوضح. فأورسم ، بعد تثبيت المسلمين التحول من الوصف الفلسفي الى التحليل الكمي، مهّد رياضيا–تصويريًا، وغاليليو وحّد بين هذا التمثيل وبين التجربة المضبوطة، ونيوتن صاغ الوصف الفلسفي الناتج في لغة رياضية تجريدية (قوانين ومعادلات). وإدوارد مؤرخ علم أمريكي بارز، تخصّص في الفلسفة الطبيعية والكونيات في العصور الوسطى، وفي العلاقة بين العلم والدين. كان مدافعا قويا عن فكرة أن الجامعات الأوروبية الوسيطة كانت بيئة علمية نشطة، لا مجرد مرحلة ركود. ففي أعماله مثل العلوم الطبيعية في القرون الوسطى، وكتاب الله والسبب في القرون، شدّد على أن كثيرًا من الأسئلة التي مهّدت للثورة العلمية الحديثة صيغت بالفعل داخل الإطار الوسيط، وأن التراث العربي–الإسلامي كان مصدرًا معرفيًا أساسيًا نُقلت عنه مفاهيم وأدوات إشكالية، لا مجرد معلومات.
من هنا يمثل كل من كلاغيت وغرانت اتجاهًا تاريخيًا يناقض السردية الكلاسيكية التي ترى العلم الحديث قطيعة مطلقة مع ما قبله. عندما يُقال إن أورسم أعطى الشكل لا المادة الأولى، فإن هذا التعبير ينسجم تمامًا مع قراءة كلاغيت وغرانت: المادة المفاهيمية المتمثلة في الدفع، الميل، الكمّ، الزمن، والشدة، كانت متداولة ومتراكمة، وكثير منها وصل إلى أوروبا عبر التراث العربي–الإسلامي، بينما الإضافة الأوروبية الحاسمة كانت التمثيل الهندسي الصريح والتنظيم الاصطلاحي. فهما شاهدان تاريخيان أساسيان على أن نشوء العلم الحديث كان مسارًا تراكميًا طويلًا، لا انفجارًا مفاجئًا، وأن إسهام العلماء المسلمين كان جزءًا بنيويًا من هذا المسار، لا هامشًا عابرًا.

الخلاصة الدقيقة هي أن العلماء المسلمين لم يرسموا الرسوم البيانية الحديثة، لكنهم هم الذين جعلوا الرسم ممكنًا من حيث المبدأ، بتحويل الحركة إلى مقدار، والزمن إلى متغير، والطبيعة إلى موضوع رياضي. ومن دون هذا التحول، لما كان لأورسم ولا لغاليليو ولا لنيوتن أرض صلبة يقفون عليها.
فلقد مثّل العلماء المسلمون مرحلة حاسمة في تاريخ دراسة الحركة، حيث نجحوا في تحويل التحليل الفلسفي للحركة إلى تحليل كمي. فقد عمل كل من الكندي وبني موسى بن شاكر، وثابت بن قرة ،وابن الهيثم، وابن سينا ، وأبو البركات البغدادي، وابن باجة، وابن رشد ، على تمييز الحركة المستمرة عن الحركة الفجائية، وربط السرعة بالقوة الابتدائية والمقاومة، ودرس التدرج في الحركة والتغير في السرعة. كما أدخلوا الزمن ضمن التحليل، مما مكّن لاحقًا من التفكير في السرعة المتغيرة والتسارع، وهو ما يشكل أساسًا لأي دراسة كمية للحركة. كل هذه المعالجات كانت خطوة أساسية لإدراك أن الحركة ليست مجرد وصف كيفي، بل مسألة
كمية يمكن قياسها وتقديرها.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٤ ماير وتقاطع النص والسياق والتحول
في فلسفتها لتاريخ العلوم، لم تنظر ماير إلى العلم بوصفه مجرد تراكم للمعارف أو تقدم تقني، بل بوصفه تحولًا في أنماط التفكير والعلاقة بالواقع. فهي ترى أن الانتقال من الفيزياء الأرسطية إلى الفيزياء الرياضية الحديثة لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة عملية طويلة من إعادة تعريف مفاهيم مثل “الطبيعة” و“القانون” و“الضرورة”. ومن هنا جاءت عبارتها الشهيرة التي تفيد بأن الثورة العلمية لم تغيّر صورة العالم فحسب، بل غيّرت موقع الإنسان فيه؛ أي أن الإنسان انتقل من كونه كائنًا يتأمل نظامًا كونيًا ذا غايات، إلى ذات معرفية تسعى إلى تفسير الطبيعة بقوانين رياضية مجردة.
أما من حيث علاقتها بالتيارات الفكرية المعاصرة لها، فيمكن وضع ماير ضمن تيار الاستمرارية التاريخية في دراسة العلم، في مقابل أطروحات القطيعة التي سيشتهر بها لاحقًا توماس كون. ومع أنها سبقت كون زمنيًا، فإن أعمالها شكّلت أرضية معرفية غير مباشرة لنقاشات “الثورات العلمية”، لكنها ظلت أكثر تحفظًا منه في تعميم مفهوم القطيعة. كما ارتبطت فكريًا بتقليد مؤرخي العلوم الألمان والفرنسيين الذين شددوا على البعد الفلسفي للعلم، مثل ألكسندر كويريه، مع احتفاظها باستقلالية منهجية واضحة.
أهمية آناليس ماير لا تكمن فقط في نتائج أبحاثها، بل في المنهج الذي أرسته، وهو منهج يرى تاريخ العلوم مجالًا مركبًا يتقاطع فيه النص الفلسفي، والسياق الثقافي، والتحول المعرفي. وقد أسهم هذا المنهج في إعادة توجيه دراسات تاريخ العلم من سرد الإنجازات إلى تحليل الشروط الفكرية العميقة التي جعلت تلك الإنجازات ممكنة. ولهذا تُعد ماير اليوم مرجعًا لا غنى عنه لكل من يدرس العلاقة بين العلم والفلسفة، أو يسعى إلى فهم الثورة العلمية بوصفها تحولًا حضاريًا شاملًا، لا مجرد تطور تقني.
تنطلق آناليس ماير في مقاربتها لتاريخ العلوم من رفض جذري للصورة الشائعة التي تفصل فصلاً حادًا بين العصور الوسطى وبدايات العلم الحديث. فهي ترى أن العلم الحديث لم ينبثق فجأة في القرن السابع عشر، بل تشكّل عبر مسار طويل من النقاشات الفلسفية الدقيقة داخل الفلسفة الطبيعية الوسيطية، ولا سيما في قضايا الحركة، والسرعة، والسببية، ومفهوم القانون الطبيعي. ومنهجيًا، تعتمد ماير على تحليل نصي صارم وتتبع تاريخي دقيق لتحول المفاهيم داخل سياقاتها اللاهوتية والفلسفية، رافضة إسقاط المفاهيم الحديثة على نصوص الماضي. وبهذا المعنى، فهي تمثل بوضوح تيار الاستمرارية التاريخية، وترى أن ما يُسمّى بالثورة العلمية هو تحول بنيوي تدريجي في أنماط التفكير، لا قطيعة معرفية فجائية.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٥ مقارنة مع أطروحات العلماء الآخرين
يتقاطع هذا الموقف مع أطروحات ألكسندر كويريه في نقد التفسير الوضعي والتجريبي الساذج للعلم، وفي التأكيد على أن الثورة العلمية كانت، في جوهرها، تحولًا فلسفيًا وميتافيزيقيًا قبل أن تكون إنجازًا تقنيًا أو تجريبيًا. فكويريه، مثل ماير، يرى في غاليليو مفكرًا فلسفيًا أعاد تعريف مفهوم الطبيعة، لا مجرد عالم تجريبي. غير أن الاختلاف الجوهري بينهما يكمن في زاوية النظر؛ إذ يركز كويريه على النتيجة الوجودية الكبرى للثورة العلمية، ممثلة في الانتقال من “العالم المغلق” إلى “الكون اللامتناهي”، ويعدّ هذا الانتقال قطيعة جذرية في تصور الوجود ذاته، بينما تنصرف ماير إلى تتبع الشروط التاريخية والمفهومية التي مهّدت لهذا التحول، مؤكدة أن كثيرًا من عناصر هذه القطيعة كانت في طور التبلور داخل الفكر الوسيطي منذ القرن الرابع عشر. وبهذا يمكن القول إن كويريه يدرس التحول في صورته النهائية، في حين تدرس ماير ذاكرته الطويلة.
أما بالمقارنة مع توماس كون، فتبرز المسافة الإبستمولوجية بين الطرفين بوضوح أكبر. فكون يفسر تاريخ العلم بوصفه سلسلة من الثورات التي تفصل بين نماذج إرشادية متعاقبة وغير قابلة للاختزال المتبادل، ويرى أن الانتقال من نموذج إلى آخر ينطوي على تحول جذري في الرؤية إلى العالم، بحيث تغيب لغة مشتركة كاملة بين ما قبل الثورة وما بعدها. وتوافق ماير كون في أن الثورة العلمية غيّرت صورة العالم وموقع الإنسان فيه، لكنها ترفض فكرته عن الانقطاع المعرفي الحاد، وترفض أيضًا توصيف العلم السابق على الثورة بوصفه غير عقلاني أو غير قابل للفهم من منظور لاحق. فبالنسبة لها، ما يسميه كون “ثورة” ليس إلا تتويجًا لمسار طويل من التحولات المفهومية المتراكمة. ومن ثم يمكن القول إن كون يقدم سوسيولوجيا إبستمولوجية للعلم تركز على ديناميات الجماعة العلمية، بينما تقدم ماير أنطولوجيا تاريخية للمفاهيم العلمية نفسها.
ويظهر اختلاف آخر عند المقارنة بإمري لاكاتوش، الذي حاول التوفيق بين بوبر وكون عبر مفهوم “برامج البحث العلمية”، حيث تُقيّم النظريات تاريخيًا وفق قدرتها على التقدم التنبؤي، ولا تُرفض عند أول تعثر تجريبي. تتقاطع ماير مع لاكاتوش في رفض الرؤية التبسيطية لتقدم العلم وفي الإقرار بأهمية التاريخ لفهم العقلانية العلمية، لكنها تفترق عنه في المنطلق والغاية؛ إذ ينطلق لاكاتوش من همٍّ منهجي معياري يسعى إلى بيان كيف ينبغي تقييم العلم عقلانيًا عبر التاريخ، في حين تنطلق ماير من اهتمام تحليلي تاريخي خالص، يهدف إلى فهم كيف تشكلت المفاهيم العلمية فعليًا عبر القرون، دون تصنيف البرامج أو العلماء إلى تقدميين ومتدهورين، ودون السعي إلى وضع معايير لاحقة للحكم عليهم.
وفي مقابل كارل بوبر، الذي يركز على قابلية التكذيب والمنهج العقلاني بوصفهما معيارين أساسيين للعلم، ترى ماير أن هذا المنظور يُغفل البعد التاريخي العميق لتشكل المفاهيم العلمية، ويختزل تاريخ العلم في منطق معياري معاصر. أما بول فايرابند، الذي ذهب إلى النقيض حين اعتبر أن تاريخ العلم لا يخضع لقواعد عقلانية ثابتة وأن “كل شيء جائز”، فترفض ماير فوضويته المعرفية، مؤكدة أن تاريخ العلم، بما في ذلك مراحله الوسيطية، يكشف عن عقلانية داخلية متماسكة، وإن كانت مختلفة عن عقلانية العلم الحديث.
وفي خلاصة تركيبية، يمكن القول إن آناليس ماير تمثل جسرًا معرفيًا بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم، ودفاعًا رصينًا عن فكرة الاستمرارية العقلانية في تطور المعرفة العلمية. فهي تكشف أن الثورة العلمية لم تكن مجرد استبدال نظريات أو أدوات، بل تحولًا عميقًا في علاقة الإنسان بالطبيعة وبالمعرفة وبذاته، مع احتفاظ هذا التحول بذاكرة طويلة تمتد إلى النقاشات الفلسفية الوسيطية. وفي هذا الإطار، يبرز كويريه بوصفه محلل التحول الوجودي الكوني، ويبرز كون بوصفه منظّر القطيعة الإبستمولوجية، ويبرز لاكاتوش بوصفه مدافعًا عن عقلانية تاريخية منهجية. أما ماير، فتميزها يكمن في إظهارها أن العقل العلمي لا يولد من القطيعة
وحدها، بل من تراكم طويل، صامت أحيانًا، لكنه حاسم في تشكيل صورة العالم وموقع الإنسان فيه.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٦ أمثلة لإيضاح ما طرحته ماير
أحد أوضح الأمثلة التي تستشهد بها ماير يأتي من نظرية الحركة. فغاليليو يُقدَّم غالبًا بوصفه أول من فهم الحركة المتسارعة وصاغ قوانينها رياضيًا، لكن ماير تُظهر أن هذا الفهم لم يظهر من فراغ. ففي القرن الرابع عشر، ناقش مفكرون وسيطيون مثل جون بوريدان ونيكول أورسم فكرة أن الجسم المتحرك يكتسب دافعًا يستمر بعد زوال القوة المحركة، وهي فكرة تمثل قطيعة جزئية مع الفيزياء الأرسطية التقليدية. كما طوّر أورسم تمثيلًا بيانيًا للحركة عبر أشكال هندسية تعبّر عن تغير السرعة مع الزمن، وهو تمثيل قريب جدًا من الرسوم البيانية الحديثة. بالنسبة لماير، فإن غاليليو لم يفعل سوى تحويل هذه المناقشات النظرية إلى صياغة رياضية وتجريبية أكثر اتساقًا، ما يجعل الثورة هنا تتويجًا لمسار مفهومي سابق لا قطيعة تامة معه.
وفي مجال مفهوم القانون الطبيعي، تقدّم ماير مثالًا آخر بالغ الدلالة. فالتصور الحديث للطبيعة بوصفها خاضعة لقوانين عامة رياضية يُنسب عادة إلى القرن السابع عشر، لكن ماير تبيّن أن مصطلح “القانون” كان حاضرًا بقوة في اللاهوت والفلسفة الوسيطية، حيث جرى التفكير في انتظام الطبيعة على أنه تعبير عن إرادة إلهية ثابتة. هذا التصور مهّد لفكرة أن الطبيعة قابلة للفهم العقلي والقياس المنتظم. وعليه، فإن الانتقال إلى قوانين نيوتن لم يكن انقلابًا على الرؤية الدينية السابقة، بل إعادة صياغة لها ضمن إطار رياضي تجريدي، وهو ما يعكس فكرة ماير عن التحول التدريجي في أنماط التفكير.
وتتضح أطروحة ماير كذلك في العلاقة بين الرياضيات والطبيعة. ففي الفيزياء الأرسطية الكلاسيكية، كانت الرياضيات تُعد أداة وصفية ثانوية لا تمس جوهر الطبيعة، بينما ارتفعت مكانتها في العلم الحديث لتصبح لغة الطبيعة ذاتها. ماير تبيّن أن هذا التحول سبق غاليليو بقرون، إذ بدأ فلاسفة العصور الوسطى يناقشون إمكانية استخدام الكميات والعلاقات الرياضية لفهم الظواهر الطبيعية، خصوصًا في علم البصريات وعلم الحركة. ومن ثم فإن إعلان غاليليو أن “كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات” لا يمثل قطيعة فكرية مفاجئة، بل تعبيرًا مكثفًا عن اتجاه فكري كان يتبلور تدريجيًا.
وفي علم البصريات، يظهر مثال آخر مهم. فغالبًا ما يُنظر إلى كبلر وغاليليو باعتبارهما مؤسسي الفهم الحديث للرؤية والضوء، لكن ماير تذكّر بالدور الحاسم لعلماء سابقين، مثل ابن الهيثم، الذي وضع نموذجًا تجريبيًا ورياضيًا لفهم الإبصار يعتمد على الضوء الداخل إلى العين لا الخارج منها. ورغم أن ماير تركز أساسًا على السياق الأوروبي الوسيطي، فإنها ترى أن انتقال هذه الأعمال إلى اللاتينية أسهم في تكوين بيئة فكرية سمحت لاحقًا بظهور البصريات الحديثة. هنا تتجلى أطروحتها القائلة إن الثورة العلمية كانت شبكة تفاعلات معرفية ممتدة، لا اختراعًا مفردًا.
ويمتد تحليل ماير إلى تصور الكون وموقع الإنسان فيه. فالانتقال من نموذج كوني مغلق، هرمي، ومشحون بالغايات، إلى كون لا نهائي تحكمه قوانين رياضية عامة، يُقدَّم عادة بوصفه قطيعة فجائية مع الماضي. غير أن ماير تبيّن أن النقد التدريجي للكون الأرسطي بدأ داخل الفلسفة الوسيطية نفسها، من خلال التساؤل عن إمكانية تعدد العوالم، أو عن لا نهائية القدرة الإلهية، وهي تساؤلات زعزعت مبكرًا فكرة الكون المغلق. ومن ثم، فإن الثورة الكوبرنيكية لم تغيّر صورة العالم فقط، بل غيّرت موقع الإنسان فيه عبر مسار تراكمي طويل.
وتبرز أطروحة ماير كذلك في المنهج العلمي ذاته. فبدل تصوير المنهج التجريبي على أنه اختراع حديث خالص، تُظهر أن التجريب المنضبط، والملاحظة الدقيقة، واستخدام الفرضيات، كانت حاضرة بدرجات متفاوتة في أعمال العلماء الوسيطيين، حتى وإن لم تُصغ بعد في إطار منهجي صريح. وهذا يفسر كيف أمكن للعلم الحديث أن يتبلور بسرعة نسبية؛ لأنه لم يبدأ من الصفر، بل ورث بنية عقلانية قائمة.
مجمل هذه الأمثلة، من الميكانيكا إلى القانون الطبيعي، ومن الرياضيات إلى البصريات والكونيات والمنهج، تُجسّد الفكرة المحورية لآناليس ماير، وهو أن تاريخ العلم هو تاريخ تحولات مفهومية بطيئة وعميقة، وأن ما نسميه ثورة علمية ليس محوًا للماضي، بل إعادة تنظيم جذرية لموروث طويل. وبهذا المعنى، فإن مشروعها لا يقلل من شأن غاليليو أو نيوتن، بل يعيد وضع إنجازاتهما داخل
سياق تاريخي أوسع، يكشف عن الاستمرارية العقلانية الكامنة خلف كل تحول ظاهري حاد.
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٧ مواقف العلماء ومقارنات من أطروحات ماير
٤.٤.١.٣.٢.١٢.٧.١ مقارنة أطروحات العلماء
لقيت أطروحات ماير تقديرًا كبيرًا داخل تيار تاريخ العلوم الفلسفي الذي يرفض القراءة الوضعية أو التقدمية الساذجة. فقد اعتبرها كثير من المؤرخين، خاصة في التقليد الألماني والفرنسي، من أوائل من أعادوا الاعتبار الجدي للفلسفة الطبيعية الوسيطية بوصفها فضاءً عقلانيًا خصبًا، لا مجرد مرحلة انتقالية عقيمة. وقد رأى هؤلاء أن عملها أسهم في تصحيح صورة تاريخية مشوّهة عن العصور الوسطى، وبيّن أن مفاهيم مثل الحركة، والسببية، والقانون الطبيعي، لم تكن جامدة أو خاضعة لسلطة النص، بل كانت موضوع تحليل نقدي دقيق. في هذا السياق، عُدّت ماير مرجعًا أساسًا لكل من يدرس الجذور العميقة للعلم الحديث.
أما ألكسندر كويريه، فعلى الرغم من قربه الكبير من ماير في رفض التفسير التجريبي الضيق للثورة العلمية، فقد تعامل مع أطروحاتها بنوع من التحفظ الضمني. إذ رأى كويريه أن التركيز المفرط على الاستمرارية قد يُضعف إدراك الطابع الوجودي العميق للتحول الذي أحدثته الثورة العلمية، خاصة الانتقال من عالم متناهٍ غني بالمعنى إلى كون لامتناهٍ محكوم بالكمّ والرياضيات. ومع ذلك، لم ينكر كويريه أهمية عملها، بل يمكن القول إن مشروعها التاريخي وفّر له مادة غنية مكّنته من إبراز القطيعة على نحو أدق، حتى وإن اختلف معها في التقييم النهائي لطبيعة هذا التحول.
وفي المقابل، نظر توماس كون إلى أطروحات ماير بوصفها نموذجًا لما يمكن تسميته “التاريخ الداخلي للمفاهيم”، لكنه اعتبرها غير كافية لتفسير ديناميات التغير العلمي كما تظهر في الواقع التاريخي. فمن منظور كون، لا يكفي تتبع تطور المفاهيم عبر القرون لفهم الثورة العلمية، لأن ما يحدث أثناء الثورة هو تحول في النموذج الإرشادي وفي رؤية الجماعة العلمية للعالم، لا مجرد إعادة ترتيب مفهومي تدريجي. ومع ذلك، استفاد أنصار كون من أعمال ماير في توضيح الخلفيات الفكرية للنماذج السابقة، حتى وإن ظلوا يرون أن هذه الخلفيات لا تلغي لحظة القطيعة الإبستمولوجية.
أما إمري لاكاتوش، فقد كان أكثر تقبّلًا لأطروحات ماير، لكنه أعاد تأطيرها ضمن مشروعه المنهجي. فقد رأى أن ما كشفته ماير من استمرارية مفهومية يمكن إدراجه ضمن نواة صلبة لبرامج بحثية طويلة الأمد، تستمر عبر تغير النظريات السطحية. غير أن لاكاتوش انتقد غياب البعد المعياري في عملها، معتبرًا أن المؤرخ لا يكتفي بوصف ما حدث، بل ينبغي أن يقيّم عقلانية المسارات العلمية المختلفة. وهنا يظهر الفرق بين اهتمامه بالعقلانية المنهجية، واهتمام ماير بالعقلانية التاريخية الداخلية.
في المقابل، أبدى كارل بوبر وأتباعه قدرًا من التحفظ على مشروع ماير، معتبرين أن تركيزها على الجذور الوسيطية قد يؤدي إلى تمييع الفارق الجوهري بين العلم قبل الحديث والعلم الحديث. فبالنسبة لبوبر، يكمن التميّز الحقيقي للعلم الحديث في المنهج النقدي القائم على التكذيب، لا في مجرد تطوير مفاهيم سابقة. ومن هذا المنظور، بدت أطروحات ماير، في نظرهم، وصفية أكثر مما ينبغي، وغير معنية بما يجعل العلم علمًا بالمعنى الدقيق.
أما بول فايرابند، فقد تعامل مع أعمال ماير من زاوية مختلفة تمامًا. فهو لم يعارضها لأنها تؤكد الاستمرارية، بل لأنه رأى فيها نزعة “عقلانية تاريخية” لا تزال تفترض وجود منطق داخلي متماسك لتطور العلم. فايرابند، الذي كان ميّالًا إلى إبراز الفوضى والتعدد وعدم الانضباط المنهجي في تاريخ العلم، اعتبر أن مثل هذه السرديات، مهما كانت نقدية، تظل نوعًا من إعادة بناء عقلاني لاحق للتاريخ. ومع ذلك، لم ينكر القيمة التوثيقية الكبيرة لأعمالها.
وفي الدراسات اللاحقة، خاصة منذ سبعينيات القرن العشرين، أصبحت أطروحات ماير جزءًا من التيار الكلاسيكي في تاريخ العلوم، وجرى دمجها في أعمال باحثين درسوا العلم في سياقه الثقافي والاجتماعي الأوسع، مع الاحتفاظ بإسهامها الخاص في تحليل المفاهيم. وقد رأى كثيرون أن قوتها تكمن فيما لا تدّعيه: فهي لا تقول إن العصور الوسطى كانت “حديثة قبل الحداثة”، ولا تنكر خصوصية الثورة العلمية، لكنها تُصرّ على أن هذه الخصوصية لا تُفهم إلا على خلفية تاريخ طويل من التفكير العقلاني.
وخلاصة المواقف أن آناليس ماير لم تكن شخصية خلافية بقدر ما كانت مفصلية. فقد أجبرت مؤرخي العلم، على اختلاف اتجاهاتهم، على التخلي عن السرديات السطحية، وأعادت طرح سؤال عميق: هل يتقدم العلم بالقفز، أم بالتراكم، أم بمزيج معقد من الاثنين؟ والإجابة التي قدّمتها لم تُغلق النقاش، لكنها رفعت مستواه، وهو ما يفسر استمرار حضورها في كل نقاش جاد حول تاريخ العلوم وفلسفته.

تُعد آناليس ماير من أكثر مؤرخي وفلاسفة العلم إنصافًا للتراث الإسلامي، وإن لم تجعل ذلك محورًا معلنًا أو صريحًا في مشروعها. يظهر هذا الإ نصاف من خلال تحليلها الفيلولوجي الدقيق لتطور مفاهيم أساسية مثل الدفع، والميل، وتغيّر الشدة في نصوص القرن الرابع عشر الأوروبي. هذه المفاهيم، كما تثبت الدراسات التاريخية، متأثرة بصورة مباشرة بأعمال ابن سينا وأبي البركات البغدادي. ماير لا تُسقط مفاهيم الفيزياء الحديثة على النصوص الوسيطة، لكنها تكشف أن كثيرًا مما جرى تقديمه لاحقًا بوصفه “ابتكارًا أوروبيًا خالصًا” لم يكن سوى إعادة صياغة أو تطوير لتراكم معرفي سابق أسهم فيه العلماء المسلمون إسهامًا عميقًا ومؤسسًا.
في المقابل، يتبنى ألكسندر كويْري سردية تقوم على قطيعة إبستمولوجية حادة بين العلم القديم والعلم الحديث، ويجعل من ثورة غاليليو -نيوتن تحولًا ميتافيزيقيًا جذريًا في تصور العالم. ضمن هذا الإطار التفسيري، يُهمَّش التراث الإسلامي، إذ يُدمج في خانة العلم الأرسطي المعدَّل بدل النظر إليه بوصفه قوة ابتكارية مستقلة ذات دينامية داخلية. هذا الاختزال كان موضع نقد لدى عدد من الباحثين المعاصرين، مثل جورج صليبا، الذين رأوا فيه إغفالًا للدور البنيوي الذي لعبه العلماء المسلمون في إعادة تشكيل مفاهيم الطبيعة والحركة.
أما توماس كون، فلا ينكر إسهامات العلماء المسلمين صراحة، لكنه لا يتناولها بوصفها حالة تحليلية قائمة بذاتها. اهتمامه موجّه أساسًا إلى دراسة النماذج العلمية المكتملة داخل المجتمعات الأوروبية الحديثة، وإلى كيفية تشكّل الإجماع العلمي داخلها. في هذا السياق، يظل التراث الإسلامي عنده خلفية تاريخية بعيدة، لا عنصرًا فاعلًا أو حاسمًا في تشكّل النماذج التي ينصبّ عليها تحليله.
ويتخذ إيمري لاكاتوش موقفًا منهجيًا صرفًا، إذ ينظر إلى تاريخ العلم من زاوية برامج البحث دون تركيز خاص على الانتماءات الحضارية أو السياقات الثقافية. ووفق منطقه، لو أُدرج التراث الإسلامي في تحليله، لأمكن اعتباره برنامجًا بحثيًا مبكرًا احتوى عناصر تقدمية مهمة، لكنه لم يتحول إلى برنامج مهيمن في تاريخ العلم الأوروبي. غير أن لاكاتوش لم ينجز هذا التحليل فعليًا، وبقي موقفه من التراث الإسلامي افتراضيًا وإمكانيًا أكثر منه تاريخيًا ملموسًا.
أما كارل بوبر، فيمثل الموقف الأكثر تهميشًا للتراث الإسلامي. فهو يرى أن العلم بالمعنى الدقيق لا يبدأ إلا مع المنهج الحديث القائم على القابلية للتكذيب، ولذلك يصنّف معظم ما قبل القرن السابع عشر ضمن ما يسميه الميتافيزيقا الخصبة لا ضمن العلم نفسه. وبهذا التصور، يُقصى التراث الإسلامي، شأنه شأن التراث اليوناني والوسيط الأوروبي، من دائرة العلم الحقيقي، وهو موقف أثار انتقادات تاريخية وفلسفية واسعة بسبب طابعه المعياري الصارم وتجاهله للتطور الفعلي للمفاهيم العلمية عبر العصور.
الخلاف لا يدور في جوهره حول قيمة التراث العربي والإسلامي العلمية بقدر ما يدور حول نموذج فهم تاريخ العلم نفسه والمنهج المعتمد في قراءته. فالباحثون الذين يشتغلون مباشرة على النصوص وتحليلها الفيلولوجي الدقيق، مثل آناليس ماير، يرون بوضوح الحضور الفعلي للتراث الإسلامي داخل تشكّل المفاهيم العلمية الوسيطة، ويكشفون كيف انتقلت أفكار أساسية من أعمال علماء مسلمين إلى الفكر الأوروبي اللاحق. في المقابل، فإن من يبنون قراءتهم على فكرة القطيعات الإبستمولوجية الكبرى، كما يفعل ألكسندر كويْرية، يميلون إلى تهميش هذا التراث، لا لأنهم ينكرون وجوده تاريخيًا، بل لأن نموذجهم التفسيري يدمجه ضمن عالم قديم مغلق جرى تجاوزه جذريًا مع الثورة العلمية الحديثة، فيغيب دوره بوصفه قوة ابتكارية مستقلة.
أما الفلاسفة الذين ينطلقون من تحليل النماذج العلمية أو المعايير المنهجية، مثل توماس كون وإيمري لاكاتوش وكارل بوبر، فإنهم يتجاوزون التراث العربي والإسلامي تجاوزًا منهجيًا. اهتمامهم ينصبّ على بنى نظرية مكتملة أو على معايير معيارية للعلم، لا على المسارات التاريخية الدقيقة لتكوّن المفاهيم، وبذلك لا يُقصى التراث الإسلامي عن قصد، لكنه يظل خارج مجال التحليل بحكم الإطار الفلسفي المعتمد.

٤.٤.١.٣.٢.١٢.٧.٢ مواقف العلماء من أطروحات ماير
تتميّز أعمال آناليس ماير بأنها لا تدخل مباشرة في صلب الفلسفات الكبرى للعلم، ليس قصورًا فيها، بل لأنها تشتغل في مستوى أعمق وأدق، هو مستوى تشكّل المفهوم العلمي ذاته قبل أن يُدمج في نسق فلسفي شامل. اهتمامها ينصب على اللحظة التي تتكون فيها الأفكار العلمية داخل الممارسة واللغة والنص، لا على صياغتها اللاحقة ضمن سرديات كبرى. لهذا السبب يتحفّظ أو يتجاهلها الفلاسفة الذين تقوم مشاريعهم على بناء سرديات كلية متماسكة، مثل ألكسندر كويْرية أو كارل بوبر. فنتائج ماير، التي تكشف استمراريات وتدرجات دقيقة في تاريخ العلم، لا تنسجم بسهولة مع تصورات ترى في تطور العلم قفزات حاسمة أو تحولات معيارية واضحة المعالم.
في المقابل، ينسجم معها الفلاسفة الذين يشككون أصلًا في مشروعية السرديات الكبرى، مثل بول فايرآبند، وإلى حدٍّ ما إيمري لاكاتوش. غير أن هذا الانسجام يبقى في الغالب ضمنيًا وغير مُعلن، إذ إن أعمال ماير توفّر دعمًا تاريخيًا لمواقفهم دون أن تتحول إلى مرجعية صريحة في تنظيراتهم.
أما توماس كون، فيقف في موقع وسطي بين هذه الاتجاهات. فهو لا يناقض ماير ولا يدحض نتائجها، لكنه في الوقت نفسه لا يوظفها في بنائه النظري، لأن اهتمامه موجّه إلى بنية النموذج العلمي داخل مجتمع علمي مكتمل، لا إلى المرحلة التكوينية الدقيقة التي تتناولها ماير.
لكن بول فايرآبند، وعلى الرغم من أنه لم يناقش ماير مباشرة، فإن أعمالها تقدم دعمًا قويًا لأطروحاته. تفكيكها لسردية العلم الحديث بوصفه قطيعة نظيفة، ينسجم بوضوح مع تصوره لتاريخ العلم بوصفه مسارًا فوضويًا وتعدديًا وغير خطي. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى ماير بوصفها حليفًا تاريخيًا صامتًا لفايرآبند، يمد أطروحته بأرضية تاريخية دقيقة دون أن يلتقيا نصيًا.
وبذلك يمكن القول بدقة إن آناليس ماير تُربك الفلسفات الكبرى للعلم لأنها تكشف أن التاريخ الفعلي لتكوّن العلم أقل أناقة وتناظرًا مما تفترضه هذه الفلسفات، لكنه في المقابل أكثر قربًا من الواقع وأكثر صدقًا في تمثيل مساره الحقيقي.
٤.٤.١.٣.٢.٧.١٣ مدارس قراءة تاريخ العلوم
لفهم تطور الفكر العلمي وتاريخ العلوم، لا يمكن الاكتفاء بعرض الاكتشافات أو القوانين والمعادلات فحسب، بل يجب التعمق في المنهجية والفلسفة التي تشكل العلوم نفسها. العلم ليس مجرد تراكم للمعرفة، بل شبكة من المفاهيم، والطرائق، والمعايير التي تحدد ما يُعتبر معرفة صالحة ومقبولة في سياق زمني وثقافي محدد. لذلك، دراسة تاريخ العلوم لا تقتصر على الوقائع التجريبية، بل تشمل تحليل السياقات الفكرية والاجتماعية والثقافية التي ولدت هذه الوقائع، وفهم كيفية تشكّل المفاهيم العلمية، وتحولها، وانتقالها عبر الحضارات.
عبر التاريخ، حاول الفلاسفة والمؤرخون والعلماء تقديم تفسيرات متنوعة للطبيعة ولنشأة العلم، مستعينين بمناهج مختلفة: بعضها يركز على المنطق والبرهان، وبعضها على التجربة والملاحظة، وبعضها على البنى الاجتماعية والثقافية التي تتحكم في إنتاج المعرفة. كما ظهر اتجاه آخر يسعى إلى دراسة النصوص العلمية بدقة، مع الانتباه لسياقها التاريخي واللغوي والفكري، ما يجعل قراءة التاريخ العلمي أكثر إحاطة وصدقًا.
مع تطور الفكر العلمي والفلسفي، ظهرت مدارس مختلفة، كل منها يقدم إطارًا خاصًا لفهم العلم، سواء من ناحية فلسفية أو منهجية أو اجتماعية. بعض هذه المدارس يقدّم سرديات كبيرة عن التقدم العلمي، وبعضها يركز على التغيرات البنيوية في الفكر، وبعضها يُعيد النظر في تأثير الثقافة والمجتمع على العلم. كما ظهرت مدارس حديثة تسعى إلى دمج التراث الحضاري، بما في ذلك التراث الإسلامي، مع المنجزات العلمية المعاصرة، لتقديم رؤية أكثر تكاملاً وشمولية لتاريخ العلوم.
تمثل هذه المدارس معًا ميدانًا غنيًا للتفسير والتحليل، يتيح للدارس فهم أسباب التحولات العلمية الكبرى، وعلاقة المفاهيم العلمية بالممارسات التجريبية، وارتباطها بالسياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية، إضافة إلى تقديم قراءة نقدية للتراث العلمي عبر العصور. هذا يمهد الطريق لاستعراض أبرز عشر مدارس مؤثرة في تفسير العلم وتاريخه، مع إبراز أهم أفكارها ومساهماتها والشخصيات المرتبطة بها، بما يسهل على القارئ غير المتخصص إدراك تنوع وعمق هذه الرؤى.
٤.٤.١.٣.٢.٧.١٣.١ نبذة عن أهم المدارس
القائمة التي ذكرتها تضم بالفعل مدارس محورية ومؤثرة في تفسير العلم وتاريخ العلوم، لكنها ليست الوحيدة الممكنة، كما أن بعض المدارس تتداخل أو تُدرج أحيانًا تحت مسميات أوسع. ومع ذلك، يمكن اعتبارها، مع شيء من المرونة، من أهم التيارات التفسيرية الكبرى التي شكّلت فهمنا الحديث للعلم، سواء من زاوية فلسفية أو تاريخية أو اجتماعية. ونستعرض هذه المدارس بشكل مبسط، مع الإشارة إلى أبرز الشخصيات والأفكار.
نبدأ بالوضعية الكلاسيكية التي نشأت في القرن التاسع عشر مع أوغست كونت، الذي رأى أن العلم هو المرحلة العليا في تطور العقل الإنساني بعد اللاهوت والميتافيزيقا. وفق هذا المنظور، لا يُعَدّ علمًا إلا ما يقوم على الملاحظة الحسية وصياغة القوانين العامة التي تصف انتظام الظواهر. كان كونت يعتقد أن مهمة العلم ليست تفسير لماذا، الأشياء، بل وصف كيف، تعمل، وأن البحث عن العلل الغائية أو الميتافيزيقية هو بقايا من مراحل فكرية سابقة. هذه المدرسة قدّمت تصورًا تقدميًا خطيًا لتاريخ العلم، حيث يُنظر إلى المعرفة العلمية باعتبارها تراكمًا متواصلًا يقترب تدريجيًا من الحقيقة، وهو تصور سيُنتقد لاحقًا بشدة من المدارس التاريخية والنقدية.
وثاني هذه المدارس، هي الوضعية المنطقية، التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين مع حلقة فيينا، وكان من أبرز أعضائها موريتس شليك بوصفه المنسّق الفكري للحلقة، ورودولف كارناب بوصفه المنظّر الأكثر تأثيرًا في مشروعها المنطق. حاولت الوضعية المنطقية إعادة بناء العلم على أسس منطقية صارمة. أكدت هذه المدرسة أن معنى القضايا العلمية يتحدد بإمكانية التحقق التجريبي منها، وأن القضايا الميتافيزيقية أو الأخلاقية لا معنى معرفيًا لها. في نظرهم، تاريخ العلم أقل أهمية من تحليله المنطقي، والعلم المثالي هو نسق من القضايا الصورية المرتبطة بالملاحظة. غير أن هذا المشروع واجه صعوبات كبرى، أبرزها فشل مبدأ التحقق نفسه، وانتقادات كارل بوبر الذي أشار إلى أن العلم لا يقوم على التحقق، بل على القابلية للتكذيب.
المدرسة التاريخية، المرتبطة خصوصًا بتوماس كون، أحدثت انقلابًا في فهم تاريخ العلم. في كتابه الشهير بنية الثورات العلمية ١٩٦٢م، بيّن كون أن العلم لا يتقدم تراكمياً، بل عبر فترات من العلم العادي تحكمها نماذج إرشادية (بارادايمات)، تتخللها ثورات علمية تغيّر المفاهيم الأساسية واللغة والمعايير. ضرب مثالًا بالانتقال من فيزياء أرسطو إلى فيزياء نيوتن، ثم إلى النسبية. هنا يصبح تاريخ العلم عنصرًا داخليًا في فهم العلم نفسه، لا مجرد سرد خارجي، وهو ما فتح الباب أمام إعادة تقييم دور التراث الوسيط، بما فيه الإسلامي، في تشكّل العلوم الحديثة.
المدرسة الاجتماعية-الثقافية وهي المدرسة التي تنظر إلى العلم بوصفه نشاطًا إنسانيًا مشروطًا بسياقه الاجتماعي والمؤسسي والثقافي. من أبرز ممثليها روبرت ميرتون، ثم لاحقًا ديفيد بلور وبرنامج إدنبرة. تؤكد هذه المدرسة أن ما يُقبل بوصفه حقيقة علمية لا يُحدَّد فقط بالبيانات، بل أيضًا بعوامل مثل السلطة العلمية، والمؤسسات، والقيم الاجتماعية. في هذا الإطار، يُعاد النظر في تاريخ العلم بوصفه تاريخ جماعات وممارسات، لا مجرد أفكار مجردة، وهو ما أتاح دراسة انتقال العلوم بين الحضارات، ومنها انتقال المعارف العربية الإسلامية إلى أوروبا.
المدرسة البنيوية، المتأثرة بأعمال كلود ليفي-ستروس وامتداداتها في فلسفة العلم، تركز على البُنى العميقة التي تنظّم التفكير العلمي، أكثر من اهتمامها بالتجارب الفردية أو التسلسل الزمني. في هذا المنظور، النظريات العلمية تُفهم كبُنى مفهومية لها علاقات داخلية ثابتة نسبيًا. هذا التوجه أثّر في بعض قراءات تاريخ العلم التي ترى أن التحولات العلمية هي تحولات في البنية المفهومية، لا مجرد إضافة معلومات جديدة، وهو ما يلتقي جزئيًا مع أطروحات كويْري عن التحول الميتافيزيقي في العلم الحديث.
المدرسة الفينومينولوجية، المرتبطة بإدموند هوسرل ومن تأثر به، تنطلق من تحليل التجربة المعاشة وكيفية تشكّل المعنى العلمي في الوعي. العلم هنا ليس مجرد معادلات، بل هو نمط خاص من إعطاء المعنى للعالم. هوسرل، في أزمة العلوم الأوروبية، انتقد اختزال العلم الحديث للعالم في صيغ رياضية، داعيًا إلى العودة إلى عالم الحياة. هذا المنظور أثّر في تاريخ العلم عبر إبراز البعد الإنساني والمعرفي في تشكّل المفاهيم، لا سيما في فيزياء القرن العشرين.
المدرسة التأويلية أو الهرمنيوطيقية تنظر إلى العلم ونصوصه بوصفها نصوصًا تحتاج إلى تفسير، لا مجرد تقارير محايدة عن الواقع. تأثرت بأعمال ديلتاي وغادامير، وتؤكد أن فهم النص العلمي يتطلب إدراك أفقه التاريخي واللغوي. في تاريخ العلم، يعني ذلك قراءة أعمال غاليليو أو ابن سينا أو نيوتن ضمن سياقهم الفكري، لا بعين الحاضر. هذا المنهج قريب من أعمال آناليس ماير وألكسندر كويْرية في اهتمامهم بالدقة النصية.
المدرسة النقدية، المرتبطة بمدرسة فرانكفورت مثل هوركهايمر وأدورنو وهابرماس، تنظر إلى العلم من زاوية علاقته بالسلطة والعقل الأداتي. ترى أن العلم الحديث، رغم إنجازاته، قد تحوّل إلى أداة للسيطرة على الطبيعة والإنسان. في تاريخ العلم، يُعاد طرح سؤال لصالح من يعمل العلم؟ وكيف تشكّلت أولوياته؟ هذا الطرح وسّع النقاش ليشمل البعد الأخلاقي والسياسي للعلم.
ما بعد الحداثة، مع مفكرين مثل ميشيل فوكو وجان فرانسوا ليوتار، تشكك في السرديات الكبرى عن تقدم العلم والعقل. فوكو، مثلًا، درس العلوم بوصفها أنظمة خطاب مرتبطة بالسلطة والمعرفة. في هذا السياق، لا يعود تاريخ العلم قصة انتصار العقل، بل تاريخ تحولات في أنماط الخطاب. هذا المنظور فتح المجال لإعادة الاعتبار لتقاليد معرفية مهمّشة، لكنه اتُّهم أحيانًا بالنسبية المفرطة.
المدرسة الإسلامية-التكاملية الحديثة تسعى إلى إعادة قراءة العلم من داخل رؤية حضارية إسلامية، دون رفض منجزاته الحديثة. مفكرون مثل إسماعيل الفاروقي، وزياد الدين سردار، يؤكدون أن العلم ليس محايدًا تمامًا، وأنه يمكن دمجه في أفق قيمي ومعرفي أوسع. في تاريخ العلم، تسعى هذه المدرسة إلى إبراز الاستمرارية بين التراث العلمي الإسلامي والحداثة، لا بوصف الماضي بديلاً عن العلم الحديث، بل بوصفه جزءًا من تاريخه العميق.
خلاصة القول إن هذه المدارس تمثّل بالفعل أبرز الأطر التي فُسِّر من خلالها العلم وتاريخه، وكل واحدة منها تُبرز جانبًا مختلفًا، كالمنطق، التاريخ، المجتمع، المعنى، أو القيم. ولابد من استحضار أن فهم تاريخ العلم اليوم يتطلب غالبًا حوارًا بينها، لا الاكتفاء بإحداها وحدها.
٤.٤.١.٣.٢.٧.١٣.٢ خاتمة
بعد استعراض المدارس العشر لتفسير العلوم وتاريخها، يمكن استخلاص عدة نقاط جوهرية تعكس ثراء وتنوع هذه المناهج. أولاً، يتضح أن كل مدرسة تقدم زاوية مختلفة لفهم العلم، سواء من ناحية فلسفية أو منهجية أو اجتماعية، وأن هذه الزوايا ليست متنافرة بالضرورة، بل غالبًا تكمل بعضها البعض. بعض المدارس مثل الوضعية الكلاسيكية والمنطقية ركزت على التجربة والتحقق المنهجي كشرط لصحة المعرفة، بينما اهتمت المدارس التاريخية والاجتماعية بالتحولات البنيوية والسياقات الثقافية التي تشكل العلوم، وهو ما أظهر أن العلم لا ينشأ في فراغ، بل ضمن شبكة من العلاقات الفكرية والمجتمعية.
ثانيًا، أظهرت المدارس البنيوية والفينومينولوجية والتأويلية أهمية البنية الداخلية للمفاهيم العلمية والوعي بالمستويات الرمزية والتمثيلية التي تعتمدها العلوم، وهو ما يعزز قدرة الباحث على قراءة العلم بوصفه منتجًا ثقافيًا ومعرفيًا وليس مجرد مجموعة حقائق ثابتة. كذلك، سلطت المدارس النقدية وما بعد الحداثة الضوء على الطبيعة التعددية وغير الخطية لتاريخ العلوم، مؤكدة على أن المعرفة تتطور في صراع مستمر بين الأفكار، وأن التغيير العلمي ليس مجرد تراكم تقني، بل انقلاب في الإطار المفاهيمي ذاته.
ثالثًا، يبرز أثر المدرسة الإسلامية التكاملية الحديثة في إعادة قراءة التراث العلمي القديم وربطه بالمعرفة الحديثة، مؤكدة على استمرارية تاريخية حضارية تتجاوز التفسيرات التقليدية التي ترى الفضاء الإسلامي مجرد حلقة انتقالية بين اليونان وأوروبا. هذا يفتح المجال أمام رؤية شاملة للعلوم، تعترف بأهمية المساهمات غير الأوروبية، وتربط بين الفكر التاريخي والبحث العلمي المعاصر.
في الخلاصة، يظهر أن دراسة تاريخ العلوم عبر هذه المدارس ليست مجرد استعراض أكاديمي، بل أداة لفهم دينامية المعرفة وتشكيلها عبر الزمن. كل مدرسة تضيف بعدًا جديدًا، من التركيز على التجربة والمنطق، إلى دراسة السياق الاجتماعي والثقافي، وصولًا إلى التحليل البنيوي والفلسفي للنصوص والمفاهيم. إن استيعاب هذه الرؤى المتنوعة يُمكّن الباحث والمثقف على حد سواء من قراءة العلم بوصفه نشاطًا بشريًا متعدد الأبعاد، متشابكًا مع الفكر والمجتمع والتاريخ، لا مجرد مجموعة نتائج تجريبية محايدة، وهو ما يمنحنا فهمًا أعمق وأكثر ثراءً لتاريخ العلوم وتطور المعرفة الإنسانية.
ونواصل في المقال القادم
في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور! XVIII
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ١٤
ونتحدث عن أطروحات فايرباند عن "ضد المنهج" بعد أن نتحدث عن اشكاليتي بيكون وكانط، وبعد الحديث عن مساهمة السيد الصدر في سد الفجوة المعرفية التي أثارها هيوم في موضع الاستقراء
فؤاد
٢٨ ديسمبر ، ٢٠٢٥
تعليقات
إرسال تعليق