وهم المعرفة و ادراك الادراك


 وهم المعرفة و ادراك الادراك 




تعتبر صياغة  فكرة التحيز المعرفي ووهم التفوق،  حديثة نوعا ما ، بصياغتها على يدي عالمي النفس ديفيد دانينج و جوستين كروجر في بحثهما المنشور ١٩٩٩ ، وهما صاحبي منحنى دانينج كروجر الذي يرجع اليه ويستخدمه العديد من  المتصدين للتنمية البشرية وعلماء الاجتماع والنفس والادارة، ويرجع الفضل في ما توصل اليه دانينج وكروجر الى  ماكارثير مبلر  الذي سطى على احد البنوك وتم القبض عليه باسرع مما توقعه بسبب وهم المعرفة الذي كان يعيشه والذي كان ترجمة لعدم تمكنه من ادراك مستوى معرفته!!  عدم التمكن من ادراك الادراك يعني عدم القدرة على معرفة ما يتمكن الشخص من ادراكه  وما لا يتمكنه وتبعا لذلك فلا يمتلك خريطة واضحة لما يعرف فيتوهم معرفة مالا يعرفه ويقتنع بذلك ويتصرف على هذا الاساس، ويكون هذا ارضية خصبة لممارسة المغالطات المنطقية بدون ادراك من الفرد انه يمارس ذلك بالرغم من وجود من يمارسونها بتخطيط وتعمد وادراك بمفاعيلها.  قد تكون المشكلة الصعبة المعالجة ، هو ان ما يحتاجه الشخص من مهارات، للتعرف على ما يمكنه ادراكه ، هي نفس ما يحتاجه لكسب المعرفة تلك. 

احد الامور الملفتة في الموضوع ، هو ان التحيز المعرفي ووهم التفوق كان معروفا على مر التاريخ ودون منسوبا للكثير من المثقفين والمفكرين والفلاسفة،

 ويمكن الاستشهاد باربعة منهم ، بعد ذكر المتنبي المولود ٣٠٣ هجرية والذي يعتبر اول من دونها في احد ابيات شعره حيث قال 

 «ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

 وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم»

وهنا  اربعة اسماء معروفين في فضاء انشغالاتهم، دونوا توصيفا لما تعارف عليه ب  "وهم المعرفة " و "وهم التفوق": 

فالفيلسوف كونفوشيوس (551-479 قبل الميلاد)، قال: «المعرفة الحقيقية هي معرفة مدى جهل الفرد» وكانه يحاول الفات الناس الى مفهوم ادراك مستوى ما يدركون او ادراك الادراك

 والفيلسوف سقراط (470-399 قبل الميلاد)، الذي فسر نبوءة أوراكل الدلفي حيث قال عن نبؤة اوراكل الدلفي بانه حكيما على الرغم من شعور اوراكل أنه لم يفهم تماما أي شيء، وقال حكمته الشهيرة بان اقصى علمه انه لا يعلم شيء

والكاتب المسرحي ويليام شكسبير (1564-1616)، الذي قال: «الأحمق (دوث) يعتقد أنه حكيم، ولكن الرجل الحكيم يعرف نفسه بكونه أحمقا»  وهذا يعتبر توصيفا لوهم المعرفة بدرجة ما. 

وعالم الطبيعة تشارلز داروين (1809-1882)، الذي قال: «الجهل في كثير من الأحيان يولد الثقة أكثر مما تفعل المعرفة» وهذا قريب جدا مما ذهب اليه دونينج وكروجر في دراستهما عام ١٩٩٩ والتاسيس لما ذهبا اليه. 

هذا الاهتمام المتواصل من بعض اعيان البشرية عبر القرون، يؤكد على ان التحيز ووهم المعرفة امر يلازم البشر في حواراتهم ونقاشاتهم ويفسدها. وهذا فعلا ما نراه يتجسد في معظم ان لم نقل كل حواراتنا في مجتمعاتنا. فالاجواء مشبعة بالتحيز والوهم بالمعرفة والتقليل من فهم الاخر.  وللاسف هذا ليس كل ما تعانيه حواراتنا ، بل ان الهدف النبيل من الحوارات الاصيلة والمحترمة عادة تكون الوصول الى الحقيقة. لكن الحقيقة هي اخر ما يهدف اليه اكثر المتحاورين، فهم يبحثون عن الغلبة وفرض ما يرونه على غيرهم حتى وان تطلب الامر الدخول في مغالطات منطقية لافساد راي الاخرين او اعلاء شأن افكار الشخص نفسه، او اخفاء معطيات وادلة تساعد الطرف الاخر والقيام بكل ما يخطر وما لا يخطر على البال من الاعيب وتدليس وتجاوزات.  

لعل في اثارة الامر في هذه الاسطر ، ما يسهم في القاء الضوء على اهمية الالتفات للتحيز المعرفي لمعالجته (وهناك تحيزات اخرى، سنأتي على الحديث عنها في معالجة مستقلة،  وموسعة لسوء الفهم) ، والمغالطات المنطقية ليتم فهمها واستيعابها و  التقليل ان لم نتمكن من التخلص منها لكي تكون  الحوارات والنقاشات سليمة راقية.


ديسمبر ٩ ٢٠٢٥


فؤاد 

تعليقات