في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!XIV

           تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١٠         





مع الاعتذار للتأخر في وضع هذا الجزء بضع أيام عنما اعتدت عليه.

"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر ،عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة  في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل،  وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب  في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم ، ونفصِّل في أطروحاته ، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"


بعد الحديث في المقالات الأربعة ،التي كانت  تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. 

واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة،  بمقالات  تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، ومع آخر مقال انتهينا من المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره وبدأنا في المقال الأخير.  وهنا مقال رقم ١٠ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم ١٤)،  وسنكمل فيه الحديث في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج  العلوم  عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار وبعد عرض رؤية لاكتوش، وكيف تتشابه وتختلف مع بارادايم كون، وبعذ الحديث عن أنماط   كرومبي الستة،  نتحدث هنا عن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، والتي ستكون مادة هذا المقال (وهذا تغيير عنما كنت قد نويت تغطيته في هذا المقال وما يليه، فلقد طالت مادة برنامج لاكتوش وتعددت أمثلتها لايضاح البرنامج من كل جوانبه). وعليه ففي المقال القادم  سنستعرض تجسير ألكسندر كويريه  بين التحليل الفلسفي والتاريخ المفهومي للعلوم، ونعطي لمحة عن إهتمام المسلمين بتأريخ العلوم، ونختمه باشكاليتين تستحقان التوقف عندهما، احداها مع  فرانسيس بيكون  في دعوته لدراسة تاريخ الأفكار قبل طرحها، والأخرى مع إيمانويل كانط. وتقسيمه للعلوم الى ثلاثة أطوار، للنهي المقال بخاتمة . وبعدها يكون الطريق سالكا للحديث في المقال التالي، عن المرحلة المفصلية  السابعة في المنهج ، نمهد لها باستعراض المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين ، ثم نعرض  أطروحات بول فايرابند  التي وضعها في كتابه "ضد المنهج" والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!!. وتقبلوا توصيفنا لما تم تغطيته في المقالات الاربعة السابقة، وهذا لمقال واللاحق، انهما بمثابة خلط أوراق تهيئة لنظرية  بول فايرابند "ضد المنهج".  


 

 


 

 ولا زلنا نواصل الحديث عن القرآت المهمة والمختلفة التي تعنى بمحاولات تفسير وفهم مسيرة العلوم وفلسفتها عبر التاريخ، وقدمت مشاريع متنوعة لتحقيق ذلك في المقالات الثلاثة الماضية، ونفتتح الحديث هنا بمشروع آخر مهم للفيلسوف المجري إيمري لاكتوش.  وتمهيدا لذلك، نحتاج أن نستحضر أننا ذكرنا ما قدمه كارل بوبر فيما يتعلق بتطوير المنهج العلمي كما يراه، في معرض حديثنا عن المنهج العلمي وتحدثنا عن مطالبته أن يكون مبدأ التفنيد أحد الأساسيات التي لابد من أن تعتمد لتبيان ما هو علم وما ليس بعلم. كما أتينا أيضا على ما قدمه توماس كون في قرآته لتطور العلوم عبر التاريخ في أطروحته التي تفسر تطور العلوم بحدوث الثورات العلمية بعد تراكم قصور ما هو سائد من قناعات في تفسير ما يطرح عليه من تحديات جديدة تترقب إعطاء الرأي وتفسيرها. وتراكم القصور هذا، يمهد لإحداث تغيرات ثورية في العلوم، من شأنها أن تغير النموذج الإرشادي السائد واستبداله بنموذج آخر. وبالرغم من أخد كل منهما مكانة مهمة فيما طرحه، ونظر اليه المجتمع العلمي نظرات احترام وتقدير، لكن كما قال بلاشترونقلنا عنه قوله "إن العقل العلمي ليس معطىً جاهزًا، بل يُبنى تاريخيًا من خلال صراعه مع الخطأ"، فلابد من توقع من يأتي ليتحدى هذا وذاك، ولا يكون على وفاق لا مع ما طرحه بوبر ولا مع ما طرحه كون.


٤.٤.١.٣.٢.٦ البرامج البحثية عند لاكتوش


 

وهذا عينا ما قام به الفيلسوف المجري إيمري لاكاتوس الذي يعد أحد أبرز فلاسفة العلم في القرن العشرين، عندما قدّم مشروعًا فكريًا مهمًا يُعرف باسم منهجية برامج الأبحاث العلمية. فلقد حاول لاكاتوس من خلال هذا المشروع أن يوفّق بين رؤيتين فلسفيتين متناقضتين، رؤية كارل بوبر الذي اعتبر أن العلم يتقدّم من خلال تكذيب النظريات واستبدالها، ورؤية توماس كون الذي قال إن التقدّم العلمي يحدث عبر “ثورات علمية” تغيّر النماذج الإرشادية السائدة. أما لاكاتوس، فقد رأى أن التقدّم العلمي لا يحدث بهذه الطريقة الحادة، بل يتم بصورة تدريجية داخل برامج بحثية متنافسة تتطور على مدى زمني طويل.



ويقصد لاكتوس بالبرنامج البحثي، مشروع علمي جماعي طويل الأمد يشترك فيه عدد من العلماء الذين يؤمنون بفكرة مركزية واحدة ويعملون على تطويرها. وكل برنامج يمتلك رؤيته الخاصة للواقع، ويسعى إلى تفسير الظواهر انطلاقًا من مبادئه الأساسية، مستخدمًا فرضيات وتجارب لدعمها أو تعديلها عند الضرورة. وبهذا الشكل، يصبح البرنامج البحثي كيانًا فكريًا متكاملاً له بنية داخلية ومنهج في التعامل مع المشكلات العلمية. ويتكوّن كل برنامج بحثي من ثلاث طبقات مترابطة تشبه الدوائر المتداخلة. في المركز توجد النواة الصلبة  ، وهي مجموعة المبادئ الأساسية التي لا يُسمح بالتشكيك فيها داخل البرنامج، مثل قانون الجاذبية في فيزياء نيوتن، زمن نيوتن إلى ما قبل النسبية. تحيط بهذه النواة طبقة ثانية تُعرف باسم الحزام الواقي، وتتكوّن من فرضيات مساعدة قابلة للتعديل أو التغيير لحماية النواة من النقد أو المشكلات التجريبية. فعندما تظهر نتائج لا تتطابق مع التوقعات، يمكن تعديل إحدى هذه الفرضيات بدلًا من التخلي عن الفكرة الأساسية. أما الطبقة الثالثة فهي ما يسمّيه لاكاتوس الموجّهات أو الإرشادات ،  وهي القواعد التي توجّه عمل العلماء. فالموجّه السلبي يمنع المساس بالنواة الصلبة، بينما الموجّه الإيجابي يشجع على تعديل الفرضيات في الحزام الواقي لمواكبة التحديات الجديدة.

ينطلق لاكتوس في طرحه لبرامج البحث كما وصفت، من قناعته أن العلم يتطور من خلال تنافس برامج بحثية متعددة، وكل برنامج يحاول تفسير الظواهر وتقديم تنبؤات جديدة أكثر دقة. وعندما ينجح البرنامج في تحقيق ذلك، يُعتبر برنامجًا تقدّميًا، لأنه يضيف معرفة ويقود إلى اكتشافات جديدة. أما إذا أصبح العلماء يضيفون فرضيات فقط لتبرير الفشل دون أن يقدّم البرنامج معرفة جديدة، فيتحوّل إلى برنامج متراجع. وبهذا المعنى، فالتاريخ العلمي عند لاكاتوس هو مسار من الصراع المستمر بين برامج بحثية، يُبقي الزمن على التقدّمي منها ويُقصي المتدهور أو المتراجع منها. من خلال هذا التصور، قدّم لاكاتوس رؤية متوازنة وواقعية لفهم تطور المعرفة العلمية. فالعلم عنده ليس عملية هدم متكررة كما وصفها بوبر، ولا قفزات مفاجئة كما صوّرها كون، بل هو صراع طويل الأمد بين برامج بحثية تتنافس على تفسير الظواهر. البرنامج الذي يثبت قدرته على تقديم حلول وتنبؤات جديدة يظل حيًّا ومتقدّمًا، أما الذي يعجز عن ذلك فيتدهور ويتراجع ويفقد تأثيره. وبهذا الفهم، تبدو المعرفة العلمية ككائن حي ينمو ويتطور عبر التجربة والمراجعة المستمرة، لا كمنظومة جامدة تُستبدل فجأة.



    


يمثّل هذا الرسم نموذج البرنامج البحثي عند إيمري لاكاتوس. في المركز توجد النواة الصلبة، وهي مجموعة المبادئ الأساسية التي لا يُسمح بتغييرها أو التشكيك فيها. وتحيط بها طبقة تُعرف باسم الحزام الواقي، وهي تتكوّن من فرضيات مساعدة يمكن تعديلها لحماية النواة من النقد أو التجارب المخالفة. أما الإرشادات أو الموجّهات المنهجية، فهي القواعد التي ترشد العلماء في كيفية تطوير البرنامج أو الدفاع عنه. ويشير السهم إلى مسار تطوّر البرنامج البحثي، فحين ينجح في تقديم تفسيرات وتنبؤات جديدة يُعتبر برنامجًا تقدّميًا، أما إذا اكتفى بتبرير الفشل دون إضافة معرفة جديدة فيُعد برنامجًا متراجعا. وبذلك يوضّح الرسم أن العلم، في نظر لاكتوس، لا يتقدّم عبر هدم النظريات بشكل فجائي، بل من خلال تطور تدريجي وتنافسي بين برامج بحثية تحاول كل منها تفسير الواقع بشكل أعمق وأدق. ويمكن رؤية ما يشبه هذا التنظير الذي أتى به لاكتوش في محاولات العلماء حماية النواة وتعديل الحزام الواقي كونهم يرون أن في ذلك حفاظا على برنامج وديناميكية قادرة على حل بعض المشاكل وتوليد الجديد من العلوم. وهذا يفسر بقاء مجتمع العلماء، العمل لسنوات وربما لعقود طويلة، داخل إطار نظري رغم وجود تناقضات مؤقتة.   ويمكننا في هذا السياق استعراض العديد من الأمثلة من مختلف المجالات والتي تدعم ما ذهب اليه لاكتوس.

ا

٤.٤.١.٣.٢.٦.١المثال الأول: من نيوتن إلى آينيشتاين


عندما صاغ إسحاق نيوتن قوانينه في الحركة والجاذبية في القرن السابع عشر، بدت الفيزياء وكأنها وجدت لغتها النهائية. فقد تمكّنت نظريته من تفسير حركة الكواكب، وسقوط الأجسام، والمد والجزر، وتغيرات المدارات بدقة مذهلة بالنسبة لعصره. غير أن هذا النجاح لم يكن خاليًا من الثغرات، بل فتح الباب أمام قرنين من "التحصينات" المتتالية التي أُضيفت إلى النظرية النيوتينية، وهي ما يسميه لاكاتوش الحزام الواقي للبرنامج البحثي. كان هذا الحزام بمنزلة درعٍ يحمي النواة الصلبة للنظرية، أي القوانين الأساسية، من النقد أو الانهيار حين تظهر نتائج لا تتوافق تمامًا مع التنبؤات النظرية. ففي إطار نيوتن، افترض العلماء أن المكان والزمان كيانان مطلقان، وأن الجاذبية قوة تعمل فوريًا عبر الفراغ بين الكتل. لكن مع اتساع الملاحظات الفلكية في القرن الثامن عشر، بدأت تظهر انحرافات صغيرة لا يمكن تجاهلها. أحد أبرز هذه الانحرافات تمثل في حركة كوكب عطارد، إذ لم تتطابق مداراته تمامًا مع ما تنبأت به حسابات نيوتن، وظل الفلكيون يضيفون فرضيات جديدة لتفسير هذه الفروق الطفيفة. وبدل أن يتخلوا عن النظرية، قاموا بتقوية الحزام الواقي عبر افتراض وجود كواكب لم تُكتشف بعد يمكن أن تفسر هذه التأثيرات، وهو ما قاد فعلاً إلى اكتشاف كوكب نبتون عام ١٨٤٦ بفضل حسابات نيوتنية دقيقة. هذا النجاح أعطى للنظرية صلابة أكبر، وكأنها تثبت مرونتها في مواجهة النقد.

غير أن بعض الظواهر لم تكن قابلة للتطويع بسهولة داخل هذا الحزام الواقي. فحسابات نيوتن عن المد والجزر، مثلًا، كانت دقيقة على نطاق واسع لكنها لم تفسر تمامًا الفوارق الدقيقة في سلوك المحيطات عند بعض المناطق القطبية، ما تطلب تحسينات رياضية متزايدة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، بدأت تبرز مشكلات أعمق. فالضوء، مثلًا، والذي يُفترض فيزيائيًا أنه جسيم يخضع لقوانين الحركة النيوتينية، لم يبدُ متأثرًا بحركة المصدر أو الراصد كما هو متوقع. ثم أكدت تجربة ميكلسون ومورلي عام ١٨٨٧ أن سرعة الضوء ثابتة في كل الاتجاهات، ما يتعارض مع فكرة المكان والزمان المطلقين. وكانت هذه، بمثابة إشارة إلى أن الحزام الواقي بدأ يتشقق من الداخل.

ووفقًا للاكوش، يمر أي برنامج بحثي بمرحلتين، مرحلة تقدمية حين تثمر التعديلات في الحزام الواقي عن تنبؤات جديدة ومثمرة، ومرحلة تراجع وانحطاط، حين يصبح هذا الحزام مجرد وسيلة لتبرير الفشل المتكرر. وبحلول مطلع القرن العشرين، بدا أن البرنامج النيوتيني قد دخل طور التراجع والانحطاط، إذ كثرت فيه الفرضيات المضافة دون أن تفسر شيئًا جديدًا. وكانت تجربة ميكلسون ومورلي عام ١٨٨٧ من أهم التجارب، ووفقاً للمنطق النيوتني، كان يُفترض أن تتغير سرعة الضوء إذا كانت الأرض تتحرك في "وسط كوني" يسمّى الأثير. لكن إثبات التجربة أن سرعته ثابته في كل الاتجاهات كان تناقضا جوهريا لا ينسجم مع قوانين نيوتن.

وتدخل العالمان الهولندي هندريك لورنتز والإيرلندي جورج فيتزجيرالد إلى الساحة، محاولين إنقاذ النظرية النيوتنية من الانهيار أمام هذه النتيجة الغامضة. فاقترح فيتزجيرالد أولاً فكرة جريئة، ثم طوّرها لورنتز رياضياً. فقال فيتزجيرالد أن ربما الأجسام تتقلص طولاً قليلاً في اتجاه حركتها حين تتحرك بسرعات عالية جداً. بمعنى آخر، إذا كانت الأرض تتحرك عبر الأثير بسرعة كبيرة، فإن المسطرة أو الذراع الذي يُستخدم في القياس يصبح أقصر قليلاً، مما يجعل القياسات تعطي النتيجة “الخاطئة” ظاهرياً، أي ثبات سرعة الضوء. هذا الفرض البسيط كان أشبه بترقيع أنيق للثغرة التي كشفتها التجربة.

لم يقتصر تعديل لورنتز على تقلص الأطوال، بل امتد إلى الزمن نفسه. فقد وجد أنه لكي تتماشى المعادلات مع الملاحظات، لا بد أن يتباطأ الزمن قليلاً للأجسام المتحركة بسرعات كبيرة. وضع لذلك مجموعة معادلات أصبحت تُعرف اليوم باسم تحويلات لورنتز، وهي معادلات تصف كيف تغير الأطوال والزمن والكتلة حين يقترب الجسم من سرعة الضوء. لكن في تصور لورنتز، كانت هذه التحويلات مجرد تأثيرات ظاهرية تحدث لأن الأجسام تتحرك في الأثير، وليست خاصية حقيقية للزمان والمكان. كان يظن أن الأثير موجود، لكنه غير قابل للرصد، وأن هذه التعديلات مجرد حيلة لتفسير ثبات سرعة الضوء دون المساس بجوهر فيزياء نيوتن. كانت هذه الفرضيات، في نظر فلسفة لاكتوش، جزءاً من الحزام الواقي، الذي يُضاف إلى النظرية لحمايتها. إذ بدل أن يعترف العلماء بأن المفهوم النيوتني للمكان والزمان يحتاج إلى إعادة نظر، اكتفوا بإضافة تصحيحات صغيرة تُبقي النظرية على قيد الحياة. وبالفعل، نجحت هذه التعديلات إلى حدٍّ ما في تفسير نتائج بعض التجارب، لكنها لم تُقدّم تفسيراً موحداً أو فلسفياً متماسكاً لما يحدث فعلاً في الواقع.

ثم جاء آينشتاين بعد نحو عقدين ليقلب المعادلة تماماً، وطرح آينيشتاين نظريته في النسبية الخاصة، فاستغنى عن فكرة الأثير نهائياً، وقال إن ثبات سرعة الضوء ليس ظاهرة تحتاج إلى ترقيع، بل هو قانون أساسي للطبيعة. فلم يعد تقلص الأطوال وتباطؤ الزمن مجرد خدع ظاهرية، بل أصبحا خصائص حقيقية للزمان والمكان نفسيهما. وهكذا، ما كان عند لورنتز وفيتزجيرالد مجرد تعديل مؤقت، تحوّل في نظر آينشتاين إلى أساس لبنية الكون. بهذا المعنى، كانت فرضيات لورنتز وفيتزجيرالد خطوة وسطى في الطريق بين نيوتن وآينشتاين، كمحاولة مخلصة لحماية السفينة القديمة من الغرق، لكنها لم تدرك أن البحر نفسه قد تغيّر. فكانت هذه التصحيحات بمثابة ترقيع للسفينة وهي تغرق ببطء في بحر من الملاحظات المتناقضة. ولم يعد المكان والزمان مطلقين كما افترض نيوتن، بل أصبحا نسبيين ويتغيران بحسب حركة الراصد. ولم تعد الجاذبية قوة تُرسل إشارات آنية بين الأجسام، بل نتيجة لانحناء نسيج الزمكان نفسه.

في إطار تفسير لاكتوش، مثّلت النسبية انتقالًا من برنامج نيوتن الذي كان يزداد انغلاقًا، إلى برنامج آينشتاين التقدمي، الذي كان يفسر الظواهر بدقة أعلى ويولد تنبؤات جديدة. وكان أحد أشهر هذه التنبؤات وتحقق عام ١٩١٩ برصد انحراف ضوء النجوم أثناء كسوف الشمس، وهو ما أكّد تنبؤ آينشتاين بأن الجاذبية تؤثر في الضوء نفسه. بهذا الإنجاز، تجاوز البرنامج الجديد البرنامج القديم علميًا ومنهجيًا، إذ لم يكتفِ بإصلاح الحزام الواقي، بل أعاد بناء النواة الصلبة من جذورها.

وهكذا، يقدّم مثال الفيزياء النيوتينية تجسيدًا رائعًا لفكرة لاكتوش عن تطور العلم. فالعلم لا يهدم نظرياته فور ظهور مشكلات، بل يحاول ترقيعها وإعادة توازنها، إلى أن يأتي وقت تصبح فيه الترميمات عبثية أكثر من كونها بنّاءة. عندها يولد برنامج جديد، يغير المنظور كليًا ويعيد تعريف ما نعدّه "واقعًا". وكما كتب لاكتوش نفسه، العالم لا يتقدم من خلال الهدم الكامل، بل عبر الانتقال من برنامج ميتافيزيقي إلى آخر أكثر خصوبة. بهذا المعنى، لم تُلغِ النسبية نيوتن، بل كشفت أن ما كان يُظن أنه مطلقًا هو تقريبٌ محدود ضمن عالم أوسع. ومن الناحية الفلسفية، مثل هذا التحوّل ما يسميه غاستون باشلار قطيعة إبستمولوجية، لأن الأمر لم يقتصر على تعديل معادلات أو مفاهيم جزئية، بل مسّ الأساس نفسه الذي يقوم عليه الفهم العلمي للواقع. لقد تغيّر مفهوم الزمن من كونه إطارًا ثابتًا لحدوث الأشياء إلى كونه بُعدًا ديناميكيًا مرتبطًا بالحركة والطاقة. وكذا الحال كان مع توماس كون، حيث مثل هذا التحول، وجود بارادايما جديدا حل مكان البارادايم القديم الذي مثلته الفيزياء الكلاسيكية. وهكذا أصبح اختلاف الموقف من الأثير، مدخلًا لاكتشاف جديد لطبيعة الواقع، ومثالًا على كيف يتقدّم العلم من خلال تجاوز مفاهيمه السابقة. بهذا يمكن القول إن هذا لم يكن مجرد تفصيل فيزيائي دقيق، بل لحظة مفصلية في تاريخ الفكر العلمي، نقلت الإنسان من يقين الميكانيكا الكلاسيكية إلى أفق جديد من الفهم النسبي للزمن والواقع.

ونكمل مع إيضاح معاني البرامج البحثية للاكتوش، عبر استعراض أمثلة أخرى متنوعة، نجملها في نهاية الاستعراض في جدول يسهل الرجوع لها. وسيلاحظ القارئ الكريم أن بعض هذه الأمثلة قد تم تداولها وتناولها فيما كتبناه في الأجزاء السابقة وخصوصا عندما تحدثنا عن البارادايم وفي سياق مناقشة مسوغات توماس كون لتبنيه مبدأ البارادايمات. وفي استعراض هذه الأمثلة، نعيد قرآتها بمعطيات أطروحة لاكتوش.

 ٤.٤.١.٣.٢.٦.٢المثال الثاني: الصيغ الرياضية ومبرهنة أويلر

ففي الرياضيات يمكن أن نقرأ كتابات لاكاتوش ذاتها. فأحد الأمثلة البديهية، هو تتبّع تاريخ برهان صيغة فيثاغورس أو نتائج أخرى حاولت أن تكون يقينية. عندما نأخذ نظرية آو فرضية في برهان تاريخي مثل صيغة أو مبرهنة اشتُهِرت ثم ظهرت حالة مضادة أو خطأ في برهانها، نرى العملية التي وصفها لاكاتوش بوضوح. فالنواة الصلبة هنا هي الالتزام بالمبادئ المنطقية الأساسية وبأهداف الرياضيات كبحث عن براهين دقيقة، بينما الحزام الواقي يتضمن التعريفات الفرعية، النتيجة أو اللِّمَّا  (lemmas)، والاستراتيجيات الإثباتية التي يمكن تعديلها أو استبدالها لمواجهة حالات لا تتسق مع المتعارف عليه.

مبرهنة أويلر حول الأجسام المتعددة السطوح  تُعدّ من أجمل وأبسط القوانين التي تربط بين الشكل الهندسي والبنية الرياضية. وتنصّ المبرهنة على عدد الرؤوس و عدد الحواف وعدد الأوجه مرتبطين بمعادلة يمكن صياغتها، (ر) عدد الرؤوس – (ح)عدد الحواف + (ج) عدد الأوجه = 2، حيث ر  هو عدد الرؤوس وهي النقاط التي تلتقي فيها الحواف، و ح هو عدد الحواف وهي الخطوط التي تصل بين الرؤوس)، و ج هو عدد الأوجه وهي السطوح المسطحة التي تكوّن المجسّم. تُنطبَّق هذه المبرهنة على الأجسام المنتظمة أو المحدّبة مثل المكعب، والهرم، والمنشور، ويمكن للقارئ الكريم تجربة الهرم الثلاثي وغيره من الأشكال.  هذه العلاقة المدهشة أظهرت أن هناك ثابتًا طوبولوجيًا مشتركًا لكل الأجسام المحدبة، أي أن المبرهنة لا تعتمد على الشكل الدقيق أو طول الحواف، بل على ترابط البنية بين الرؤوس والأوجه والحواف. ولهذا كانت خطوة مبكرة نحو ما سيصبح لاحقًا علم الطوبولوجيا، الذي يعنى بدراسة البنية الشكلية من منظور الاتصال والانفصال لا المقاييس الدقيقة.

وما يهمنا هنا هو أن المبرهنة هذه يمكن اعتبارها مثالًا رائعًا على ما يمكن تسميته برنامجًا بحثيًا ناجحًا بالمعنى الذي يقدّمه لاكاتوش في فلسفة العلم. فقد بدأت المبرهنة من ملاحظة تجريبية بسيطة في الهندسة، مفادها أن هناك علاقة ثابتة بين عدد الرؤوس والحواف والأوجه في الأجسام المحدبة، ثم تطورت تدريجيًا إلى إطار بحثي أعمق يفسّر بنية الأشكال في الرياضيات والطبيعة. فالنواة الصلبة لهذا البرنامج تمثلت في الفكرة المركزية التي تقول أن الشكل الهندسي، مهما اختلفت أبعاده أو تفاصيله، يخضع لعلاقة ثابتة يمكن التعبير عنها رياضيًا بالصيغة التي ذكرناها قبل قليل. هذه الفكرة لم تكن مجرد معادلة، بل تصورٌ نظري عن وجود نظام داخلي كامن وراء التنوع الهندسي.

في إطار هذا البرنامج، شكّل العلماء ما يشبه الحزام الواقي من التفسيرات الرياضية لتوسيع مدى صلاحية المبرهنة. عندما ظهرت حالات شاذة، مثل الأجسام غير المحدبة أو التي تحتوي على ثقوب، لم تُهمل النظرية، بل أُعيد تأويلها وتطويرها. أضاف الرياضيون مصطلحات جديدة مثل “النوع الطوبولوجي” وعدد الثقوب، فتحولت العلاقة الأصلية إلى صيغة أكثر عمومية في صيغة (ر) عدد الرؤوس – (ح)عدد الحواف + (ج) عدد الأوجه = 2- ٢ج (حيث ج = عدد الثقوب، مثلا في الدونة عدد الثقوب = ١) هذا التوسع هو ما يسميه لاكاتوش بمرحلة  البرنامج التقدّمي ، إذ لا يكتفي بالرد على الاعتراضات أو إصلاح الأخطاء، بل يفتح مجالات جديدة للبحث والقياس، ويقدّم تنبؤات يمكن اختبارها داخل إطار أوسع من الأشكال.

لقد مكّن هذا التطور الرياضي من ولادة علم الطوبولوجيا،  وهو العلم الذي لا يهتم بالأبعاد أو الأطوال ، بل بالترابط البنيوي بين أجزاء الشكل. فبدلاً من النظر إلى المجسّمات بوصفها مجرد تراكيب هندسية، أصبح بالإمكان تصنيفها وفق خصائصها الطوبولوجية التي تظل ثابتة رغم التحويل أو التشويه المستمر. من هنا نرى أن مبرهنة أويلر لم تبقَ مجرد اكتشافٍ هندسي، بل تحولت إلى برنامج بحثي منتج، إذ فتحت طريقًا جديدًا أمام التفكير في البنية الرياضية كمنظومة من العلاقات الثابتة وسط التغير الظاهري.

بهذا المعنى، تجسد مبرهنة أويلر الفكرة التي يؤكد عليها لاكاتوش: أن تقدّم العلم لا يقوم على النظريات المنعزلة، بل على البرامج البحثية التي تملك نواة صلبة قادرة على الصمود والتكيّف. فعندما واجهت المبرهنة اعتراضات من الأجسام غير التقليدية، لم تُهدم، بل نمت عبر التعديل الإبداعي لحزامها الواقي النظري، منتجة بذلك منهجًا أعمق لدراسة الأشكال في الطبيعة والرياضيات. ومن هنا يمكن القول إن مبرهنة أويلر تمثل نموذجًا مصغّرًا لتطور المعرفة العلمية نفسها، من الملاحظة البسيطة إلى البنية النظرية القادرة على تفسير أوسع وأعمق للعالم.

هذا مثال واضح وبسيط وأنيق لما أتي به لاكاتوش في كتابه براهين ونقوض عندما حاول تبيين كيف أن الرياضيات تتقدم عبر سلاسل من التصحيحات. ولا يتم إقصاء المجال الرياضي بمجرد ظهور حالة معارضة؛ بل يعاد تفسير التعريفات أو تُعاد صياغة البراهين أو تُكتشف حالات استثنائية تُنقّح المفهوم، وفي حال كانت التعديلات تولد نتائج جديدة وتفسيرات موحِّدة فإن البرنامج الرياضي يُعد تقدميًا. هذا يوضّح لماذا لا تكون الرياضيات مؤكدة بمعنى خالٍ من الخطأ، بل عملية تاريخية لها حزام واقٍ قابل للتعديل يُحسّن فهمنا ويفتح أسئلة جديدة.

٤.٤.١.٣.٢.٦.٣ المثال الثالث: الاحتراق من برنامج الفلوغستون الى الاحتراق

وفي الكيمياء التاريخية، نجد مثالًا واضحًا في صراع نموذج الفلوغستون مع نظرية الأكسدة، وهو المثال الذي تحدثنا عنه في موضع آخر في سياق تطور الكيمياء.  لكن هنا يهمنا أن تقرأ التطور من خلال تفسير لاكتوش. حيث تضمنت النواة الصلبة عنده، لبرنامج الفلوغستون، الفكرة القائمة على أن الاحتراق يحدث نتيجة إطلاق مادة خفيفة اسمها «الفلوغستون». وطور العلماء الذين اعتنقوا هذا الإطار، حزامًا واقيًا من التفسيرات الفرعية والطرق التجريبية لقياس الكتل والتغيّرات. وكان العلماء يسعون جاهدين لحماية بنيته النظرية من النقد المتزايد، خاصة بعد ظهور ملاحظات تجريبية تتعارض مع التوقعات الأصلية. فالحزام الواقي الذي طوّروه تمثّل في مجموعة من التفسيرات الثانوية والتعديلات التي تحافظ على صلاحية البرنامج رغم تناقضه الظاهر مع التجربة. فقد لاحظ الباحثون أن بعض المواد، كالفلزات، تزداد كتلتها بعد الاحتراق بدل أن تنقص، وهو ما يناقض فكرة خروج مادة خفيفة (الفلوغستون). لتفسير ذلك، افترضوا أن الفلوغستون ذو كتلة سالبة أو أن الهواء المحيط يشارك في العملية بطريقة تجعله يعوّض النقص الناتج عن انطلاق الفلوغستون. كانت هذه الفرضيات بمثابة دروع دفاعية، تمنح النظرية مرونة تتيح لها استيعاب الشذوذ دون أن تنهار بنيتها المركزية.

في الميدان التجريبي، انشغل العلماء بتطوير أدوات دقيقة نسبيًا في زمانهم لقياس الكتل والتغيرات الناتجة عن الاحتراق، كالموازين الحساسة وأجهزة قياس الغازات، وذلك لمحاولة تتبع حركة الفلوغستون المفترضة. أجرى بعضهم تجارب على احتراق الكبريت والمعادن في أوعية مغلقة لمراقبة زيادة الوزن أو نقصانه. وقد فسّروا الزيادة بامتصاص مادة من الهواء تُسمى «الهواء المزال منه الفلوغستون»، معتبرين أن العملية لا تنقض الفكرة الأساسية بل تؤكدها حين يُعاد تأويلها. وبهذا الشكل تحوّل القياس التجريبي إلى أداة لضبط الانحرافات وتعديل الحدود التفسيرية دون المساس بجوهر النظرية.

أما في المستوى المفاهيمي، فقد توسّع الحزام الواقي ليشمل تصنيفات جديدة للمواد بحسب مقدار ما تحتويه من فلوغستون، فصار الحديث عن مواد “غنية بالفلوغستون” وأخرى “فقيرة به”، ما أتاح تفسير اختلافات السلوك بين المواد في الاحتراق والاختزال. هذه التفسيرات الفرعية كانت تمنح البرنامج حياة اصطناعية، إذ كل تناقض يمكن تحويله إلى تأكيد للفرضية الأساسية عبر إعادة توصيف الظاهرة. وبهذا استمر برنامج الفلوغستون نشطًا تجريبيًا ومنطقيًا إلى أن جاءت ثورة لافوازييه التي زعزعت الحزام بأكمله، عندما برهن أن ما يحدث ليس انبعاث مادة خفية بل اتحاد المادة بالأوكسجين، لتنهار بذلك البنية الوقائية التي ظلّ أنصار الفلوغستون يشيدونها لعقود. برنامج أوغست لافوازييه القائم على فكرة الأكسدة قدم تفسيرًا أكثر توليدًا للتجارب، قادرًا على ربط نتائج الاحتراق مع حجم وكتلة الأكسجين وكشف آليات كيميائية جديدة؛ هكذا انتقل المجتمع الكيميائي إلى برنامج أكثر تقدّمًا حسب معيار لاكاتوش لأنّه بدأ يولد تنبؤات جديدة وتفسيرات قابلة للاختبار بدلًا من الاقتصار على تكييف الحزام الواقي.


٤.٤.١.٣.٢.٦.٤المثال الرابع: برنامج داروين وتقوية الغلاف الواقي

عند تطبيق تصور لاكاتوش على تاريخ علم الأحياء، يمكن ملاحظة كيف تطوّر البرنامج الدارويني من خلال انتقاله من نواة صلبة إلى أحزمة واقية متغيرة تستوعب التقدمات العلمية دون أن تفقد هويته المركزية. فالنواة الصلبة في الداروينية الكلاسيكية كانت تقوم على مبدأ الانتقاء الطبيعي باعتباره القوة الدافعة لتطور الأنواع. هذه الفكرة ظلت ثابتة تقريبًا منذ داروين، إذ تُفسِّر التنوع الحيوي عبر تفاضل البقاء والتكاثر بين الأفراد. لكن التحديات التي واجهت هذا البرنامج منذ بدايته، كغياب تفسير دقيق لآلية الوراثة، دفعت العلماء إلى بناء حزام واقٍ من الفرضيات المساندة، مثل افتراض “الوراثة بالمزج” أو “التغايرات العشوائية المستمرة”، وهي تصورات مؤقتة مكّنت النظرية من الاستمرار في غياب معرفة جزيئية دقيقة.

 الوراثة بالمزج، والتغايرات العشوائية المستمرة، هما مفهومان كانا يُستخدمان في بدايات التفكير الدارويني لتفسير كيف تنتقل الصفات من الآباء إلى الأبناء، قبل اكتشاف قوانين مندل للوراثة. كلا المفهومين شكّلا جزءًا من الحزام الواقي في البرنامج الدارويني القديم، لأنهما قدّما حلولًا مؤقتة للمشكلة التي لم يكن داروين يملك أدوات لحلها تجريبيًا: كيف تُورَّث التغايرات التي يقوم عليها الانتقاء الطبيعي. الوراثة بالمزج هي الفكرة التي تقول إن الصفات الموروثة من الأبوين “تختلط” في نسلٍ وسطي، كما يختلط سائلان مختلفان اللون لينتجا لونًا متوسطًا. فمثلاً، إذا كان أحد الأبوين طويل القامة والآخر قصيرًا، فإن الابن سيأتي بارتفاع متوسط بينهما. هذه الفكرة تبدو منطقية ظاهريًا لكنها كانت مشكلة لداروين، لأن المزج يؤدي إلى تلاشي التغايرات عبر الأجيال — أي أن الفروق التي يعتمد عليها الانتقاء الطبيعي ستختفي تدريجيًا، فلا يبقى ما “ينتقيه”. ولذلك اعتُبرت الوراثة بالمزج محاولة لتفسير الوراثة حين لم تكن الجينات معروفة، لكنها لم تصمد أمام الدليل التجريبي الذي جاء لاحقًا من أعمال مندل. أما التغايرات العشوائية المستمرة فهي الفرضية القائلة إن الاختلافات بين الأفراد في النوع الواحد لا تأتي على شكل صفات منفصلة (كاللونين الأحمر والأبيض عند مندل) بل هي طيف مستمر من القيم، ينتج عن تأثيرات بيئية وجسدية دقيقة لا تُحصى. داروين رأى أن هذه التغايرات الصغيرة، والعشوائية في ظهورها، هي المادة الخام التي يعمل عليها الانتقاء الطبيعي عبر الزمن. هذا التصور سمح بتفسير التدرج في التغير التطوري، مثل تحول أطوال مناقير الطيور أو ألوان فراء الحيوانات، رغم غياب معرفة دقيقة بآليات الوراثة.

إذن، الوراثة بالمزج كانت تصورًا عن آلية انتقال الصفات، بينما التغايرات العشوائية المستمرة كانت تصورًا عن مصدر التنوع الذي يعتمد عليه التطور. ومع اكتشاف قوانين مندل ثم الجينات لاحقًا، تم تجاوز الأولى كليًا لأنها غير صحيحة، بينما أُعيد تفسير الثانية في ضوء الطفرات الجينية وتوزيعها الإحصائي، لتصبح جزءًا من البنية الجديدة في “التركيب التطوري الحديث”.

مع بروز علم الوراثة المندلية في مطلع القرن العشرين، بدا وكأن البرنامج الدارويني يواجه تهديدًا مباشرًا، إذ أظهرت تجارب مندل أن الصفات تُورّث كوحدات مستقلة لا تختلط كما افترض داروين. غير أن هذا التحدي لم يُنهِ البرنامج بل حفّزه على إعادة تشكيل الحزام الواقي ليتكامل مع النتائج الجديدة. فظهر ما يُعرف بالتركيب التطوري الحديث، حيث تم دمج مبادئ الانتقاء الطبيعي مع الوراثة المندلية في إطار واحد. أصبحت الجينات هي وحدات الوراثة التي تتغير بالطفرات، بينما يختار الانتقاء الطبيعي التوليفات الأكثر تكيفًا. بهذا التحالف الجديد بين الوراثة والانتقاء، تحوّل البرنامج إلى مسار تقدمي بحسب معيار لاكاتوش، لأنه لم يكتفِ بتفسير المعطيات السابقة بل قدم أدوات تنبؤية سمحت بتوقع أنماط التغير الوراثي في الجماعات، كما في أعمال فيشر وهالدين ورايت في الوراثة السكانية.

ومع اكتشاف بنية الحمض النووي على يد واتسون وكريك عام ١٩٥٣، تعمّق البرنامج مجددًا. فقد أُعيد تفسير مفاهيم الطفرة والانتقاء في ضوء العمليات الجزيئية، فأصبح بالإمكان تحديد التغيرات على مستوى النوكليوتيدات وقياس معدلاتها ومتابعتها عبر الأجيال. هذا التطور لم يكن مجرد تعديل تجميلي في الحزام الواقي، بل نقلة منهجية سمحت بتوسيع قدرة النظرية على التنبؤ التجريبي، مثل حساب معدلات الطفرات في فيروسات معينة أو تفسير آليات مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. وهنا تحوّل البرنامج إلى نموذج لاكاتوشي تقدّمي بامتياز، لأن النواة الصلبة للانتقاء الطبيعي ظلت قائمة، بينما توسّع الحزام الواقي ليشمل مفاهيم جديدة مثل الانتخاب على مستوى الجين، والتطور الجزيئي المحايد، والضغط الانتقائي في تسلسل الحمض النووي.

الأدلة على هذا التقدم واضحة في أمثلة كثيرة من البيولوجيا الحديثة. فقد مكنت النماذج السكانية والجزيئية من التنبؤ بسلوك الفيروسات، مثل فيروسات الإنفلونزا وكورونا، استنادًا إلى معدلات الطفرات ومظاهر الانتقاء في مواقع البروتينات السطحية. كما أتاح علم الجينوم المقارن تتبع العلاقات التطورية بين الأنواع بدقة جزيئية تفوق أي مستوى سابق، ما يدل على أن البرنامج لم يكتفِ بالدفاع عن نفسه أمام الاكتشافات الجديدة، بل استخدمها لإنتاج معرفة جديدة قابلة للاختبار. وبهذا المعنى، فإن التطور من الداروينية الكلاسيكية إلى الداروينية الجزيئية يُجسّد المسار الذي وصفه لاكاتوش: من برنامج دفاعي يُكيّف فروضه لحماية نواته، إلى برنامج تقدّمي يُبدع أدوات وتفسيرات تزيد من قوته التنبؤية ومن قدرته على إنتاج اكتشافات علمية أصيلة.

 

 

٤.٤.١.٣.٢.٦.٥المثال الخامس: القارات الثابتة والصفائح التكتونية


في الجيولوجيا يمكن قراءة صعود نظرية الصفائح التكتونية مقابل النظريات التقليدية مثل فكرة «الانحناء الجيولوجي العام» أو النظريات المحلية لشرح توزع القارات والجبال. نواة النظريات القديمة كانت تتضمن مبادئ ثابتة عن استقرار القشرة أو تفسيرات محلية لظواهر تجيّف القارات. الحزام الواقي اشتمل على تعديلات لإدماج بيانات الزحف القاري وقياسات المغنطة القديمة. عندما بدأت بيانات قاع المحيط والمغناطيسية المتناوبة والقياسات الزلزالية تُظهر نمطًا موحدًا، قدّم برنامج الصفائح نموذجًا ذا قوة توليدية. فأعطى تفسيرا لتحرّك القارات، وتوزع الزلازل والبراكين، وظهور أحزمة جبلية.

نحتاج للإسهاب في الحديث عن كل هذا، لكن للمضي في ذلك، نحتاج  أولا، إيضاح ظاهرة المغناطيسية المتناوبة في الصخور القاعية (أو المغناطيسية الشريطية) التي تعتبر واحدة من أهم الأدلة التي دعمت نظرية الصفائح التكتونية وفسرت آلية انتشار قاع البحر. وهي تشير إلى أن الصخور المكوِّنة لقاع المحيط، خصوصًا البازلت الناتج عن تدفق الحمم في الحيود المحيطية، تحمل تسجيلاً متعاقبًا لاتجاه المجال المغناطيسي للأرض، بحيث تتناوب مناطق ذات مغناطيسية عادية مع أخرى ذات مغناطيسية معكوسة، مكوّنة أشرطة متماثلة على جانبي الحيد.

فعندما تتصاعد الحمم من باطن الأرض عند الحيد المحيطي (مثل الحيد الأطلسي الأوسط)، تبرد هذه الحمم تدريجيًا وتتحول إلى صخور بازلتية تحتوي على معادن مغناطيسية مثل المغنيتايت  Fe₃O₄)). أثناء تبردها، تتأثر هذه المعادن باتجاه المجال المغناطيسي للأرض في تلك اللحظة، فتصطف ذراتها وفقًا لاتجاهه، لتحتفظ بعد تصلبها بما يُعرف بـ“المغناطيسية المتحجرة” أو المغناطيسية الأحفورية. لكن المجال المغناطيسي للأرض ليس ثابتًا عبر الزمن، بل ينعكس كل بضع مئات الآلاف أو ملايين السنين، فيتحول القطب الشمالي المغناطيسي إلى جنوبي والعكس. وهكذا، تتشكل على جانبي الحيد المحيطي أشرطة موازية ومتقابلة من الصخور التي تحمل اتجاهات مغناطيسية متعاكسة، تمثل السجل الزمني لتناوب الانعكاسات المغناطيسية الأرضية. وقد أظهرت القياسات باستخدام أجهزة قياس المغناطيسية البحرية أن هذه الأشرطة تتميز بتناظر مذهل حول محور الحيد، مما يشير إلى أن قاع البحر يتجدد بشكل مستمر من المركز ويتباعد إلى الجانبين.

هذه الظاهرة كانت مفتاحًا حاسمًا في الستينيات لفهم آلية انتشار قاع المحيط، إذ قدمت دليلاً تجريبيًا قاطعًا على أن الصفائح الأرضية تتحرك، وأن القشرة المحيطية الجديدة تتكون باستمرار عند الحيود ثم تزاح بعيدًا عنها. وبذلك تحوّلت ظاهرة المغناطيسية المتناوبة من مجرد لغز فيزيائي إلى حجر الزاوية في تأسيس نموذج الصفائح التكتونية، لأنها جمعت بين القياسات الجيوفيزيائية الدقيقة والتفسير الديناميكي لحركة الأرض.

ويظهر ذلك، عندما بدأت الدراسات الجيولوجية في منتصف القرن العشرين تجمع معطيات دقيقة من قاع المحيطات والمجالات المغناطيسية القديمة، انفتحت أمام العلماء إمكانات تفسيرية جديدة قلبت التصور التقليدي للكرة الأرضية. كانت النظرية السابقة، نظرية القارات الثابتة أو الانجراف القاري في نسختها المبكرة عند فغنر، تواجه اعتراضات شديدة بسبب غياب آلية مقنعة تفسر حركة القارات. فبينما جمع فغنر أدلة مدهشة على التشابه الجيولوجي والبيولوجي بين سواحل متقابلة كأفريقيا وأمريكا الجنوبية، لم يقدّم تفسيرًا فيزيائيًا لكيفية انزلاق هذه الكتل الهائلة عبر القشرة الأرضية. ومع تراكم الشكوك، بدا البرنامج التقليدي في الجيولوجيا أقرب إلى الدفاع عن فرضياته القديمة بإضافة تعديلات جزئية على الخرائط والأنماط الرسوبية دون أن يحقق قفزة تفسيرية حقيقية.

في المقابل، شكّل برنامج الصفائح التكتونية نقطة تحول لاكاتوشية نموذجية، إذ امتلك ما يسميه “القوة التوليدية للنظرية”، أي القدرة على إنتاج ظواهر جديدة قابلة للتنبؤ والرصد. فعندما تم اكتشاف ظاهرة المغناطيسية المتناوبة في الصخور القاعية، حيث أظهرت القياسات أن أشرطة من القشرة المحيطية تحمل اتجاهات مغناطيسية متعاكسة في نمط متناظر على جانبي الحيود الوسطى للمحيط، ظهرت فرضية انتشار قاع البحر. هذه الملاحظة كانت المفتاح الذي جعل برنامج الصفائح يفسر التوزيع المنظم للمغناطيسية كنتاج لتكوّن قشرة جديدة عند الحيود، وابتعادها تدريجيًا بفعل الحركة المستمرة للصفائح. بهذا الفهم، لم تعد القارات تتحرك بمعزل عن القشرة، بل كجزء من ألواح ضخمة تطفو فوق طبقة مائعة نسبياً من الغلاف الموري.

التحليل الزلزالي أضاف دعماً تجريبياً مذهلاً لهذا البرنامج. فقد تبين أن الزلازل لا تنتشر عشوائيًا على سطح الأرض، بل تتركز على خطوط محددة تمثل حدود الصفائح، كمناطق اندساس، وصدوع انزلاقية، وحيود محيطية. هذه الملاحظة لم تكن ممكنة ضمن النظرية القديمة، لكنها أصبحت نتيجة طبيعية في النموذج الجديد. مثال ذلك منطقة حلقة النار حول المحيط الهادئ، حيث تُفسَّر الكثافة العالية للزلازل والبراكين باندساس الصفائح المحيطية تحت القارية، وهي تنبؤات لم يكن أي برنامج سابق قادرًا على صياغتها بهذه الدقة.

ولم يتوقف الإطار التفسيري عند حدود الزلازل والبراكين، بل امتد ليشمل تكوين الجبال وسلاسل المرتفعات. فالأحزمة الجبلية، مثل الهيمالايا، وجدت تفسيرًا موحدًا في ضوء تصادم الصفائح القارية وارتطامها، مما يرفع القشرة ويكوّن القمم العالية. هنا لم يعد البرنامج الجديد يدافع عن نفسه عبر ترقيعات تفسيرية، بل أطلق سلسلة من التنبؤات التي أمكن التحقق منها بالملاحظة الميدانية، وبالقياسات الجيوفيزيائية الدقيقة التي أثبتت حركة الصفائح بمعدلات يمكن قياسها بالسنتيمترات سنويًا.

وهكذا، وفق تصور لاكاتوش، لم يكن الانتقال إلى نظرية الصفائح التكتونية مجرد تعديل في الحزام الواقي للنظرية الجيولوجية القديمة، بل كان تحولًا من برنامج منهك يحاول إنقاذ نفسه إلى برنامج تقدّمي يولّد معرفة جديدة على مستويات متعددة. لقد وفر نموذج الصفائح تفسيرًا كليًا موحدًا للظواهر الجيولوجية التي كانت تبدو منفصلة، وجعل من الممكن التنبؤ بمواقع النشاط الزلزالي والبراكيني، بل وحتى باستقرار القارات على مدى ملايين السنين. في هذا المعنى، كانت نظرية الصفائح مثالاً حيًّا على ما قصده لاكاتوش بالبرنامج البحثي التقدّمي الذي لا يكتفي بحماية نواته الصلبة، بل يوسع حدود العلم ذاته من خلال قدرته على الاكتشاف والتنبؤ المتواصل. هذا التحوّل يُقرأ من قبل لاكاتوس على أنه إحلال برنامج تقدّمي يتميّز بقدرته على إنتاج نتائج موثوقة وتنبؤات على مستويات مختلفة، بدل محاولة إنقاذ النظرية القديمة بالتعديلات الجزئية وحدها.


٤.٤.١.٣.٢.٦.٦المثال السادس: من برنامج الأخلاط إلى برنامج الجراثيم

حين نُطبق إطار لاكاتوش على تاريخ الطب، يتضح بجلاء كيف انتقلت الإنسانية من برنامج بحثي قديم يقوم على نظرية الأخلاط إلى برنامج جديد قائم على نظرية الجراثيم. كانت النواة الصلبة للمدرسة الطبية القديمة، منذ أبقراط وجالينوس، تتمثل في الاعتقاد بأن صحة الإنسان تعتمد على توازن الأخلاط الأربعة: الدم، والبلغم، والصفراء الصفراء، والصفراء السوداء. واعتُبر المرض اضطرابًا في هذا التوازن الداخلي سببه نمط الحياة، أو النظام الغذائي، أو المؤثرات المناخية. هذه النواة وفرت إطارًا تفسيرياً عاماً استمر قروناً طويلة لأنها كانت مرنة وتستوعب تعديلات لا حصر لها. فكل خلل أو فشل علاجي كان يُردّ إلى عاملٍ بيئي أو انحراف مزاجي جديد، ما جعل النظرية القديمة قادرة على الصمود رغم محدودية قدرتها التنبؤية.

أما الحزام الواقي لتلك النظرية فكان يتكوّن من ممارسات علاجية متنوّعة كالفصد، والحجامة، وتعديل الأغذية، واستخدام العقاقير الموازنة للمزاج. كلما ظهرت شذوذات أو نتائج متناقضة، كان الأطباء القدامى يضيفون تفسيرات فرعية تحفظ للنواة صلابتها، مثل اختلاف الطبائع بين الأفراد أو تأثير الفصول الأربعة في الأمزجة. وبذلك حافظ البرنامج على اتساقه الداخلي عبر قرون من الممارسة، دون أن يحقق اختراقات تفسيرية أو تنبؤية جديدة. ومع ذلك، فقد وفر إطارًا عمليًا لفهم الجسد كمنظومة ديناميكية، وهو ما جعل انهياره لاحقًا يتم ببطء، أمام تراكم أدلة تجريبية لم يكن قادراً على استيعابها.

في القرن التاسع عشر، بدأ برنامج جديد يفرض نفسه، تقوده أعمال باحثين مثل لويس باستور وروبرت كوخ. كانت النواة الصلبة لهذا البرنامج تقوم على فكرة أن الأمراض المعدية تنشأ عن كائنات دقيقة قابلة للرصد والتجريب، لا عن اختلال مزاجي أو بيئي. هنا يظهر ما يسميه لاكاتوش “التحول التقدّمي في البرنامج”، إذ لم تكتفِ نظرية الجراثيم بنقد التصورات القديمة، بل قدمت أدوات تجريبية قادرة على إنتاج معرفة جديدة. أصبحت المعملية الدقيقة، عبر زراعة الميكروبات وملاحظتها تحت المجهر، هي وسيلة الاختبار الحاسمة، وحلّ المنطق التجريبي محلّ التفسير المزاجي.

جاءت الأدلة الداعمة من كل اتجاه: من تجارب باستور في تعقيم السوائل وإثبات أن الكائنات الدقيقة لا تنشأ تلقائيًا، إلى تجربة كوخ الشهيرة التي عزل فيها بكتيريا الجمرة الخبيثة وأثبت علاقتها المباشرة بالمرض. هذه الأدلة لم تكن مجرد تأكيدات نظرية، بل أنتجت تنبؤات جديدة: أن السيطرة على الجراثيم، بالتعقيم، والتطعيم، والمضادات الحيوية لاحقًا، يمكن أن تمنع المرض أو تعالجه. هذا التحول جعل البرنامج الجرثومي تقدّميًا بالمعنى اللاكاتوشي، لأنه لم يكتفِ بإنقاذ نفسه من النقد، بل أطلق إمكانات معرفية وعلاجية غيّرت وجه الطب جذريًا.

في المقابل، أصبحت التعديلات الدفاعية في البرنامج القديم غير مجدية. فمحاولات ربط الأمراض بالهواء الفاسد أو “الميازما” (الهواء السيئ) فشلت في تفسير أنماط العدوى الدقيقة التي كشفتها الملاحظة المخبرية. وهكذا تحوّل ما كان يومًا حزامًا واقيًا فعالًا إلى عبء معرفي، بينما امتلك البرنامج الجديد حزامًا تجريبيًا أكثر قوة، تمثل في المجاهر، وتقنيات الزراعة البكتيرية، ومناهج العزل والتعقيم، وهي أدوات أنتجت نتائج قابلة للتكرار في كل مكان.

وما يجعل تطبيق نموذج لاكاتوش على هذه الحالة بالغ الدقة هو أن نظرية الجراثيم لم تُلغِ المفاهيم القديمة دفعة واحدة، بل أعادت صياغتها في ضوء علمي جديد. فالبيئة، والنظافة، وأنماط الحياة ظلت ذات تأثير في الصحة، لكن عبر تفسير مختلف: ليست لأنها تُغيّر الأخلاط، بل لأنها تؤثر في احتمالات العدوى وانتقال الميكروبات. بهذا المعنى، استوعب البرنامج الجديد عناصر من القديم، لكنه أعاد تأويلها ضمن منظومة تجريبية قادرة على إنتاج معرفة تنبؤية، مثل التنبؤ بانتشار الأوبئة، وتحديد زمن الحضانة، وطرق الوقاية.

من هذا المنظور، يمثّل تطور نظرية الجراثيم نموذجًا واضحًا لبرنامج بحثي تقدّمي بالمعنى اللاكاتوشي. لقد امتلك نواة صلبة جديدة، المرض كظاهرة ميكروبية قابلة للرصد والسيطرة، وحزامًا واقيًا من الأدوات والممارسات التي توسّعت باستمرار لتشمل المضادات الحيوية، واللقاحات، والتقنيات الجزيئية الحديثة. وبفضل هذه البنية، لم يكتفِ الطب الحديث بتفسير الماضي، بل أصبح قادرًا على التنبؤ، والوقاية، والعلاج، وهو ما يجعل هذا التحول أحد أرقى الأمثلة التاريخية على الانتقال من برنامج دفاعي محافظ إلى برنامج تقدّمي خلاّق ينتج معرفة قابلة للاختبار والتطوير المستمر.

من هذه الأمثلة التي وضعنا ملخصا لها، مع أمثلة أخرى في المجالات الإنسانية، في الجدول ٣١، من المهم توضيح أن لاكاتوش لا يرى العملية العلمية كسلسلة ميكانيكية خالية من الصراع أو العنصر التاريخي؛ بل يبيّن لماذا تظلّ هناك عقلانية ممكنة في التاريخ العلمي. الأمثلة التي ذكرناها في الأعلى، تُظهر أن ما يجعل برنامج البحث تقدميًا حقًا ليس ثبات نواته، بل قدرته على توليد تنبؤات جديدة تؤكدها التجارب أو الملاحظات، وأنه ليس صحيحًا عمليًا أو تاريخيًا أن تُطيح تجربة واحدة بنظرية كاملة؛ بدلاً من ذلك، تُسهم التجارب في اختبار الحزام الواقي أو كشف حدوده، وفي حال فشلت التجارب والتغييرات في التوليد المعرفي يتحوّل البرنامج إلى برنامج متراجع، ويُستبدل. هذا الإطار يساعد على تفسير سلوك العلماء، بأن الإنفاق الفكري والعملي في تدعيم الحزام الواقي ليس عنادا، بحتًا، بل جزء من استراتيجية عقلانية لسبر إمكانات البرنامج قبل الاستغناء عنه، ثم يفسِّر أيضًا لماذا بعض التحوّلات الكبرى في العلم تحدث حين يظهر بديل يولد أكثر من مجرد تبريرات، بل إنتاج تنبؤات جديدة قابلة للاختبار. كانت الأمثلة الستة التي استعرضناها، تغطي المجالات الطبيعية بدرجة أكبر، وندرج هنا عدة أمثلة في المجالات الإنسانية لإيضاح ان برنامج البحوث الذي يطرحه لاكتوس يمتد في تفسيره لهذه المجالات عبر التاريخ.

٤.٤.١.٣.٢.٦.٧المثال السابع: العقد الاجتماعي عند روسو


يمكن اعتبار مسألة العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو، مثالا نموذجًيا واضحًا يمكن من خلاله تطبيق فكرة البرامج البحثية كما صاغها إيمري لاكاتوش، هذه المرة ليس في العلوم الطبيعية، بل في العلوم الإنسانية، وخصوصًا في مجال الفلسفة السياسية. ففي كتابه العقد الاجتماعيالصادر عام ١٧٦٢، قدّم روسو برنامجًا فكريًا جديدًا يهدف إلى تأسيس فهم عقلاني للسلطة السياسية والمجتمع، يقوم على مبدأ الإرادة العامة بوصفها التعبير الأسمى عن حرية الأفراد واتحادهم في كيان جماعي عادل. هذه الفكرة كانت بمثابة النواة الصلبة للبرنامج البحثي السياسي الذي أطلقه روسو، أي المبدأ المركزي الذي لا يمكن التخلي عنه دون أن ينهار المشروع الفكري كله.

ومع تطور الفكر السياسي الحديث، بدأت تظهر الفرضيات المساعدة، التي تشكّل ما يسميه لاكاتوش الحزام الواقي حول النواة الصلبة. فقد جاء فلاسفة ومفكرون مثل الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل في القرن التاسع عشر والمفكر الألماني يورغن هابرماس في القرن العشرين ليقدّموا نقدًا وتحليلًا جديدًا لهذه الفكرة. فرأى توكفيل، مثلًا، أن مفهوم الإرادة العامة يحمل في طياته خطرًا كبيرًا، إذ يمكن أن يتحوّل إلى طغيان الأغلبية إذا لم يُقَيَّد بمؤسسات تضمن التعددية والحقوق الفردية. بهذا المعنى، لم يكن نقد توكفيل تدميرًا للبرنامج، بل محاولة لتطويره داخليًا عبر تعديل فرضياته الثانوية حول طبيعة المشاركة السياسية والحرية. ثم جاء هابرماس في ليواصل هذا المسار النقدي البنّاء، فأعاد بناء فكرة روسو في إطار جديد قائم على مفهوم العقلانية التواصلية، حيث تصبح الإرادة العامة ليست نتيجة لتصويت أو سلطة أغلبية، بل ثمرة نقاش عقلاني وحوار اجتماعي مفتوح يشارك فيه المواطنون بحرية ومساواة.

من منظور لاكاتوش، يمكن النظر إلى هذا التطور بوصفه انتقالًا من برنامج بحثي تقليدي إلى برنامج بحثي تقدّمي داخل الفلسفة السياسية. فالفكر السياسي لم يتخلَّ عن النواة الصلبة (فكرة المجتمع العادل القائم على الإرادة المشتركة)، لكنه وسّع أدواته المنهجية والمفاهيمية لتجاوز العقبات النظرية التي كشفتها الممارسة التاريخية والنقد الفلسفي. بذلك، يصبح تاريخ الفلسفة السياسية سلسلة من التحولات المنهجية المشابهة لتلك التي تحدث في العلوم الطبيعية: حيث لا تُلغى النظريات السابقة بالكامل، بل تُعاد صياغتها في إطار أكثر شمولًا ودقة. إن مثال روسو وتوكفيل وهابرماس يبرهن بوضوح على أن تصور لاكاتوش حول البرامج البحثية لا يقتصر على الفيزياء أو الرياضيات، بل يمكن تطبيقه أيضًا في مجالات الفكر الإنساني، حيث تتطور الأفكار السياسية والاجتماعية عبر صراع نقدي مستمر بين النواة والمحيط، وبين الثبات والتجديد، في مسار دائم نحو فهم أعمق للحرية والعدالة والعقلانية.


٤.٤.١.٣.٢.٦.٨المثال الثامن: في الاقتصاد، من اليد الخفية إلى اليد المرئية وما بعدها


يمثل تطور الفكر الاقتصادي من نظرية اليد الخفية عند آدم سميث إلى النظرية الكينزية وما تلاها مثالًا بارزًا على إمكانية تطبيق أطروحة إيمري لاكاتوش حول البرامج البحثية في ميدان العلوم الإنسانية. عندما طرح سميث عام ١٧٧٦ في كتابه  ثروة الأمم فكرته عن اليد الخفية، كان يؤسس لما يمكن تسميته النواة الصلبة لبرنامج بحثي اقتصادي جديد. ونظرية اليد الخفية هي واحدة من أشهر الأفكار في تاريخ الفكر الاقتصادي، صاغها المفكر الاسكتلندي آدم سميث في كتابه الكلاسيكي ثروة الأمم ١٧٧٦م. وهي تمثل الركيزة الأساسية للفكر الاقتصادي الحر أو الكلاسيكي، إذ تصف كيف يمكن للنظام الاقتصادي أن ينظم نفسه تلقائيًا من خلال تفاعل الأفراد في السوق، دون حاجة إلى توجيه مباشر من الدولة أو سلطة مركزية.

الفكرة تقوم على أن كل فرد يسعى بطبيعته لتحقيق مصلحته كأن يربح من تجارته أو يحقق إنتاجًا أعلى، لكنه، من حيث لا يقصد، يساهم عبر هذا السعي في تحقيق المصلحة العامة للمجتمع. فحين يتنافس المنتجون لتقديم أفضل السلع بأقل الأسعار، يستفيد المستهلكون، وتنمو الكفاءة الاقتصادية، ويتوزع العمل بشكل أمثل. وكأن هناك “يدًا خفية” توجه هذه القرارات الفردية المتفرقة نحو توازن شامل يحقق الرفاه العام. هذه اليد ليست قوة غيبية أو خارجية، بل هي الآلية الطبيعية لتفاعل العرض والطلب، وتنظيم الأسعار عبر السوق الحر. من أبرز الأمثلة التي توضح فكرة اليد الخفية ما يحدث في سوق الخبز مثلًا: فليس الخبّاز ينتج رغيفه بدافع حب الخير للناس، بل لأنه يريد الربح. ومع ذلك، فإن سعيه إلى الربح يدفعه إلى إنتاج خبز جيد وبسعر مقبول حتى يجذب الزبائن. فإذا ارتفع السعر أكثر من اللازم، يدخل منتجون آخرون السوق ويخفضون السعر، وإن كان السعر منخفضًا جدًا بحيث لا يغطي التكلفة، يقل الإنتاج فترتفع الأسعار من جديد. وبهذه الديناميكية البسيطة يتوازن السوق تلقائيًا دون تخطيط مركزي. لكن سميث لم يدّعِ أن اليد الخفية تعمل دائمًا في كل الأحوال. فقد حذّر أيضًا من الاحتكار والفساد والامتيازات التجارية التي يمكن أن تشوه السوق، وأكد أهمية وجود حكومة تضع القوانين وتحمي الملكية وتمنع الغش. فوظيفة الدولة عنده ليست إدارة السوق، بل توفير الإطار القانوني والأخلاقي الذي يسمح للسوق بأن يعمل بحرية وعدالة.

في التاريخ الفكري، أصبحت نظرية اليد الخفية رمزًا لفكرة النظام التلقائي الذاتي في الاقتصاد، ومرجعًا أساسيًا للمدارس الليبرالية والاقتصاد الكلاسيكي الحديث. وقد طوّرها لاحقًا مفكرون مثل فريدمان وهايك، معتبرين أن الأسواق تمتلك قدرة طبيعية على التوازن أفضل من أي إدارة مركزية. ومع ذلك، فإن النقاش حول “حدود اليد الخفية” ظل قائمًا حتى اليوم، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية الكبرى التي أظهرت أن السوق الحر يحتاج أحيانًا إلى تصحيح خارجي لمنع الانهيارات أو لمعالجة التفاوتات الاجتماعية. بهذا المعنى، تبقى “اليد الخفية” أكثر من مجرد استعارة اقتصادية؛ إنها تصور فلسفي عن انسجام المصالح الفردية والعامة داخل نظام اجتماعي حر، وتعبير عن الثقة في أن النظام الاقتصادي يمكن أن يبلغ التوازن والعدالة النسبية من خلال حرية الاختيار والتبادل الطوعي بين الأفراد.

تقوم هذه النواة الصلبة في برنامج لاكتوش الاقتصادي على الإيمان بأن السوق قادر على تحقيق التوازن تلقائيًا عبر تفاعل قوى العرض والطلب، وأن المصلحة الذاتية للأفراد، حين تُترك لتعمل بحرية، تؤدي بصورة غير مقصودة إلى المنفعة العامة. هذا التصور كان يمثل ثورة فكرية في عصرآدم سميث، لأنه قدّم بديلًا عقلانيًا عن تدخل الدولة المطلق في الاقتصاد، وفتح الباب أمام فهم ديناميكي للنشاط الاقتصادي قائم على قوانين موضوعية تشبه قوانين الطبيعة.

غير أن هذا البرنامج الكلاسيكي واجه في بدايات القرن العشرين أزمة معرفية حادة مع وقوع الكساد الكبير عام ١٩٢٩، حين انهارت الأسواق ولم يتحقق التوازن الموعود رغم ترك السوق لقوانينه الطبيعية. عند هذه النقطة، ظهرت ما يسميه لاكاتوش العقبات الإبستمولوجية داخل البرنامج البحثي، إذ لم تعد الفرضيات المساعدة قادرة على تفسير الواقع الجديد. ومع ذلك، لم يُلغَ البرنامج بالكامل، بل خضع لإعادة بناء من الداخل على يد جون ماينارد كينز، الذي ظهرفي ثلاثينيات القرن العشرين في لحظةٍ تاريخيةٍ حرجة، حين أصاب الكساد العظيم الاقتصاد العالمي بالشلل، وانكشفت حدود الرهان على فكرة “اليد الخفية” التي افترضها آدم سميث. فقد بدا واضحًا أن الأسواق لا تتجه دائمًا إلى التوازن الذاتي، وأن السعي الفردي نحو المصلحة الخاصة لا يضمن بالضرورة المصلحة العامة، خاصة في فترات الركود الجماعي حين يفقد الأفراد والشركات الثقة ويتوقف الاستثمار والاستهلاك. من هذا السياق انطلقت أطروحات كينز في كتابه الشهير النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود ١٩٣٦م، الذي أحدث ثورة فكرية في علم الاقتصاد وغير مسار السياسات الاقتصادية لعقود طويلة.

في تصحيحه لمفهوم اليد الخفية، رأى كينز أن الاقتصاد ليس منظومة آلية قادرة دائمًا على تصحيح نفسها تلقائيًا. فحين تتراجع التوقعات المستقبلية ويُصاب المستثمرون بالخوف، تتقلص الاستثمارات وينخفض الطلب الكلي، فتتراجع فرص العمل والدخل والإنتاج في سلسلة دائرية من الانكماش. اليد الخفية، في هذه الحالة، لا تعمل، لأن كل فرد يسعى لحماية نفسه بخفض الإنفاق أو الادخار، مما يؤدي إلى تدهور عام في النشاط الاقتصادي. أطلق كينز على هذه الحالة اسم “مفارقة الادخار”، أي إن ما يبدو فضيلة فردية (الادخار) يصبح رذيلة اقتصادية حين يتبناه الجميع في وقت واحد. ومن هذا التحليل انبثقت فكرته الجوهرية، التي تقول بأن الدولة يجب أن تلعب دورًا فعالًا في تحفيز الطلب الكلي، لا أن تكتفي بالمراقبة. فإذا تراجع الإنفاق الخاص، ينبغي على الحكومة أن تتدخل عبر الإنفاق العام، في مشاريع البنية التحتية، والتعليم، والدفاع، وغيرها، لضخ السيولة في السوق واستعادة الثقة. ورأى كينز أن هذا التدخل ليس خروجًا عن منطق السوق، بل تصحيحًا ضروريًا مؤقتًا يعيد “العجلة الاقتصادية” إلى الدوران. فبدلًا من الاعتماد الأعمى على اليد الخفية، اقترح يدًا مرئية عقلانية توجه النشاط الاقتصادي عند الحاجة، ثم تنسحب تدريجيًا عندما يعود التوازن. وقد دعّم كينز أطروحاته بأدلة من الواقع، مشيرًا إلى أن السياسات التقليدية القائمة على التوازن التلقائي أخفقت تمامًا في مواجهة الكساد. كما أظهر أن الأسعار والأجور لا تنخفض بالسرعة التي افترضها الكلاسيكيون، لأن هناك مقاومة اجتماعية ونفسية تحول دون ذلك، ما يجعل البطالة تستمر حتى مع انخفاض الطلب. بهذا المعنى، أعاد كينز تعريف مفهوم “التوازن” الاقتصادي، فبيّن أنه قد يتحقق أحيانًا عند مستويات منخفضة من التشغيل، أي إن السوق قد يستقر في حالة بطالة مزمنة ما لم تُدخِل الدولة صدمة إيجابية عبر السياسة المالية والنقدية.

تحولت هذه الأفكار إلى ما سُمّي لاحقًا “الاقتصاد الكينزي”، الذي سيطر على النصف الأول من القرن العشرين وألهم سياسات “الصفقة الجديدة” في الولايات المتحدة. بفضله تبنّت الحكومات لأول مرة فكرة أن الاستقرار الاقتصادي مسؤولية عامة، وأن النمو يمكن إدارته بالعقلانية لا بانتظار العفوية السوقية. ومع ذلك، لم يسعَ كينز إلى القضاء على السوق أو رفض اليد الخفية، بل سعى إلى تكامل بين الحرية الاقتصادية والتخطيط المرن، بحيث يعمل السوق في أوقات الرخاء بحرية، بينما تتدخل الدولة في أوقات الأزمات لتصحيح المسار.

وهكذا يمكن القول إن كينز لم يهدم مفهوم اليد الخفية، بل أعاد تقييده بحدود واقعية، مؤكدًا أن السوق ليس دائمًا عقلانيًا أو سريع الإصلاح، وأن الحرية الاقتصادية تحتاج أحيانًا إلى “عقل اقتصادي منظم” يصون استقرارها. لقد كانت أطروحاته تذكيرًا بأن الاقتصاد ليس مجرد شبكة من الحسابات، بل هو منظومة إنسانية تتأثر بالخوف والتوقعات والثقة، وأن الدولة، حين تعمل بحكمة، مكن أن تكون اليد التي تعيد التوازن حين تعجز اليد الخفية عن ذلك.

بهذا التطور، نكون أمام انتقال من برنامج بحثي تقليدي إلى برنامج بحثي تقدّمي وفق تصور لاكاتوش. فبدل أن تنهار النظرية الكلاسيكية بالكامل، تم تعديل الحزام الواقي المحيط بالنواة الصلبة، عبر إدخال مفاهيم جديدة مثل الدخل القومي والطلب الفعّال، دون المساس بالمبدأ الأساسي الذي يرى أن النشاط الاقتصادي تحكمه قوانين قابلة للفهم والتحليل العلمي. لاحقًا، ظهرت اتجاهات جديدة في الاقتصاد مثل المدرسة النقدية عند ميلتون فريدمان والاقتصاد الكلاسيكي الجديد، التي قدّمت تصحيحات وتعديلات للكينزية، مؤكدة استمرار البرنامج الاقتصادي في التطور والتفاعل مع الواقع المتغيّر.

من هذا المنظور، يبرهن مثال تطور الفكر الاقتصادي على أن تصور لاكاتوش حول البرامج البحثية ينطبق على الاقتصاد بوصفه علمًا إنسانيًا يتقدّم عبر جدلية مستمرة بين الأزمات والنقد وإعادة البناء. فالانتقال من آدم سميث إلى كينز ثم إلى مدارس الاقتصاد الحديثة يُظهر كيف تحتفظ العلوم الإنسانية هي الأخرى بـ نواة صلبة من المبادئ، تحيط بها فرضيات قابلة للتعديل، لتستجيب لتحديات الواقع وتعيد إنتاج نفسها فكريًا ومنهجيًا في كل مرحلة تاريخية.


٤.٤.١.٣.٢.٦.٩المثال التاسع: الظواهر الاجتماعية من كونت إلى فيبر

يُقدّم تطور علم الاجتماع منذ نشأته عند أوغست كونت وحتى المدارس التأويلية والفينومينولوجية المعاصرة مثالًا غنيًا على قدرة أطروحة إيمري لاكاتوش حول البرامج البحثية على تفسير تطور العلوم الإنسانية بنفس العمق الذي تفسر به تطور العلوم الطبيعية. فقد كان كونت، في القرن التاسع عشر، يسعى إلى تأسيس علم للمجتمع يقوم على نفس الأسس التي قامت عليها الفيزياء والكيمياء، أي على مبدأ الوضعية العلمية التي ترى أن الظواهر الاجتماعية يمكن دراستها مثل الظواهر الطبيعية من خلال قوانين حتمية قابلة للملاحظة والقياس. كانت هذه الرؤية تمثّل النواة الصلبة للبرنامج البحثي الوضعي في علم الاجتماع، وهي الإيمان بإمكانية إخضاع المجتمع لقوانين عامة وثابتة تفسّر سلوكه وتطوره.

منطلقا من خلفيته العلمية والفكرية الغنية والمتشابكة، التي جمعت بين الرياضيات والفيزياء من جهة، والفلسفة والتاريخ من جهة أخرى، ومتأثرا بالإنجازات العلمية التي أحرزتها أوروبا، توصل أوغست كونت بوصفه أحد أبرز العقول التي حاولت أن تنقل منهجية العلوم الطبيعية إلى دراسة المجتمع الإنساني، للاعتقاد بأن البشرية قد بلغت مرحلة جديدة من النضج العقلي، تتيح لها دراسة ذاتها بطريقة علمية موضوعية، بعيدًا عن التأملات الميتافيزيقية أو التفسيرات اللاهوتية. وكانت هذه الفكرة جوهر مشروعه الفكري الذي أطلق عليه اسم الفلسفة الوضعية، وجعل من علم الاجتماع أو “الفيزياء الاجتماعية” ذروته المنهجية. في نظره، كما أن الكون المادي يخضع لقوانين ثابتة تحكم الحركة والكتلة والجاذبية، فإن المجتمع الإنساني بدوره يخضع لقوانين يمكن اكتشافها إذا التزم الباحث بالملاحظة الدقيقة والتجريب والمقارنة. وقد كتب في مقدمة دروسه في الفلسفة الوضعية “إن دراسة الظواهر الاجتماعية ينبغي أن تخضع لنفس النظام العلمي الذي يخضع له العالم الطبيعي، لأن الحوادث الاجتماعية ليست سوى ظواهر طبيعية من نوعٍ أعلى وأكثر تعقيدًا.”

أسّس كونت مشروعه على فكرة أن تطور الفكر الإنساني يمر عبر ثلاث مراحل متعاقبة، تبدأ بالمرحلة اللاهوتية، حيث تفسَّر الظواهر بإرادة الآلهة والقوى الغيبية، ثم المرحلة الميتافيزيقية، التي تُستبدل فيها الكيانات الغيبية بمفاهيم فلسفية مجردة كالجوهر والماهية، وصولا إلى المرحلة الوضعية، التي يتخلى فيها الإنسان عن البحث في الأسباب المطلقة، ويركّز على القوانين التي تنظم الظواهر القابلة للرصد. وقد رأى كونت أن البشرية قد دخلت هذه المرحلة الأخيرة مع التقدم العلمي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأن الوقت قد حان لتطبيق المنهج نفسه على الظواهر الاجتماعية. بهذا المعنى، كانت أطروحاته تمثل نقلًا لروح أعمال وقوانين نيوتن إلى عالم الإنسان، إذ سعى إلى اكتشاف قوانين الحركة الاجتماعية التي تفسر التغير والتطور في التاريخ.

وفي محاولات تطبيقه لهذا المنهج، ميّز كونت بين قسمين لعلم الاجتماع، الستاتيكا الاجتماعية، التي تبحث في الشروط التي تحفظ النظام الاجتماعي واستقراره، والديناميكا الاجتماعية، التي تدرس قوانين التغير والتقدم. اعتبر كونت، أن المجتمع كائن عضوي مترابط، يخضع لتوازن بين قواه السياسية، والدينية، والأخلاقية، والاقتصادية. ولذا دعا إلى دراسة المجتمع في شموليته لا من خلال أجزائه المنفصلة. كما كان مقتنعًا بأن التقدم الإنساني يسير وفق اتجاه واحد من البساطة إلى التعقيد، ومن الاضطراب إلى النظام، وأن هذا الاتجاه يمكن ضبطه وفهمه بقوانين علمية. وقد عبّر عن هذا الطموح حين قال إن “علم الاجتماع سيكون التاج الذي يكلل العلوم كلها”، لأنه سيكشف القوانين التي تحكم تطور الإنسانية جمعاء.

وكما هو الطبيعي في ردات الفعل على ما يطرح من أفكار وأطروحات جديدة، لابد وأن يكون من ردات الفعل من يناصر ومن يعارض وبمستويات ودوافع متفاوتة. ولذلك نجد بعضا من مفكري القرن التاسع عشر قبلوا فكرته العامة عن ضرورة تأسيس علمٍ للمجتمع، لكنهم امًا توقفوا أو اعترضوا على رؤيته الحتمية والفيزيائية الصارمة. حيث رأى منتقدوه أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن أن تُختزل في قوانين رياضية مثل قوانين نيوتن، لأنها تتعلق بالإرادة والمعنى والرمز، لابالحركة المادية.

ذهب جون ستيوارت ميل، ١٨٧٣م وهو أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين البريطانيين حينها، ويُعد من أهم رواد الفكر الليبرالي الحديث، ومن أبرز ممثلي الفلسفة النفعية، لمحاولة التوفيق بين الوضعية والتفسير الأخلاقي لأول مرة، إذ رأى أن العلوم الاجتماعية يمكن أن تكون استقرائية لكنها لا تبلغ درجة الحتمية الفيزيائية.  فسعى جون ميل إلى التوفيق بين الاتجاه الوضعي الذي يفسر الظواهر الإنسانية بمنهج عقلي وتجريبي، وبين البعد الأخلاقي الذي يمنح الأفعال معناها الإنساني.  ورأى أن المعرفة لا تُختزل في الملاحظة العلمية وحدها، بل يجب أن تشمل التجربة الإنسانية في بعدها الشعوري والاجتماعي، وبذلك حاول أن يجعل من القيم الأخلاقية موضوعًا قابلًا للدراسة العقلية، دون أن يفقد بعدها القيمي والإنساني. وطور مبدأ النفعية ليصبح جسرًا بين العلم والأخلاق، فبدلًا من اقتصارها على اللذة الحسية كما عند بنثام، جعلها تقوم على السعادة الشاملة التي تتضمن لذات عقلية وروحية أرقى. فالخير عنده هو ما يحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، لكن بشرط أن تكون سعادة ذات نوعية راقية تعزز الكمال الإنساني. كما رأى أن الضمير الأخلاقي يتطور من التجربة الاجتماعية والتعليم، مما يجعل الأخلاق ناتجة عن قوانين الطبيعة البشرية وليست خارجة عنها.

وقد تجلى هذا التوفيق في دفاعه عن الحرية باعتبارها قيمة أخلاقية ووضعية في آنٍ واحد، فهي ليست مجرد حق معنوي، بل وسيلة ضرورية للتجربة الاجتماعية والتقدم الإنساني. وهكذا جعل ميل من العقل الوضعي وسيلة لفهم القيم، ومن القيم الأخلاقية غاية لتطور الإنسان والمجتمع. نختصر مقارنة مقاربتي الوضعية وميل في جدول ٣١.






فيما ذهب إميل دوركايم، وهو أحد أبرز رواد علم الاجتماع الحديث ١٩١٧م، بعد عقود، إلى تطوير الوضعية في اتجاه آخر ربما اعتبر أكثر دقة، حيث تبنّى منهج كونت في التعامل مع “الوقائع الاجتماعية كأشياء”، لكنه شدد على ضرورة تفسيرها من داخل الحياة الاجتماعية ذاتها، لا من خلال استعارة القوانين الطبيعية فحسب. انطلق دوركايم من قناعة كونت بأن الظواهر الاجتماعية يجب أن تُدرس كما تُدرس الظواهر الطبيعية، لكنه رأى أن كونت بقي في مستوى التنظير الفلسفي. فعمل هو على إقامة علم اجتماع وضعي فعلي يقوم على الملاحظة، والتصنيف، والبحث التجريبي في الظواهر الاجتماعية الملموسة. وقد عبّر عن ذلك في كتابه قواعد المنهج الاجتماعي ١٨٩٥م حين قال إن على الباحث أن "يُعامل الوقائع الاجتماعية كأشياء"، أي أن يدرسها بموضوعية كما يدرس الفيزيائي المادة. وسعى إلى جعل القيم والمعايير والأخلاق تُفهم بوصفها وقائع اجتماعية ناتجة عن تفاعل الجماعة، وليست معطاة مسبقًا من الدين أو الفلسفة. وهكذا تجاوز كونت الذي ركز على تطور الفكر الإنساني، ليؤكد أن الواقع الاجتماعي ذاته هو الذي ينتج الأفكار والقيم. ومن خلال دراساته حول الانتحار ١٨٩٧ وتقسيم العمل الاجتماعي ١٨٩٣، أرسى أسس البحث الاجتماعي التجريبي وربط الظواهر الفردية بالبُنى الجماعية، فحوّل الوضعية من فكرة فلسفية إلى منهج علمي لدراسة المجتمع. نضع بين يدي القارئ في جدول ٣٢ ما قام به دوركايم في بنائه وتطويره أطروحة كانط.



ومع تطور الفكر الاجتماعي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأت الوضعية التي بشر بها كانط، تتراجع لصالح تيارات جديدة أكثر مرونة. فقد ظهرت المدرسة الفينومينولوجية والتفاعل الرمزي التي أكدت أن الإنسان ليس مجرد نتاج لقوانين اجتماعية، بل فاعل يضفي المعنى على أفعاله. كما جاء ماكس فيبر لينتقد الرؤية الحتمية لكونت، معتبرًا أن فهم المجتمع يتطلب تفسير المعاني التي ينسبها الأفراد إلى أفعالهم، لا مجرد رصد العلاقات السببية. جاء ماكس فيبر لينتقد الرؤية الحتمية التي طرحها أوغست كونت، والتي كانت ترى أن الظواهر الاجتماعية يمكن دراستها مثل الظواهر الطبيعية، أي من خلال رصد العلاقات السببية التي تربط بين الأسباب والنتائج كما في قوانين الفيزياء. فكونت كان يعتقد أن المجتمع تحكمه قوانين ثابتة يمكن اكتشافها إذا عرفنا السبب الذي يؤدي إلى النتيجة، كأن نقول إن الفقر يؤدي إلى الجريمة أو إن قلة التعليم تسبب ارتفاع البطالة. غير أن فيبر رأى أن هذه النظرة تختزل الإنسان إلى مجرد كائن تحكمه الظروف الخارجية، وتغفل عن جوهر الفعل الاجتماعي وهو المعنى الذي يمنحه الأفراد لأفعالهم. فالبشر، بخلاف الأشياء، يتصرفون انطلاقًا من مقاصد ودوافع داخلية مرتبطة بثقافتهم وقيمهم وفهمهم للعالم من حولهم. فليس كل فقير مجرمًا، لأن بعض الفقراء قد يرون في الصبر أو الإيمان معنى يجعلهم يرفضون السرقة، والعامل الذي يضرب عن العمل لا يقوم بالفعل فقط بسبب الظلم الاقتصادي، بل لأنه يراه احتجاجًا يحمل دلالة أخلاقية أو سياسية. لذلك، دعا فيبر إلى أن يكون علم الاجتماع علمًا تفسيريًا، يسعى إلى فهم المعاني التي يضفيها الناس على سلوكهم، لا مجرد ملاحظة الأسباب الخارجية التي تؤدي إليه، لأن فهم المجتمع لا يتحقق إلا بفهم ما يعنيه الفعل الإنساني بالنسبة لمن يقوم به.

ومع ذلك، ظل أثر كونت واضحًا في ترسيخ فكرة أن المجتمع يمكن أن يُدرس علميًا، وأن الظواهر الاجتماعية ليست خارجة عن نطاق التحليل المنهجي. فلقد مثّلت أطروحات أوغست كونت نقطة تحوّل أساسية في مسار الفكر الإنساني، إذ فتحت الباب أمام نشوء علم الاجتماع كعلم مستقل له منهج وقوانين. ورغم ما تعرّضت له رؤيته من نقد وتعديل، فإن نواته الصلبة، المتمثلة في الإيمان بإمكانية دراسة المجتمع بموضوعية علمية، بقيت حاضرة في معظم البرامج البحثية اللاحقة، من دوركايم إلى علماء الاجتماع الكميين المعاصرين. لقد جعل كونت من الفلسفة الوضعية مشروعًا لتوحيد المعرفة الإنسانية تحت راية المنهج العلمي، وكان بذلك واحدًا من أوائل من حاولوا تحويل الفكر الاجتماعي من مجال التأمل الفلسفي إلى مجال العلم التجريبي القابل للاختبار والملاحظة.

يمكن النظر إلى هذا المسار، من كانط مرورًا بكونت ثم إلى الفينومينولوجيا والتفاعل الرمزي والمنهج الكيفي، بوصفه برنامجًا بحثيًا في فهم الإنسان والمعرفة، يمكن قراءته من خلال منظور إمري لاكاتوش كتحوّل منهجي تقدّمي في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية. فبدل أن يكون مجرد تتابع من النظريات المنعزلة، يُمثّل هذا المسار سلسلة متكاملة من البرامج التي حافظت على نواة صلبة واحدة هي الإيمان بأن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تُختزل إلى تجريبية مادية أو حتمية ميكانيكية، وأن الوعي البشري والمعنى والتجربة الذاتية تشكل عناصر أساسية في فهم العالم.


كان إيمانويل كانط نقطة الانطلاق الفلسفية لهذا البرنامج، إذ أحدث ثورة معرفية حين رفض الثنائية القديمة بين التجريبية والعقلانية، مبينًا أن العقل لا يعكس الواقع فحسب، بل يشارك في بنائه عبر صور ذهنية ومقولات تنظّم الإدراك. بهذه الرؤية أصبح الإنسان ليس مجرد متلقٍّ للواقع، بل شريكًا في إنتاجه المعرفي، وهو ما شكّل النواة الصلبة التي ظلّت تلهم الاتجاهات اللاحقة في الفلسفة والعلوم الإنسانية. ثم جاء أوغست كونت ليحوّل هذا المسار من الإطار الفلسفي إلى الإطار المنهجي، مؤسسًا الفلسفة الوضعية التي سعت إلى دراسة المجتمع والظواهر الإنسانية بمنهج علمي يقوم على الملاحظة والتجريب. غير أن المدارس التي تلت كونت – من الفينومينولوجيا إلى التفاعل الرمزي وصولًا إلى المنهج الكيفي، عادت لتعيد التوازن بين الموضوعية والوضعية من جهة، وبين الوعي والمعنى الذاتي من جهة أخرى، مستأنفة بذلك الجوهر الكانطي الذي يؤكد أن الإنسان فاعل لا يمكن فهم العالم من دونه.

وعندما جاء إدموند هوسرل الفيلسوف الألماني ١٩٣٨م، والذي يُعد مؤسس الفينومينولوجيا، أي المنهج الفلسفي الذي يدرس التجربة كما تُعاش في الوعي دون افتراضات مسبقة، يبيّن كيف يُكوّن الإنسان معنى العالم من حوله. مع الأخذ في الاعتبار أن المقصود بالظواهرعند الفينومينولوجيين، وخصوصًا عند إدموند هوسرل، ليس الأشياء الخارجية في ذاتها، بل ما يُعطى للوعي في التجربة المباشرة، أي الطريقة التي نحيا بها العالم وندركه ونمنحه معنى. فالظاهرة ليست مجرد حدث خارجي، بل هي الشيء كما يُعاش ويُفهم. بمعنى آخر، الفينومينولوجيا هي العلم الذي يدرس كيفية ظهور الأشياء في الوعي الإنساني، لا بوصفها موضوعات مادية، بل بوصفها تجارب ذات معنى. ولذلك استخدمها هوسرل بوصفها منهجًا فلسفيًا هدفه “العودة إلى الأشياء ذاتها”، أي إلى الخبرة المباشرة قبل أن تتدخل فيها النظريات أو التفسيرات الجاهزة. طوّر هذا المبدأ الكانطي وجعل منه منهجًا في دراسة الوعي والظواهر. بالنسبة له، لا تُعطى الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تُعاش وتُفهم في التجربة. وهنا يتوسع البرنامج البحثي، فبدلاً من السعي إلى قوانين عامة، يصبح هدف العلم فهم كيفية تشكّل المعنى في الوعي. في لغة لاكاتوش، يمكن القول إن الفينومينولوجيا مثلت تطويرًا داخل الحزام الواقي للبرنامج الكانطي؛ فهي لم تتخلّ عن نواته المتمثلة في فاعلية الذات، لكنها أدخلت مفاهيم جديدة مثل القصدية، والتجربة المعيشة، والعالم المعيش. هذه الإضافات لم تكن مجرد “ترقيعات” إنقاذية، بل كانت تعديلات تقدّمية لأنها فتحت آفاقًا جديدة للبحث في مجالات لم تكن قابلة للقياس أو التكميم من قبل.

ثم جاءت مدرسة التفاعل الرمزي، التي ظهرت في بدايات القرن العشرين، وتُنسب جذورها إلى جورج هربرت ميد الذي وضع أسسها الفكرية، ثم طوّرها لاحقًا هربرت بلومر وجعلها مدرسة علمية ومنهجًا بحثيًا واضح المعالم في علم الاجتماع.
 الفيلسوف وعالم الاجتماع الأمريكي جورج هربرت ميد، ١٩٣١م، يُعد المؤسس الفعلي للفكر الذي انبثقت منه مدرسة التفاعل الرمزي، بالرغم انه لم يكتب مؤلفاته بنفسه، بل جمعت أفكاره بعد وفاته في كتاب 
العقل والذات والمجتمع عام ١٩٣٤. في أطروحاته، ركز ميد على أن الإنسان لا يولد بوعي اجتماعي جاهز، بل يكتسبه من خلال التفاعل الرمزي مع الآخرين، أي عبر تبادل الإشارات والرموز، وأهمها اللغة.  فالذات، في نظره، تتكوّن حين يتعلم الفرد أن يرى نفسه من منظور الآخرين، أي أن يتخذ دور الآخر في تفكيره وسلوكه. بهذا الفهم، لم يعد الوعي شيئًا داخليًا خالصًا كما عند الفينومينولوجيين، بل عملية اجتماعية تُبنى في سياق العلاقات والتواصل.

أما هربرت بلومر، ١٩٨٧م، فكان تلميذًا لميد، وهو الذي صاغ مصطلح التفاعل الرمزي رسميًا عام ١٩٣٧، وجعل منه اتجاهًا نظريًا ومنهجيًا قائمًا بذاته في علم الاجتماع. في كتابه التواصل الرمزي: قرآة وطرق ١٩٦٩م، وفيه وضع بلومر المبادئ الأساسية للمدرسة، مؤكداً أن البشر لا يستجيبون مباشرة للمثيرات أو الظروف الموضوعية، بل للأشياء كما يفهمونها ويفسرونها في ضوء المعاني التي يعطونها لها. هذه المعاني لا تُمنح للفرد من الخارج، بل تُنتج وتتغير باستمرار من خلال التفاعل اليومي مع الآخرين. بذلك، نقل بلومر التفكير السوسيولوجي من تفسير السلوك كاستجابة سببية إلى فهمه كفعلٍ تأويلي مشترك تُبنى معانيه عبر الرموز.

ولقد شكلت أفكار ميد وبلومر معًا تحولًا مهمًا في مسار العلوم الاجتماعية، لأنها وسّعت الفهم الإنساني من مستوى الوعي الفردي (كما عند هوسرل والفينومينولوجيين) إلى مستوى الفعل الاجتماعي التواصلي، حيث يصبح المعنى ناتجًا عن التفاعل بين الذوات لا عن إدراك فردي منعزل. ومن هنا كانت مدرسة التفاعل الرمزي حلقة أساسية في التطور التاريخي الذي أعاد الاعتبار للذات والمعنى داخل دراسة المجتمع، بعد هيمنة المناهج الوضعية والحتمية. فقد أخذت هذه المدرسة من الفينومينولوجيا فكرة أن المعنى يُبنى عبر التجربة، لكنها أضافت أن هذا البناء يتم من خلال التفاعل الرمزي بين الأفراد. في ضوء تحليل لاكاتوش، يمثّل هذا انتقالًا من برنامج فلسفي إلى برنامج علم اجتماعي تقدّمي، لأن الحزام الواقي توسّع ليشمل أدوات تجريبية وميدانية جديدة: الملاحظة بالمشاركة، وتحليل الخطاب، ودراسة الرموز في الحياة اليومية. البرنامج هنا لم يتراجع أمام النقد التجريبي، بل استوعبه وطوّر أدوات جديدة تُمكّنه من تقديم تنبؤات تفسيرية دقيقة حول سلوك الأفراد في السياقات الاجتماعية.

بعدها، ظهر المنهج الكيفي في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وشكل امتدادا تطبيقيا لتلك الرؤى الفلسفية والاجتماعية، وبرز المنهج الكيفي في القرن العشرين، مع إسهامات الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر١٩٢٠م، يُعد من أبرز مؤسسي علم الاجتماع الحديث، وكان نتاجه في مرحلة تشكّل العلوم الاجتماعية الحديثة. إضافة لكتابته القيمة، تمثل أثره الكبيرفي تطوير المنهج الفهمي، الذي يدعو إلى فهم المعنى الذاتي الذي يضفيه الأفراد على أفعالهم، بدلًا من الاقتصار على تفسيرها بعلاقات سببية كما في المناهج الوضعية. ويشترك مع لاكتوش بفكرة أن المعرفة الاجتماعية لا تتطور بخط مستقيم بل عبر تحولات فكرية ومنهجية. فكما يرى لاكاتوش أن العلم يتقدم عبر “برامج بحثية” تتغير من الداخل دون أن تُهدم كليًا، كذلك رأى فيبر أن الفهم الاجتماعي يتبدل بحسب أنساق القيم والمعاني السائدة في كل عصر. أي أن تطور الفهم الاجتماعي عنده له منطق تاريخي داخلي شبيه بالتحول المنهجي عند لاكاتوش.

كما تطور المنهج الكيفي مع إسهامات إلانثروبولوجي وفيلسوف الثقافة الأمريكي كليفورد غيرتز، ٢٠٠٦م، ازدهر إنتاجه العلمي بين ستينيات وتسعينيات القرن العشرين، حين تطورت الأنثروبولوجيا من علم وصفي إلى تفسير ثقافي. وكان له أثره الكبير في العلوم الاجتماعية في نقل البحث الأنثروبولوجي من دراسة البنية المادية للمجتمعات إلى تحليل المعاني والرموز التي يعيشها الناس في ثقافاتهم اليومية. وكان يرى أن فهم المجتمع يشبه قراءة نص مليء بالرموز التي تحتاج تأويلاً. ومثل لاكتوش، اعتبر أن النظريات ليست نهائية بل تُختبر ضمن “برامج تأويلية” مستمرة. فالأنثروبولوجيا، عند غيرتز، تتطور عبر تفسيرات متراكمة للثقافات، وليست بحثًا عن قوانين ثابتة. أي أن كلاهما يريان المعرفة كـ مسار تراكمي تحويلي لا كحقيقة نهائية.

 وكذلك إسهامات عالم الاجتماع الألماني، نوربرت إلياس١٩٩٠م، في تحليل التحول التاريخي للحضارة والسلوك الاجتماعي في أوروبا. ففي كتابه عملية التمدن المنشور عام ١٩٣٩، تتبع كيف تغيّر سلوك الناس وآدابهم منذ العصور الوسطى حتى العصر الحديث، مبيّنًا أن ما نعدّه “تحضّرًا” هو نتيجة تحولات اجتماعية وتاريخية طويلة في بنية السلطة والانضباط الذاتي. وبنتاجه العلمي، كان اه مساهمات كبيرة في جعل علم الاجتماع أكثر وعيًا بـ التاريخ الطويل والبنية النفسية والاجتماعية المشتركة. وكما يرى لاكاتوش أن البرامج العلمية تتطور داخليًا من خلال تراكم الأفكار وتحوّل النواة الصلبة، رأى إلياس أن الحضارة تتطور من خلال عمليات اجتماعية بطيئة متداخلة تحافظ على استمرارية معينة رغم التغير. فكلاهما يفسران التقدم كـ عملية تراكمية داخلية، لا كقطيعة حادة.

 بجهود هؤلاء وغيرهم من العلماء، يمكن القول إن البرنامج البحثي بلغ طورًا متقدمًا في مسيرته التفسيرية. فالمنهج الكيفي لم يكن قطيعة مع الفينومينولوجيا أو التفاعل الرمزي، بل تجسيدًا عمليًا لهما. إذ تم توسيع الحزام الواقي مرة أخرى ليضم تقنيات بحث ميداني تُركّز على فهم المعاني من داخل السياق الثقافي، مثل المقابلات المفتوحة ودراسة الحالات والتحليل السردي. هذه التقنيات كانت بمثابة أدوات قياس جديدة في العلم الاجتماعي، لكنها لم تَمسّ النواة الصلبة التي ترى في الإنسان فاعلًا مؤولًا لا مجرد موضوع للدراسة. وهنا نرى تطبيقًا مثاليًا لمعيار لاكاتوش للبرامج التقدّمية: الحفاظ على المبادئ المركزية مع تطوير مستمر للأدوات التفسيرية والبحثية التي تولّد نتائج جديدة وقابلة للاختبار في الواقع الاجتماعي.

وهنا يمكننا القول بانه ومن منظور فلسفة العلم عند لاكاتوش، لا يمكن فهم هذا التطور على أنه مجرد تبدّل في المدارس أو الأساليب، بل هو مسار بحثي تقدّمي حافظ على اتساقه المعرفي، لأنه قدّم باستمرار تنبؤات تفسيرية جديدة، ووسّع مجال الملاحظة والفهم دون السقوط في التناقض الداخلي. فكما انتقل برنامج الميكانيكا الكلاسيكية إلى النسبية والكم دون أن يتخلّى عن هدفه في تفسير الحركة والطاقة، انتقل البرنامج الإنساني من كانط إلى الفينومينولوجيا والمنهج الكيفي دون أن يتخلى عن غايته الكبرى، وهو فهم الإنسان بوصفه صانعًا للمعنى في عالم اجتماعي يتشكل بالتفاعل والوعي. وهكذا، يقرأ لاكاتوش هذا الخط التطوري بوصفه مثالًا ناضجًا على أن التقدم في العلوم الإنسانية لا يقوم فقط على التكميم أو الصرامة التجريبية، بل على تجديد الإطار المفهومي واللغوي الذي يتيح للعلم أن يقترب أكثر من تعقيد الواقع الإنساني. في هذا الإطار، تصبح الفينومينولوجيا والتفاعل الرمزي والمنهج الكيفي حلقات في برنامج بحثي موحّد، يجمع بين العمق الفلسفي والدقة المنهجية، ويبرهن على أن التقدم العلمي لا يعني دوماً استبدال النظريات، بل أحياناً تطوير نواتها الصلبة لتستوعب عوالم جديدة من الظواهر والمعاني.

 

 

 

 




التحولات، التي تم رصدها وتدوينها في الجدول ٣٣، وفق تصور لاكتوش، لا تمثل رفضًا كاملًا للنواة الصلبة للفكر العلمي في علم الاجتماع، بل تشكّل، تعديلًا في الحزام الواقي للبرنامج البحثي، فبدل أن يُنظر إلى المجتمع كمنظومة ميكانيكية محكومة بالحتمية، أصبح يُنظر إليه كبنية رمزية وثقافية تتطلب أدوات تفسيرية لفهمها. ومع تزايد النقد للوضعية، بدأ علم الاجتماع يشهد تفرعًا إلى برامج بحثية فرعية جديدة، مثل المدرسة التأويلية التي ركزت على الفهم الذاتي للمعنى، والمدرسة الفينومينولوجية التي درست كيفية تشكّل الواقع الاجتماعي من خلال الخبرة الحياتية للأفراد. هذه الاتجاهات لم تلغِ المشروع الوضعي الأصلي، بل وسّعته وعمّقته عبر مقاربات جديدة أكثر مرونة. فمثلما في العلوم الطبيعية تظهر برامج بحثية تتطور من داخل البرامج السابقة دون أن تلغيها، حدث الأمر نفسه هنا، فلم يعد علم الاجتماع حكرًا على منهج واحد، بل أصبح فضاءً معرفيًا متعدّد البرامج، حيث يتفاعل المنهج الكمي مع الكيفي، والتفسير السببي مع الفهم المعنوي. وهذا المسار يبرهن بوضوح على أن تصور لاكاتوش للعلم باعتباره سلسلة من البرامج البحثية المتعاقبة يمكن تطبيقه في العلوم الإنسانية أيضًا، لأن هذه العلوم، شأنها شأن العلوم الطبيعية، تعرف التقدم لا عبر القطيعة الكاملة، بل عبر التراكم النقدي وإعادة البناء المفهومي. لقد تحوّل علم الاجتماع من دراسة المجتمع كآلة إلى دراسته كشبكة من المعاني والعلاقات الرمزية، ومع ذلك ظل الهدف واحدًا: فهم القوانين المنظمة للحياة الاجتماعية، وإن اختلفت أدوات الوصول إليها. وهكذا يظل مثال علم الاجتماع أحد أبرز الشواهد على أن البرامج البحثية عند لاكاتوش تُقدّم إطارًا مرنًا وفعّالًا لفهم التطور المعرفي في مختلف حقول الفكر الإنساني.

 

٤.٤.١.٣.٢.٦.١٠المثال العاشر: الفلسفة الأخلاقية من النفعية إلى أخلاق الرعاية


يُعدّ تطور الفلسفة الأخلاقية من الفكر النفعي إلى النظريات الأخلاقية المعاصرة مثالًا مميزًا على أن أطروحة إيمري لاكاتوش في البرامج البحثية، كما عرفنا الآن من خلال بعض الأمثلة السابقة، لا تقتصر على العلوم الطبيعية، بل تمتد لتشمل العلوم الإنسانية والفلسفة أيضًا، حيث تتطور المفاهيم الأخلاقية بطريقة مشابهة لتطور النظريات العلمية، من خلال نواة صلبة ثابتة تحيط بها فرضيات قابلة للتعديل والنقد.

فقد قدّم جيريمي بنثام ثم جون ستيوارت مل في القرن التاسع عشر برنامجًا فكريًا متكاملًا عُرف باسم النفعية، جعل من تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس المعيار الأعلى للحكم الأخلاقي. كانت النفعية في جوهرها محاولة لإضفاء طابع عقلاني وعلمي على الأخلاق، إذ افترضت أن الخير يمكن حسابه وقياسه مثل أي ظاهرة مادية، وأن الأفعال تُقيّم بنتائجها لا بدوافعها. هذه الفكرة شكّلت “النواة الصلبة” للبرنامج البحثي النفعي، أي الإيمان بأن القيمة الأخلاقية للأفعال تُحدَّد بناءً على المنفعة العامة التي تحققها. ومن حول هذه النواة بُني “الحزام الواقي” من الفرضيات المساعدة المتعلقة بطبيعة السعادة، وطرق قياسها، وحدود اللذة والألم، وهي فرضيات خضعت عبر الزمن لتعديلات وتجديدات كثيرة.

غير أن هذا البرنامج واجه نقدًا فلسفيًا حادًا من قبل تلامذة واتباع الخط الفكري لإيمانويل كانط، في مواجهة النفعية، الذي استمر عبر قرون من الفكر الحديث، من هيغل وفخته إلى روس ورولز، وظل جوهره ثابتًا، وهو أن الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق السعادة الجماعية، وأن الأخلاق لا تُقاس بما تجلبه من نتائج، بل بما تعبّر عنه من احترام للعقل والواجب والكرامة الإنسانية. وبالتالي فإن الأخلاق لا يمكن أن تُبنى على المصلحة أو النتيجة، بل على الواجب والمبدأ العقلي المحض. فبالنسبة لكانط، الفعل الأخلاقي هو ما يصدر عن احترام القانون الأخلاقي الداخلي، لا عن رغبة في تحقيق السعادة. هذا النقد لم يكن رفضًا بسيطًا للنفعية، بل شكّل ما يسميه لاكاتوش “أزمة داخل البرنامج البحثي”، حيث بدا أن النفعية عاجزة عن تفسير القيم الأخلاقية غير النفعية، مثل التضحية أو الواجب الأخلاقي الخالص. ومع ذلك، لم يؤدّ هذا النقد إلى انهيار البرنامج، بل إلى إعادة بنائه من الداخل في اتجاهات أكثر تعقيدًا وتنوعًا.

في النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت الفلسفة الأخلاقية تتطور نحو النماذج التطبيقية والتوفيقية، التي تحاول الموازنة بين المبدأ والنتيجة. فظهرت مدارس مثل الأخلاق التعاقدية والأخلاق التداولية وأخلاق الرعاية، وكلها تحاول الجمع بين ما هو مبدئي (واجب، عدالة، كرامة) وما هو عملي (نتائج، منفعة، عواقب).

في النصف الثاني من القرن العشرين، واجهت الفلسفة الأخلاقية أزمة مزدوجة: فمن جهة، بدت الأخلاق المبدئية الصارمة على خط كانط جامدة وغير قادرة على التعامل مع تعقيدات الحياة الحديثة، ومن جهة أخرى، بدت النفعية المتمركزة حول النتائج قاصرة عن حفظ الكرامة الإنسانية حين تتحول القيم إلى حسابات. أمام هذا الانقسام، بدأت تظهر اتجاهات فلسفية جديدة تحاول التوفيق بين المبدأ والنتيجة، بين الواجب الأخلاقي المجرد ومتطلبات الواقع العملي، لتؤسس لما عُرف لاحقًا بـ الأخلاق التطبيقية والتوفيقية.

أحد أهم هذه الاتجاهات كانت الأخلاق التعاقدية، التي طوّرها الفيلسوف الأمريكي جون رولز في كتابه نظرية في العدالة عام ١٩٧١م.  وفيه يرى رولز أن العدالة يمكن تأسيسها على عقد اجتماعي افتراضي بين أفراد متساوين في العقل والكرامة، يتفقون على مبادئ العدل دون أن يعرف كل منهم موقعه في المجتمع. وهنا تخيّل رولز ما سماه “حجاب الجهل” الذي يجعل الناس يختارون القواعد الأخلاقية من منظور محايد، فيضمن العدالة للجميع. بهذا المعنى، دمج رولز بين المبدأ الكانطي القائل بكرامة الإنسان وواجب احترامه كغاية في ذاته، وبين الفكرة النفعية التي تراعي النتائج العملية في توزيع المنافع والفرص. يظهر ذلك مثلًا في مبدأه الشهير القائل بوجوب أن تُبنى الفوارق الاجتماعية فقط إن كانت تعود بالنفع على الأفراد الأقل حظًا، أي أن المبدأ يخدم العدالة دون تجاهل العواقب الواقعية. ففي توزيع الثروة والدخل، على سبيل المثال، ترى الأخلاق التعاقدية أن المجتمع العادل ليس من يساوي بين الجميع تمامًا، بل من يتيح للفوارق فقط إذا كانت تفيد الأقل حظًا. فإذا كان الطبيب يتقاضى أجرًا أعلى من العامل لأن المجتمع بحاجة إلى مهارته، وكان هذا الفرق يشجع الناس على دراسة الطب، فإن هذا التفاوت مبرّر أخلاقيًا لأنه يعود بالنفع في النهاية على الجميع، خصوصًا الفقراء الذين يستفيدون من الخدمات الطبية. لكن إن كان التفاوت يخدم فئة محدودة ويعمّق الفقر، فهو غير عادل لأن الناس، لو كانوا خلف حجاب الجهل، لما قبلوا مبدأً يجعلهم في وضعٍ أسوأ لو وُلدوا فقراء. وفي الأخلاق الطبية، كمثال آخر، فيمكن رؤية التعاقدية في مبدأ العدالة في الرعاية الصحية. فلو طُلب من مجموعة من الناس أن يوزعوا الموارد الصحية دون أن يعرفوا إن كانوا مرضى أو أصحاء، فإنهم سيختارون نظامًا يضمن العلاج الأساسي للجميع، وربما يوزّع الموارد وفق الحاجة الطبية لا القدرة المالية. وبذلك، يصبح القرار نابعًا من عقل جمعي عادل، لا من مصالح آنية. ومن الأمثلة المعاصرة كذلك سياسات العدالة الاجتماعية والمناخية. فإذا أراد صناع القرار وضع سياسات بيئية، فالأخلاق التعاقدية تدعوهم إلى التفكير كما لو كانوا لا يعرفون إن كانوا من الجيل الحالي أم من الأجيال القادمة.
حينها، سيكون من المنطقي أن يختاروا مبدأ الاستدامة، أي حماية الموارد للأجيال المقبلة، لأن أي شخص عاقل، من وراء حجاب الجهل، لن يرضى بأن يرث كوكبًا ملوّثًا أو بيئة منهارة.  بهذه الأمثلة يتضح أن 
الأخلاق التعاقدية ليست نظرية مجردة، بل طريقة عملية لتقييم القرارات الأخلاقية والاجتماعية. وهي تُظهر أن العدالة الحقيقية لا تقوم على حساب المصالح أو اللذّات، بل على اتفاق عقلاني بين أفراد متساوين في الكرامة، يختارون القواعد التي يمكن للجميع قبولها بصفتهم بشرًا لا يعرفون مواقعهم المسبقة في المجتمع.

واتجه آخرون إلى ما سُمّي الأخلاق التداولية أو الحوارية، كما طوّرها يورغن هابرماس في ألمانيا. تقوم هذه المدرسة على أن الفعل الأخلاقي لا يصدر من فرد منعزل، بل من نقاش حرّ عقلاني بين أطراف متكافئين في الفهم والمسؤولية. فالصواب الأخلاقي لا يُحدّد مسبقًا بمبدأ ثابت، بل يتكوّن من خلال اتفاق تواصلي يراعي المبدأ والنتيجة معًا. في مثال بسيط، لا يُعتبر قرار سياسي أو طبي أخلاقيًا لأنه يحقق نفعًا عامًا فقط، بل لأنه صدر عن نقاش مفتوح وعادل بين جميع المعنيين، بحيث يحترم كل طرف الآخر كصوت عقلاني مستقل. بذلك، دمجت الأخلاق التداولية بين احترام المبدأ الكانطي للكرامة الإنسانية وبين الحسّ العملي الواقعي الذي ينظر إلى النتائج الاجتماعية للحوار. ونوضح هذا ببعض أمثلة، ففي المجالس الديمقراطية أو البرلمانات، تظهر الأخلاق التداولية في كيفية صناعة القرار العام. حين يناقش المشرّعون قضية مثل تنظيم وسائل التواصل أو الضرائب أو الصحة العامة، فإن القرار لا يكون أخلاقيًا لمجرد أنه يمثل رأي الأغلبية، بل لأنه نتج عن نقاش مفتوح وشفاف أتيح فيه للجميع عرض مبرراتهم والاستماع إلى الآخرين باحترام. فإذا فُرض قانون دون نقاش عام أو من خلال قمع أصوات الأقلية، فإن القرار يفقد طابعه الأخلاقي في نظر التداولية، لأنه لم يُبنَ على توافق عقلاني حرّ بين المواطنين.والمثال التالي من الطب، والأخلاقيات الطبية حيث تتجلى الأخلاق التداولية في مبدأ سمي “الموافقة المستنيرة”. حين يُعرض على المريض إجراء جراحي معقد، يجب على الطبيب أن يشرح له بوضوح كل المخاطر والفوائد، وأن يتيح له المشاركة في القرار بحرية كاملة. ولا يُعتبر الفعل هنا أخلاقيًا لأن الطبيب يملك المعرفة أو لأن النتيجة مفيدة، بل لأن القرار اتُّخذ عبر حوار متكافئ بين صاحب الخبرة وصاحب الحق في جسده، بحيث يحترم كل طرف الآخر كفاعل عاقل مسؤول. وفي المدارس والمجتمعات المحلية، تتجسد التداولية في أسلوب حلّ النزاعات أو وضع القواعد. فعندما يواجه الطلاب مشكلة في التنمر مثلًا، لا تُفرض عليهم القواعد من الإدارة فقط، بل يُدعون إلى نقاش جماعي يعبّر فيه كل طرف عن موقفه، وتُبنى القاعدة الأخلاقية عبر اتفاق جماعي على الاحترام والمسؤولية. ويظهر من هذا أن القيمة الأخلاقية هنا لا تأتي من السلطة أو العقاب، بل من التوافق الناتج عن تواصل حقيقي يجعل الجميع يشعر أن القرار يعبر عنهم. من خلال هذه الأمثلة، يتضح أن الأخلاق التداولية لا تبحث عن “نتائج صحيحة” مسبقة، بل عن طريقة صحيحة للوصول إلى القرار. فما يجعل الفعل أخلاقيًا ليس نتيجته وحدها، بل الطريقة التي تم بها اتخاذه، فهل تم في مناخ من الحوار والاحترام والمشاركة الحرة؟ وهل أتيح للجميع فرصة متكافئة للتعبير والدفاع عن آرائهم؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن الفعل في جوهره أخلاقي، لأنه يجسد المبدأ الأعمق الذي نادت به التداولية المتمثل في أن الاحترام المتبادل والتواصل العقلاني هما أساس كل عدالة إنسانية حقيقية.

أما أخلاق الرعاية، فقد برزت في الثمانينيات خصوصًا في أعمال الفيلسوفة الأمريكية كارول غيليغان، التي لاحظت أن كثيرًا من النظريات الأخلاقية التقليدية تتجاهل البعد الإنساني والعاطفي في العلاقات. انطلقت من دراسة عن تطور الحكم الأخلاقي لدى النساء، لتقترح أن الأخلاق ليست فقط التزامًا بمبادئ عقلية مجردة، بل أيضًا علاقة بالآخرين مبنية على التعاطف والمسؤولية والرعاية. فالأم التي ترعى طفلها أو الممرضة التي تواسي مريضًا تمارس فعلاً أخلاقيًا لا لأنه يستند إلى قاعدة عامة، بل لأنه يُعبّر عن حسّ إنساني متجذر في العلاقة والرحمة. بهذا، جاءت أخلاق الرعاية لتوازن بين المبدأ (الاهتمام بالآخر كقيمة) والنتيجة (تحقيق خير ملموس عبر الفعل الرعوي). ولتقريب الفكرة، نستعرض بعض أمثلة، ففي العلاقات الأسرية، تظهر أخلاق الرعاية حين تتخذ الأم أو الأب قرارًا لا بناءً على مبدأ عقلي صارم، بل على إحساس بالمسؤولية والعطف تجاه الطفل. فعندما يسهر أحد الوالدين إلى جانب طفله المريض طوال الليل، لا يفعل ذلك بدافع الواجب القانوني أو المبدأ الأخلاقي المجرد، بل لأن هناك علاقة إنسانية قائمة على الحب والرعاية والمسؤولية المشتركة. بهذا المعنى، الرعاية ليست تضحية عاطفية فحسب، بل فعل أخلاقي يعكس وعيًا بالآخر ككائن يحتاج إلى العطف والاهتمام. وفي المجال الطبي والتمريضي، تتجلى أخلاق الرعاية بوضوح. فالممرضة التي تمسك بيد المريض وتطمئنه قبل العملية لا تقوم بعمل طبي فقط، بل بفعل أخلاقي يُعبّر عن حضورها الإنساني وتعاطفها. الفرق بين أداء الواجب المهني وأداء الفعل برعاية هو أن الثاني يضع المريض كشخص في مركز الاهتمام، لا كحالة أو رقم في تقرير. هذا الفعل “الصغير” يعبّر عن جوهر الأخلاق كما تفهمها مدرسة الرعاية: أن تكون حاضرًا بإنسانيتك للآخرين حين يحتاجون إليك. وفي العلاقات الاجتماعية والمجتمعية، تتجسد أخلاق الرعاية في سلوك الأفراد تجاه كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو اللاجئين. فحين يخصّص المجتمع برامج لمساندة هؤلاء لا من منطلق الشفقة، بل من قناعة بأن الإنسانية تُقاس بقدرتنا على الاهتمام بالضعفاء، فهذا تطبيق مباشر لأخلاق الرعاية. فالأخلاق هنا لا تُقاس بالقوانين ولا بالعقود، بل بدرجة الحضور الإنساني والمسؤولية المتبادلة داخل المجتمع. من خلال هذه الأمثلة يتضح أن أخلاق الرعاية تعيد تعريف الأخلاق نفسها، فهي لا تنطلق من العقل المجرد أو الحساب، بل من العلاقة والاهتمام والمسؤولية تجاه الآخر. وهي ترى أن العالم لا يُصلح بالقواعد وحدها، بل بالرحمة اليومية التي نُظهرها في المواقف الصغيرة، حين نصغي، أو نرعى، أو نحمي، أو نشارك أحدهم ألمه. بهذا المعنى، تُعد أخلاق الرعاية الوجه الإنساني العميق للفلسفة الأخلاقية المعاصرة، لأنها تجعل العاطفة والارتباط والرحمة جزءًا من التفكير الأخلاقي نفسه، لا شيئًا هامشيًا بجانبه.

بهذه التيارات الثلاثة، لتعاقدية، والتداولية، والرعائية، دخلت الفلسفة الأخلاقية مرحلة جديدة حاولت فيها تجاوز الانقسام الكلاسيكي بين الواجب والمنفعة. فأصبحت الأخلاق أكثر قربًا من الواقع الاجتماعي والإنساني، وأشدّ اهتمامًا بالممارسة الفعلية للحياة اليومية، دون أن تتخلى عن قيمها الأساسية من عدالة وكرامة واحترام متبادل.

هذه التطورات تمثل انتقالًا من برنامج بحثي تقليدي إلى برنامج بحثي تقدّمي بالمعنى الذي ذهب اليه لاكتوش، حيث يتم الحفاظ على النواة الصلبة لفكرة “توجيه الأفعال نحو الخير العام”، لكن مع تعديل الفرضيات المساعدة لتستوعب التعقيد الأخلاقي للواقع الإنساني.  ويُظهر تاريخ الفلسفة الأخلاقية أن التفكير الأخلاقي يتطور من خلال نقد ذاتي وتراكم معرفي يشبه تمامًا تطور النظريات في العلوم الطبيعية. فالنفعية لم تُلغَ، كما أن أخلاق الواجب لم تُهيمن وحدها، بل استمر الحوار بينهما في إطار واحد من البحث الأخلاقي المستمر. إن هذا المثال يبرهن بوضوح على أن تصور لاكاتوش للعلم بوصفه مجموعة من البرامج البحثية المتعاقبة والمتنافسة ينطبق أيضًا على الفلسفة الأخلاقية، التي تتقدم هي الأخرى عبر جدلية حية بين المبادئ النظرية والتجارب الإنسانية، وبين الثبات المفهومي والتجديد العملي في فهم معنى الخير والعدالة والمسؤولية.


٤.٤.١.٣.٢.٦.١١المثال الحادي عشر: فلسفة العلم من الوضعية المنطقية إلى برامج لاكتوش


يعد تطور فلسفة العلم من الوضعية المنطقية إلى نظرية البرامج البحثية العلمية عند إيمري لاكاتوش مثالًا نموذجيًا يبرهن على أن أطروحة لاكاتوش نفسها تنطبق على العلوم الإنسانية، بل ويمكن اعتبارها نتاجًا داخليًا لهذا المنطق الذي تشرحه. ففي بدايات القرن العشرين، ظهرت الوضعية المنطقية ممثلة في أعمال رودلف كارناب وموريتس شليك وغيرهما من أعضاء حلقة فيينا، وهي التي شكّلت ما يمكن تسميته النواة الصلبة لبرنامج بحثي في فلسفة العلم يقوم على مبدأ أساسي، أن العلم الحقيقي هو ما يمكن التحقق منه تجريبيًا، وأن كل القضايا التي لا يمكن التثبت منها عبر الملاحظة والتجربة، مثل الميتافيزيقا أو الأخلاق، لا تنتمي إلى ميدان العلم بالمعنى الصارم. ومن هذه النواة انطلقت محاولات لبناء لغة علمية خالصة خالية من الالتباسات، يمكن من خلالها تحليل القضايا العلمية إلى مكونات منطقية قابلة للتحقق.

لكن هذا البرنامج البحثي الصارم سرعان ما واجه أزمة معرفية مع نقد ويلارد فان أورمان كواين الذي أوضح في مقاله الشهير عن تجربتين في التجريبية ١٩٥١ أن فكرة التحقق التجريبي لكل فرضية بمعزل عن السياق العام أمر مستحيل. فالنظريات لا تُختبر مجزأة، بل ككلٍّ مترابط، حيث تعتمد صحة أي فرضية على منظومة أوسع من الفروض المساعدة والمبادئ النظرية، أي على ما سماه لاحقًا لاكاتوش بـ“البرنامج البحثي العلمي”. وهكذا، أظهر كواين أن حدود الوضعية المنطقية تكمن في تبسيطها المفرط لطبيعة الممارسة العلمية، إذ تجاهلت الدور المعقد للنظرية في توجيه الملاحظة وتفسير النتائج.

انطلاقًا من هذا النقد، جاء إيمري لاكاتوش ليعيد بناء فلسفة العلم من الداخل، لا برفض الوضعية المنطقية تمامًا، بل عبر تطويرها في إطار جديد أكثر مرونة. فقد اقترح أن العلم لا يقوم على فرضيات منعزلة، بل على برامج بحثية تتألف من “نواة صلبة” من المبادئ الأساسية التي لا تُمسّ بسهولة، ومن “حزام واقٍ” من الفرضيات المساعدة القابلة للتعديل لحماية النظرية من الدحض المباشر. ووفق هذا التصور، لا يتقدم العلم من خلال تراكم بسيط للحقائق أو دحض منفرد للفرضيات، بل عبر تنافس برامج بحثية تتفوق إحداها على الأخرى عندما تُنتج تفسيرات جديدة وتتنبأ بظواهر غير متوقعة.

إن هذا التحول من الوضعية إلى ما بعد الوضعية لا يُعد مجرد تطور في فلسفة العلم، بل هو نموذج لتطور البرامج البحثية الإنسانية نفسها. فكما تتطور النظريات العلمية عبر المراجعة والتجديد، تتطور الفلسفات الإنسانية عبر النقد الداخلي والبناء المفهومي المستمر. ومن اللافت أن لاكاتوش، في تطويره لفكرته، لم يخرج من منطق العلم فحسب، بل وسّع أفقه ليشمل البنية التاريخية والمعرفية للبحث العلمي بوصفها نشاطًا إنسانيًا مركّبًا يجمع بين العقلانية والنقد والتاريخ. من هنا، فإن مثال تطور فلسفة العلم من الوضعية المنطقية إلى نظرية البرامج البحثية يُجسّد بدقة كبيرة، رؤية لاكاتوش نفسه، في أن كل فكر إنساني يتقدم لا عبر القطيعة، بل عبر إعادة بناء نقدية للنواة الصلبة التي يستند إليها، مما يجعل من أطروحته إطارًا شاملاً لفهم مسار تطور العقل العلمي والإنساني معًا.


٤.٤.١.٣.٢.٦.١٢خلاصة

 

بعد استعراضنا لهذا العدد المتنوع من الأمثلة ، الجدول ٣٤ يعرض خلاصتها، لإيضاح الجوانب المختلفة لبرامج لاكتوش البحثية في أطروحاته لقرآة تطور العلوم، يتبين لنا أن تطبيق أطروحة إيمري لاكاتوش حول البرامج البحثية ممكنة على كل الميادين فتطور الفكر الإنساني في ميدان العلوم الإنسانية لا يختلف في جوهره عن تطور العلوم الطبيعية، بل يخضع كلاهما لمنطق التقدم المعرفي نفسه، حيث تنشأ الأفكار الكبرى كنوى صلبة حولها تُبنى فرضيات ومناهج فرعية، ثم تواجه هذه النوى تحديات نقدية تدفعها إلى التعديل أو إعادة الصياغة دون أن تُلغى بالكامل. فالفكر الإنساني في ميادينه المتعددة، من الفلسفة السياسية إلى علم الاجتماع، ومن الاقتصاد إلى الأخلاق، يتطور عبر ما يمكن تسميته بـ التجارب الفكرية الكبرى، التي تشبه التجارب العلمية من حيث البحث عن الاتساق الداخلي والقدرة على التفسير والإقناع.

 

 


حين نقرأ تطور هذه المجالات، نلاحظ أن كل واحدة منها تبدأ من “برنامج بحثي” مؤسس يقوم على فرضيات مركزية تُكوّن نواة صلبة للفكر، ثم تُحاط بمجموعة من المفاهيم والأدوات التي تشكل “الحزام الواقي” الذي يسمح للنظرية بالتكيّف مع الواقع وتحدياته. ومع مرور الزمن، تظهر أزمات فكرية أو نقدية تشكك في صلاحية تلك الفرضيات، لكنها لا تطيح بها بالضرورة، بل تُسهم في تجديدها أو تحويلها إلى برنامج جديد أكثر تقدّمًا. فمثلًا، في الفلسفة الأخلاقية انتقل الفكر من النفعية إلى أخلاق الواجب ثم إلى الأخلاق التطبيقية الحديثة، وفي علم الاجتماع من الوضعية إلى الفهم التأويلي ثم إلى المقاربات الفينومينولوجية، وفي الاقتصاد من اليد الخفية إلى الكينزية وما بعدها. هذه التحولات تمثل، بحسب لاكاتوش، انتقالات من برامج تقليدية إلى أخرى تقدمية، أي من تصورات لم تعد قادرة على تفسير الواقع إلى تصورات أكثر ثراءً وقدرة على الاستيعاب.

إن ما يبرزه هذا المنظور هو أن العقل الإنساني يتقدم عبر التراكم النقدي لا القطيعة التامة. فالفكر لا يُبنى من العدم، بل من خلال حوار مستمر بين القديم والجديد، بين النواة الصلبة والمراجعات المحيطة بها. ولهذا فإن العلوم الإنسانية ليست مجالًا “غير علمي” كما كان يُظن، بل لها ديناميتها الخاصة التي تجعلها تتطور بمنطق علمي قابل للوصف والتحليل، وإن كانت أدواتها تفسيرية وتأويلية أكثر منها تجريبية. بهذا الشكل، تُظهر أطروحة لاكاتوش أن الإنسانية والعلمية ليستا نقيضتين، بل متكاملتان: فحركة الفكر الإنساني، مثل حركة العلم، هي مسار دائم من البحث والتصحيح وإعادة البناء، ما يجعل من مفهوم البرامج البحثية إطارًا معرفيًا شاملًا لفهم تاريخ تطور المعرفة البشرية في كل أبعادها.




 ونواصل في المقال القادم 


في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!؟ XV 
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١١   

 

فؤاد 

٨  نوفمبر ، ٢٠٢٥

 




تعليقات