في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!XV
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١١
"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر، عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم، ونفصِّل في أطروحاته، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"
بعد الحديث في المقالات الأربعة، التي كانت تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين.
واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة، بمقالات تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، وفيها تحدثنا عن المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره. وهنا مقال رقم ١١ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم ١٥)، حيث تحدثنا في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج العلوم عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار وبعد عرض رؤية لاكتوش، وكيف تتشابه وتختلف مع بارادايم كون، وبعد الحديث عن أنماط كرومبي الستة، وعن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، والتي كانت مادة المقال السابق، وهنا نتحدث عن كل من لاري لاودان عن فلسفته الواقعية للعلم كون العلم، في فلسفته، أداة لحل المشكلات، ونتحدث أيضا عن برونو لاتور الذي يرى أن العلم ليس رحلة عقلانية محضة ولا مشروعًا منفصلًا عن تفاعلات البشر والأشياء. فهو شبكة تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية، وتُنتج الحقيقة عبر علاقات وتشابكات لا يمكن ردّها إلى أصل واحد. وللوصول لذلك نستحضر الثنائيات التي كانت إحدى المرتكزات التي اعتمدتها الحداثة، وكيف تم تجاوزها من قبل كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز، وتصميم بنثام للبانوبتيكون ، وكيف استفاد لاتور منهم. وبعدها في المقال القادم نكمل الحديث عن تجسير الكسندر كويريه بين التحليل الفلسفي والتاريخي المفهومي للعلوم، ونعطي لمحة عن إهتمام المسلمين بتأريخ العلوم، ونختمه باشكاليتين تستحقان التوقف عندهما، احداها مع فرانسيس بيكون في دعوته لدراسة تاريخ الأفكار قبل طرحها، والأخرى مع إيمانويل كانط. وتقسيمه للعلوم الى ثلاثة أطوار، لننهي المقال بخاتمة. وبعدها يكون الطريق سالكا للحديث في المقال التالي، عن المرحلة المفصلية السابعة في المنهج، نمهد لها باستعراض المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين، ثم نعرض أطروحات بول فايرابند التي وضعها في كتابه ضد المنهج والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!! وتقبلوا توصيفنا لما تم تغطيته في المقالات الاربعة السابقة، وهذا المقال واللاحق، انهما بمثابة خلط أوراق تهيئة لنظرية بول فايرابند ضد المنهج.
بعد أن اتسعت فلسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين لتشمل قراءات متعددة لتاريخ المعرفة العلمية، برزت الحاجة إلى تجاوز المنهج الوضعي الصارم الذي ركّز على منطق الاكتشاف إلى مقاربات أكثر شمولًا تأخذ في الاعتبار السياق التاريخي والاجتماعي للعلم. فقد مثّلت أعمال توماس كون، وإمري لاكاتوش، وجوزيف بلاشر، وغيرهم، نقطة تحول كبرى في فهم طبيعة تطور العلوم. إذ لم يعد العلم يُرى بوصفه تراكمًا خطيًا للمعارف، بل كبنية ديناميكية تتغير من الداخل عبر الأزمات والتحولات المفهومية. ومن خلالهم انتقلت فلسفة العلم من الاهتمام بالمنهج إلى دراسة بنية الممارسة العلمية ذاتها، بما تحمله من صراعات فكرية وتبدلات في المعايير والمعاني.
وفي خضم هذا التحول، بدأ يتبلور وعي فلسفي جديد يسعى إلى ردّ الاعتبار للتاريخ داخل فلسفة العلم، أي إلى قراءة العلم لا كمنظومة من القوانين والمناهج المجردة، بل كمسار إنساني معقّد يتفاعل فيه الفكر بالممارسة، والمثالي بالواقعي. وهنا ظهرت أعمال لاودان امتدادًا وتجاوزًا في آن واحد للجهود السابقة، إذ حاول أن يصوغ رؤية تجمع بين ما قدمه كون من تصور ثوري للعلم، وما اقترحه لاكاتوش من نموذج للبرامج البحثية، ضمن إطار أكثر تاريخية وواقعية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن ظهور لاودان يمثّل المرحلة التي نضجت فيها فلسفة العلم بوصفها فلسفة تاريخية. فهو لم يأتِ ليهدم ما سبقه، بل ليعيد تنظيمه في منظور يرى العلم كممارسة عقلانية تتطور داخل الزمان، لا خارجه. وإذا كان كون قد جعل من التحول البارادايمي لحظة فاصلة في تاريخ العلم، وكان لاكاتوش قد فسّر هذا التحول من داخل بنية البرامج البحثية، فإن لاودان جاء ليقترح طريقة جديدة لفهم هذا التغير في ضوء “التقدم” العلمي ذاته، بوصفه حوارًا مستمرًا بين النظرية والمشكلة، بين الفكر والواقع.
وهكذا، يجيء الحديث عن لاودان في سياقٍ طبيعي ضمن المسار الذي بدأ مع الوضعية وتطور عبر المراجعة النقدية التي قادها فلاسفة ما بعد الوضعية. فكما سعى أولئك إلى فهم كيفية تقدّم العلم من خلال بنيته المنطقية أو تاريخه الداخلي، سيسعى لاودان إلى فهمه من خلال تفاعله الجدلي مع الإشكالات التي يواجهها في الواقع العلمي، جاعلًا من فلسفة العلم مشروعًا لفهم تاريخ الفكر العلمي ذاته، لا مجرد تقويم لمنطقه.
٤.٤.١.٣.٢.٧ لاري لاودان وفلسفة العلم الواقعية
يعد الفيلسوف الأمريكي لأري لاودان من أبرز الأسماء في فلسفة العلم خلال النصف الثاني من القرن العشرين. اشتغل بالبحث في عدد من الجامعات المرموقة مثل جامعة بيتسبورغ وجامعة تكساس في أوستن، وهما من المراكز الكبرى لدراسة فلسفة العلوم. اهتمام لاودان كان موجهاً إلى فهم كيفية تطور المعرفة العلمية، وما الذي يجعل العلم مختلفاً عن غيره من أنماط التفكير، وكيف يمكننا تقييم النظريات العلمية من حيث تقدمها أو تراجعها.
كان لاودان في بداياته متأثراً بالنقاشات التي أثارها توماس كون وبدأ بها التحول الكبير في فلسفة العلم في كتابه الشهير بنية الثورات العلمية، حيث طرح فكرة أن العلم لا يتقدم بخط مستقيم من التراكم المعرفي، بل عبر ثورات علمية تُحدث قطيعة بين مراحل متعاقبة من المعرفة. في كل مرحلة يعمل العلماء داخل ما سماه “النموذج الإرشادي” أو البارادايم، وهو الإطار الذي يحدد نوع الأسئلة المقبولة وطريقة الإجابة عنها. لكن عندما تتراكم “الاختلالات” التي يعجز النموذج عن تفسيرها، يدخل العلم في أزمة تنتهي بثورة تؤدي إلى ظهور نموذج جديد يغيّر نظرتنا إلى العالم. وهكذا، جعل كون تاريخ العلم يبدو وكأنه سلسلة من تحولات نوعية لا مجرد تطورات تراكمية. وجاء بعد كون، الفيلسوف لاكاتوش، وحاول أن يصحح المسار الذي رآه ناقصًا في تصور كون. فبالنسبة للاكاتوش، رؤية كون بدت أقرب إلى النسبية، فإذا كان كل نموذج يعيش داخل معاييره الخاصة، فكيف نقرر أيهما أفضل؟ لذلك قدّم لاكاتوش بديلاً منهجيًا عقلانيًا سمّاه نظرية البرامج البحثية العلمية. في هذا التصور، كل برنامج علمي يتألف من “نواة صلبة” من المبادئ الأساسية التي لا تُمسّ، ومن “حزام واقٍ” من الفرضيات المساعدة القابلة للتعديل. البرامج لا تسقط فجأة، بل تتنافس، والبرنامج الذي ينتج تفسيرات وتنبؤات جديدة يُعد “متقدّمًا”، والذي يفشل يُعد متدهورًا. بذلك، جمع لاكاتوش بين عقلانية بوبر وتاريخية كون، مقدّمًا فلسفة علم تحترم الواقع التاريخي دون أن تفقد معيار الحكم العقلاني. آتى بعد ذلك أتى الفيزيائي النظري الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، ستيفن فينبرغ، وكان من الأصوات القوية في الدفاع عن الواقعية العلمية ضد الاتجاهات التاريخية والنسبية. ففي كتابه حلم نظرية نهائية ١٩٩٢، انتقد فكرة كون عن النماذج غير القابلة للمقارنة، مؤكدًا أن العلم يتقدم حقًا نحو الحقيقة الموضوعية، وأن التغيرات النظرية، مثل الانتقال من نيوتن إلى آينشتاين، ليست قطيعة، بل تحسينات تراكمية في فهمنا للعالم. ورأى أن ما يجمع العلماء في كل عصر هو السعي نحو تفسير أعمق للطبيعة، لا مجرد تغيير في اللغة أو الثقافة العلمية. لذلك مثّل فينبرغ الاتجاه المقابل لكون، وهو اتجاه يرى أن للعلم بنية واقعية مستقلة عن التاريخ.
ثم جاء لاري لاودان الذي رفض تصور بوبر عن أن التقدّم يتحقق عبر تكذيب النظريات، إذ رأى أن التاريخ لا يثبت ذلك. كثير من النظريات “المكذوبة” من الناحية التجريبية استمرت في العمل لأنها ما زالت قادرة على حل مشكلات مهمة. فمثلاً، نموذج بوهر للذرة كان غير دقيق من منظور ميكانيكا الكم، لكنه ظل مفيدًا في تفسير الطيف الذري. كما رفض لاودان فكرة كون بأن التغير العلمي يحدث عبر ثورات تقطع الصلة بالماضي، لأن الوقائع التاريخية تُظهر أن العلماء غالبًا ما يحتفظون بعناصر من الإطارات السابقة أثناء الانتقال إلى جديدة، وهو ما يشبه عملية تراكمية أكثر من كونها قطيعة تامة. أما بالنسبة للاكاتوش، فاعترض لاودان على غموض مفهوم النواة الصلبة في البرنامج البحثي، إذ لا يقدّم هذا المفهوم معيارًا عمليًا لتقييم التقدّم.
هنا قدّم لاودان بديلاً حاول فيه التوفيق بين فكرة التغير الجذري في العلم وفكرة التقدم المعرفي. وكان يحاجج إن التقدم العلمي لا يعني بالضرورة الاقتراب من الحقيقة المطلقة، بل يعني أن النظريات الجديدة تحل مشكلات أكثر وتفسر ظواهر أفضل من القديمة. وقدّم محاولة أخرى للتوفيق بين الرؤى المتضادة. في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، طرح لاودان ما سمّاه النموذج الإشكالي أو الشبكة المعرفية، وهو تصور يربط بين النظريات العلمية وبين المشكلات التي تحاول حلّها. واعتبر لاودان أن العلم ليس مجرد تراكم ولا سلسلة ثورات، بل هو نشاط حلّ مشكلات ضمن شبكة من المعتقدات والقيم والمنهجيات التي تتفاعل وتتطور عبر الزمن. فالعلم يتقدّم عندما ينتج نظرية قادرة على حلّ عدد أكبر أو أعمق من المشكلات مقارنة بسابقاتها، وليس فقط حين يتبدل “النموذج الإرشادي” كما قال كون، ولا حين يفوز “البرنامج البحثي” كما عند لاكاتوش. هذه الفكرة أصبحت تُعرف بنموذج حل المشكلات، عند لاودان، وهي تشبه إلى حد ما طريقة الحكم على جودة الأدوات، فليست المسألة أن نملك الأداة الكاملة، بل أن تكون الأدوات الجديدة أنفع وأدق من القديمة في تحقيق أهدافنا.
٤.٤.١.٣.٢.٧.١الفكرة المركزية
ويمكن توضيح الفكرة المركزية لفكر لاري لاودان باستعراض الهيكل النظري العام لأطروحاته في فلسفة العلم، وربط المكونات الأساسية فيها ببعضها، لتتضح طريقته في الجمع بين النظرية العلمية والتاريخ الواقعي للعلم. فما يميّز لاودان أنه لم يقدّم فلسفة علم “من فوق”، مجردة كما فعل بوبر، ولا “من تحت” كقراءة اجتماعية خالصة كما في كون أو فينبرغ، بل حاول أن يبني جسرًا بين النظرية والممارسة، بين المنطق والتاريخ، بحيث تُفهم التغيرات العلمية لا كتحولات مثالية في المفاهيم، بل كعمليات واقعية معقولة يمكن تتبّعها في تاريخ العلم نفسه.
ينطلق لاودان في ذلك، من مبدأ أساسي هو أن العلم نشاط معرفي غايته حل المشكلات. فالنظريات العلمية ليست مقولات عن الواقع المطلق، بقدر ما هي أدوات فكرية تسعى لحلّ مشكلات يواجهها العلماء في سياق زمني وثقافي محدد. ومن هنا صاغ ما يسميه بـالنموذج الإشكالي، وهو جوهر فلسفته. هذا النموذج يرى أن معيار التقدّم العلمي لا يُقاس بمدى صحة النظرية أو قربها من الحقيقة الميتافيزيقية، بل بقدرتها على حلّ مشكلات أكثر وبشكل أعمق من سابقاتها. فكلما نجحت نظرية في تفسير ظواهر كانت غامضة، أو في تقديم تنبؤات جديدة صادقة، أو في تجاوز قصور النظريات السابقة، فإن ذلك يعدّ تقدّمًا علميًا. مصداقا لعبارة لاودان الشهيرة، التقدّم العلمي لا يعني الاقتراب من الحقيقة، بل زيادة القدرة على حلّ المشكلات.
النموذج الإشكالي عند لاري لاودان هو من أكثر المفاهيم تميّزًا في فلسفة العلم المعاصرة، وقد مثّل نقطة تحوّل في فهم طبيعة التقدّم العلمي. صاغه في كتابه الشهير التطور ومشاكله، عام ١٩٧٧، كردّ نقدي على التصوّرات السابقة لكل من كارل بوبر، وتوماس كون، وإيمري لاكاتوش. فبينما حاول هؤلاء تفسير تطور العلم عبر مفاهيم مثل “الدحض”، أو “الثورات العلمية”، أو “البرامج البحثية”، رأى لاودان أن جوهر العملية العلمية لا يكمن في هذه البُنى المجردة، بل في أمر أكثر بساطة وواقعية، وهو ان العلم نشاط موجه نحو حلّ المشكلات.
يبدأ النموذج الإشكالي من فكرة أن العلماء لا يعملون في فراغ، ولا يبدؤون من قوانين أو نظريات منطقية محضة، بل يواجهون في كل لحظة مشكلات واقعية، ممثلة في ظواهر غير مفسَّرة، أو نتائج تجريبية غير منسجمة مع النظريات السائدة، أو تناقضات داخلية في الإطار المعرفي القائم. من هنا يصبح العلم، في نظر لاودان، مشروعًا لحلّ الألغاز أكثر منه مشروعًا للبحث عن حقيقة مطلقة. النظرية التي تُنتج حلولاً أنجع وأعمق هي التي تتقدّم، حتى لو لم تكن صحيحة بالمعنى المطلق. المثال الكلاسيكي الذي يستخدمه لاودان هو الانتقال من نظرية الأخلاط الأربعة إلى نظرية الجراثيم في الطب. الأولى كانت قادرة على تفسير بعض الظواهر في ضوء أدوات عصرها، لكنها عجزت عن تفسير العدوى أو انتقال المرض. أما الثانية، فقدّمت إطارًا تفسيرياً جديدًا مكّن العلماء من اكتشاف اللقاحات والمضادات الحيوية، وبالتالي حلت مشكلات كانت عالقة لقرون. بهذا المعنى، لا يهم إن كانت نظرية الجراثيم تصف الواقع بدقة نهائية، بل الأهم أنها زادت من قدرة العلم على حلّ مشكلاته التفسيرية والعملية.
وتميّز النموذج الإشكالي أيضًا بكونه تاريخيًا وديناميكيًا. فالمشكلات نفسها تتبدل مع تطور المعرفة، وما يُعدّ مشكلة في مرحلة معينة قد لا يكون كذلك في مرحلة لاحقة. فعلى سبيل المثال، في القرن السابع عشر كان السؤال عن “ماهيّة القوة الدافعة للأجسام نحو الأرض” مشكلة مركزية، فحلّتها فيزياء نيوتن عبر مفهوم الجاذبية. لكن في القرن العشرين، أصبحت هذه النظرية نفسها تثير مشكلات جديدة تتعلق بانحناء الزمكان، فظهرت النسبية العامة لأينشتاين كتوسيع وحلّ أعمق. يوضح هذا أن التقدّم العلمي ليس اقترابًا من الحقيقة النهائية، بل انتقالًا مستمرًا نحو حلول أكثر فعالية.
ويقدّم النموذج الإشكالي، معيارًا عمليًا وقابلاً للتطبيق، عنوانه أن النظرية الأفضل هي التي تحلّ عددًا أكبر من المشكلات وتُثير عددًا أقل منها. هذا المعيار لا يعتمد على الميتافيزيقا أو على فكرة الحقيقة المطلقة، بل على ملاحظة واقعية لممارسة العلم. يمكن اختبار هذا المعيار بسهولة في كل مجال علمي تقريبًا. ففي علم الفلك، مثلًا، حلت نظرية كوبرنيكوس مشكلات كثيرة عجزت عنها نظرية بطليموس، مثل حركة الكواكب إلى الوراء، رغم أن النموذج الكوبرنيكي لم يكن دقيقًا تمامًا في تفاصيله. وفي الكيمياء، حلّت النظرية الذرّية الحديثة مشكلات تفسير التفاعلات التي عجزت عنها الكيمياء الفلوجستونية. وفي كل هذه الأمثلة، نرى أن ما يحرّك العلم ليس “الحقيقة” المجردة، بل “المنفعة التفسيرية والعملية”.
إحدى أهم مزايا النموذج الإشكالي أنه يسمح بفهم العقلانية العلمية بطريقة مرنة وتاريخية في آن. فالعلم ليس عقلانيًا لأنه يسير وفق قواعد منطقية صارمة، بل لأنه يُبرّر تفضيل نظرية على أخرى استنادًا إلى أدلة موضوعية متعلقة بقدرتها على حل المشكلات. كما أنه ليس نسبيًا بالكامل، لأن هناك معايير مشتركة داخل المجتمع العلمي لتقييم “جودة الحلول”، مثل الاتساق الداخلي، والقوة التنبؤية، والقدرة على التفسير. لذلك، يمثل نموذج لاودان تجاوزًا للتقابل الكلاسيكي بين “العقلانية الصارمة” و“النسبية التاريخية”.
وحلّ المشكلات الذي يريده لاودان، لا يتم في فراغ، بل داخل ما يسميه لاودان بـالشبكة المعرفية، وهي البنية التي تتكوّن من النظريات، والمناهج، والمعايير، والمشكلات المتوارثة في تقليد علمي معيّن. هذه الشبكة تمثل البيئة الفكرية التي تعمل فيها النظريات، وتحدد ما يُعتبر مشكلة علمية، وما يُعد حلاً مقبولاً. على سبيل المثال، في شبكة الفيزياء النيوتنية كانت القوة والكتلة والمكان المطلق مفاهيم مركزية تحدد طبيعة المشكلات الممكنة، بينما في شبكة الفيزياء النسبية تحوّلت المفاهيم لتصبح الطاقة والزمكان هي العناصر الأساسية. ومع أن المفاهيم تغيّرت، إلا أن هناك استمرارية في الأهداف, تتمثل في فهم حركة الأجسام والطاقة في الكون. وهكذا فالتاريخ العلمي ليس سلسلة قطيعات، بل شبكة تتحوّل دون أن تُمحى جذورها.
ثم تأتي فكرة العقلانية التاريخية عند لاودان لتربط بين هذين المكونين. فهو يرى أن من الممكن تفسير التطور العلمي بعقلانية، أي يمكن تبرير تفضيل نظرية على أخرى بناءً على معايير موضوعية (مثل عدد المشكلات التي تحلّها). لكن في الوقت نفسه، هذه المعايير ليست ثابتة ولا فوق تاريخية؛ إنها نفسها تتطور بمرور الزمن. مثلاً، في القرن السابع عشر كان المعيار التجريبي ضعيفًا، بينما صار في القرن العشرين شرطًا جوهريًا. لذلك، العلم عقلاني، لكنه عقلانية ديناميكية تتكيف مع الممارسة الواقعية للعلماء. وهنا تبرز أصالة لاودان في رفضه لحتمية المنطقية عند بوبر، والنسبية التاريخية عند كون، وطرح بديلاً وسطًا يقول إن العقلانية تتجسد في التاريخ، لا خارجه.
ممأ سبق يتضح أن فلسفة لاودان تتكوّن من ثلاث حلقات مترابطة، النموذج الإشكالي الذي يعرّف التقدم بمعيار حل المشكلات، والشبكة المعرفية التي تبيّن البنية الداخلية التي يعمل فيها العلماء ويتبادلون داخلها الحلول والمعايير، والعقلانية التاريخية التي تبرّر هذا التقدّم في سياق متغيّر، دون السقوط في النسبية أو الميتافيزيقا. هذه الحلقات الثلاث تُمثّل بناءً فكريًا متماسكًا، إذ تُظهر كيف يتغير العلم “فعلاً” كما نراه في تاريخه، لا كما نفترض أنه ينبغي أن يتغير وفق نموذج منطقي مثالي. فالتاريخ عند لاودان ليس مجرد سجل للخطأ والصواب، بل مختبر حقيقي لفهم كيف تتطور المعرفة. ومن خلال هذا الربط بين الممارسة والنظرية، أعاد لاودان فلسفة العلم إلى مسارها الإنساني الواقعي، حيث العلم مشروع نقدي مستمر يطوّر نفسه عبر الزمن، لا عبر الثورات أو الإلغاء، بل عبر النمو في شبكة متداخلة من الحلول والمناهج والمفاهيم.
٤.٤.١.٣.٢.٧.٢أمثلة لتأكيد أطروحاته
ومن الأمثلة التي تؤكد هذا التداخل في فكر لاودان، تطور علم الطب. فالنظريات القديمة مثل نظرية الأخلاط الأربعة كانت صالحة لحلّ مشكلات معينة في زمنها، لأنها أتاحت إطارًا تفسيرياً متسقًا. ومع تقدم التجريب، تحوّلت الشبكة المفهومية نحو نظرية الجراثيم، التي استطاعت حلّ مشكلات أكثر كالتعفن والعدوى، دون أن تُلغى فكرة التوازن الجسدي كليًا، بل أُعيد تأويلها في ضوء مفاهيم جديدة. هذا مثال على تحوّل الشبكة المعرفية، وتقدّمها من خلال النموذج الإشكالي، في إطار عقلانية تاريخية تستند إلى واقع الممارسة العلمية لا إلى منطق فرضي.
لنفهم ذلك بأمثلة بسيطة. تخيل أن لديك نظريتين لتفسير ظاهرة سقوط الأجسام. الأولى تقول إن الأشياء تسقط لأن طبيعتها تدفعها نحو الأرض (كما كان يعتقد أرسطو). هذه النظرية تفسر بعض الظواهر البسيطة، لكنها لا تقدم معادلات دقيقة ولا تفسر لماذا يسقط الحديد والخشب بالسرعة نفسها في الفراغ. ثم جاءت نظرية نيوتن التي تفسر الظاهرة عبر الجاذبية، وتعطي معادلات يمكن التنبؤ بها بدقة. نيوتن إذن حلّ مشكلات أكثر من أرسطو، فكانت نظريته تقدماً علمياً. ثم ظهرت نظرية أينشتاين للنسبية العامة، التي صححت بعض أوجه القصور في تفسير نيوتن عندما يتعلق الأمر بالأجسام الضخمة جداً أو السرعات العالية. وهكذا تتقدم المعرفة، ليس لأنها تقترب من الحقيقة النهائية، بل لأنها تتجاوز مشكلات سابقتها.
يطبّق لاودان هذا النموذج على جميع فروع العلوم، ففي الطب مثلاً، نظرية الأخلاط الأربعة التي سادت منذ أيام أبقراط كانت قادرة على تفسير بعض الأمراض وفق منطق عصرها، لكنها فشلت في تفسير العدوى أو التفاعل الدوائي. جاءت نظرية الجراثيم مع باستور وكوخ فحلّت هذه المشكلات وقدّمت وسائل تجريبية ناجحة كاللقاحات والمضادات الحيوية، فاعتبر لاودان ذلك مثالاً للتقدم العلمي الحقيقي. ميزة هذا النموذج أنه يسمح بفهم كيف يتطور العلم رغم الأخطاء. فقد تُبنى نظرية على فرضية خاطئة جزئياً، لكنها تظل مفيدة لأنها تنتج حلولاً ناجحة. مثلاً، نظرية الإلكترون كجسيم صغير يدور حول النواة في نموذج بوهر كانت خاطئة من منظور ميكانيكا الكم، لكنها كانت قادرة على تفسير خطوط الطيف الذري بدقة كبيرة، أي أنها حلت مشكلات معينة ولو لم تكن صحيحة تماماً.
٤.٤.١.٣.٢.٧.٣ما الجديد فيه!
وعند تفحص هذا النموذج، يمكننا الاستنتاج أنه يقدّم إطارًا يمكن تطبيقه على العلوم الإنسانية والاجتماعية، وليس فقط على العلوم الطبيعية. فكما يسعى الفيزيائي إلى حل مشكلات في تفسير المادة والطاقة، يسعى عالم الاجتماع أو المؤرخ إلى حلّ مشكلات في فهم الظواهر الاجتماعية. كما يمكن التوصل إلى أن النموذج هذ، يمنحنا طريقة عملية لتقييم التقدّم دون الوقوع في فخّ الحقيقة المطلقة، إذ يكفي أن نُثبت أن النظرية الجديدة أنفع وأكثر تفسيرًا من سابقتها. وأيضا يتيح النموذج، إدخال البعد القيمي والمعياري في العلم بطريقة طبيعية، لأن حل المشكلات يشمل المشكلات النظرية والتطبيقية معًا، أي أن ما يُعتبر مشكلة وما يُعتبر حلاً يرتبط باهتمامات المجتمع العلمي وأهدافه وقيمه.
كما يمكن القول إن النموذج الإشكالي هو التركيب الجدلي بين التجريبية والعقلانية، وبين التاريخية والعقلانية. فهو يعترف بأن العلم مشروع إنساني تاريخي، لكنّه في الوقت ذاته يحتفظ بمعيار موضوعي للتقدّم. وقد عبّر لاودان عن هذه الفكرة بقوله إن “التاريخ التجريبي للعلم ليس فوضويًا ولا اعتباطيًا، بل يمكن تبرير حركته من خلال تحليل أنماط حل المشكلات”. هذا النموذج لا يختزل العلم في منطق أو في سياسة، بل يدمجهما في صورة واحدة متكاملة عن النشاط المعرفي الإنساني.
ومن الناحية المقارنة، فإن ما يميز نموذج لاودان عن النماذج الأخرى أنه يُركّز على الأداء العلمي لا على الصدق المنطقي. ففي حين كان بوبر يسأل، هل هذه النظرية قابلة للتكذيب؟، وكون يسأل هل هذا النموذج ما زال مقبولًا من الجماعة العلمية؟، ولاكاتوش يسأل، هل هذا البرنامج البحثي في مسار تقدّمي؟، كان لاودان يسأل، هل هذه النظرية تحلّ المشكلات أفضل من منافساتها؟ بهذا، جعل من معيار التقدّم معيارًا وظيفيًا وتجريبيًا في آن واحد، وهو ما منح فلسفة العلم واقعية جديدة قريبة من الممارسة العلمية الفعلية. الجدول ٣٥ يوجز الفروقات بين نموذج لاودان ولاكتوش وتوماس كون وستيفين فينبرغ.
إن النموذج الإشكالي، في جوهره، إعادة تعريف لما نعنيه بكلمة تقدّم. فبدلاً من أن يكون التقدّم حركة نحو الحقيقة، يصبح قدرة متزايدة على التعامل مع تعقيد العالم وفهمه. وهذا الفهم، في رأي لاودان، يجعل فلسفة العلم أكثر ارتباطًا بالتاريخ وأكثر صدقًا في تمثيل التجربة العلمية الواقعية. ويمكننا أن نوجز فكر لاودان، ونقول إنه يمثل محاولة ناضجة لدمج المنظور التاريخي والمنظور العقلاني في فلسفة واحدة، تُعيد للعلم واقعيته الإنسانية. فالعلم عند لاودان، ليس لعبة لغوية ولا صرحًا منطقياً مغلقاً، بل نشاط متواصل يحاول حلّ المشكلات بأدوات متغيرة، داخل شبكات معرفية متفاعلة، وفق معايير تتطور تاريخياً. بهذا المعنى، يمكن القول إن لاودان هو من أبرز من نقل فلسفة العلم من ميتافيزيقا الحقيقة التي تبحث عن جوهر الحقيقة الثابتة، إلى إبستمولوجيا الفاعلية التي تبحث عن كيفية إنتاج معرفة تعمل وتُثمر. أي من السؤال هل نعرف الحقيقة؟ إلى كيف نصنع معرفة فعّالة؟.
٤.٤.١.٣.٢.٧.٤بعض من أثر لاودان
أثّر لاري لاودان بعمق في جيل كامل من الفلاسفة والعلماء الاجتماعيين الذين سعوا إلى إعادة ربط فلسفة العلم بالتاريخ الواقعي والممارسة الفعلية للعلم. لقد قدّم لاودان نموذجًا فكريًا مغايرًا لما ساد قبله من اتجاهات منطقية أو تجريدية، إذ رأى أن العلم نشاط إنساني متغير تاريخيًا، يتقدّم من خلال حلّ المشكلات لا عبر تراكم الحقائق أو القطيعة المطلقة مع الماضي. هذه الرؤية ألهمت العديد من المفكرين المعاصرين الذين طوّروا أعمالهم على ضوء أفكاره، وجعلوا من فلسفة العلم مجالًا حيًّا متفاعلًا مع التاريخ والمجتمع والتربية.
كان من أبرز الذين تأثروا بهذا المنحى الفيلسوف الأمريكي فيليب كيتشر، الذي سعى إلى جعل فلسفة العلم أكثر قربًا من الممارسة العلمية الفعلية. رفض كيتشر التصور الكلاسيكي للعلماء كعقول منعزلة تعمل وفق منطق صارم، واعتبر أن العلم نشاط اجتماعي وتاريخي تمارسه جماعة من الباحثين يسعون لحل مشكلات حقيقية في سياق ثقافي معيّن. في أعماله حول العلم والمجتمع، أوضح كيتشر أن القرارات العلمية لا تنفصل عن القيم السائدة، بل تتأثر بما يعتبره المجتمع جديرًا بالاهتمام، مثل توجيه الأبحاث نحو علاج الأمراض بدلًا من تطوير الأسلحة. بهذا المعنى، أعاد كيتشر فلسفة العلم إلى الواقع الاجتماعي الذي يولد فيه، مؤكدًا أن التقدّم العلمي لا ينفصل عن حاجات الإنسان وقيمه الأخلاقية. وقد وجد هذا التصور صداه في التعليم العلمي، إذ شجّع المناهج الحديثة على تقديم العلم كتجربة جماعية مرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية، لا كمجرد تراكم للمعارف النظرية.
أما الفيلسوف البريطاني ستيف فولر، فقد طوّر رؤيته ضمن إطار دراسات العلم والتكنولوجيا، متأثرًا بطرح لاودان القائل بأن فهم العلم يقتضي تتبّع تاريخه ومؤسساته. ركّز فولر على أن العلم ليس منظومة محايدة من الحقائق، بل مؤسسة اجتماعية وسياسية تخضع لتأثير القوى الاقتصادية والثقافية. وقد أوضح من خلال تحليله لتاريخ المؤسسات العلمية أن كثيرًا من المشاريع البحثية تمّ تمويلها أو توجيهها لخدمة مصالح معينة، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية، ما يبيّن أن تطور المعرفة لا يحدث في فراغ، بل ضمن شبكات معقّدة من المصالح والتفاعلات. ومن هذا المنطلق، وسّع فولر حدود فلسفة العلم لتشمل تحليل البنية المؤسسية للمعرفة، مؤكدًا أن الفهم الحقيقي للعلم يمر عبر دراسة علاقته بالمجتمع والتاريخ والسياسة.
في الاتجاه نفسه، قدّمت الفيلسوفة الأمريكية نانسي نيرسن نموذجًا متميزًا لدراسة الإبداع العلمي من الداخل، مستندة إلى رؤية لاودان التي تجعل من تاريخ العلم أداة لفهم العقل العلمي ذاته. انطلقت نيرسن من تحليل دفاتر العلماء ونماذجهم الذهنية لتبيّن أن التفكير العلمي يقوم على التمثيل والتخيل أكثر مما يقوم على القواعد المنطقية الجافة. درست حالات من تاريخ الفيزياء والبيولوجيا، مثل كيف تخيّل ماكسويل المجال الكهرومغناطيسي في صورة خطوط مرنة متشابكة، لتوضّح أن الاكتشاف العلمي هو عملية تخيّل موجهة نحو حلّ المشكلات، لا مجرد استقراء بيانات. بذلك ساهمت نيرسن في تجديد الفهم الفلسفي للعلم بوصفه نشاطًا إنسانيًا مبدعًا يتطور عبر التفاعل بين الخبرة والتجربة والنمذجة الذهنية.
يتّضح من هذه الأمثلة أن تأثير لاودان لم يكن مجرد امتدادٍ لأفكاره النظرية، بل أصبح جزءًا من ثقافة فلسفة العلم المعاصرة، سواء في الجامعات أو في المدارس. فقد ألهمت رؤيته العديد من المناهج التعليمية التي تطرح العلم كمجموعة من المشكلات المفتوحة التي يسعى المتعلم إلى حلها، لا كحقيقة جاهزة تنتظر الحفظ. وهذا التغيير في طرائق التفكير العلمي والتربوي يعكس جوهر مشروع لاودان، أن التقدّم العلمي لا يعني الوصول إلى الحقيقة النهائية، بل يعني تحسين قدرتنا على التعامل مع المشكلات الواقعية. وكما شبّه هو نفسه ذلك، فالعالم يشبه ملاحًا يتجه نحو الأفق: لا يبلغ الأفق أبدًا، لكنه يقترب منه كلما وجد مسارًا أفضل وأدوات أدق للإبحار.
لقد ترك لاودان أثرًا واضحًا في مجالات متعددة تتجاوز حدود فلسفة العلم، مثل التعليم، ودراسات المعرفة، والبحث الاجتماعي حول الابتكار العلمي. وأصبحت أفكاره حول حل المشكلات والشبكة المعرفية جزءًا من الأدبيات التربوية والعلمية الحديثة، لما تحمله من قدرة على تفسير التغير العلمي بطريقة واقعية وعقلانية في آنٍ واحد. وهكذا، يمكن القول إن إرثه الفكري لا يزال حيًا في كل محاولة تربط بين النظرية والتاريخ، وبين العلم والإنسان، وبين الحقيقة والفعل.
٤.٤.١.٣.٢.٧.٥خلاصة
يشكّل كل من توماس كون، وإيمري لاكاتوش، ولاري لاودان، وويليام فينبرغ سلسلة فكرية متكاملة في مسار فلسفة العلم في القرن العشرين. فالعلاقة بينهم ليست علاقة تتابع زمني فحسب، بل حوار فلسفي عميق حول سؤال واحد، كيف يتقدّم العلم؟ كلّ واحد منهم قدّم إجابة مختلفة عن هذا السؤال، لكنها جميعًا تتقاطع في سعيها لفهم طبيعة التحول العلمي وحدوده بين التاريخ والمنطق، وبين الحقيقة والفاعلية.
بدأ التحول الكبير مع توماس كون، الذي أعاد توجيه فلسفة العلم من منطق القوانين إلى تاريخ الممارسة العلمية. في كتابه بنية الثورات العلمية (١٩٦٢م)، بيّن أن العلم لا يتقدّم عبر تراكم المعرفة فحسب، بل عبر تحوّلات كبرى يسميها الثورات العلمية، حين تنهار النماذج الإرشادية القديمة لتحل محلها أخرى جديدة تغيّر طريقة العلماء في رؤية العالم. بالنسبة لكون، لا توجد حقيقة علمية ثابتة، بل هناك مجتمعات علمية تتبنّى رؤى للعالم تتغير مع الزمن. بهذا الفهم، جعل كون من العلم ظاهرة إنسانية-تاريخية تخضع للتحولات الثقافية والاجتماعية، لا مجرد منطق تجريبي صارم.
جاء إيمري لاكاتوش ليقدّم ردًا عقلانيًا على هذا الطابع التاريخي لدى كون. فهو لم يرفض فكرة التطور التاريخي، لكنه رأى ضرورة ضبطها بمعيار علمي منهجي. في نظريته عن البرامج البحثية العلمية، حاول أن يوفّق بين منطق بوبر النقدي والتاريخ الواقعي للعلم. فالنظريات عنده ليست كيانات معزولة، بل تنتمي إلى برامج بحثية تمتلك نواة صلبة من المبادئ التي يصعب التخلي عنها، تحيط بها فرضيات مساعدة قابلة للتعديل. والعلم يتقدم عندما يكون البرنامج البحثي تقدّميًا أي ينتج تفسيرات جديدة ويكشف ظواهر لم تُعرف من قبل. بهذه الفكرة أعاد لاكاتوش بعض الصرامة المنهجية إلى ما بدا عند كون فوضى تاريخية.
أما ويليام فينبرغ (أو ويلفريد سيلارز وفينبرغ ضمن الخط الواقعي الأمريكي في فلسفة العلم) فقد اتخذ موقفًا أقرب إلى الدفاع عن الواقعية العلمية في مواجهة ما اعتبره نزعة نسبية متزايدة في فكر كون وتلاميذه. بالنسبة إليه، الهدف النهائي للعلم هو الوصول إلى الحقيقة، لا بمعناها المطلق الميتافيزيقي، بل بمعنى الاقتراب المستمر من وصف دقيق للواقع. يرى فينبرغ أن تاريخ العلم ليس مجرد تبدل في المعتقدات، بل حركة تراكمية معرفية تزداد فيها النظريات دقة واتساقًا مع الواقع التجريبي. بهذا، ذكّر الفلاسفة بأن أي تحليل لتاريخ العلم يجب ألا ينسى أن العلم في جوهره مشروع واقعي، يسعى إلى كشف البنية الحقيقية للعالم.
ثم جاء لاري لاودان ليقدّم محاولة توفيقية تجمع بين التاريخية عند كون، والعقلانية عند لاكاتوش، والواقعية عند فينبرغ. فقد رأى أن السؤال عن الحقيقة ليس هو ما يحرّك العلماء فعلاً، بل السعي إلى حل المشكلات التي يواجهونها في فهم العالم. فالنظرية الأفضل هي تلك التي تحل مشكلات أكثر أو تفسّرها بطريقة أعمق. هذه هي خلاصة ما سمّاه النموذج الإشكالي، الذي يرى التقدم العلمي بوصفه تحسّنًا في القدرة على الفهم والعمل، لا مجرد اقترابًا من حقيقة نهائية. بهذا الفهم، جعل لاودان العلم نشاطًا عمليًا تاريخيًا تحكمه شبكة من المشكلات والحلول، لا منظومة من القوانين الثابتة.
يمكن القول إن كون نقل فلسفة العلم من المنطق إلى التاريخ، حين جعل من الثورات العلمية محورًا للتغير، بينما لاكاتوش أعادها من التاريخ إلى المنهج، بمنحه العقلانية إطارًا تحليليًا لفهم التحولات. أما لاودان فقد أعاد وصلها بالفعل والممارسة، حين جعل من حل المشكلات معيارًا لتقدم العلم. وفي المقابل، فينبرغ ذكّر الجميع بأن هذه الممارسات كلها تظل في النهاية موجهة نحو غاية معرفية هي الحقيقة، مهما تغيّرت أساليبنا في الوصول إليها.
بهذه الصورة، يمكن النظر إلى هؤلاء الأربعة كأطراف في حوار فلسفي واحد. فكون يرى أن التقدم العلمي يشبه تبدّل الإيمان بين جماعات علمية، ولاكاتوش يراه تنافسًا عقلانيًا بين برامج بحثية، وفينبرغ يراه صعودًا تدريجيًا نحو الحقيقة، بينما لاودان يراه نشاطًا عمليًا متواصلًا لحل المعضلات. إنهم جميعًا يدرسون الشيء نفسه، العلم، لكن من زوايا مختلفة، تمثل معًا الخريطة الكبرى لفلسفة العلم الحديثة، حيث يلتقي التاريخ بالمنهج، والواقعية بالنقد، والعقل بالممارسة.
٤.٤.١.٣.٢.٨ وهنا نتحدث عن برونو لاتور
برونو لاتور، الذي وسّع فكرة كون عن البارادايم، تقدم بطرح أسماه نظرية الفاعل-الشبكة، معتبرًا أن العلم لا يصنعه العلماء وحدهم، بل شبكات من البشر، الأشياء، الرموز والتقنية، فأعاد بذلك رسم العلاقة بين الطبيعة والمجتمع، وأثر في دراسات العلوم والتكنولوية (STS) ، وانتقد الحداثة زاعما ان الإنسان لم يكن حداثيا قط، من خلال دراسته لحياة المعامل العلمية. برونو لاتو٢٠٢٢م، وهو الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي المعاصر، يُعد من أبرز المفكرين الذين انصرفوا إلى دراسة كيفية إنتاج المعرفة العلمية، فأعادوا تشكيل فهمنا للعلم والمعرفة في القرن العشرين. وارتبط اسمه أساسًا بما يُعرف بـدراسات علم الاجتماع للعلم والتقنية ، حيث قدّم رؤية نقدية للعلم لا بوصفه مجموعة من الحقائق الثابتة، بل بوصفه عملية اجتماعية وثقافية معقدة تتداخل فيها العوامل العلمية والسياسية، والاقتصادية، والتقنية، والرمزية.
في قراءته لها، يرى لاتور أن الفلسفة الغربية الحديثة قامت على وهم كبير يتمثل في الفصل بين الطبيعة والمجتمع. فمنذ عصر ديكارت وبيكون، رسّخ الفكر الغربي الحداثي فكرة أن الطبيعة عالم مستقل قائم بذاته، مادي وموضوعي يمكن للعلم أن يكتشف قوانينه بمعزل عن القيم والثقافة، في حين أن المجتمع هو عالم البشر، واللغة، والسياسة، والأخلاق. وبهذا التصور أصبحت الطبيعة ميدانًا للعلم، والمجتمع ميدانًا للدين والسياسة، فغدت الحقيقة حكراً على العلماء، والقيم حكراً على رجال الدين والفلاسفة. غير أن لاتور يرى أن هذا التقسيم الحداثي بين الطبيعة والمجتمع لم يكن إلا بناءً فكريًا، أو بالأحرى أسطورة تأسيسية للحداثة.
٤.٤.١.٣.٢.٨.١ لاتور تلميذ فوكو وتولوز
في أطروحاته، التي سنفصلها بعد قليل، تأثر لاتور بأربع شخصيات ساهمت عميقا في صياغة أفكاره وتأثر بهم في بلورة أطروحاته، وهم كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز وتوماس كون وباول فايرباند. نعرف مما سبق، أين يقف توماس كون في مسير المنهج العلمي وتاريخ العلوم، فلقد افردنا له في أحد الأجزاء السابقة، عدة صفحات، وسيكون مشروع فايرباند موضوع الحديث بالتفصيل عند الشروع في الحديث عن آخر المراحل السبع الحاسمة في حديثنا عن المنهج والتي سيكون هو بطلها. ويكفينا أن نذكر هنا أن عنوان مشروعه كان عنوان كتابه الذي خصصه لذلك إذ أسماه ضد المنهج، وبالتالي يبقى لدينا فوكو ودولوز اللذان نحتاج أن نقدم عرضا سريعا عن قناعاتهما ومواقفهما وأطروحاتهما في سياق الحديث عن تاريخ وفهم العلوم، كمقدمة للحديث عن أطروحات لاتور.
فوكو هو فيلسوف ومؤرخ فرنسي، ١٩٨٤م، يُعدّ من أبرز المفكرين في القرن العشرين، وأحد أبرز مفكري القرن العشرين في مجالات الفلسفة، وتاريخ الفكر، ونقد السلطة والمعرفة وترك أثرًا عميقًا في الفلسفة، وعلم الاجتماع، والدراسات الثقافية. لم يكن فوكو مهتمًا بالفلسفة بمعناها التأملي التقليدي، بل ركّز على العلاقة بين المعرفة والسلطة وعلى كيفية تشكّل الحقيقة داخل مؤسسات المجتمع الحديثة. رأى فوكو أن ما نعتبره معرفة أو حقيقة، لا ينبع من اكتشاف موضوعي للعالم، بل هو نتاج أنظمة من الخطابات والممارسات المؤسسية (كالمدارس، والمستشفيات، والسجون، والمختبرات) التي تحدد ما يمكن قوله أو التفكير فيه داخل المجتمع. وفي مؤلفاته الشهيرة، تاريخ الجنون والمراقبة والمعاقبة وأركيولوجيا المعرفة، أظهر فوكو، كيف أن كل عصر يُنتج نظامًا خاصًا للمعرفة يُحدّد ما يُعتبر عقلانيًا أو غير عقلاني، طبيعيًا أو منحرفًا، سليمًا أو مريضًا.
بهذا المعنى، انتقد فوكو الحداثة لأنها جعلت الإنسان مركز العالم، ورأت فيه ذاتًا حرّة قادرة على الوصول إلى الحقيقة عبر العقل. أما هو، فاعتبر أن الإنسان، هو نفسه بناء تاريخي وحديث العهد، أي أنه كائن صاغته أنظمة المعرفة والسلطة الحديثة، وليس أصلًا ثابتًا للحقيقة. لذلك قال عبارته الشهيرة، في خاتمة كتابه الكلمات والأشياء ١٩٦٦م، إن الإنسان اختراع حديث، سيختفي كما يختفي وجه في الرمل عند حافة البحر. ويعني بذلك أن مفهوم الإنسان، كما نفهمه اليوم، أي الإنسان بوصفه مركز المعرفة، وذاتًا عارفة وثابتة، ومرجعًا لفهم العالم، هو بناء حديث نشأ في القرن الثامن عشر مع العلوم الإنسانية. وبما أن هذا المفهوم ليس أبديًا، بل ظهر في لحظة تاريخية محددة، فإنه قابل للزوال عندما تتغير أنماط المعرفة أو الأطر الفكرية التي أنشأته. لذلك يشبّه فوكو هذا المفهوم بوجه مرسوم على الرمل، يبدو ثابتًا للحظة، لكنه يختفي عندما تغيّر الأمواج شكل الشاطئ. بمعنى آخر، إن التصوّر الذي يجعل الإنسان مركز العالم والمعرفة، ليس حقيقة طبيعية، بل تاريخية، ويختفي مع تغيّر النظام الفكري كما ظهرت مفاهيم سابقة ثم تلاشت.
أيضا، فوكو نقل الفلسفة من التأمل في العقل إلى تحليل كيفية عمل السلطة داخل المعرفة، أي كيف تُنظم الحقيقة وتُنتجها عبر الممارسات اليومية. وهذا الخطّ النقدي هو الذي ورثه لاتور لاحقًا حين درس العلم كممارسة اجتماعية تخضع لشبكات من القوى والفاعلين وليس كبحث نقي عن الحقيقة. مؤلفات فوكوالثلاثة التي ذكرناها، هي من أهم أعماله. وكتمهيد للحديث عن مواقف فوكو الذي تأثر بها لاتور في سياق الموقف من تاريخ العلوم، سنستعرض بإيجاز، أرجوا ألا يكون مخلا، الحديث عن كل من هذه المؤلفات الثلاثة، ولكن في تسلسل يبدأ بالحديث عن البانوبتيكون، الذي تحتل مكانة المحور في فلسفة فوكو.
٤.٤.١.٣.٢.٨.٢ بنثام وتصميم البانوبتيكون (Pan-opticon) المعماري
أول من استخدم مفردة البانوبتيكون، وكان ذلك نهاية القرن الثامن عشر، هو جيريمي بنثام، مؤسس الفلسفة النفعية وأحد أهم المنظّرين في الإصلاحات القانونية والسياسية الحديثة. وكان بنثام مفكرًا إصلاحيًا يؤمن بأن الهدف الأساسي للتشريعات والسياسات هو تحقيق أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس وهي القاعدة الذهبية للنفعية. وقد طوّر بناءً عليها مفاهيم حديثة في العقوبات، وفي بنية الدولة، وفي تنظيم السجون، وفي اقتصاد المنفعة. في العام ١٧٩١م، متأثرا بدعوات الإصلاح في بريطانيا للابتعاد عن العقوبات الجسدية للمساجين، وغيرها من إصلاحات فيها، صمّم بنثام، مشروعه المعماري للسجن المثالي الذي يتكون من برج مراقبة مركزي في وسط بناء دائري محاط بزنازين مفتوحة من جهة الداخل، بحيث يمكن للحارس في البرج أن يرى جميع السجناء، بينما لا يستطيع السجناء أن يعرفوا أن كان الحارس ينظر إليهم، في تلك اللحظة أم لا. ومن هنا أتت تسمية بنثام لهذا التصميم بالبانوبتيكون، وهي الكلمة ذات الأصل اليوناني المكونة من مقطعين، الأولى pan التي تعني الكل، وopticon التي تعني الرؤية أو النظر، لتكون البيانوبيتكون تعني الرؤية الشاملة أو رؤية كل شيء. لم يكن بنثام، يقصد بهذاالتصميم، مجرد فكرة رمزية، بل مخططًا واقعيًا لتشييد مؤسسات (سجون، مستشفيات، مدارس) تتيح للسلطة مراقبة الجميع دون الحاجة لحضور دائم للمراقب. وكان هدفه من ذلك، هوتحقيق أقصى كفاءة بأقل تكلفة في مراقبة السلوك وضبطه.
كان هدف بنثام هندسيًا وأخلاقيًا في آنٍ واحد، تمثل في بناء مؤسسة عقلانية تجعل السجناء، أو المرضى، أو التلاميذ، يلتزمون بالنظام دون الحاجة إلى عنف دائم. كان يرى أن الرؤية الدائمة تولّد الانضباط، وأن المراقبة يمكن أن تكون أداة للتقويم والإصلاح لا للعقاب الوحشي. بمعنى آخر، كان مشروع بنثام امتدادًا لفكرة التنوير التي تؤمن بالعقل والتنظيم والشفافية.
البانوبتيكون أصبح مفهوما محوريا في فكر ميشيل فوكو، استخدمه في كتابه المراقبة والمعاقبة ليشرح كيف تعمل السلطة الحديثة في المجتمعات المعاصرة بطريقة غير مرئية لكنها فعّالة جدًا. وبهذا، انتقل البانوبتيكون من كونه بناءً يُشاهد من الخارج إلى آلية تسكن داخل الإنسان نفسه. لقد تحوّلت العين التي ترى كل شيء، من برجٍ في وسط السجن إلى شبكةٍ من القواعد والأنظمة والمعايير التي تجعلنا نراقب أنفسنا بأنفسنا. وهنا تكمن عبقرية فوكو، فقد كشف أن السلطة الحديثة لا تحتاج إلى السلاح أو السوط، بل تعمل من خلال المعرفة والانضباط والملاحظة المستمرة.
٤.٤.١.٣.٢.٨.٣ فوكو والبانوبتيكون (Pan-opticon) الفلسفي
التحول من البانوبتيكون المعماري عند جيريمي بنثام إلى البانوبتيكون الفلسفي عند ميشيل فوكو يعكس واحدة من أعمق التحولات في الفكر الغربي الحديث، وهو الانتقال من التفكير في السلطة كممارسة مادية مرئية إلى فهمها كـبنية خفية تخترق المجتمع والعقل الفردي. وبذلك، أصبح البانوبتيكون رمزًا للتحول التاريخي من السلطة السيادية القديمة (التي كانت تُمارَس من أعلى وبالقوة) إلى السلطة الانضباطية الحديثة (التي تُمارَس في كل مكان، ومن خلال الجميع). إنه الانتقال من السلطة كـمؤسسة إلى السلطة كـنسيج اجتماعي، ومن المراقبة الخارجية إلى الرقابة الذاتية، وهو ما يجعل تحليل فوكو للبانوبتيكون أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في فهم الحداثة، والمجتمع، والسياسة، والتربية، وحتى الإعلام الرقمي المعاصر. التقاطع الواضح هذا بين بنثام وفوكو، في مسألة البانوبتيكون يترافق أيضا مع تقاطع آخر بين بنثام وكل من فوكو ولاتور، يعزز العلاقة بينهم وإن كان بشكل غير مباشر.
ففلسفة بنثام النفعية، وهي المذهب الأخلاقي الذي يرى أن معيار الصواب والخطأ يُقاس بقدر المنفعة أو السعادة التي يحققها الفعل لأكبر عدد ممكن من الناس. ولكن النفعية لا تهتم بنوايا الفاعل بقدر ما تهتم بنتائج أفعاله، وتفترض أن الخير يمكن حسابه عبر موازنة اللذة والألم أو المنافع والأضرار. وقد طوّر هذا المذهب جيريمي بنثام ومعه، الفيلسوف والاقتصادي البريطاني جون ستيوارت ميل، ١٨٧٣م، الذي يُعدّ أحد أبرز أعلام الفلسفة الليبرالية والنفعية في القرن التاسع عشر، وهو من أعاد صياغة الفلسفة النفعية وجعلها أكثر إنسانية عبر الاعتراف بتنوع اللذات وعمق التجربة الإنسانية. اشتهر بإسهاماته في الفلسفة السياسية والأخلاق والاقتصاد والدفاع عن الحرية الفردية وحقوق المرأة. أرسى مبدأ الحرية الفردية، مؤكدًا أن الفرد حر ما دام لا يضر الآخرين في كتابه عن الحرية، وحقوق المرأة السياسية في كتابه إخضاع المرأة. وسويا، قدّما تصورات مختلفة عن طبيعة السعادة وكيفية قياسها. وتهدف النفعية إلى وضع أساس عقلاني لاتخاذ القرارات الأخلاقية في مجالات السياسة والاقتصاد والقانون، حيث يصبح الفعل الأخلاقي هو ما يحقق أفضل نتيجة جماعية ممكنة. وتستند رؤيتها إلى فكرة أن السعادة قيمة يمكن تعميمها، وأن كل فرد يُحسب بالتساوي في ميزان المنفعة، ما جعل هذا المذهب مؤثرًا في بناء السياسات العامة والنظم الديمقراطية والليبرالية الحديثة.
هذه الفلسفة، وبالرغم من الاختلاف الجذري في الأسس مع ما يطرحه فوكو من أفكار فيما يتعلق بفلسفة العلوم وتاريخها، حيث توجد علاقة غير مباشرة، ولكن عميقة، هناك تقاطع في الطريقة التي ينظر بها كل منهما إلى المعرفة بوصفها ممارسة تنتج آثارًا وليست مجرد حقيقة نظرية محايدة. الفلسفتان تختلفان جذريًا في الأسس، لكنهما تلتقيان في بعض النقاط التي تكشف لنا كيف تُفهم المعرفة والعلم داخل المجتمع.
فالفلسفة النفعية ترى أن قيمة الفعل الأخلاقي تُقاس بنتائجه وما يجلبه من منفعة لأكبر عدد ممكن من الناس. الصواب ليس قيمة مستقلة بذاتها، بل وظيفة لتحقيق أثر اجتماعي ملموس. هذه النظرة تجعل الأخلاق مرتبطة بالسياق وبالتجربة وبالتوازن بين المصالح، بدلًا من النظر إليها كقوانين مطلقة. أما فوكو، فينظر إلى العلم باعتباره جزءًا من نظام شامل من السلطة والمعرفة، حيث لا تُنتَج الحقائق العلمية منطقياً داخل عقل محايد، بل داخل شبكات من المؤسسات والخطابات والممارسات التي تحدد ما يمكن اعتباره حقيقيًا أو علميًا. فالحقيقة عنده ليست انعكاسًا لجوهر ثابت، بل نتيجة لصيرورات تاريخية تُشكّل فيها السلطة ما نعرفه وما نفهمه. ويمكن تبسيط هذا، أن فوكو يرى أن العلم ليس مجرد نشاط عقلي محايد يبحث عن الحقيقة كما هي في ذاتها، بل هو جزء من شبكات اجتماعية وسياسية تشكّل الطريقة التي نفكر بها وما نسمّيه الحقيقة. فالمعرفة، عنده، لا تتكوّن داخل عقل عالم يعمل في فراغ، وإنما داخل مؤسسات مثل الجامعات والمختبرات والمستشفيات، وداخل خطابات تحكم اللغة المستخدمة، وداخل ممارسات تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض. بهذا المعنى، الحقيقة العلمية ليست شيئًا ثابتًا ينتظرك أن تكتشفه، بل هي شيء يتم بناؤه عبر التاريخ. فالعلم لا يكشف فقط عن الطبيعة، بل يعكس أيضًا توازنات السلطة في زمنٍ معين، فمن يملك حق الكلام؟ ومن يعرّف المرض؟ ومن يملك أدوات القياس؟ وما المعايير التي تقرر ماذا يُعدّ علمًا وما هو غير علمي؟ كلها أسئلة عند فوكو، هي أهم من السؤال التقليدي عن صحة النظريات. وبالتالي، ما نسميه الحقيقة، هو نتيجة عمليات طويلة من التنظيم والانضباط والمعايير التي تنتجها السلطة داخل المجتمع. وليست الحقيقة، بهذا المعنى، مجرد انعكاس لجوهر طبيعي ثابت، بل نتاج تاريخي يُعاد تشكيله باستمرار. وبهذا يصبح العلم ممارسة لها آثار اجتماعية وسياسية، وليست مجرد منظومة معرفية مستقلة.
يتقاطع الطرفان في أن القيمة تُفهم من خلال الأثر. النفعية تقيس الخير بنتيجته، وفوكو يرى أن الحقيقة تُفهم من خلال القوة التي تمتلكها داخل المجتمع، أي كيف تعمل، كيف تُنظّم السلوك، وكيف تُنتج المعايير. في الحالتين، تزول قداسة الجوهر ويصبح ما يحدث فعليًا في العالم هو المعيار. فالحقيقة ليست مطلقة عند فوكو، تمامًا كما أن الأخلاق ليست مطلقة عند النفعية. ويظهر التقاطع أيضًا في نقد فكرة العقلانية الخالصة. فالنفعية لا تسلّم بأن المبادئ الأخلاقية تُشتق منطقيًا، بل تُبنى على حسابات واقعية. وفوكو بدوره ينتقد سرديات العلم التي تتحدث عن تقدّم العقل بشكل مستقل عن المجتمع، ويرى أن كل معرفة هي نِتاج علاقات القوى وتاريخها. أي أن كلاهما يربط التفكير الأخلاقي أو العلمي بالسياق الاجتماعي والعملي، لا بالعقل المجرد وحده.
ومع ذلك، تبقى الاختلافات حاسمة. فالنفعية مشروع معياري يقدّم أحكامًا أخلاقية حول ما ينبغي فعله لتحقيق الخير العام، بينما فوكو ليس فيلسوفًا معيارياً ولا يقترح أي نموذج لما يجب أن يكون، بل يصف كيف تعمل أنظمة المعرفة والسلطة عبر التاريخ. كما أن النفعية تفترض إمكانية قياس المنفعة أو السعادة، بينما يرفض فوكو أي معيار ثابت للحكم على المعرفة، ويرى أن المعايير نفسها جزء من نظام السلطة. ورغم هذه الفروق، فإن التشابه بينهما يكشف تحولًا مهمًا في الفكر الحديث، يتمثل في انتقال الاهتمام من الأسس الثابتة (سواء الأخلاقية أو العلمية) إلى النتائج والآثار والقوى التي تشكل ما نعرفه وما نفعله. في هذا المعنى، يلتقي فوكو والنفعية في إعادة التفكير في موقع الإنسان والمجتمع في إنتاج القيم والمعارف.
٤.٤.١.٣.٢.٨.٤ لاتور والتقاطع مع الفلسفة النفعية
تلتقي الفلسفة النفعية مع أفكار برونو لاتور في مستوى غير مباشر، لكنه مهم لفهم الطريقة التي يُعاد بها التفكير في العلم والأخلاق معًا بوصفهما ممارسات بشرية لا تقوم على مبادئ ثابتة، بل على آثار ملموسة في العالم. فالنفعية تنطلق من أن قيمة الأفعال تقاس بنتائجها وما تحققه من منفعة عامة، وليس بالنوايا أو بالمبادئ المسبقة. وعندما يتحدث لاتور عن العلم، فهو بدوره يبتعد عن تصور الحقيقة كشيء جاهز أو مطلق، ويركز على قدرة النظريات العلمية على العمل والانتشار والإقناع وإنتاج آثار فعّالة داخل شبكة من البشر والأدوات والمؤسسات. في هذا المعنى، يجتمع الطرفان على أن الفاعلية العملية أكثر أهمية من الالتزام بمبادئ نظرية مجردة.
وتظهر نقطة التقاطع الأساسية في التركيز على النتائج كمعيار للحكم. فالنفعية تعتبر أن الفعل الأخلاقي الصحيح هو ما يزيد المنفعة أو السعادة. أما لاتور فيرى أن النظرية العلمية تكتسب قيمتها من خلال مدى نجاحها في التجارب ومن المختبر إلى التطبيقات، ومن قدرتها على الاستقرار داخل شبكة داعمة. كلاهما ينقل الحكم من الجوهر إلى الأثر، ومن الفكرة المجردة إلى ما تفعله الفكرة في الواقع. ويتقاطع الجانبان أيضًا في الاهتمام بالبعد البراغماتي للمعرفة، الذي يعني، النظر إلى المعرفة ليس باعتبارها مجرد تمثيل دقيق للواقع أو انعكاسًا موضوعيًا للحقيقة، بل باعتبارها أداة عملية نستخدمها لحل المشكلات، وتنظيم الحياة، وتوجيه الأفعال. أي أن قيمة المعرفة لا تُقاس فقط بمدى صدقها المجرد، بل بمدى فاعليتها وقدرتها على العمل وإحداث نتائج مفيدة. النفعية فلسفة عملية في جوهرها، ولاتور يتبنى تصورًا للعمل العلمي يعتمد على الممارسات والتجارب والتفاعلات، لا على منطق داخلي خالص. لذلك تصبح الحقيقة عنده أقرب إلى مفهوم المنفعة عند النفعية، فما ينجح ويعمل ويوثَّق ويستقر يصبح حقيقيًا، مثلما يصبح ما يزيد المنفعة صحيحًا أخلاقيًا.
وتتضح علاقة أخرى في إعادة تعريف المسؤولية الاجتماعية. فالنفعية تمنح القرارات الأخلاقية طابعًا جماعيًا، إذ تُقيّم الأفعال وفق أثرها على المجموع. ولاتور بدوره يرفض فكرة أن العلم محايد أو منفصل عن المجتمع، ويؤكد أن العلماء مسؤولون عن نتائج ما ينتجونه من معارف، لأن هذه المعارف تُحدث آثارًا اجتماعية وسياسية واقتصادية. هنا يظهر تشابه في إعادة ربط المعرفة بالسياق الاجتماعي والإنساني.
ورغم هذه التقاطعات المهمة، تبقى بينهما فروق واضحة. فالنفعية تنطلق من معيار واحد قابل للقياس هو المنفعة أو السعادة، بينما يعارض لاتور فكرة وجود معيار واحد يقيس قيمة المعرفة العلمية، إذ يرى أن الحقائق تُبنى داخل شبكات معقدة ومتعددة يصعب اختزالها. كما أن النفعية فلسفة معيارية تُخبرنا بما يجب فعله، بينما لاتور لا يقدم وصفة أخلاقية، بل يصف كيف يعمل العلم بالفعل. ومع ذلك، يبقى الجامع بينهما أنهما يشتركان في زحزحة الاهتمام من المبادئ المطلقة إلى ما ينجزه الفعل أو النظرية في العالم، ويقدمان نظرة تجعل العلم والأخلاق جزءًا من ممارسات بشرية حية تتشكل عبر آثارها وشبكاتها وعلاقاتها.
٤.٤.١.٣.٢.٨.٥ كتب فوكو الثلاثة
بعد الحديث عن البانوبتكوين، والفلسفة النفعية، وتداخلاتها مع اطروحات فوكو ولاتور، نحتاج أيضا الحديث عن كتب فوكو الثلاثة التي حوت أفكاره. ففي كتابه المراقبة والمعاقبة الصادر عام ١٩٧٥، وهو من أشهر كتب فوكو وأكثرها تأثيرًا، يتناول تحوّل أنماط العقاب والسلطة في المجتمع الحديث، من العقوبات العنيفة العلنية في القرون الماضية إلى أساليب السيطرة الخفية والمنضبطة في المؤسسات الحديثة (السجون، المدارس، المصانع، المستشفيات). ويبدأ فوكو الكتاب بمشهد تاريخي صادم، يتم فيه إعدام علني في القرن الثامن عشر، ليقارن ذلك بما أصبح عليه العقاب في القرن التاسع عشر، فلم يعد الجسد يُعاقَب أمام الناس، بل تُعاقَب النفس داخل جدران المؤسسات. والفكرة المحورية أن الحداثة لم تُلغِ السلطة القمعية، بل حوّلتها إلى سلطة مراقبة وانضباط تُمارس من خلال الآليات اليومية والأنظمة البيروقراطية. وفيه استخدم فوكو نموذج البانوبتيكون كرمز لانتشار المراقبة الحديثة في كل مجالات الحياة.
أما كتابه تاريخ الجنون الصادرعام ١٩٦١م، وهو أول عمل فكري ضخم لفوكو، ويبحث في كيفية تشكّل مفهوم الجنون في الثقافة الغربية، يرى فوكو أن الجنون لم يكن دائمًا يُنظر إليه على أنه مرض عقلي كما نراه اليوم، بل كانت المجتمعات القديمة تتعامل معه بطرق مختلفة، ففي العصور الوسطى كان يُنظر إلى المجانين أحيانًا ككائنات قريبة من الحكمة أو النبوءة، أما في العصر الكلاسيكي (القرن السابع عشر)، فقد جرى عزلهم في مؤسسات مغلقة ضمن ما سماه فوكو الاحتجاز الكبير، الذي شمل العاطلين والمجانين والمهمّشين. ومن هذا يمكننا صياغة الفكرة الجوهرية في هذا الكتاب التي تتمثل في أن مفهوم الجنون ليس حقيقة طبيعية أو طبية فحسب، بل هو بناء اجتماعي وثقافي يعكس طريقة المجتمع في تنظيم العقل واللاعقل، والنظام والفوضى. بهذا المعنى، يقدّم فوكو تاريخًا اجتماعيًا للجنون بوصفه مرآة لعلاقة المجتمعات بالاختلاف والسيطرة. وفي أركيولوجيا المعرفة، الذي نشر عام ١٩٦٩م، وهو عمل نظري أكثر من كونه تاريخيًا، وضع فيه فوكو المنهج الذي يفسّر به أعماله السابقة. ففي هذا الكتاب، يحاول فوكو أن يبيّن كيف تتشكل الخطابات الفكرية والعلمية في فترات معينة، وكيف تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله. وبدل النظر إلى تاريخ الفكر كمسار مستمر من الأفكار، يقترح منهج الأركيولوجيا الحفر في طبقات الخطاب لاكتشاف القواعد الخفية التي تنظّم إنتاج المعرفة. فمثلاً، في الطب أو علم النفس أو السياسة، لا تنشأ الأفكار بمعزل، بل ضمن نظام معرفي يحدّد شروط الظهور. بهذا يصبح تاريخ الفكر ليس سردًا لتقدم الأفكار، بل تحليلًا للبنى المعرفية التي تحدد كيف يُفكَّر في كل عصر.
٤.٤.١.٣.٢.٨.٦ دولوزيتجاوز الثنائيات الأربع
الفيلسوف الفرنسي المعاصر لفوكو، جيل دولوز،١٩٩٥م، والأكثراهتمامًا بفلسفة الاختلاف، والحركة، والإبداع، كان يرى أن الواقع ليس بنية ثابتة أو جوهرًا محددًا، بل هو تدفق مستمر من العلاقات والتغيرات. من هنا، أراد دولوز أن يتجاوزالانقسامات الأساسية التي بَنَت عليها الفلسفة الغربية تصورها للعالم منذ أفلاطون، والتي تقوم على فكرة أن الواقع يمكن تقسيمه إلى قطبين متقابلين، أحدهما أعلى أو أنقى، والآخر أدنى أو ثانوي. وهذا يتمثل في الثنائيات التي ميّزت الفكر الغربي منذ أفلاطون، وهي ثنائيات الذات-الموضوع، العقل-الجسد، الطبيعة-الثقافة، الثابت-المتحوّل. هذه الثنائيات مثلت طريقة للتفكير وأنتجت ما يُعرف بـميتافيزيقا الثنائية التي شكلت أسس الحداثة الغربية. وهنا نستعرض هذه الثنائيات لإثراء الحديث بإلقاء الضوء على بعض المواقع المهمة التي تغيب عن القارئ للمشهد العلمي والثقافي والحضاري للغرب.
منذ أفلاطون، ميز الغرب بين الموضوعي والذاتي على تصور مفاده أن الموضوعي يختص بالعالم الخارجي كما هو، مستقلًا عن الإنسان، بينما الذات هي مصدر الانحياز والخطأ والآراء الخاصة. كان يُنظر إلى الحقيقة بوصفها شيئًا صلبًا قائمًا خارج الذات الإنسانية، وأن مهمة العالم هي فقط الكشف عنها وإزالة ما يعكّر صفاء الرؤية. لكن هذا التصور بدأ يتفكك تدريجيًا مع ظهور فلسفات العلم الحديثة، والدراسات التجريبية للمعامل، وأعمال فلاسفة مثل باشلار، ولاتور. فالحقيقة العلمية لا تصلنا جاهزة، بل تمر دائمًا عبر الذات، عبر جسد الباحث، وعبر أدوات القياس، وعبر اللغة والنموذج النظري. الموضوعي هنا ليس معطى خامًا، بل نتيجة عمل طويل تشارك فيه الذوات، وتعيد بواسطته تشكيل ما نسمّيه حقيقة.
يتضح هذا التداخل في التجربة العلمية ذاتها. حين يجري الفيزيائي تجربة لقياس سرعة الضوء أو رصد جسيم أولي، فهو لا يستقبل بيانات مباشرة من الطبيعة، بل من جهاز صُمّم وهُيّئ وحددت حساسيته سلفًا، وتعرض للإصلاح والصيانة، ويعمل ضمن بيئة مختبرية مضبوطة. الجهاز لا يعكس الطبيعة كما هي، بل يعرض علينا صورة طبيعة أعيدت صياغتها عبر التكنولوجيا. لذلك، فإن النتيجة العلمية تعتمد بقدر ما تعتمد على الظاهرة على الاختيارات الذاتية للباحثين، يعني أي جهاز يستخدمون؟ بأي حساسية؟ بأي بروتوكول؟ وبأي معايير نحكم بأن البيانات نظيفة أو مقبولة؟ وبذالك فالموضوعية تُبنى عبر سلسلة طويلة من الوسائط البشرية وغير البشرية، فتظهر في النهاية نتيجة منسوبة إلى الطبيعة، لكنها في الحقيقة حصيلة شبكة معقدة من عمليات التفسير والفحص والتحقق.
ويزداد وضوح هذا التداخل في العلوم التي تتعامل مع ما يبدو أكثر صلابة، مثل الفيزياء الفلكية. فصور المجرات التي نراها ليست صورًا طبيعية كما نتوهّم، بل نتاج عمليات تركيب رقمي، وتحسين سطوع، واستبعاد نويز، وتحويل إشارات التلسكوب إلى قيم رقمية ثم إلى صور ملونة. اللون نفسه ليس لونًا حقيقيًا للمجرة، بل ترجمة بشرية لترددات الأشعة. ما يبدو موضوعيًا تمامًا هو في حقيقته بناء تراكمي شاركت فيه الذات عبر أدواتها وقراراتها ومخيالها التقني.
أما في الطب، فتتجلى العلاقة بين الموضوعي والذاتي في التشخيص ذاته. جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي يعطي بيانات خامًا، لكن الطبيب هو من يحدد أيّ مقطع يقرأ، وأيّ علامة تعدّ دالّة مرضية، وكيف تُفسَّر الاختلافات بين المرضى. الأطباء ذوو الخبرة يطوّرون ما يصفونه أحيانًا بـالعين الطبية، التي تمزج بين المعرفة العلمية وبين حسّ داخلي تشكل عبر سنوات من التعامل مع الحالات. ما هو موضوعي في التشخيص هو نتيجة خبرة ذاتية طويلة تراكمت حتى صارت جزءًا من معايير العلم نفسه.
ومن العلوم الحديثة ما يُظهر هذا الاندماج بوضوح أكبر، مثل الذكاء الاصطناعي. فالخوارزميات تبدو كيانات موضوعية تتخذ قرارات محسوبة، لكنها في الحقيقة صيغت من خلال مجموعات بشرية اختارت البيانات، وحددت الأوزان والمعايير، وصممت النموذج، وحددت أمثلة التدريب. ما يبدو قرارًا آليًا هو انعكاس مباشر لخيارات بشرية. هنا يتحول الموضوعي إلى مرآة للذاتي، ويصبح الذاتي مادة لصنع الموضوعي، في تداخل لا فكاك منه.
ومع هذا كله، لا يعني القول بتداخل الذاتي والموضوعي انحلال الحقيقة أو سقوط العلم في النسبية، بل يعني أن الموضوعية ليست خاصية جاهزة في الأشياء، بل خاصية يجري بناؤها اجتماعيًا ومخبريًا ومؤسساتيًا، ثم تثبيتها من خلال التوافق العلمي وأساليب التحقق المتعددة. الموضوعي الحقيقي هو ما يجتاز سلسلة طويلة من عمليات الفحص، والتكرار، والتحقق، والنشر، والاعتراض، والتعديل. كل خطوة من هذه الخطوات تعتمد على ذات ما وعلى مؤسسة ما وعلى جهاز ما. وما نسمّيه حقيقة هو ما استطاع الثبات عبر هذه الشبكة المعقدة من الذوات والأدوات.
بهذا المعنى، يصبح الحديث عن الموضوعي والذاتي في العلم الحديث حديثًا عن شبكة لا عن ثنائية. فالطبيعة لا تظهر إلا عبر الثقافة، والمعاني لا تتشكل إلا عبر الأدوات، والحقيقة لا تستقر إلا عبر البشر وغير البشر معًا. وما كان يُظن أنه فصل صار يُرى اليوم بوصفه علاقة بنائية متبادلة، حيث كل طرف يصنع الآخر. هذا هو التحول الذي جعل العلم أكثر إنسانية، وجعل الذات جزءًا من الحقيقة لا نقيضًا لها.
وتعود جذور ثنائية العقل والجسد، إلى الفيلسوف ديكارت الذي قال أنا أفكر إذن أنا موجود، فجعل العقل هو جوهر الإنسان الحقيقي، واعتبر الجسد مجرد آلة أو وعاء راسما بذلك خطا فاصلا يقسم الفضاء إلى عالمين منفصلين. وبذلك يكون العقل في هذا التصور، آلة صلبة تنتج القرارات بشكل موضوعي، بينما الجسم والذي يحوي العاطفة، هو قوة غامرة تُربِك التفكير وتُضلّله. غير أن العلوم المعرفية الحديثة والفلسفة المعاصرة أظهرتا أن هذا التقسيم لا يعكس الواقع، وأن العقل والجسد يعملان بوصفهما مكوّنَين متلازمين داخل العملية نفسها. فالعقل لا يشتغل في فراغ، بل يعتمد على الإشارات الجسدية والانفعالات الدقيقة التي تمنح للأشياء معنى وقيمة واتجاهًا. والعاطفة ليست انفجارًا غير عقلاني كما تصورها بعض فلاسفة الحداثة، بل هي نظام من التقييمات المضمّنة في الجسد؛ تشير إلى ما هو مهم وما هو خطر وما هو مرغوب، وتوفّر بوصلة أولية لاتخاذ القرار.
تظهر هذه الوحدة بين العقل والعاطفة في مثال يومي بسيط مثل عبور الشارع. العقل يدرك المسافة وسرعة السيارات ويقدّر الزمن، غير أن الانقباض السريع في الصدر أو تسارع النبض أو الإحساس بالتوجّس يلعب دورًا حاسمًا في قرار العبور من عدمه. لا يمكن القول إن العقل اتخذ قرارًا مستقلًا، ولا إن العاطفة تدخلت بعد اكتمال الحسابات، بل إنهما اندمجا في لحظة واحدة لتكوين استجابة متكاملة. مثال آخر هو التعلّم، فالطلاب يتذكرون المعلومات التي ترتبط بإحساس إيجابي أو بانتباه عالٍ، والعاطفة هنا ليست مشوّشًا، بل محفّزًا يسمح للعقل بإعادة تنظيم المعلومات وربطها بسياقات ذات معنى.
في العلوم ذاتها، يبدو أن الفصل بين العقل والعاطفة ضرب من التبسيط. عالم الرياضيات الذي يكتشف حلاً جديدًا لا يعتمد على العقل التحليلي وحده، بل على حدس داخلي يشبه الإحساس بالاتجاه الصحيح. وقد وصف عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكاريه، عام ١٩١٢م، هذه اللحظة بأنها توهج عاطفي يسبق صياغة البرهان المنطقي. ومعظم علماء الفيزياء يشيرون إلى دور الجمال والاتساق في اختيار النظريات؛ فهناك ما يشبه الإحساس الجمالي الذي يُشعرهم بأن معادلة ما صحيحة حتى قبل التحقق منها تجريبيًا. هذه الانفعالات الدقيقة ليست زائدة عن الحاجة، بل جزء من آلية التفكير نفسها.
وتوضح التكنولوجيا الحديثة أيضًا تلازم العقل والعاطفة. عندما يصمّم مهندس واجهة تطبيق إلكتروني، فهو يعتمد على الحس الجمالي وعلى فهمه للراحة البصرية وعلى الانطباع الذي سيتركه تصميم معيّن لدى المستخدم. القرارات تبدو عقلانية، لكنها مفعمة بتقييمات عاطفية خفية تتعلق بالإحساس المتولّد لدى المستخدم. وفي المقابل، تتأثر العاطفة ذاتها بالمنطق والأدوات التقنية؛ فخوارزميات المنصات الرقمية باتت تشكّل ما يشعر الناس نحوه، وما يثير انتباههم، وما يزعجهم. العقل والتقنية والعاطفة هنا في بنية واحدة لا يمكن فصل أطرافها.
من خلال كل هذه الأمثلة، تتضح حقيقة أن العقل والعاطفة ليسا متضادين في جوهرهما، بل هما منظومة واحدة تتكوّن فيها القرارات والأفكار من خلال تفاعل مستمر بين الإحساس والتحليل، وبين الجسد والمعنى، وبين الخبرة الشخصية والأدوات الثقافية. تتجلى هذه الوحدة في كل شكل من أشكال المعرفة: من الرياضيات إلى الفيزياء، ومن الطب إلى العلوم الاجتماعية، ومن الفعل اليومي البسيط إلى الأحكام الأخلاقية المعقدة. وبانهيار هذه الثنائية، تتبدّى صورة الإنسان والعالم أكثر ثراءً، حيث يصبح التفكير نفسه جزءًا من الحياة، لا نشاطًا منفصلًا عنها.
أما الثنائية الآخرى، هي الطبيعة والثقافة، وهي من أهم ما انتقده برونو لاتور. ففي الحداثة، صُورت الطبيعة على أنها مادة خام موضوعية، موجودة قبل الإنسان ومستقلة عنه، بينما الثقافة هي ما يصنعه البشر من رموز ولغات ومؤسسات. لكن هذا التقسيم، كما رآه البعض، وهمي، وغير، واقعي. ففي قلب فلسفة العلم الحديثة ظهر نقد حاد للثنائية التي صاغتها الحداثة بين الطبيعة والثقافة، وهي ثنائية تُقدَّم غالبًا كما لو أنها بديهية، فالطبيعة موجودة في مكان ما، خام وصامتة ومكتفية بقوانينها، فيما الثقافة في موقع آخر، وهو ما يصنعه البشر من لغات ونظريات ومؤسسات. هذا الفصل الذي بدا لفترة طويلة أداة منهجية نافعة، يتبيّن عند التفحص أنه تبسيط مُضلّل، لأن كل معرفة علمية تُنتج في الواقع من خلال تشابك عميق بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي. فحين ينظر العلماء إلى الظاهرة الطبيعية، فإنهم لا يلتقطونها مباشرة، بل يمرّون من خلال أدوات، كالمقاييس، وأجهزة، ولغات رياضية، وبروتوكولات مختبرية، ومدارس علمية، وتقاليد مهنية، هي نفسها نتاج ثقافي. فالطبيعة لا تظهر وحدها، بل يُعاد تركيبها داخل إطار ثقافي يمكّنها من أن تُفهم، وتُقاس، وتُعرّف بطريقة محددة. فبالتالي، كل ممارسة علمية أو اجتماعية هي مزيج من الاثنين معًا، وحين نُجري تجربة علمية، نحن نعيد تشكيل الطبيعة من خلال أدوات ثقافية ولغوية، والعلم نفسه ليس فصلًا بين الطبيعة والثقافة، بل تداخلهما.
وتبدأ قصة ثنائية الثابت والمتحول، مع التصوّر الإغريقي للحقيقة، حيث ارتبطت القيمة واليقين بما هو ثابت لا يتغيّر. فلقد كان ينظر للتغيّر بوصفه نقصًا، واضطرابًا، ودليلًا على عدم اكتمال الشيء. ففي عالم أفلاطون، لا يمكن للحق أن يكون متحوّلًا، لأن كل ما يتحوّل يفقد جوهره في كل لحظة. لذلك وضع عالم المثل في السماء الفكرية، وهوعالم ثابت، صافي، خالد، لا يمسه فساد ولا حركة. أمّا العالم الذي نختبره بحواسنا فهو مجرّد ظلّ، ونسخٌ ناقصة تتبدّل بتبدّل ظروفها. بهذا الشكل تأسس في الغرب ربطٌ عميق بين الجوهر والثبات، وبين التغيّر والسطحية، حتى صارت الفلسفة نفسها بحثًا عما لا يتغيّر تحت طبقات التغيّر الظاهر.
لكن هذا التصوّر بدأ يتصدع مع دخول الفلسفة الحديثة عوالم الطبيعة الحية، والتاريخ، واللغة، والعلوم. فالفيلسوف اليوناني هراكليطس، عام ٤٨٠ قبل الميلاد، قال، لا يمكنك أن تعبر النهر ذاته مرتين، معبرا بذلك عن أن كل شيء في الكون في حالة تغير مستمر. فالنهر نفسه لا يبقى ثابتًا، حيث إن مياه تتدفق دائمًا، وما كان هناك قبل لحظة قد ذهب الآن، وما يمر هو ماء جديد دائمًا. وبالمثل، الإنسان نفسه يتغير لحظة بلحظة، فأفكاره، وجسده، وتجاربه، وعواطفه تتغير باستمرار. لذلك، عندما تحاول أن تعبر النهر مرة أخرى، فأنت تعبر مياه جديدة وشخصًا جديدًا في آن واحد. لكن هراكليطس نفسه، عاد ليصبح أبًا روحيًا لفلسفات القرن العشرين. فلقد تغيّر فهم الوجود حين صارت الحركة ليست مجرد صفة إضافية تلحق بالأشياء، بل أصبحت البنية العميقة التي تنتظم حولها الأشياء. ولم يعد الزمن شرطًا خارجيًا، بل نسيجًا تتشكّل فيه الهويات ذاتها. ولم يعد الكائن شيئًا ثابتًا ثم يعتريه تغيّر، بل صار الكائن سلسلة تغيرات مستمرة تعطي الانطباع بالثبات أحيانًا.
وفي هذا السياق ظهرت الأطروحة الجذرية لدولوز، الذي قلب الثنائية رأسًا على عقب. فبالنسبة له، لا وجود لثبات مستقل، بل هناك تجمّدات مؤقتة، داخل حركة كبرى. الهوية ليست أصلًا يُحافظ عليه، بل أثرًا من آثار التكرار والاختلاف. ما يبدو ثابتًا هو في الحقيقة بطءُ التغيّر، وما يبدو ماهيةً صلبة هو في الواقع عقدة من العلاقات والقوى المتحركة. الثبات مجرد محطة في خطّ التغيّر، وليس نقيضًا له. ولهذا اعتبر دولوز أنّ البحث عن الجوهر الثابت محاولة دفاعية من العقل لفرض نظام على واقع متدفّق، مثل التقاط صورة واحدة لنهر جارٍ ثم الاعتقاد بأن النهر ثابت.
تتضح هذه الرؤية حين ننظر في تطور الكائنات الحية. فلم يعد يُفهم النوع البيولوجي بوصفه ماهية ثابتة، بل بوصفه خطًّا من التعديلات الطفيفة التي تتراكم عبر آلاف الأجيال. وما يبدو نوعًا ثابتًا اليوم هو نتاج متحرك لاصطفاء طويل، وسيواصل هذا النوع التغيّر مستقبلًا. الهوية هنا ليست نقطة بداية، بل نتيجة تاريخ. وتتحول الكائنات التي نراها ثابتة، في صور الكتب المدرسية إلى عمليات مستمرة من الطفرات، والتكيفات، والتفاعلات البيئية. الطبيعة لا تعرف الثبات إلا بوصفه لحظة عابرة.
ويزداد المشهد وضوحًا إذا نظرنا إلى اللغة، حيث يظن البعض أنها كيانات ثابتة لها قواعد، تضمن استقرارها. لكن كل لغة تتغير من جيل إلى جيل، فالكلمات تتحوّل، والمعاني تتسع أو تضيق، والأصوات تتبدّل، والتراكيب تبزغ أو تضمحل. اللغة التي نتحدثها اليوم ليست العربية التي كانت في صدر الإسلام، ولا العربية الفصحى كما يريدها النحاة، ولا العربية المعاصرة التي ستتغير بعد قرون. اللغة كائن حيّ، تمتلك تاريخًا لا جوهرًا ثابتًا، ومادتها الأساسية ليست القواعد، بل الاستعمال. الثبات في اللغة ليس إلا مجموع عادات نطوّرها مؤقتًا قبل أن تتغير من جديد بتغيّر السياق.
وفي العلم أيضًا يظهر هذا التشابك بصورة بيّنة. فالنظريات التي تبدو حقائق ثابتة تتغير حين تتغير الأدوات والمنهجيات. ومفهوم المادة نفسه تغيّر مرات عديدة، من ذرات صلبة إلى جسيمات واحتمالات وموجات. حتى الحقائق التي تبدو راسخة، كقوانين نيوتن، بقيت صالحة ضمن نطاق معين لكنها فقدت ثباتها عندما ظهر منظور أوسع في النسبية والكم. العلم نموذج حيّ يثبت فقط بقدر ما تعود التجارب لتثبيته، ويتغيّر حين تفتح التقنيات الجديدة نافذة أوسع على الواقع.
ومع هذا كلّه، لا يعني هذا أن العالم بلا معالم مستقرة. فالثبات موجود، لكنه ليس أصلًا، ولا جوهرًا، بل أثرًا من آثار التنظيم، ونتيجة مؤقتة لتوازن القوى. يظهر الثبات حين تتباطأ الحركة، وحين تتكرّر الأنماط بما يكفي لتكوين عادة، وحين تستقر العلاقات داخل منظومة لفترة طويلة. لكن هذه الاستقرارات ليست نهائية، بل قابلة للتبدّل كلما تغيّرت الشروط التي أنتجتها.
وهكذا يتحوّل فهم الثابت والمتحوّل من ثنائية صارمة إلى رؤية ديناميكية ترى أن الثبات شكل من أشكال التغيّر، وأن الحركة ليست تهديدًا للهوية، بل مصدرًا لوجودها. يصبح التغيير ليس ما يحدث للشيء، بل ما يصنع الشيء نفسه. ويصبح الثبات ليس حقيقة أبدية، بل لحظة قصيرة في مجرى زمن طويل، شبيهة بوقوف موجة قبل أن تتابع حركتها. بهذه الصورة يغدو العالم أكثر حيّوية، وتصبح الفلسفة أقرب إلى نبض الواقع، حيث لا شيء يبقى كما هو، ولا شيء يُلغى تمامًا، بل كل شيء يتحوّل ويستمر في التحوّل.
هذه الثنائيات الأربع، كما ذكرنا سالفا، كانت بمثابة أساس للحداثة الغربية التي سعت إلى عقلنة العالم والسيطرة عليه. نقد فوكو ودولوز ولاحقا لاتور، لهذه الثنائيات هو نقد للطريقة التي فصل بها الفكر الغربي الإنسان عن العالم، والمعرفة عن الممارسة، والفكر عن الجسد، والحقيقة عن التجربة. وهم سعوا بدلًا من ذلك إلى تصور غير ثنائي للعالم، يرى الواقع كمجال من العلاقات المتداخلة، لا كعناصر منفصلة أو متقابلة. فقدّم دولوز مفهومًا بديلًا سماه التعددية أو الاختلاف المنتج، فهو يرى أن كل كيان في العالم يتشكل من خلال علاقاته مع الآخرين وليس من جوهره الداخلي. واستخدم، في وصف علاقة كل كيان مع الآخرين، استعارات بيولوجية كالرَّيزوم Rhizome وهذه الاستعارة هي مفهوم فلسفي قدّمه الفيلسوفان الفرنسيان جيل دولوز وفليكس غاتاري في كتابهما ألف هضبة، ١٩٨٠م، يعكس التشابه مع النباتات الجذرية الممتدة والمتشعبة تحت الأرض (كالزنجبيل والقصب والنعناع)، وليس لها مركز واحد، ولا بداية، ولا نهاية واضحة، ويستخدم كـاستعارة. وطبّق دولوز هذا التصور على الفكر والمجتمع والمعرفة، معتبرًا أن الأفكار لا تنمو خطيًا من مصدر واحد، بل من تفاعلات متزامنة ومتغيرة باستمرار. بهذا المعنى، ألغى فكرة أن هناك قوة واحدة أو حقيقة واحدة، واستبدلها بفكرة أن الواقع كله عبارة عن شبكة مفتوحة من العلاقات والتدفقات.
دولوز رفض أيضا، فكرة الذات المستقلة والعقل الكلي، واعتبر أن الإبداع والتفكير عملية جماعية متحركة تنشأ من تدفقات القوى والطاقات داخل الحياة. لذلك كانت فلسفته مصدر إلهام لكثير من الفلاسفة اللاحقين، ومنهم لاتور، الذين رأوا أن الواقع لا يمكن فهمه من خلال تقسيمه إلى عناصر معزولة، بل من خلال الشبكات والعلاقات التي تتفاعل فيها الأشياء والبشر والأفكار.
٤.٤.١.٣.٢.٨.٧ أطروحة برونو لاتور وأفكاره الرئيسية
نحاول أن نجمع ما استعرضناه ونقدم اطروحات لاتور، فنقول إن مشروع برونو لاتور، يعد امتدادًا فكريًا مركّبًا استند فيه إلى إرث فلسفي واسع، بدأت جذوره مع ميشيل فوكو الذي كشف أن المعرفة ليست مستقلّة عن السلطة، بل تتكوّن داخل مؤسسات تمارس الانضباط والمراقبة وتنتج أنظمة الحقيقة السائدة في كل عصر. وقد منح فوكو الفكر الفلسفي أدوات جديدة لفهم العلم بوصفه ممارسة اجتماعية مشروطة بالبنى المؤسسية، لا عملية عقلانية خالصة. ومن خلال تحليله للخطابات والممارسات في المدرسة والمستشفى والسجن والمختبر، بيّن أن السلطة الحديثة تعمل عبر تشكيل الأفراد وتطبيعهم، لا عبر القمع المباشر، وأن المعرفة العلمية جزء من هذه المنظومة التي تنتج العقلاني واللاعقلاني وفق حدود تاريخية متغيرة.
وفي الاتجاه نفسه، قدم جيل دولوز رؤية أكثر ديناميكية للواقع، تجاوزت البنى الجامدة التي بقيت حاضرة في فكر فوكو. فقد طرح مفهوم الرزوم ليصف العالم كشبكة لا مركز لها، تتكوّن من تدفقات وعلاقات متغيرة لا تخضع لبنية واحدة أو أصل ثابت. وبهذا التصور، ألغى فكرة الجوهر الواحد والحقيقة المركزية، مستبدلًا إياها بمنطق العلاقات والتعدد والاختلاف. وبفضل هذا التحول، أصبحت المعرفة تُفهم ضمن ترابطات غير هرمية، تظهر فيها الأفكار لا من مصدر واحد، بل من تفاعلات متزامنة تنتج المعنى والقوة معًا.
انطلق برونو لاتور من هذا الإرث ليحوّل النقد الفلسفي إلى منهج بحثي قابل للتطبيق في دراسة العلم نفسه. فبدل النظر إلى العلم كمسار مستقل عن المجتمع، رأى أنه شبكة من الفاعلين، بشرًا كانوا أم أدوات أو مختبرات أو عناصر مادية، تتفاعل جميعها لصياغة ما يُعد حقيقة علمية. عبر نظرية الفاعل–الشبكة، أبرز لاتور أن الحقيقة لا تُنتج في العقل وحده أو في التجربة المعملية المعزولة، بل في سلسلة من الترجمات والتفاوضات التي تُثبِّت النتائج داخل المجتمع العلمي. وهكذا أصبح العلم ممارسة اجتماعية–مادية، تتوزع فيها الفاعلية بين الإنسان والأشياء، بحيث لا يمكن فصل الطبيعة عن المجتمع في أي مرحلة من مراحل إنتاج المعرفة.
وقد جاء نقد لاتور للحداثة ليكشف زيف الدعوى التي تقول إن الفكر الحديث فصل الطبيعة عن المجتمع وحرّر العقل من السلطة. ففي كتابه نحن لم نكن حداثيين قط، أوضح أن مشروع الحداثة خلق ثنائية وهمية بين الطبيعي والاجتماعي، بينما الواقع يكشف أن كل ممارسة علمية تقوم على مزج الاثنين معًا. فالأجهزة، والأدوات، والمعادلات، والمختبرات، والسياسات، كلها تشارك في إنتاج العلم، ولا يمكن اختزال الحقيقة في الطبيعة وحدها. وبذلك رأى لاتور أن الحداثة أقامت ميتافيزيقا جديدة تمجّد العلم الموضوعي، وتمنحه سلطة مطلقة، متجاهلة القيم والثقافات والمعارف غير الغربية. ومع تصاعد الأزمات البيئية، ازداد هذا النقد اتساعًا، وأدرك لاتور أن الحداثة وضعت الإنسان في مواجهة الطبيعة بدل إدراكه لكونه جزءًا من شبكة حيوية مشتركة.
يتجلّى هذا التحول بصورة أوضح في أعمال لاتور الميدانية، خاصة كتاب حياة المختبرات الذي شارك في تأليفه مع ستيف وولغار. فقد كشفا عبر ملاحظة التفاعلات اليومية في المختبرات أن العلم ليس مرآة مباشرة للطبيعة، بل سلسلة قرارات وممارسات تعتمد على الأدوات، والبنى المؤسسية، واللغة العلمية، وأشكال الإقناع داخل المجتمع العلمي. ومن خلال هذا المنظور البنائي، أصبح فهم الحقيقة العلمية مرتبطًا بتحليل السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، لا بمجرد تتبع التجارب الفيزيائية أو البيولوجية التي تُجرى على عينات أو مواد.
وقد ورث لاتور من توماس كون وبول فايرآبند أيضًا نقدهما للفكرة التي ترى العلم تقدمًا خطيًا نحو الحقيقة. فكون أوضح أن العلم يتطور عبر ثورات نموذجية، تنتج أنظمة معرفية جديدة، بينما شدد فايرآبند على أن تاريخ العلم مليء بالممارسات غير المنهجية التي ساهمت في تقدم المعرفة أكثر مما فعلت القواعد الرسمية. إلا أن لاتور ذهب أبعد منهما حين رأى أن العلم ليس فقط متأثرًا اجتماعيًا، بل هو في جوهره نشاط اجتماعي–مادي، وأن الحقيقة تُبنى داخل الشبكة نفسها، لا خارجها. وبذلك تجاوز حدود النموذجية الكونية عند كون، وأعاد صياغة نقد فايرآبند في إطار منهجي يسمح بتتبع الفاعلين في الواقع بدقة أكبر.
بفضل هذا المزج بين فوكو ودولوز وكون وفايرآبند، صاغ لاتور نهجًا جديدًا يرى أن العلم ليس رحلة عقلانية محضة ولا مشروعًا منفصلًا عن تفاعلات البشر والأشياء. فهو شبكة تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية، وتُنتج الحقيقة عبر علاقات وتشابكات لا يمكن ردّها إلى أصل واحد. وأدى هذا التصور إلى نشوء مجال أنثروبولوجيا العلم، الذي يدرس المختبرات والمؤسسات العلمية بوصفها فضاءات اجتماعية لها لغاتها وطقوسها وأشكال السلطة فيها، لا أماكن محايدة للكشف عن الطبيعة الخالصة.
من هنا، يمكن القول إن القيمة الكبرى لمشروع لاتور تكمن في أنه نقل فلسفة العلم من مستوى التأمل في طبيعة الحقيقة إلى مستوى تحليل كيفية بنائها على أرض الواقع. فقد كشف أن الحقيقة ليست انعكاسًا موضوعيًا للطبيعة، بل نتيجة سيرورات معقدة تدمج بين البشر والأدوات، والأفكار، والموارد، والرموز. وهكذا قدّم منظورًا جديدًا يجعل من العلم جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي، وفتح آفاقًا لفهم دور التقنية والبيئة والعلاقات المؤسسية في صياغة المعرفة. وفي أعماله اللاحقة، تطور هذا المنظور نحو اهتمام أكبر بالبيئة وبالأزمة المناخية، معتبرًا أن الكوكب نفسه فاعل داخل شبكة الحياة، وأن مستقبل العلم يجب أن يكون قائمًا على علاقة تشاركية ومسؤولية متبادلة بين الإنسان والأرض.
وبهذه الرؤية الشاملة، يصبح برونو لاتور حلقة مركزية في تاريخ فلسفة العلم، تقف بين نقد فوكو للسلطة والمعرفة، ووتصور لودوز للشبكات والتدفق واللامركزية، والنقد المعرفي لكون وفايرآبند، لتنتج مقاربة جديدة تجمع بين الفلسفة، والعلوم الاجتماعية، ودراسات التكنولوجيا، والبيئة. لقد أعاد لاتور تعريف العلم بوصفه مشروعًا اجتماعيًا يربط الإنسان بالعالم، وحرر فلسفة العلم من هيمنة العقلانية الأحادية، واضعًا أسسًا جديدة لفهم المعرفة كشبكة حيّة تنمو عبر التفاعل المستمر بين البشر والأشياء والكوكب.
نحاول أن نجمع ما استعرضناه ونقدم اطروحات لاتور، فنقول إن فوكو منح لاتور أدوات تحليلية لتفكيك السلطة والمعرفة داخل العلم، بينما منحه دولوز رؤية ديناميكية للعالم كشبكة متداخلة من الفاعلين. ومن الجمع بين هذين المنظورين، بنى لاتور فلسفته التي ترى أن الحقيقة العلمية ليست موضوعًا نقيًا، بل نتاج تفاعل اجتماعي-مادي يتجاوز حدود الطبيعة، والمجتمع، والذات، والعقل. وعندما نقول إن فوكو قدّم التحليل البنيوي للسلطة والمعرفة، فنحن نعني أنه كان من أوائل من بيّن أن المعرفة ليست مستقلة عن السلطة، بل إن كليهما يعملان معًا في بنية واحدة تُنتج ما نعتبره الحقيقة. فوكو لم يرَ السلطة في صورتها السياسية التقليدية (أي الحاكم والدولة)، بل في شبكة العلاقات اليومية داخل المؤسسات، في المدرسة، والمستشفى، والسجن، والمختبر العلمي. وكما ذكرنا أنه أوضح، في كتابه المراقبة والمعاقبة مثلا، كيف تتحول المراقبة إلى وسيلة لتشكيل الأفراد وإنتاج الطاعة، أي أن المعرفة العلمية والطبية والتربوية تصبح أدوات للسيطرة والانضباط. هذا هو المقصود بالتحليل البنيوي، وهو دراسة كيف تعمل البنى الاجتماعية في إنتاج الحقيقة والسلطة معًا، لا كيف تُمارَس السلطة فقط.
ثم جاء برونو لاتور ليحوّل هذه الرؤية الفلسفية إلى منهج علمي وتحليلي تطبيقي. لم يكتفِ، مثل فوكو ودولوز، بوصف الشبكات أو تحليلها نظريًا، بل جعلها أساسًا لدراسة كيفية تشكّل الحقائق العلمية نفسها. فطور ما يعرف بـنظرية الفاعل-الشبكة (Actor-Network Theory)، التي تقول إن أي حقيقة علمية أو تقنية لا يمكن فهمها إلا من خلال الشبكة التي أنتجتها، التي تشمل العلماء، والأجهزة، والمختبرات، والمعادلات، والتمويل، والجمهور، والسياسات. الجميع هنا فاعلون، سواء كانوا بشريين أم غير بشريين، لأن كل عنصر من هذه العناصر، يشارك في تثبيت الحقيقة داخل المجتمع العلمي.
بمعنى آخر، فوكو كشف أن المعرفة تمارس سلطة، ودولوز أوضح أن السلطة والمعرفة تنتجان داخل شبكات مفتوحة، ثم جاء لاتور ليجعل هذه الفكرة منهجًا لدراسة كيف تتشكل المعرفة العلمية والاجتماعية في الواقع. لقد جمع بين تحليل السلطة الفوكوي والبنية الشبكية الدولوزية، وصاغ منهما أداة بحثية تتيح وصف حركة العلم والتقنية في العالم الحديث دون افتراض مركز أو حقيقة مطلقة.
يشكل مشروع ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة خلفية فكرية أساسية أثّرت في جيل كامل من فلاسفة العلم والمجتمع، وكان برونو لاتور ودولوز من أبرزهم. تأثر جيل دولوز بفوكو، لكنه ذهب أبعد في تفكيك مفاهيم البنية والسلطة، مقترحًا بديلًا ديناميكيًا من خلال مفاهيم مثل الاختلاف، والرزومات وآلة الرغبة التي صاغها مع غاتاري. والمقصود بالاختلاف ليس مجرد تغيّر عن نموذج أصلي أو نسخة من شيء ثابت، بل هو القوة الأساسية التي يتكوّن منها الوجود نفسه، أي أن العالم ليس مبنيًا من هويات ثابتة، بل من حركات مستمرة من الاختلاف والتحوّل. فالهوية، على سبيل المثال، ليست شيئًا جاهزًا، بل نتيجة تغيرات صغيرة ومتواصلة، كالنهر الذي يبدو واحدًا لكنه يتغيّر باستمرار. والرزومات كما ذكرنا هي صورة استعاريّة لوصف شبكات المعرفة، والهوية، والتاريخ، وآلة الرغبة، التي صاغها دولوز وغاتاري في كتابهما ضد-أوديب، وانطلقا في التعريف هذا من أن الرغبة عندهما ليست نقصًا أو حاجة يجب إشباعها، كما الحال عند فرويد، بل هي طاقة إنتاجية تصنع العالم وتغير، ولذلك سمّياها آلة لأنها، تنتج، وتتصل بآلات أخرى، وتتفاعل مع أنظمة اجتماعية وسياسية واقتصادية، لذلك فالرغبة ليست مجرد عاطفة داخل الفرد، بل عملية اجتماعية وإبداعية تشكّل العلاقات والمؤسسات والاقتصاد. فرغبة الفنان ليست نقصًا في داخله، بل قوة إنتاج تخلق عملاً جديدًا وتولد أشكالًا من الحياة؛ لذلك هي آلة تنتج إمكانيات جديدة باستمرار. إضافة لذلك، رأى دولوز أن العالم لا يُبنى وفق مركز أو سلطة واحدة، بل من خلال شبكات متداخلة ومتغيرة باستمرار، حيث تنتج المعاني والقوى من التفاعلات لا من الهياكل الثابتة. هذه الفكرة كانت جذرًا أساسيا في فكر لاتور، إذ تبنى هو أيضًا مفهوم الشبكة ليعيد من خلاله تعريف طبيعة العلم والتقدم العلمي.
من هنا يمكن فهم كيف انتقل لاتور من إرث فوكو ودالوز إلى مشروعه في نظرية الفاعل-الشبكة، التي ترى أن الحقيقة العلمية ليست نتيجة لذكاء العلماء وحدهم أو لتجارب مخبرية منعزلة، بل هي نتاج شبكة من الفاعلين تشمل البشر، والأدوات، والمختبرات، والوثائق، والظروف السياسية والاقتصادية التي تجعل الاكتشاف العلمي ممكنًا. بهذه الصياغة، يصبح العلم عند لاتور ليس نظامًا هرميًا، بل فضاءً تشاركيًا تتفاعل فيه القوى البشرية والمادية والمعرفية بشكل متبادل.
وبذلك تتضح الصلة الفكرية العميقة بين فوكو ودولوز ولاتور، ففوكو قدّم التحليل البنيوي للسلطة والمعرفة، ودولوز فتح المجال للفكر الشبكي غير المركزي، بينما جاء لاتور ليحوّل هذه الأفكار إلى منهج بحثي متكامل في دراسة العلوم والمجتمع. العودة إلى لاتور بعد فوكو ودولوز ليست رجوعًا إلى نقطة البداية، بل انتقالٌ إلى مستوى جديد من الفهم، حيث تُقرأ العلوم لا كمرآة للعالم الطبيعي فحسب، بل كعمليات اجتماعية وثقافية متشابكة تخلق هذا العالم باستمرار.
يمثل هذا المسار الممتد من فوكو إلى دولوز ثم إلى لاتور أحد أهم التحولات في فلسفة وتاريخ العلوم خلال القرن العشرين، لأنه غيّر طريقة فهم العلاقة بين المعرفة، والسلطة، والمجتمع، والعلم. فبينما كان التصور الكلاسيكي للعلم يقوم على فكرة الموضوعية والعقلانية الخالصة، جاء فوكو ليكشف أن العلم نفسه ليس بريئًا ولا منفصلًا عن السلطة، بل يتكوّن داخل أنظمة خطابية ومؤسسات اجتماعية تحدد ما يمكن أن يُقال أو يُفكّر فيه. وهكذا، أصبحت دراسة تاريخ العلم لا تقتصر على تتبّع الاكتشافات والنظريات، بل تشمل أيضًا تحليل البنى التي أنتجت شروط إمكان هذه المعارف، من المستشفى، إلى السجن، إلى الجامعة، إلى المختبر. لقد أرسى فوكو بذلك فكرة أن العلم جزء من اقتصاد السلطة والمعرفة الذي يتبدل مع كل عصر.
ثم جاء جيل دولوز ليحرّر الفكر من الإطار البنيوي المغلق الذي بقي حبيس أنظمة وبنى جامدة، مقترحًا تصورًا للعالم بوصفه شبكة من التدفقات والعلاقات المتغيرة. في فكر دولوز، لا وجود لمركز واحد للسلطة أو الحقيقة، بل تتوزع القوى في كل الاتجاهات ضمن ما سمّاه الرزوم، أي الجذر المتشعب الذي لا ينمو رأسياً مثل الشجرة، بل أفقياً بلا بداية أو نهاية محددة. هذا التصور كان ثوريًا لأنه منح العلوم الإنسانية أفقًا جديدًا يسمح بفهم التغير والتعدد بدلًا من البحث عن جوهر أو بنية ثابتة. وهنا بدأ الفكر الفلسفي يقترب أكثر من مناهج العلوم المعاصرة، التي تدرس الأنظمة المعقدة والشبكات الديناميكية بدلًا من القوانين الصارمة.
أمّا برونو لاتور، فقد كان بمثابة الجسر بين الفلسفة وميدان البحث العلمي الواقعي. استلهم من فوكو فكرة أن السلطة والمعرفة متداخلتان، ومن دولوز فكرة أن العلاقات شبكية وغير مركزية، ثم حولهما إلى منهج سوسيولوجي يمكن تطبيقه على دراسة العلم نفسه. في نظره، لا يمكن فهم العلم كنتاج للعقول فقط، بل يجب النظر إليه كشبكة من الفاعلين، بشرًا كانوا أم أدوات أو مؤسسات أو نصوصًا، يتفاعلون معًا لصنع ما نسمّيه الحقائق العلمية. من هنا، أصبحت فلسفة العلم مع لاتور ليست تأملًا في ماهية الحقيقة، بل تحليلًا في كيفية تشكّلها وتثبيتها داخل الشبكات الاجتماعية والتقنية.
إنّ هذا التطور من فوكو إلى لاتور يمثل تحولًا من رؤية العلم كـنظام معرفي محايد إلى رؤيته كممارسة اجتماعية وسياسية وثقافية. فبدل أن يُنظر إلى تاريخ العلم كتتابع عقلاني للتقدم، أصبح يُفهم بوصفه سيرورة متشابكة من الخطابات، والمصالح، والتقنيات، والعلاقات. هذه الرؤية الجديدة أثرت بعمق في دراسات العلوم والتكنولوجيا ((STS، وفي الفكر المعاصر الذي يسعى لفهم كيف تُنتج المعرفة في العالم الحديث.
يمكن القول في الختام إن فوكو وضع البذرة بتحليله التاريخي للسلطة والمعرفة، ودولوز منح الفكر المرونة واللامركزية، بينما لاتور نقل هذا الإرث إلى ميدان البحث العلمي الملموس. وبذلك، أصبح العلم نفسه موضوعًا للفلسفة، لا بوصفه حقيقة نهائية، بل كمجال حيّ تُعاد صياغته باستمرار من خلال تفاعل الإنسان، والمجتمع، والتقنية، والرمز.
ينتقد لاتور الحداثة لأنها تدّعي أنها فصلت الطبيعة عن المجتمع بينما الواقع يظهر عكس ذلك. فهي، في نظره، مشروع يزعم النقاء بينما يخلق باستمرار كيانات هجينة تربط ما بين الإنسان والأشياء. وهذا ما جاء في كتابه نحن لم نكن حداثيين قط عام ١٩٩١م، فقد قدّم نقدًا جذريًا للفكر الغربي الحديث الذي يفصل بين الطبيعة، المجتمع، مؤكدًا أن هذا الفصل وهمي، لأن كل ممارسة علمية تجمع بين ما هو مادي وما هو اجتماعي، وأن الحداثة لم تُحقق القطيعة التي تزعمها مع الفكر القديم، ولم نتوقف يومًا عن مزج الطبيعة بالمجتمع. ويمتد نقده إلى البنية الأخلاقية والسياسية للحداثة، إذ يرى أنها بتصويرها الطبيعة كشيء خارجي مستقل عن الإنسان قد فتحت الباب أمام السيطرة التقنية المفرطة، وأنتجت أزمة بيئية وأخلاقية غير مسبوقة. فالحداثة في زعمه لم تحقّق القطيعة التي تدّعيها مع الفكر القديم، بل استبدلت الميتافيزيقا القديمة بميتافيزيقا جديدة تمجد العلم الموضوعي وتمنحه سلطة شبه مطلقة. كما أنها همّشت أشكال المعرفة غير الغربية، بحجة الموضوعية والعقلانية. وفي أعماله الأخيرة، تحوّل فكر لاتور نحو البعد البيئي، معتبرًا أن الأزمة البيئية الراهنة كشفت حدود التصور الحداثي الذي وضع الإنسان في مواجهة الطبيعة. دعا إلى بناء علاقة جديدة مع الأرض، علاقة تشاركية تعترف بأن الكوكب نفسه فاعل في إنتاج المعرفة والحقيقة. وهكذا أصبح مشروعه في نهاية مسيرته دعوة إلى إعادة تأسيس فلسفة العلم على أساس أخلاقي وإيكولوجي، تجعل من العلم ممارسة مسؤولة ومتبادلة بين الإنسان والعالم الذي يسكنه.
فالواقع العملي للعلم، كما كشفه في أبحاثه الميدانية حول المختبرات، يبرهن أن كل ممارسة علمية هي تفاعل معقد يجمع بين ما هو مادي وما هو اجتماعي في آن واحد. وهذا ما ظهر واضحا في الكتاب المؤثر حياة المختبرات ،عام ١٩٧٩، الذي ألفه بالاشتراك مع ستيف وولغار، عالم الاجتماع البريطاني البارز في دراسات العلم والتكنولوجيا وأحد الأسماء المؤثرة فيما يُعرف بالمنظورالبنائي الاجتماعي للعلم، الذي ينظر للعلم لا بوصفه طريقًا موضوعيًا خالصًا إلى الحقيقة، بل بوصفه ممارسة اجتماعية وثقافية تخضع للمصالح، والمؤسسات، واللغة، والتفاعلات البشرية. فالعالم لا يتعامل مع الطبيعة الخالصة، بل مع أدوات وتقنيات، ومعايير مؤسسية، وشبكات تمويل، ونقاشات علمية وثقافية تحدد ما يُقبل من نتائج وما يُرفض. بذلك يغدو العلم نفسه ممارسة اجتماعية محكومة بشروط ثقافية ومادية متداخلة. الطبيعة والمجتمع ليسا مجالين منفصلين، بل وجهان لعملية واحدة من البناء المشترك للمعرفة.
في المقابل، يقترح لاتور تصورًا جديدًا للعلم والعالم، يستبدل الثنائية الحداثية بمفهوم شبكة الفاعلين، حيث يتكوّن الواقع من شبكات تضم فاعلين بشريين وغير بشريين يتفاعلون بشكل متواصل لإنتاج المعرفة. فقدم، واحدًا من أكثر الإسهامات تأثيرًا في فلسفة العلم، وهو ما يُعرف بـ نظرية الفاعل-الشبكة. في هذه النظرية، يرى لاتور أن المعرفة العلمية لا تُنتَج من قبل العلماء وحدهم، بل هي نتاج تفاعل بين فاعلين بشريين وغير بشريين، أي أن الأجهزة، والأدوات، والمعادلات، وحتى الكائنات التي تُدرَس، تشارك بدورها في صياغة الحقيقة العلمية. فالمجهر مثلاً ليس مجرد وسيلة، بل هو فاعل، يغير طبيعة ما يمكن رؤيته وفهمه. من هنا فالعلم ليس نشاطًا إنسانيًا بحتًا، بل شبكة معقدة من العلاقات تتوزع فيها الفاعلية على البشر والأشياء معًا. وفي كتابه الشهير العلم في ميدان العمل الصادرعام ١٩٨٧، فسّر لاتور كيف تتكوّن الحقائق العلمية تدريجيًا من خلال الجدل، والاختبار، والتفاوض، حتى تستقر في صورة حقائق، أو قناعات يُسلَّم بها.
وبذلك يعيد لاتور تعريف العلم لا بوصفه طريقًا نحو حقيقة منفصلة عن الإنسان، بل ممارسة اجتماعية –مادية، تشارك فيها الطبيعة والأدوات والتقنيات والعلاقات والمؤسسات على حد سواء. فالحداثة في جوهرها لم تنجح في فصل الطبيعة عن المجتمع، بل خلقت وهمًا بهذا الفصل لتبرير سلطة معينة للعلم والعقلانية الغربية. أما العالم المعاصر، المليء بالأزمات البيئية والتكنولوجية والإنسانية، فيكشف أن مصير الإنسان والطبيعة واحد، وأن تجاوز الفكر الحداثي يتطلب إعادة التفكير في علاقتنا بالعلم وبالعالم على نحو يتجاوز الانقسام القديم بين الطبيعي والاجتماعي.
٤.٤.١.٣.٢.٨.٩ مكانة لاتور بين المهتمين بفلسفة العلوم
ويمكننا القول، إن برونو لاتور يقف في موقع وسيط بين أجيال الفلاسفة. فلقد ورث لاتور من فوكو، والذي يعد من أبرز المفكرين في القرن العشرين، وقد ترك أثرًا عميقًا في الفلسفة، وعلم الاجتماع، والدراسات الثقافية. لم يكن فوكو مهتمًا بالفلسفة بمعناها التأملي التقليدي، بل ركّز على العلاقة بين المعرفة والسلطة وعلى كيفية تشكّل الحقيقة داخل مؤسسات المجتمع الحديثة، فقد كشف فوكو في دراساته عن المعرفة والسلطة أن الحداثة ليست مسارًا نحو التحرّر والعقلانية كما تزعم، بل هي نظام سلطوي جديد يقوم على مراقبة الإنسان وتنظيمه عبر المعرفة. فالإنسان الذي اعتبرته الفلسفة الحديثة ذاتًا عارفة ليس كائنًا حرًّا يقف أمام الحقيقة، بل نتيجة لبنى مؤسسية وخطابية تنتج تصوراته عن نفسه والعالم. وبذلك، زعزع فوكو الأساس الذي قامت عليه الحداثة، وهو الاعتقاد بوجود ذات عقلانية مستقلة تكتشف الحقيقة الموضوعية. واستفاد لاتور من فوكو، لكنه نقل النقد من ميدان الخطاب والمؤسسات إلى ميدان العلم والممارسة التجريبية نفسها. فبدلاً من أن يركّز على كيف تنتج السلطة المعارف، ركّز على كيف تُنتج المختبرات العلمية الحقائق من خلال شبكات اجتماعية ومادية، أي عبر تفاعل البشر، والأجهزة، والأشياء، والرموز. وهكذا تحوّل نقد فوكو للحداثة من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة الملموسة داخل العلم. أما من جيل دولوز، فقد ورث لاتور رفضه للثنائيات والتمركز، وإيمانه بأن الواقع ليس بنية ثابتة، بل شبكة من العلاقات والعمليات المتداخلة. فدولوز في فلسفته يرفض التقسيمات الكلاسيكية بين الذات والموضوع، والعقل والمادة، والطبيعة والثقافة، ويقدّم تصوراً للعالم يقوم على التعدد والتدفق والاختلاف المستمر. هذا التصور كان جوهريًا في بناء فكر لاتور، الذي رفض بدوره الفصل الحداثي بين الطبيعة، كموضوع للعلم، والمجتمع، كمجال للقيم والثقافة. واستلهم من دولوز فكرة أن الكيانات لا تُفهم بمعزل عن علاقاتها، فطوّر منها مفهومه المعروف بـشبكات الفاعلين، حيث كل فاعل، سواء كان إنسانًا أو أداة أو كائنًا ماديًا، يشارك في تشكيل الحقيقة العلمية.
ومن جهة أخرى، ورث لاتور من توماس كون وبول فايرآبند نقدهما للفكرة السائدة بأن العلم يتقدّم في خط تصاعدي نحو الحقيقة النهائية. فقد أظهر كون في بنية الثورات العلمية أن العلم لا ينمو تراكمياً، بل يمرّ بـتحوّلات نموذجية تُغيّرالقواعد التي يفهم بها العلماء العالم. فكل مرحلة من تاريخ العلم تُنتج نظامًا معرفيًا خاصًا بها، ومعيار الحقيقة فيها لا يُقاس بالمقارنة مع الواقع النهائي، بل بمدى انسجامه داخل المجتمع العلمي في زمنه. استوعب لاتور هذا الطرح، لكنه رأى أن كون ظلّ يفترض وجود انفصال بين العلم والمجتمع، أي أنه اعتبر أن التغيرات العلمية تتأثر اجتماعيًا من الخارج. بينما ذهب لاتور أبعد، فرأى أن العلم اجتماعي في جوهره، وأن الحقائق العلمية نفسها تُبنى داخل شبكات اجتماعية ومادية لا يمكن فصلها عن الثقافة والسياسة والاقتصاد.
أما فايرآبند، وهو موضوع المرحلة الحاسمة السابعة في حديثنا عن المنهج، والمؤجلة حتى ننتهي من استعراض كيف قام المهتمين بشرح تاريخ العلوم، فقد مثّل عند لاتور امتدادًا للنقد الراديكالي لفكرة المنهج العلمي الواحد أو العلم الموحّد المتقدّم بلا انقطاع في كتابه ضد المنهج, هاجم فايرآبند التصور القائل بأن للعلم طريقًا عقلانيًا موحدًا، وأكد أن تاريخ العلم مليء بالصدف، والاختلافات، والطرق غير المنهجية التي كانت أحيانًا أكثر إنتاجًا من الطريقة العلمية ذاتها. تبنى لاتور هذا النقد ووسّعه، معتبراً أن الحديث عن تقدم علمي خطي هو تبسيط مفرط، لأن إنتاج المعرفة العلمية ليس حركة نحو الحقيقة المطلقة، بل نشاط معقد من التفاوض والبناء والتفاعل بين البشر والأشياء.
ومن خلال هذا المزج بين فوكو ودولوز وكون وفايرآبند، بنى لاتور رؤيته الفريدة، التي تتمثل في أن العلم ليس تقدماً مستقيمًا نحو الحقيقة، ولا مشروعًا عقلانيًا خالصًا، ولا ممارسة منفصلة عن المجتمع والطبيعة. بل هو شبكة من الفاعلين، تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية لإنتاج ما يُقبل في كل عصر على أنه حقيقة. الحداثة إذن، في نظره، لم تفصل الطبيعة عن المجتمع كما تدّعي، ولم تحقّق قطيعة مع الفكر القديم، بل خلقت سردية مريحة عن التقدم العلمي لإخفاء تداخل ما هو مادي وما هو اجتماعي في إنتاج المعرفة.
من كل هذا، يمكننا القول إن القيمة الكبرى لأطروحة برونو لاتورتتمثل في أنه حوّل فلسفة العلم من بحث تجريدي في طبيعة الحقيقة إلى تحليل ملموس في كيفية صنعها. أعاد الاعتبار للسياق الاجتماعي والسياسي للعلم، وفتح آفاقًا جديدة لفهم المعرفة كشبكة من العلاقات لا كنسق من الأفكار. وبذلك، فقد أسس جسرًا بين فلسفة العلم والدراسات الاجتماعية والسياسية والبيئية، وجعل من السؤال حول الحقيقة العلمية سؤالًا عن العلاقة بين الإنسان والعالم أكثر منه عن كنه العالم ذاته. هذا لا يعني أن لاتور ضد العلم أو معاديًا له، بل كان يسعى إلى فهمه بوصفه ممارسة بشرية، حتى نفهم كيف تُبنى السلطة العلمية وكيف تُستعمل. وبفضل هذه الرؤية، أصبح أحد أبرز نقاد المركزية العلمية الغربية، مؤكدًا أن فهم العلم يتطلب دراسة بيئته الثقافية والاجتماعية، تمامًا كما نفعل حين ندرس الفنون أو الأديان أو السياسة.
٤.٤.١.٣.٢.٨.١٠امثلة لتطبيق أطروحاته
نستعرض هنا بعض أبرز الأمثلة التطبيقية التي ظهر كيف تجسّدت أفكاره ونهدف منها إيضاح أطروحة لاتور في فهمه لتاريخ العلوم.
المثال الأول: ما ينتجه المعمل ليس بالحقيقة
في كتابه الشهير حياة المختبر: بناء الحقائق العلمية، قدّم برونو لاتور واحدة من أكثر الدراسات الميدانية تأثيرًا في فهم العلم من الداخل، إذ قام بما يشبه أنثروبولوجيا للمختبر. بدل أن يتحدث عن العلم من منظور فلسفي أو نظري كما فعل كثير من فلاسفة العلم قبله، قرر أن يعيش تجربة العلم اليومية في موضع إنتاجه الحقيقي، في المختبر العلمي.
اختار لاتور مع زميله ستيف وولغار مختبرًا في معهد سالك للأبحاث البيولوجية في كاليفورنيا، وهو من أهم المراكز في علم الأحياء الجزيئي. وهناك قضى وقتًا طويلاً يراقب العلماء أثناء عملهم اليومي، كما يفعل الأنثروبولوجي عندما يدرس جماعة بشرية في بيئة ثقافية مختلفة. لم يتعامل مع العلماء ككائنات عقلانية خالصة تسعى لاكتشاف الحقيقة فحسب، بل كأفراد يعيشون ضمن ثقافة خاصة لها لغتها، وأدواتها، وتقاليدها، وصراعاتها، ومصالحها، وأشكال السلطة فيها. خلال هذه الملاحظة الدقيقة، لاحظ لاتور أن ما يسمى الحقيقة العلمية لا يولد لحظة اكتشاف أو تجربة واحدة، بل يتشكل تدريجيًا من خلال سلسلة معقدة من العمليات الاجتماعية والمادية. فعندما يُجري العالم تجربة، لا تكون النتيجة مجرد ملاحظة موضوعية، بل تمر عبر مراحل من التفسير، والنقاش، والتعديل، والتوثيق، ثم تُكتب في مقالات تُراجع وتُقبل أو تُرفض من قبل المجتمع العلمي. وفي كل هذه المراحل، تتدخل عوامل بشرية (كالمكانة الأكاديمية، والتمويل، وطريقة عرض البيانات) وعوامل مادية (مثل الأجهزة، والعينات، والبرامج) في تحديد ما إذا كانت النتيجة ستُقبل كـ حقيقة.
بهذا المعنى، لم ينظر لاتور إلى الحقائق العلمية كـاكتشافات جاهزة تنتظر أن يُميط عنها العالم اللثام، بل كـبناءات تدريجية تتكوّن عبر شبكة من التفاعلات بين البشر وغير البشر. فالمقال العلمي الذي يُنشر في نهاية المطاف ليس مجرد نقل لنتيجة تجريبية، بل هو منتَج اجتماعي يمثل تتويجًا لهذه الشبكة من العلاقات والمفاوضات. الأجهزة التي تقيس، والنصوص التي تُكتب، والتمويل الذي يُمنح، كلها عناصر فاعلة في تكوين الحقيقة، وليست مجرد أدوات ثانوية. وبهذه الطريقة، كشف لاتور عن أن المختبر ليس مكانًا يُعزل فيه العلم عن المجتمع، بل هو عقدة في شبكة واسعة تربط بين السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والمعرفة. فالحقيقة العلمية، في نظره، لا تُنتَج في عزلة عن العالم، بل من خلال انخراط عميق فيه. هذه الرؤية غيّرت جذريًا طريقة فهمنا للعلم، إذ جعلتنا نراه كممارسة اجتماعية معقدة تتفاعل فيها العوامل البشرية والمادية على السواء، بدلاً من أن نعتبره عملية عقلية خالصة تسعى إلى اكتشاف الواقع كما هو.
المثال الثاني: الفاعلون في صناعة السيارات والهواتف
في مجال التكنولوجيا، وُجدت تطبيقات واسعة لأفكار برونو لاتور، خاصة في دراسة كيفية تطور الابتكارات التقنية داخل المجتمع. فبدل النظر إلى التكنولوجيا كنتاج مباشر لعمل العلماء أو المهندسين وحدهم، قدّم لاتور منظورًا أوسع يرى أن الابتكار هو نتيجة تفاعل شبكة معقدة من الفاعلين تشمل البشر وغير البشر معًا. هذا يعني أن الأفكار التقنية لا تنتقل ببساطة من مرحلة المفهوم إلى التطبيق، بل تمر عبر سلسلة من العلاقات المتشابكة بين الأفراد، والمؤسسات، والأدوات، والقوانين، وحتى المكوّنات المادية نفسها. فاستخدم العديد من الباحثين هذا المنهج، المعروف باسم نظرية شبكة الفاعلين، لتحليل كيفية نشوء التقنيات وانتشارها.
ففي دراسات تناولت تطوير السيارات الكهربائية أو الهواتف الذكية، على سبيل المثال، استُعين بهذا المنظور لفهم الكيفية التي تتفاعل بها الأطراف المختلفة، من المصممين والمستهلكين إلى المشرعين والمصنّعين، في تشكيل مصير الابتكار. فكل طرف من هذه الأطراف لا يُعدّ مجرد متلقٍ سلبي أو مفعول به، بل فاعل حقيقي يسهم بدوره في إنجاح التكنولوجيا أو فشلها، سواء من خلال قرارات التصميم أو سياسات التسويق أو استجابات المستخدمين أو حتى خصائص المادة نفسها. بهذا التحليل، ساهمت أفكار لاتور في إعادة صياغة مفهوم الابتكار، إذ لم يعد يُنظر إليه كعملية خطية تبدأ من المخترع وتنتهي عند المستهلك، بل كمنظومة شبكية متعددة الأطراف تتكوّن وتتحوّل عبر الزمن. هذا التحوّل في الفهم أتاح قراءة أكثر واقعية ودقة لديناميات التقدم التكنولوجي، باعتبارها نتاج تفاعل مستمر بين البشر والتقنيات والمؤسسات التي يعيشون ضمنها.
المثال الثالث: الأنثروبوسين السياسي
في المجال البيئي والسياسي، شكلت أفكار لاتور أحد الأسس النظرية لما يُعرف ب الأنثروبوسين السياسي، أي إدماج الأرض والكائنات غير البشرية في نطاق الفعل السياسي. ومصطلح الأنثروبوسين (Anthropocene) هو تعبير يجمع بين كلمتين يونانيتين: أنثروبوس وتعني الإنسان، وكاينوس وتعني العصر الجديد. ويُستخدم هذا المصطلح في العلوم الجيولوجية والبيئية للإشارة إلى عصر جيولوجي جديد أصبح فيه تأثير الإنسان على الأرض بالغًا إلى درجة أنه غيّر ملامح الكوكب نفسها، من الغلاف الجوي والمناخ، إلى المحيطات، والتربة، والتنوع الحيوي. وظهر المصطلح لأول مرة في مطلع القرن الحادي والعشرين على يد عالِم الكيمياء الجوية بول كروتزن، الحائز على جائزة نوبل، الذي لاحظ أن النشاط البشري، خاصة بعد الثورة الصناعية، قد أصبح قوة جيولوجية مؤثرة تضاهي الزلازل والبراكين في قدرتها على تغيير النظام الأرضي. ومنذ ذلك الحين، لم يعد “الأنثروبوسين” مجرد مصطلح علمي، بل تحول إلى مفهوم فلسفي وثقافي أثار نقاشًا واسعًا حول معنى أن يكون الإنسان فاعلًا على مستوى الكوكب بأكمله، ومسؤولًا عن مصيره البيئي. ومن هذا المنطلق نشأ ما يُعرف بـ الأنثروبوسين السياسي، وهو مصطلح يربط بين التحول البيئي الجيولوجي والتحول الاجتماعي والسياسي. فالفكرة الأساسية هنا أن الأزمات البيئية، مثل تغيّر المناخ، وذوبان الجليد، واندثار الأنواع، ليست مجرد “مشكلات علمية” أو خلل بيئي، بل نتيجة مباشرة لأنماط التفكير والتنظيم السياسي الحديثة التي فصلت الإنسان عن الطبيعة، وجعلت السياسات تُدار وكأن الكوكب مجرد خلفية صامتة للأنشطة البشرية.
هنا تحديدًا يأتي دور برونو لاتور، الذي اعتبر من أوائل المفكرين الذين أعادوا صياغة هذه الفكرة على أسس فلسفية. فلاتور يرى أن الأنثروبوسين السياسي يعني إدخال الكائنات غير البشرية، مثل الأنهار، والغابات، والمناخ، وحتى الميكروبات، إلى دائرة الفعل السياسي. وهذا ما وصفه في الفصل الأخير من كتابه نحن لم نكن حداثيين أبدا بأنه برلمان الأشياء ويدعو لتبنيه بقوله لقد حان الوقت لتوسيع الديمقراطية، لتشمل ليس فقط المواطنين، بل أيضًا الكائنات غير البشرية التي تربطنا بها علاقات مستمرة. الطبيعة لا يمكن أن تُترك خارج السياسة، لأنها لم تكن يومًا خارج المجتمع، أي أنه يدعوا لنظام سياسي جديد لا يقتصر على تمثيل البشر، بل يشمل تمثيل الكيانات الطبيعية التي تؤثر وتتأثر بقرارات البشر. بهذا، يتحول الأنثروبوسين من مجرد تحذير علمي إلى مشروع حضاري يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والكوكب. بذلك يمكن القول إن الأنثروبوسين السياسي ليس مجرد مصطلح أكاديمي، بل رؤية جديدة للعالم ترى أن إنقاذ الكوكب لا يمر فقط عبر المختبرات والمؤتمرات، بل عبر إعادة بناء علاقتنا بالوجود على أساس المشاركة والمسؤولية المشتركة بين البشر وغير البشر. إنها دعوة إلى تجاوز حدود السياسة التقليدية نحو عقد اجتماعي كوني يشمل جميع الكائنات والعناصر التي تشاركنا العيش على هذا الكوكب.
المثال الرابع: التقنية والمجتمع علاقة تشاركية
في الدراسات الحضرية، شكّلت أفكار برونو لاتور نقطة تحوّل في الطريقة التي يُفكّر بها الباحثون حول المدن الحديثة. فبدل النظر إلى المدينة بوصفها مجرد مكان يعيش فيه الناس وتعمل فيه المؤسسات، يُنظر إليها اليوم كمنظومة حيّة تتكوّن من شبكة متشابكة من الفاعلين، بشرًا وغير بشر، يتفاعلون باستمرار ليُنتجوا ما نسميه “الحياة الحضرية”. هذه الفاعلية المشتركة تشمل السكان، والمباني، والطرق، وشبكات الكهرباء والمياه، والبيانات الرقمية، والسياسات الحكومية، بل وحتى العناصر البيئية كالهواء والمناخ. كل هذه العناصر تتعاون وتتنازع لتُشكّل ملامح المدينة، فلا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الآخرين.
في هذا السياق، قدّمت نظرية شبكة الفاعلين التي طورها لاتور أداة فكرية قوية لفهم المدن بوصفها شبكات معقدة من العلاقات. في الدراسات التي تناولت “المدن الذكية”، أي المدن التي تستخدم التقنيات الرقمية لإدارة شؤونها، استُخدم هذا المنظور لتحليل كيفية تفاعل أنظمة الذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية للبيانات، والسياسات العامة، والمواطنين أنفسهم، في إنتاج ما يمكن تسميته بـالذكاء الحضري. لم تعد التكنولوجيا تُفهم هنا كأداة محايدة بيد الإنسان، بل كعنصر فاعل يمتلك دورًا في توجيه القرارات، وتغيير أنماط السلوك، وصياغة شكل الحياة اليومية في المدينة.
بهذا الفهم الجديد، لم تعد العلاقة بين التقنية والمجتمع علاقة استخدام بسيط، بل علاقة تشاركية معقدة تؤثر فيها الأدوات التقنية والسياسات الاجتماعية بعضها على بعض. فمثلاً، نظام المراقبة الذكي في مدينة ما لا يقتصر تأثيره على تحسين الأمن، بل يُعيد تشكيل فكرة الخصوصية، ويؤثر في طريقة تفاعل الناس مع الفضاء العام. ومن ثم، فقد غيّرت مقاربة لاتور جذريًا الطريقة التي يُفكَّر بها في “التحضر” نفسه، إذ لم يعد مجرد عملية بناء عمراني، بل أصبح شبكة ديناميكية من التفاعلات بين البشر والتقنيات والبيئة. وبهذا المنظور الجديد جعل من الممكن قراءة المدينة بوصفها كائنًا حيًّا يتشكّل باستمرار، حيث لا تكون التكنولوجيا خلفية صامتة للحياة، بل أحد المساهمين الأساسيين في توجيهها وصياغة مستقبلها.
وأمثلة آخرى
نكتفي باستعراضنا المفصل للأمثلة الأربعة هذه، وندرج عدة امثلة بإيجاز، ففي عمل ميشيل كالون حول صناعة السيارات الكهربائية في فرنسا خلال الثمانينيات، استُخدم إطار الممثل-الشبكة لتحليل كيف تُبنى القرارات التقنية عبر شبكات مترابطة من المهندسين، والشركات، والدولة، والسوق. قدّم كالون مفهوم الترجمة ليشرح كيف يجري توحيد مصالح أطراف متباينة داخل مشروع واحد. أهمية هذا العمل أنّه أظهر كيف أن نجاح الابتكار التكنولوجي لا يعتمد على قوة الفكرة فقط، بل على قدرة الشبكة على تجنيد الفاعلين والمحافظة على تماسكهم حتى يتحول الابتكار إلى حقيقة ميدانية.
أما أنيماري مول، فقد طبّقت مقاربة لاتور بطريقة مختلفة في كتابها الجسد المتعدد، حيث درست ممارسة الطبّ عند مرضى انسداد الشرايين في مستشفى هولندي، وبيّنت أن "المرض" ليس حقيقة واحدة، بل هو مجموعة من النسخ المتعددة التي تظهر عبر الأجهزة، والصور الطبية، والفحوص السريرية. كانت مساهمتها المركزية إبراز أن الحقيقة الطبية تُبنى عبر ممارسات متعددة ومتزامنة، وأن الثقة في التشخيص أو العلاج تتولد من قدرة الشبكة الطبية على تنسيق هذه النسخ المختلفة للجسد داخل مسار علاجي واحد.
وفي دراسة براين وين عن مربي الأغنام في كمبريا بعد كارثة تشيرنوبيل، ظهر كيف يمكن لثقة الجمهور بالعلم أن تنهار عندما تُهمل المعرفة المحلية. استخدم وين الأدوات التحليلية القريبة من لاتور لإظهار أن العلم، لكي يكون مقنعًا، يحتاج إلى شبكة تشمل الخبراء والعلماء والمجتمعات المحلية. أكدت هذه الدراسة أن الثقة ليست مسألة بيانات فقط، بل مسألة تفاعل اجتماعي وإدماج الخبرات المتنوعة ضمن بنية إنتاج الحقيقة.
وفي كتاب كارين كنور-سيتينا ثقافات المعرفة، جرت مقارنة بين مختبرات الفيزياء عالية الطاقة ومختبرات البيولوجيا الجزيئية لتوضيح أن كل مجال علمي يبني الحقيقة والثقة بطرق مختلفة. استخدمت كنور-سيتينا مقاربة لاتور الموسّعة لفهم كيف تعتمد كل ثقافة معرفية على أدواتها وأنماط تواصلها وطرق تفسيرها للمعطيات. جعل هذا العمل من مفهوم الثقافات المعرفية، أحد المفاهيم الأساسية لفهم تعدد طرق بناء الحقيقة العلمية وتطورها.
ويُعدّ عمل شيلّا جاسانوف حول الإنتاج المشترك، من أبرز المشاريع التي وسّعت إرث لاتور نحو فهم العلاقة بين العلم والسياسة. درست جاسانوف كيف تتكوّن المعرفة العلمية والقواعد السياسية معًا، وكيف تُبنى الشرعية العلمية داخل شبكات مؤسساتية تشمل المحاكم، والهيئات التنظيمية، والمختبرات. أثّر هذا التوجه في توسيع فهمنا لتطور العلم بوصفه عملية اجتماعية وسياسية بقدر ما هو عملية معرفية.
وفي حقل الإعلام العلمي، استخدمت دراسات عديدة مقاربة الممثل-الشبكة لفهم كيف يتحول الاكتشاف العلمي إلى خبر إعلامي. و بيّنت بعض الدراسات كيف تُعاد صياغة الحقائق العلمية عبر سلاسل من الوسطاء، وهم الباحث، والمؤسسة العلمية، وفريق الإعلام، والصحافي، ومنصة النشر. وأظهرت هذه المقاربة أنّ مصداقية العلم في المجال العام لا تأتي من الاكتشاف نفسه، بل من قدرة الشبكة على تثبيت المعنى وضبط انتقاله عبر كل هذه العقد. وفي تحليل وسائل الإعلام والاتصال، حيث وُظفت شبكة الفاعلين لتفسير انتشار المعلومات في الإنترنت. فبدلاً من تصور الإعلام كعملية نقل أحادية من مرسل إلى مستقبل، اعتُبر الفضاء الرقمي شبكة معقدة تشارك فيها الخوارزميات والمنصات والمستخدمون والمحتوى كفاعلين متفاعلين. هذه الرؤية فتحت الباب أمام دراسات جديدة في “الأنثروبولوجيا الرقمية” وفي فهم كيف تصوغ المنصات الرقمية الحقيقة العامة.
وفي مجال الفنون والثقافة، ألهمت أعمال لاتور فنانين ومصممين سعوا إلى تجسيد فكرة التفاعل بين الإنسان والشيء. فأقيمت معارض فنية عديدة استوحت مقولته عن الأشياء التي تتكلم، مثل معرض Making Things Public في متحف تسويس في ألمانيا، الذي صمّمه بالتعاون مع بيتر ويلبر، وفيه حاول أن يعرض القضايا السياسية كتركيبات مادية يتداخل فيها الإنسان والآلة والمجتمع، بحيث يصبح الشيء السياسي، نفسه وسيطًا بين العالمين الطبيعي والاجتماعي. هذا المعرض كان مثالًا حيًا على نقل أفكار لاتور من النظرية إلى فضاء الفن والتجربة الحسية.
كما وظّفت بحوث حديثة في الصحة الرقمية ما أتى به لاتور لدراسة ثقة الأطباء والمرضى بأنظمة السجلات الصحية الإلكترونية. وأظهرت هذه الدراسات أن الثقة لا تتعلق فقط بموثوقية النظام التقنية، بل بمدى اندماج الأجهزة والبرمجيات والمستخدمين والسياسات في شبكة واحدة مستقرة تسمح للمعلومة أن تتدفق دون انقطاع. هذا التفسير الشبكي سمح بفهم أعمق لكيفية تطور التكنولوجيا الطبية بوصفها كيانًا اجتماعيًا-تقنيًا.
وتوجد أيضًا تطبيقات حديثة في مجال الذكاء الاصطناعي تحلل الثقة في الأنظمة التوليدية من منظور لاتور. يركّز هذا النوع من الأبحاث على فهم كيف تتكوّن الثقة عبر شبكات تشمل المطورين، والخوارزميات، وواجهات الاستخدام، والمعايير الأخلاقية، ووسائل الإعلام. تسهم هذه المقاربة في إعادة تعريف الثقة بالذكاء الاصطناعي باعتبارها ناتجة عن العلاقات وبُنى الاعتماد المتبادلة، وليس خصيصة تقنية معزولة.
بعد استعراضنا لكل هذه الأمثلة، نضع ملخص لها في الجدول ٣٨ الذي يورد عدة أمثلة متعددة المجالات، وتطبق ما جاء به لاتور من زوايا مختلفة.
وهكذا يتضح أن أطروحات برونو لاتور لم تبقَ داخل حقل الفلسفة أو سوسيولوجيا العلم فحسب، بل تجاوزت إلى ميادين التكنولوجيا، والسياسة، والبيئة، والفن، والإعلام، والعمران. فلقد قدّم للعالم طريقة جديدة في النظر إلى العلاقات، لا كخيوط تربط أشياء موجودة مسبقًا، بل كشبكات تُنتج الأشياء ذاتها من خلال التفاعل المستمر. وبذلك تحولت فلسفته من تأمل في بنية العلم إلى منهج عملي لفهم العالم الحديث بكل تشابكاته المادية والاجتماعية والرقمية.
٤.٤.١.٣.٢.١١ تفرعات الدراسات والتطبيقات
مثل عمل لاتور النقطة المركزية التي تفرّعت منها جميع هذه الدراسات الشكل ٨. فهو قدّم منظورًا جديدًا يرى أن العلم ليس حقيقة عقلية مجردة، بل شبكة من الفاعلين البشريين وغير البشريين تعمل على تثبيت الحقيقة. من هذا التصور خرجت ثلاث مسارات رئيسية. المسار الأول ركّز على بنية إنتاج العلم داخل المختبر، كما عند لاتور وولغار وكنور-سيتينا، حيث تتبّع الباحثون كيف تقوم الأجهزة والبروتوكولات والكتابات العلمية ببناء الحقائق تدريجيًا. هذه الأعمال أسست لفهم ميداني للعلم باعتباره ممارسة شبكية لا عقل مجرد. المسار الثاني ذهب إلى العلوم التطبيقية والابتكار التقني، كما فعل كالون ومول ودراسات الصحة الرقمية. هنا ظهرت أفكار مثل الترجمة وتعددية الجسد لتوضيح أن التكنولوجيا والطب ليسا حقائق جاهزة، بل نتيجة شبكات حية متفاعلة بين أدوات وسياسات وناس. أما المسار الثالث فقد اتجه نحو الثقة العلمية والشرعية الاجتماعية، كما في أعمال براين وين وجاسانوف ودراسات الإعلام والذكاء الاصطناعي. هذا التوجه أظهر أن العلم لا يعيش في المختبر فقط، بل في فضاء اجتماعي واسع، وأن الثقة تُبنى عبر شبكات ممتدة تضم خبراء ومؤسسات وجمهورًا وأدوات إعلامية. وتلتقي هذه المسارات الثلاثة في نقطة واحدة، المتمثلة في أن الحقيقة العلمية ليست معطى ثابتًا، بل نتيجة عمل شبكات مترابطة تعيد تشكيل الواقع باستمرار. وهذه هي الفكرة الجوهرية التي يستند إليها عصر دراسات العلم والتقنية بأكمله اليوم.
٤.٤.١.٣.٢.٨.١٢ اطروحات برونو لاتور: نقاشات وانقسامات
ومهما قلنا وأسهبنا في وصف وفي ذكر محاسن أعمال لاتور، لابد وأن يكون هناك من يجد فيها ما يراه نقصا أو نقدا يستحق أن يقال. فمنذ بداياته في سبعينيات القرن العشرين، كان لبرونو لاتور عدد من المناصرين الذين رأوا في فكره تجديدًا جذريًا في فهم علاقة العلم بالمجتمع. فقد التفّ حوله عدد من الباحثين الذين أسّسوا معه حقل دراسات العلم والتكنولوجيا (STS)، أبرزهم عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل كالون، الذي يعتبر واحدًا من أهم الباحثين الذين أعادوا تعريف العلاقة بين العلم، التكنولوجيا، والمجتمع.
وعالم الاجتماع البريطاني جون لُو، اللذان شاركاه في تطوير نظرية شبكة الفاعلين. كلاهما دعم أطروحته الخاصة بالحقائق العلمية وأنها تُبنى داخل شبكات متفاعلة من البشر والأشياء، لا عبر اكتشاف محايد لواقع خارجي. وقد وسّع كالون تطبيق هذه النظرية على مجالات الاقتصاد والتقنية، بينما ركّز لُو على تحليل التكنولوجيا والابتكار الصناعي. هؤلاء المناصرون رأوا في لاتور مخرجًا من النزعة الوضعية التي حوّلت العلم إلى سلطة معرفية مغلقة، ودعوا إلى جعل العلم مجالًا مفتوحًا للحوار والتفاوض الاجتماعي.
ووجد لاتور أنصارًا في الدوائر الفلسفية المعاصرة التي تبحث فيما بعد الإنسانية والواقعية الموجّهة نحو الأشياء، ومنهم الفيلسوف الأمريكي المعاصر غراهام هارمان، الذي يُعدّ أحد مناصري لاتور، ومن أبرز مؤسسي تيار الفلسفة الموجّهة نحو الشيء، وهو فرع من الحركة الفلسفية الأوسع المعروفة باسم الواقعية المضارِعة، قول إن الأشياء ليست مجرد أدوات أو ظواهر نستخدمها أو نختبرها، بل هي كيانات مستقلة بذاتها لها وجود عميق ومتعالٍ عن علاقتها بالبشر أو بأي شيء آخر. ويعتبر هارمان أحد أربعة فلاسفة يُعدّون المؤسسين الأوائل لها. والواقعية المضارعة، هو تيار فلسفي معاصر يحاول استعادة الواقع الخارجي من قبضة الفكر الإنساني. وتسمى مضارعة لأنها تحاول التفكير في الواقع بما يتجاوز حدود التجربة البشرية المباشرة، أي أنها تتخيّل (تُضارِع) كيف يكون الوجود في ذاته، لا فقط كما نراه.
ركزت أعمال هارمان على إعادة الاعتبار إلى الأشياء، سواء كانت بشرية أو غير بشرية، بوصفها كيانات لها وجود مستقل عن إدراك الإنسان لها، أي أنه يحاول أن يفكّ المركزية الإنسانية التي ميّزت الفلسفة الحديثة منذ ديكارت. وتبنّى هارمان فكرة لاتور القائلة، بأن الإنسان ليس محور الوجود، وأن الكيانات المادية والرقمية والطبيعية تشارك في تشكيل الواقع. وقد طوّر هذه الفكرة إلى ما سمّاه الواقعية المجرّدة، التي تربط فلسفة لاتور بالمذاهب الوجودية الحديثة. كذلك دعمه مفكرون بيئيون معاصرون مثل دونا هاراواي وإيزابيل ستنجرز، الذين رأوا في أعماله أساسًا لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالكوكب. هاراواي تأثرت تحديدًا برؤيته للعلاقة بين البشر والتقنيات، وطبّقت هذا في أطروحتها عن الكائن السايبورغي، أما ستنجرز فاعتبرت لاتور أكثر الفلاسفة صدقًا في مواجهة أزمة الحداثة العلمية.
في المقابل، كان لبرونو لاتور عدد لا بأس به من المنتقدين، خصوصًا من أنصار الفلسفة التحليلية والعلماء الطبيعيين الذين رأوا أن أطروحاته تُقوِّض فكرة الموضوعية العلمية. وكان أشهر هؤلاء النقّاد الفيزيائيآلان سوكال، الفيزيائي المعروف بتجربته الساخرة خدعة سوكال، حيث كتب ورقة علمية بعنوان غني فلسفيا وعلميا، وحوت مصطلحات راقية وجمل ومعان مزخرفة، وقدمها للنشر لمجلة مرموقة، فقبلت الورقة. وبعد قبولها، أعلن سوكال في مجلة أخرى أنه خدع المجلة عمدًا لإظهار أن بعض الخطابات الإنسانية ما بعد الحداثية يمكن أن تنشر أي شيء طالما كان متوافقًا ثقافيًا معها، حتى لو كان بلا معنى علمي. سوكال قال إنه أراد أن يثبت أن كثيرًا من المقالات الثقافية التي تستخدم مفاهيم الفيزياء الحديثة تفعل ذلك بلا فهم حقيقي. أثارت الخدعة ضجة كبيرة لأنها كشفت وجود فجوة في الممارسة الأكاديمية، وسلّطت الضوء على ميل بعض المفكرين إلى إسقاط مفاهيم علمية على مجالات إنسانية بطريقة رمزية أو استعارات غير دقيقة. البعض رأى أن سوكال كان يحارب استخدام المصطلحات العلمية بطريقة فارغة في النقد الثقافي. آخرون اعتبروا أن نقده مبالغ فيه، وأنه استغل ضعف عملية التحرير في مجلة واحدة ليعمم حكماً على تيار فكري كامل. خدعة سوكال لا تزال حتى اليوم تُستخدم لتفسير أهمية الدقة بين اللغة العلمية واللغة الفلسفية، ودورها في النقاش حول حدود التأويل، والعلاقة بين الخطاب العلمي والسلطة المعرفية، وكيف يمكن للعلماء والفلاسفة أن يتحدثوا عبر نفس المفاهيم دون الوقوع في سوء الفهم. سوكال اتهم لاتور بأنه يروّج للنسبيّة المفرطة ويخلط بين العلم والخيال الاجتماعي. ورأى سوكال أن قول لاتور إن الحقائق تُبنى يعني، في نظره، إنكار وجود واقع موضوعي مستقل عن الخطاب، وهو ما اعتبره تهديدًا لأسس المنهج العلمي. وانضم إليه جان بريكمون، عالم الفيزياء والرياضيات، الذي شارك في تأليف كتاب هراء الموضة الفكرية، حيث وجّه انتقادات حادة للاتور وآخرين من فلاسفة ما بعد الحداثة، متهمًا إياهم بإساءة استخدام مفاهيم علمية بطريقة رمزية لا علمية.
كما انتقد لاتور بعض فلاسفة العلم الكلاسيكيين مثل إيان هاكينغ وفيليب كيتشر وهيلاري بوتنام، لأنهم رأوا أن موقفه الغامض بين الواقعية والبنائية يجعل من المستحيل تحديد ما إذا كان يقر بوجود حقيقة مستقلة عن المجتمع. هؤلاء الفلاسفة لم يرفضوا تحليله الاجتماعي للعلم، لكنهم اعترضوا على تفكيكه المفرط الذي يجعل من العلم مجرد تفاوض لغوي. في المقابل، حاول فلاسفة آخرون مثل توماس ناغل وجون سيرل الدفاع عن ضرورة الإبقاء على مفهوم الحقيقة الموضوعية كمعيار للحكم على المعارف، معتبرين أن أطروحات لاتور تضعف هذا المعيار وتُحوّل كل معرفة إلى مسألة اتفاق اجتماعي.
وفي أوساط الأنثروبولوجيا أيضًا، واجه انتقادات من باحثين رأوا أن تحويل الأشياء إلى فاعلين، يشوّش على فهم البنى الاجتماعية والرمزية. فبعض الأنثروبولوجيين الكلاسيكيين مثل تيم إنغولد اعتبر أن لاتور يفرط في مساواة الإنسان بالشيء، ما يؤدي إلى طمس الفوارق الجوهرية بين الوعي المبدع والفاعلية المادية. ومع ذلك، ظلّ فكره مؤثرًا حتى في صفوف منتقديه، إذ اعترف معظمهم بأنه قدّم منظورًا جديدًا جعل العلوم الاجتماعية تتعامل مع التكنولوجيا والعلم كظواهر حيّة ومتعددة المستويات.
ومن داخل المعسكر العلمي ذاته، واجه نقدًا من بعض الفيزيائيين والعلماء التجريبيين الذين شعروا بأن أطروحاته تُفرغ العلم من مضمونه الموضوعي. لكن حتى بين هؤلاء، وجد من يقدّر فكرته حول العلم كممارسة بشرية، خصوصًا أولئك المنفتحين على فلسفة العلم مثل كارل ويمسروبيتر غاليزون الذين استخدموا بعض أدواته لتحليل تاريخ التجريب العلمي.
ومع مرور الزمن، بدأ الموقف من برونو لاتور يتغيّر تدريجيًا. فبعد أن كان يُعتبر في الثمانينيات والتسعينيات صوتًا تفكيكيًا خطيرًا، أصبح في العقدين الأخيرين يُقدَّر كأحد القلائل الذين حاولوا إعادة التوفيق بين العلم والمجتمع في عصر ما بعد الحقيقة. حتى بعض منتقديه السابقين عادوا للاعتراف بقيمة تحليله حين ظهرت أزمة الثقة في العلم خلال جائحة كورونا، إذ وجدوا في أطروحته عن العلم كمفاوضة اجتماعية أداة لفهم كيف تتشكّل الثقة والمعرفة العامة في ظروف عدم اليقين.
وختاما يمكن القول إن برونو لاتور شكّل مركز جدل فلسفي واسع، فالمناصرون يرونه محرّرًا للعلم من عباءة السلطوية الحديثة، والمنتقدون يرونه مهدّدًا لأسس الموضوعية. لكن ما يتفق عليه الطرفان هو أنه أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في إعادة رسم خريطة العلاقة بين الإنسان، والعلم، والمجتمع، والأشياء، وهي العلاقة التي لا تزال فكرته عن الشبكة ربما تمثل أفضل تمثيل فلسفي لها حتى اليوم.
ونواصل في المقال القادم







تعليقات
إرسال تعليق