في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!XVI



تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -١٢



"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر، عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة  في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب  في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم، ونفصِّل في أطروحاته، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"


بعد الحديث في المقالات الأربعة، التي كانت  تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. 

واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة، ب ١١ مقالا  تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، وفيها تحدثنا عن المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره.  وهنا مقال رقم ١٢ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم  ١٦)،  حيث تحدثنا في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج  العلوم  عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار وبعد عرض رؤية لاكتوش، وكيف تتشابه وتختلف مع بارادايم كون، وبعد الحديث عن أنماط   كرومبي الستة،  وعن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، وتحدثنا عن  دور كل من لاري لاودان عن فلسفته الواقعية للعلم كون العلم، في فلسفته، أداة لحل المشكلات، و برونو لاتور الذي يرى أن العلم ليس رحلة عقلانية محضة ولا مشروعًا منفصلًا عن تفاعلات البشر والأشياء. فهو شبكة تتفاعل فيها القوى البشرية والمادية، وتُنتج الحقيقة عبر علاقات وتشابكات لا يمكن ردّها إلى أصل واحد. وفي السياق، استحضرنا الثنائيات التي كانت إحدى المرتكزات التي اعتمدتها الحداثة، وكيف تم تجاوزها من قبل كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز،  وتصميم بنثام للبانوبتيكون ، وكيف استفاد لاتور منهم. وهنا نكمل الحديث، ويكون موضوعنا تغطية  لمساهمات كل  شافيز و ستيفنز و هاكينغ ، أخذ الاسترسال في الحديث مساحة واسعة تجاوزت ال٣٠ صفحة، فأرتأيت التوقف هنا، ونكمل الحديث  في المقال القادم،  عن تجسير الكسندر كويريه  بين التحليل الفلسفي والتاريخي المفهومي للعلوم، و لمحة عن دور المسلمين  واسهاماتهم، في سياق الحديث عن آناليس ماير وأعمالها ونختم بذلك ليكون الطريق  سالكا للحديث في المقال الذي يليه، عن المرحلة المفصلية  السابعة في المنهج، نمهد لها باستعراض المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين، ثم نعرض  أطروحات بول فايرابند التي وضعها في كتابه ضد المنهج والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!!  وتقبلوا توصيفنا لما تم تغطيته في المقالات الاربعة السابقة، وهذا المقال واللاحق، انهما بمثابة خلط أوراق تهيئة لنظرية  بول فايرابند  ضد المنهج.  


وهنا نواصل الحديث عن شابين وشافيز ، ونتبعه بالحديث عن هاكينغ وبينهما استرسال في أطروحاتهم وعلاقاتها ببعضهما وبمن سبقهما ومن أتى بعدهما وأمثلة لتوضيح ما ذهبوا اليه

 

٤.٤.١.٣.٢.٩ شابين وشايفر وتحليل السياقات الاجتماعية لتشكّل العلم


يُعدّ كلٌّ من ستيفن شابين وسايمون شافر من أبرز المؤرخين المعاصرين الذين أعادوا صياغة فهمنا لطبيعة العلم وتاريخه من خلال دمج البعد الاجتماعي والثقافي في تحليل تطور المعرفة العلمية. فستيفن شابين من أبرز مؤرخي وفلاسفة العلم في العصر الحديث، وقد تلقّى تعليمه في جامعة كاليفورنيا ودرّس في عدة مؤسسات مرموقة أبرزها جامعة كاليفورنيا في سان دييغو وجامعة هارفارد، حيث شغل منصب أستاذ في تاريخ العلوم. أسهم بشكل كبير في تأسيس تيار الدراسات العلمية الاجتماعية، وقدّم أعمالًا مؤثرة مثل كتاب الثورة العلمية، ١٩٩٦م، والتي أعاد فيها صياغة مفهوم الثورة العلمية من كونها حدثًا واحدًا أو لحظة تاريخية محددة، لما يراه سلسلة من التحولات المتشابكة في الممارسات العلمية والاجتماعية والثقافية خلال القرن السابع عشر. ويؤكد أن العلم لا يمكن فهمه بوصفه مسيرة تقدم عقلاني مستقل، بل كنشاط إنساني تشكّله المؤسسات والأعراف والمصالح الاجتماعية بقدر ما تشكّله النظريات والتجارب. أما سايمون شافر فهو مؤرخ علم بريطاني بارز درس في جامعة كامبريدج التي أصبح لاحقًا أحد أساتذتها المرموقين في تاريخ وفلسفة العلوم. يجمع شافر في أبحاثه بين تحليل الأفكار العلمية وتتبّع السياقات الثقافية والتقنية التي تشكّلت فيها، وقد عُرف بدوره الرائد في دراسة العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والإمبراطورية. لم ينظر هذان العالمان إلى تاريخ العلوم بوصفه مجرد سردٍ لتراكم الاكتشافات والتجارب، بل كممارسة اجتماعية تتشابك فيها السلطة والمعرفة والمؤسسات، وتتشكل من خلال الخطاب والتفاعل بين العلماء والمجتمع. وشكّلت أعمالهما معًا مرحلة جديدة في مدرسة سوسيولوجيا المعرفة العلمية، التي تطورت بعد توماس كون وبرونو لاتور، فكانت بمثابة جسر بين التحليل التاريخي البنيوي والقراءة السوسيولوجية النقدية للعلم.

في كتابهما المشترك الليڤياثان ومضخة الهواء ١٩٩٥م ، الذي يُعد من أهم الأعمال في تاريخ وفلسفة العلوم في القرن العشرين، قدّما تحليلاً دقيقاً للصراع الفكري بين روبرت بويل وتوماس هوبز في القرن السابع عشر، حيث دار الجدل حول مشروعية التجربة العلمية، وطبيعة البرهان، ودور المؤسسة العلمية في إنتاج الحقيقة. أوضح شابين وشايفر أن النزاع بين بويل وهوبز لم يكن خلافاً تقنياً حول التجربة فحسب، بل صراعاً على السلطة المعرفية بين نموذجين متباينين للمعرفة. فوبرت بويل كان واحدًا من أبرز رواد الثورة العلمية في القرن السابع عشر. وارتبط اسمه بميلاد المنهج التجريبي الحديث. كان بويل كيميائيًا وطبيعيًا شديد الاهتمام بفهم الظواهر المادية من خلال التجربة المباشرة، واستخدام الأدوات المخبرية التي تمكن الباحث من مراقبة الظاهرة بدقة والتحكم في شروطها. وقد ساهمت تجاربه على ضغط الهواء ومضخة الهواء في تأسيس ما أصبح يُعرف لاحقًا بـ القانون الذي يحمل اسمه، قانون بويل، الذي يحكم العلاقة بين الضغط والحجم. مثّل بويل نموذجًا للعالِم التجريبي الذي يرى أن المعرفة الموثوقة تنشأ من الملاحظة المنظمة وإعادة التجربة، وأن المختبر هو المكان الذي تُصنع فيه الحقائق العلمية. أما توماس هوبز، فهو فيلسوف سياسي وعقلي بارز عرف بسعيه إلى بناء منظومة فكرية شاملة تفسر المجتمع والسلطة والطبيعة الإنسانية عبر مبادئ عقلية ومنطقية محضة. اشتهر بكتابه الليفياثان الذي وضع فيه أسس نظرية الدولة الحديثة، لكنه خاض أيضا، نقاشات علمية مهمة مع معاصريه. كان هوبز ينتقد اعتماد العلماء التجريبيين على أجهزة معقدة مثل مضخة الهواء، ويرى أن هذه الأدوات لا تقدم برهانًا يقينيًا بقدر ما تنتج تأثيرات ميكانيكية قد يختلف تفسيرها. بالنسبة له، كان العقل والمنطق الرياضي هما الطريق الأكثر أمانًا نحو المعرفة، لا التجربة التي يراها قابلة للالتباس والاحتمال. من هنا، فبويل يمثل النموذج التجريبي القائم على الشهادة الجماعية والملاحظة، وهوبز يمثل النموذج الفلسفي العقلاني الذي يرى أن المعرفة الحقة يجب أن تكون يقينية ومنطقية. من خلال هذا التحليل، أظهرا أن العلم لا ينشأ في فراغ، بل في سياق اجتماعي وسياسي وثقافي محدد، وأن التجريب ذاته مؤسسة ثقافية مشروطة بثقة المجتمع ومؤسساته.

وعندما نتحدث عن كتاب الليفياثان ومضخة الهواء الذي ألّفه ستيفن شابين وسايمون شافر عام 1985، فنحن أمام دراسة تاريخية عميقة تُعيد قراءة هذا الصراع الفكري بين بويل وهوبز، ليس بوصفه مجرد جدل علمي، بل بوصفه صراعًا على تعريف ما هو العلم. فقد كشف المؤلفان أن الجدل لم يكن فقط حول مضخة الهواء أو حول صحة تجربة معينة، بل كان حول سؤال أشمل، هو من يملك الحق في تعريف الحقيقة؟ هل يتشكل الدليل العلمي داخل المختبر عبر التجربة، أم داخل العقل عبر البرهان المنطقي؟ وكيف تُبنى الثقة بطرق إنتاج المعرفة؟ ويبسط الكتاب هذا الصراع من خلال تتبع مواقف الطرفين، بويل الذي جعل التجربة مسرحًا عامًا، يمكن للآخرين إعادة مشاهدته والتحقق منه، وهوبز الذي خشي من أن التجربة ستمنح العلماء سلطة جديدة خارج نطاق السلطة السياسية والفلسفية التقليدية. وبذلك يصبح الخلاف بينهما مثالًا مبكرًا على كيفية تشكّل المؤسسة العلمية الحديثة وعلى الطريقة التي تكتسب بها المعرفة العلمية شرعيتها في المجتمع. ومن خلال تحليلهما، يوضح شابين وشافر أن العلم لم يتطور من خلال اكتشافات تقنية فقط، بل أيضًا من خلال صراعات فكرية واجتماعية حول طبيعة الدليل والسلطة والبرهان. لأن الجدل بين بويل وهوبز يمثل لحظة تأسيسية في تاريخ العلوم، تُظهر أن ما نعتبره اليوم منهجًا علميًا طبيعيًا هو في الحقيقة نتاج مفاوضات وتوترات بين نماذج مختلفة للمعرفة.


كان ستيفن شابين من أوائل من نادوا بضرورة إعادة كتابة تاريخ العلم من منظورٍ اجتماعي، إذ رفض التصورات التقليدية التي تفصل بين العلم والمجتمع. وفي أعماله مثل التاريخ الاجتماعي للحقيقة، عام ١٩٩٤، والتاريخ الاجتماعي للعلم الحديث، عام ١٩٩٦م، وسّع شابين رؤيته ليشمل تحليل العلاقة بين الثقة الاجتماعية والصدق العلمي، مبيناً أن المجتمع الإنجليزي في القرن السابع عشر قد أسّس لنموذج من المعرفة يعتمد على سمعة العلماء ومكانتهم الأخلاقية، لا فقط على صحة تجاربهم. فالعلم عنده ليس عملية فكرية بحتة، بل ممارسة أخلاقية تتطلب ثقة متبادلة بين الأفراد والمؤسسات. وقد ربط شابين بين هذا التحول في بنية الثقة وبين نشوء العلم الحديث في الغرب. فستيفن شابين، يرى أن نشوء العلم الحديث ارتبط بتحول جوهري في بنية الثقة داخل المجتمع، إذ لم تعد الحقيقة تُستمد من سلطة النصوص أو مكانة العلماء، بل من الشفافية التجريبية وإمكانية التحقق العام من النتائج داخل فضاءات جديدة مثل الجمعية الملكية والمختبرات المفتوحة للشهود. هذا التحول جعل العلم ممارسة اجتماعية تعتمد على الصدقية والانضباط والتوثيق، لا مجرد نشاط فكري نظري. ومن هنا يخلص شابين إلى أن الثورة العلمية كانت أيضًا ثورة في العلاقات الاجتماعية، لأنها أعادت تنظيم الروابط بين العلماء والجمهور والمؤسسات، وخلقت أشكالاً جديدة من التعاون والمساءلة وبناء الثقة، جعلت المعرفة العلمية ممكنة وشرعية في الثقافة الغربية الحديثة.


أما سايمون شايفر، فقد اهتم أكثر بالبعد الثقافي والتكنولوجي في تشكّل الممارسة العلمية. ففي كتابه المشترك مع آخرين، علم الفلك والإمبراطورية في القرن التاسع عشر، ٢٠٢٠م، وكتاب فلاسفة الآلات، ١٩٨٣م، درس شايفر كيف تشكّلت مفاهيم العلم والموضوعية في ظل الإمبراطورية البريطانية، مبيناً أن الأدوات العلمية مثل التلسكوب والمضخة الهوائية ليست محايدة، بل هي رموز لهيمنة معينة على الطبيعة والمجتمع. وهذا يعني، أنه لم ينظر إلى العلم بوصفه نشاطًا عالميًا محايدًا أو منفصلًا عن سياقه السياسي، بل بوصفه ممارسة تشكّلت داخل شبكة من القوى الإمبراطورية التي كانت تدير التجارة، والاستكشاف، والهيمنة العسكرية، والثقافية. فالمؤسسات العلمية البريطانية، مثل الجمعية الملكية، والرحلات البحرية، والمراصد، والكشوف الجغرافية، لم تكن فقط مراكز لإنتاج المعرفة، بل أدوات ضمن مشروع إمبراطوري واسع، تُستخدم لتصنيف الشعوب، وقياس الأراضي، والسيطرة على الطبيعة، وتبرير سلطة الإمبراطورية.


بهذا، بين شافيز أن الموضوعية العلمية نفسها كانت تُبنى داخل علاقات القوة. فالأدوات العلمية، مثل التلسكوب أو المضخة الهوائية، لم تكن مجرد أجهزة تقنية، بل كانت تمثل قدرة الإمبراطورية على الرؤية من بعيد، وضبط البيئة، وإظهار أن الحقيقة العلمية تُنتج عبر أجهزة لا يملكها إلا المركز الإمبراطوري. وهكذا كان المنهج العلمي والموضوعية مفاهيم ترتبط بالسلطة بقدر ارتباطها بالمعرفة.


من خلال هذا التحليل، كشف شايفر أن العلم البريطاني لم يكن فقط بحثًا في الطبيعة، بل كان جزءًا من تنظيم عالمي يُعيد رسم العلاقات بين المركز والأطراف، ويظهر كيف تُستخدم المعرفة للهيمنة، وكيف يُعاد تعريف الطبيعة والإنسان من داخل مشروع سياسي واقتصادي ضخم. وبهذا، يصبح العلم ليس مجرد حقيقة تكتشف، بل ممارسة اجتماعية وسياسية تتشكل داخل سياق إمبراطوري محدّد. وانطلق من فرضية أن العلم ليس خطاباً عالمياً واحداً، بل يتعدد بتعدد البيئات الثقافية والاقتصادية التي ينشأ فيها، وجعل من تاريخ الأدوات والتقنيات مدخلاً لفهم بنية السلطة في إنتاج المعرفة، مبرزاً كيف أن ما يبدو تجريباً علمياً خالصاً، هو 

في جوهره ممارسة مشحونة بالدلالات الاجتماعية والسياسية.


٤.٤.١.٣.٢.٩.١ بين أعمال شابين وشايفر وأعمال لاتور


تربط بين برونو لاتور من جهة، وستيفن شابن وسايمون شايفر من جهة أخرى، علاقة فكرية وثيقة داخل حقل دراسات العلم والتكنولوجيا الذي نشأ في السبعينيات والثمانينيات. الثلاثة يشتركون في هدف أساسي هو تفكيك التصور التقليدي للعلم كمعرفة موضوعية مستقلة عن المجتمع، واستبداله بفهم تاريخي وسوسيولوجي يبيّن أن الممارسة العلمية جزء من نسيج ثقافي وسياسي وأخلاقي. ومع ذلك، فإنهم يختلفون في الأدوات والمنطلقات، فبينما اتخذ شابن وشايفر مسارًا تاريخيًا يعتمد على تحليل الخطابات والسياقات الاجتماعية لتشكّل العلم، تبنّى لاتور منهجًا أنثروبولوجيًا شبكيًا يسعى إلى تتبّع العلاقات المباشرة بين البشر والأشياء داخل الممارسة العلمية ذاتها.

في كتابهما المشترك ليفياثان ومضخة الهواء، قدّم شابن وشايفر نموذجًا مبكرًا لما يمكن اعتباره سوسيولوجيا المعرفة العلمية قبل ظهور نظرية شبكة الفاعلين. وتناول الكتاب الصراع بين توماس هوبز وروبرت بويل في القرن السابع عشر، ويرى فيه المؤلفان مثالًا على أن العلم لم يكن مجرد تقدّم في المنهج التجريبي، بل أيضًا مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا يهدف إلى بناء نوع جديد من النظام المعرفي والاجتماعي. فاختبار بويل لمضخة الهواء لم يكن مجرد تجربة فيزيائية، بل طقس اجتماعي لبناء الثقة داخل مجتمع العلماء. وهذا التحليل قريب جدًا من منظور لاتور، الذي يرى أن الحقائق العلمية تُبنى عبر إجراءات اجتماعية لإقناع الآخرين بصدقها. ولذلك يمكن القول إن شابن وشايفر مهدّا الطريق لعمله الميداني في مختبر الحياة بعد عامين فقط.

مع ذلك، يختلف لاتور عنهما في المنهج والغاية. فشابن وشايفر ينتميان إلى المدرسة التاريخية الاجتماعية للعلم، أي أنهما يدرسان العلم كظاهرة ثقافية في سياقها الزمني والمكاني، ويركزان على تحليل النصوص، والجدالات، والمؤسسات التي كوّنت العلم الحديث. أما لاتور، فينتقل من التحليل التاريخي إلى التحليل الأنثروبولوجي والوجودي، إذ يدرس العلم كما يُمارَس اليوم في المختبرات، ويعتبره شبكة حية تتفاعل فيها الكيانات البشرية وغير البشرية. فهو لا يكتفي بتوضيح كيف يبني العلماء الثقة أو السلطة كما فعل شابن وشايفر، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليقول إن العلم نفسه لا يوجد خارج هذه الشبكات، وإن الحقيقة العلمية ليست سوى حالة من الاستقرار المؤقت داخل شبكة من الفاعلين.

كما أن لاتور يختلف عن شابن وشايفر في موقفه من مفهوم، الاجتماعي. فبينما ينظر الاثنان إلى المجتمع باعتباره إطارًا يوجّه إنتاج المعرفة، يرفض لاتور هذا الفصل بين العلم والمجتمع، ويرى أن كليهما يُنتجان معًا في الوقت نفسه. ولذلك رفض مصطلح السوسيولوجيا التقليدية للعلم، وابتكر بدلاً منه مفهوم سوسيولوجيا الترابط أو الأنثروبولوجيا الشبكية، التي تدرس كيف يتكوّن الاجتماعي نفسه من خلال العلاقات بين البشر والأشياء. في هذا المعنى، شابن وشايفر يدرسان كيف يؤثر المجتمع في العلم، أما لاتور فيدرس كيف يُنتج العلم المجتمع ذاته من خلال شبكاته.

ويتجلى هذا الاختلاف أيضًا في مستوى التجريد الفلسفي. فشابن وشايفر لا يقدّمان نظرية كونية عن بنية المعرفة أو الوجود، بل يسعيان إلى قراءة تاريخية دقيقة للحظات تشكّل العلم الحديث، كما في صراع بويل وهوبز. بينما لاتور يطوّر من تجربته إطارًا فلسفيًا أوسع يتجاوز العلم إلى كل أشكال الوجود، من السياسة إلى البيئة إلى التكنولوجيا، حيث يرى أن العالم يتكوّن من تفاعلات مستمرة بين فاعلين بشريين ولابشريين. ولهذا يُعتبر لاتور فيلسوفًا للحداثة وما بعدها، بينما يُعد شابن وشايفر مؤرخين اجتماعيين للعلم.

ورغم هذه الفروق، فإن الثلاثة يتقاطعون في رفضهم الحاسم للثنائية الحداثية بين الطبيعة والمجتمع. ففي ليفياثان ومضخة الهواء، يكشف شابن وشايفر أن تأسيس العلم الحديث تزامن مع ترسيخ هذه الثنائية، فالطبيعة أصبحت مجال التجربة، والمجتمع مجال السلطة السياسية. أما لاتور فيقول في كتابه نحن لم نكن حداثيين أبدًا، إن هذه الثنائية كانت مجرد خيال فلسفي، لأن كل واقع بشري هو بالضرورة خليط من الاجتماعي والمادي. وهكذا يمكن القول إن لاتور أخذ فرضية شابن وشايفر وعمّمها إلى نظرية شاملة في اختلاط العوالم.

كما أن علاقة لاتور بهما ليست فقط تأثرًا، بل أيضًا تجاوزًا نقديًا. فقد رأى أن شابن وشايفر بقيا في إطار التحليل السوسيولوجي الذي يفترض أن العلماء بشر يكوّنون مؤسسات اجتماعية، بينما أغفلا، في رأيه، فاعلية الأدوات والأجهزة والأشياء. لذلك سعى هو إلى تعويض هذا النقص عبر إدخال الفاعل غير البشري، في قلب النظرية. فالمجهر أو الجين أو الملف الرقمي بالنسبة له ليس مجرد وسيلة يستخدمها الإنسان، بل كائن يشارك في تشكيل المعرفة والقرار والسلطة. هذه النقلة من التحليل الاجتماعي إلى التحليل الشبكي تمثّل نقطة التحول الكبرى بينه وبينهما.

ومع ذلك، ظلّت العلاقة بين الثلاثة علاقة حوار مستمر لا قطيعة. فقد أشاد شابن في مقالات لاحقة بقدرة لاتور على إحياء علم اجتماع المعرفة، رغم تحفظه على مبالغته في تذويب الحدود بين الواقعي والبنائي. كما اعترف شايفر بأن أعمال لاتور دفعت المؤرخين إلى إعادة النظر في دور الأشياء المادية في تاريخ الأفكار. وفي المقابل، ظلّ لاتور يقدّر عملهما بوصفه أحد المنابع الأساسية لفهمه للعلاقة بين الخطاب والتجربة والعالم.

وكمحصلة، يمكننا القول إن شابن وشايفر وضعا الأساس التاريخي الاجتماعي لفهم كيف يُبنى العلم الحديث كظاهرة ثقافية، بينما جعل لاتور من هذا الفهم منهجًا أنثروبولوجيًا وجوديًا عامًا. فهما ينظران إلى العلم في الزمن الماضي لفهم نشأته، وهو ينظر إليه في الزمن الحاضر لفهم كيف يعيش ويتحوّل. وبينهما تقوم الصلة الجدلية التي صنعت العمود الفقري لما يُعرف اليوم بـ دراسات العلم والتكنولوجيا الحديثة، أحد أهم حقول التفكير الفلسفي في العالم المعاصر.

وكمحصلة، يمكن القول إن شابن وشايفر قدّما، من خلال قراءتهما التاريخية-الاجتماعية لتشكّل العلم الحديث، أساسًا جديدًا لفهم العلم بوصفه ممارسة ثقافية تُبنى داخل شبكات من السلطة والتفاوض. أما برونو لاتور فقد أخذ هذا المنظور ونقله إلى مستوى أنثروبولوجي أوسع، يدرس العلم كما يُنجَز في الحاضر، بوصفه نشاطًا يشارك فيه البشر والمواد والتقنيات معًا في صنع الحقائق. وبين ما قدّمه شابن وشايفر من تحليل تاريخي، وما قدّمه لاتور من دراسة أنثروبولوجية للعلم اليوم، يوجد خط فكري واحد ممتد، حتى لو لم يتطابقوا تمامًا. هذا الخط الفكري أصبح جزءًا أساسيًا من التوجه الذي نشأت منه دراسات العلم والتكنولوجيا 

الحديثة، وهو اليوم أحد أهم الحقول الفكرية في العالم


٤.٤.١.٣.٢.٩.٢ بلورة أطروحتهما


يمكن بلورة أطروحة ستيفن شابن وسايمون شايفر في صيغة فكرية متماسكة تعبّر عن جوهر مشروعهما في الليڤياثان ومضخة الهواء، وتوضّح كيف أصبحت هذه الأطروحة منطلقًا لمدرسة كاملة في فلسفة وتاريخ العلم. فأطروحة شابن وشايفر تقوم على فكرة أن العلم الحديث ليس نتاج عبقرية فردية أو تطور منطقي للمنهج التجريبي، بل هو بناء اجتماعي سياسي تشكّل في سياق صراعات فكرية وثقافية. وقد اختارا من بين تلك الصراعات واحدةً تأسيسية هي النزاع بين روبرت بويل، ممثل التجريبية الجديدة في القرن السابع عشر، وتوماس هوبز، الفيلسوف السياسي الذي رأى في تلك التجريبية تهديدًا لوحدة المعرفة والسلطة معًا. هذا الصراع كان، في نظرهما، لحظة ولادة النظام المعرفي الحديث، الذي يفصل بين الطبيعة والمجتمع، وبين الحقائق العلميةوالقيم السياسية.

يرى المؤلفان أن بويل لم يبتكر المنهج التجريبي فحسب، بل أسّس أيضًا نموذجًا اجتماعيًا جديدًا لإنتاج المعرفة. فقد اعتمد على التجربة الجماعية داخل ما أصبح لاحقًا الجمعية الملكية البريطانية، حيث تُجرى التجارب علنًا أمام شهود، وتُكتب التقارير بأسلوب يوحي بالحياد، ويُفصل بين الملاحظات والآراء. بهذا الأسلوب، تحوّل العلم إلى ممارسة قائمة على الثقة الاجتماعية والاتفاق الجماعي، لا على الإثبات المنطقي أو البرهان العقلي وحده. بويل، من هذا المنظور، لم يكن فقط عالِمًا في الطبيعة، بل أيضًا مهندسًا لبنية اجتماعية جديدة للعقلانية.

في المقابل، رفض هوبز هذا النموذج التجريبي لأنه رأى فيه خطرًا على النظام المعرفي والسياسي الذي يقوم على وحدة السلطة والحقيقة. بالنسبة له، لا يمكن ترك إنتاج المعرفة لأفراد يتجادلون حول تجارب حسية، بل يجب أن تكون المعرفة موحدة ومضبوطة بموجب سلطة الدولة والعقل الفلسفي الكلي. ومن هنا جاء عنوان الكتاب الليڤياثان ومضخة الهواء، والليڤياثان هو رمز سلطة الدولة عند هوبز، ومضخة الهواء رمز السلطة التجريبية الجديدة عند بويل. الصراع بينهما إذن لم يكن حول تجربة فيزيائية، بل حول شكل المجتمع الذي يضمن إنتاج الحقيقة.

ومن خلال هذا التحليل، يبلور شابن وشايفر أطروحة مركزية مفادها أن كل نظام معرفي يتأسس على نظام اجتماعي موازٍ. فالعلم الحديث، كما يقولان، لم يكن ممكنًا إلا لأن القرن السابع عشر أنتج نوعًا جديدًا من الثقة الاجتماعية يقوم على الشهادة، والنشر، والتجريب العلني، والتواضع الخطابي أمام الجمهور. هذه الممارسات الاجتماعية هي التي جعلت الحقائق العلمية ممكنة ومقبولة. فالحقيقة العلمية ليست انعكاسًا للطبيعة، بل نتاج عملية تفاوض اجتماعي محكومة بقواعد السلوك واللغة والمؤسسات.

ولذلك كانت أطروحتهما نقطة تحول في تاريخ فلسفة العلم. فقد نقلا النقاش من سؤال كيف نعرف الحقيقة؟، إلى سؤال كيف تُنتَج الحقيقة وتُبرَّر اجتماعيًا؟ وبهذا مهّدا الطريق أمام التحول البنائي في فلسفة العلم، الذي يرى أن المعرفة العلمية تتكوّن من خلال الممارسات والمؤسسات، لا من خلال مطابقة مباشرة بين العقل والطبيعة. كما أنّ أطروحتهما قدّمت نموذجًا منهجيًا جديدًا في كتابة تاريخ العلم، يمكن تسميته بـ التاريخ السوسيولوجي للمعرفة. فهو لا يكتفي بسرد تطور الأفكار أو التجارب، بل يدرس اللغة، والإقناع، والسلطة، والطقوس التي تحيط بعملية إنتاج المعرفة. ومن هذا المنظور، أصبح المختبر الحديث امتدادًا لمضخة بويل، وأصبح الاجتماع العلمي طقسًا جديدًا لتأكيد الموثوقية الجمعية.

وقد أثّرت أطروحتهما تأثيرًا واسعًا في مجالات متعددة. ففي علم الاجتماع، ألهمت البرنامج القوي في سوسيولوجيا المعرفة العلمية عند ديفيد بلور وهاري كولينز. وفي الفلسفة، مهّدت لأعمال لاتور وكالون في نظرية شبكة الفاعلين، التي توسّع الفكرة لتشمل أيضًا الأشياء غير البشرية كأطراف فاعلة في بناء المعرفة. وفي التاريخ، غيّرت الطريقة التي يُفهم بها القرن السابع عشر نفسه، فلم يعد يُرى كعصر ثورة علمية فحسب، بل كمرحلة لإعادة تنظيم العلاقات بين المعرفة والسلطة والمجتمع.

وهكذا يمكن تلخيص جوهر أطروحة شابن وشايفر في أن العلم الحديث هو مؤسسة اجتماعية قبل أن يكون منظومة معرفية، وأن الحقائق العلمية ليست اكتشافات، بل إنجازات جماعية. لقد أسّسا لفكرة أن العلم ليس منفصلًا عن المجتمع، بل شكل من أشكال المجتمع نفسه، وهو ما سيحوّله برونو لاتور لاحقًا إلى رؤية أنثروبولوجية أكثر جذرية حول تشابك البشر والأشياء في إنتاج العالم الحديث.

 

٤.٤.١.٣.٢.٩.٣ بعض أمثلة لتطبيقها

تكمن قوة أطروحة شابن وشايفر في كتابه الليڤياثان ومضخة الهواء، في قابلية تطبيقها على دراسات لاحقة في تاريخ وفلسفة العلم. ويمكن القول إنّ عملهما شكّل منهجًا تحليليًا جديدًا استخدمه العديد من الباحثين لتفكيك العلاقة بين المعرفة والعلاقات الاجتماعية والسياسية في عصور مختلفة. ولعل ما سنقوم به من عرض موسّع ومتكامل لأبرز الأمثلة والتطبيقات العملية لأطروحتهما، يوضح ذلك للقارئ.

فلقد طبّقت أعمال كثيرة منهجهما في دراسة تاريخ المختبرات والمؤسسات العلمية. فكما درسا في حالة بويل كيف نشأت سلطة التجريب من خلال آليات الشهادة والإقناع الجماعي، استعان باحثون لاحقون بهذا النموذج لتحليل تأسيس مؤسسات مثل الأكاديمية الفرنسية للعلوم أو الجمعية الملكية البريطانية. فقد وُظّفت أطروحتهما لفهم كيف أصبحت المختبرات الحديثة مصانع للحقيقة، عبر نظام محدّد من الممارسات والإجراءات البيروقراطية، من حفظ السجلات إلى كتابة التقارير وإخضاع التجارب للرقابة الزملائية. وهكذا، صار المختبر يُفهم ليس فقط كمكان لإنتاج البيانات، بل كفضاء اجتماعي سياسي يُبنى فيه الاتفاق حول ما يُعدّ معرفة موثوقة.

٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.١ العلوم يتم إنتاجها بطرق مختلفة في الحقول المختلفة

قدّمت كارين كنور-سيتينا أحد أكثر الأعمال تأثيرًا في الدراسات الاجتماعية للعلم من خلال كتابها ثقافة إنتاج المعرفة، ١٩٩٩م، حيث درست كيف تنتج الحقول العلمية المختلفة المعرفة بطرق متباينة جذريًا. تتقاطع أعمالها مع أطروحات ستيفن شابين وسايمون شافر في نقد الصورة التقليدية للعلم ككيان موحّد، لكنها توسّع هذا النقد من خلال تحليل دقيق للبنى اليومية والمؤسسية التي تجعل ما نسمّيه معرفة علمية ممكنًا. ففي حين ركّز شابين وشافر على العلاقة بين السلطة والممارسة العلمية ضمن سياقات تاريخية محددة، ركّزت كنور-سيتينا على الاختلاف الداخلي بين الحقول العلمية نفسها، معتبرة أن العلم ليس ثقافة واحدة، بل مجموعة من الثقافات المعرفية، ذات العوالم المعرفية المتمايزة.

انطلقت كنور-سيتينا من دراسة ميدانية عميقة لحقلي الفيزياء عالية الطاقة والبيولوجيا الجزيئية، واعتمدت على الملاحظة المباشرة والمقابلات المطولة وعرض سير التجارب لحظة بلحظة. في مختبرات فيزياء الجسيمات، لاحظت أن المعنى العلمي يتولد من خلال شبكات ضخمة من الآلات والحواسيب والكواشف، حتى أن العالم، كما تقول، يصبح قارئًا لآثار تنتجها أجهزة لا يمكنه التفاعل معها مباشرة. وقد كتبت، أن  “الفيزيائيون لا يرون الجسيمات؛ إنهم يقتفون أثر الانطباعات التي تتركها تلك الجسيمات داخل أجهزة معقدة.” هذا النموذج جعل المعرفة في الفيزياء أشبه بإدارة شبكة تقنية كثيفة، أكثر من كونهم يقومون بتجارب بالطريقة المعروفة عند المجتمع العلمي.  وما يعني أن الفيزياء عالية الطاقة تعتمد على «هندسة جماعية للمعنى» تشارك فيها مئات العقول والآلات في آن واحد.

أما في البيولوجيا الجزيئية فقد وجدت كنور-سيتينا ثقافة معرفية مختلفة تمامًا، تقوم على التفاعل المباشر مع العينات، وعلى بناء معانٍ تدريجية تنشأ من التجريب اليومي المتكرر. فالبيولوجي يعمل في بيئة أكثر حميمية مع موضوع دراسته، حيث يعتمد على الممارسة اليدوية وعلى ما تسميه الكائنات غير المكتملة، أي المواد البيولوجية التي لا تُفهم إلا من خلال سيرورة التحليل والتعديل المستمر. كتبت في هذا السياق، المعرفة في البيولوجيا لا تُكتشَف دفعة واحدة؛ إنها تُبنى طبقة فوق طبقة في سلسلة من العلاقات بين الباحث وموضوعه. هذا النموذج أنتج ثقافة معرفية أكثر مرونة، تعتمد على التعديل المتواصل والحدس العملي والقدرة على التعامل مع أنظمة حية غير قابلة للضبط الكامل.

تكمن صلة كنور-سيتينا بأعمال شابين وشافر في أنها تؤكد رؤيتهم بأن المعرفة لا تُنتج بمعزل عن السياق الاجتماعي، لكنها تضيف أن كل حقل علمي يصنع سياقَه الخاص. فبينما أظهر شابين وشافر كيف يتشكل العلم داخل شبكات السلطة والتفاوض الاجتماعي، تظهر كنور-سيتينا كيف تتشكل المعرفة داخل بنى داخلية للمختبرات وطرق العمل والأدوات والإيكولوجيا المعرفية، الخاصة بكل مجال. ولذلك أصبح من نتائج أعمالها أن الحديث عن العلم بصيغة المفرد غير دقيق، وأن الفوارق بين الحقول ليست مجرد اختلاف في الموضوعات، بل في طرائق العيش والعمل والتفكير.

ومن خلال هذه المقارنة الحية بين فيزياء الجسيمات والبيولوجيا الجزيئية، كشفت كنور-سيتينا أن ما يُعد دليلاً أو حقيقة أو تفسيرًا، ليس شيئًا ثابتًا، بل يتحدد بواسطة ما يسمح به النظام المعرفي لكل مجال. هذه الرؤية عززت الاتجاهات التي بدأها شابين وشافر في تفكيك مركزية العلم الكلاسيكي، لكنها قدمت دليلاً أنثروبولوجيًا معمّقًا على أن إنتاج المعرفة العلمية هو نشاط متنوع، متعدد الثقافات، ومتجذّر في الممارسة التي يبنيها العلماء يومًا بعد يوم. وبيّنت كنور سيتينا أن الحقيقة العلمية ليست واحدة، بل تتحدد وفقاً لبنية العلاقات الاجتماعية داخل كل بيئة معرفية، تماماً كما أوضح شابن وشايفر في القرن السابع عشر.

٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٢ لاتور والمراقبة الميدانية للمعامل

رأينا، أيضا، في المقال قبل السابق، أن برونو لاتور، قد تأثر مباشرة بعملهما، فقدّم تطبيقًا شهيرًا مع ميشيل كالون في كتابهما حياة المعامل، حيث دون فيه ما تم دراسته، فيه مختبر نوبل الفرنسي. المؤلفان استخدما نفس الأسلوب الذي يجمع بين التاريخ وعلم الاجتماع، لكن بدلاً من تتبّع الماضي أو تحليل الوثائق، دخلا إلى المختبر وراقبا العمل داخله بشكل مباشر، كما يفعل الباحث في الدراسات الإثنوغرافية (وهي نوع من البحوث الاجتماعية يعتمد على العيش أو التواجد المباشر داخل مجتمع أو بيئة معينة بهدف فهمها من الداخل كما يفهمها أفراده). ومن خلال هذه الملاحظة الميدانية، بيّنا أن ما ينظر اليه على أنها حقائق علمية، لا تظهر فجأة، بل تتكوّن خطوة بخطوة عبر ما يقوم به العلماء يومياً، من تجارب، تدوين الملاحظات، كتابة الأوراق العلمية، تبادل المعلومات، استخدام الأجهزة، ومناقشة النتائج. أي أن الحقيقة العلمية هي نتيجة ممارسات متراكمة وليست مُعطى جاهزاً. فالمختبر عنده هو استمرار لمضخة بويل الحديثة، فهو مكان تُدار فيه التفاعلات بين البشر والأشياء لإنتاج حقائق مستقرة. هذه المقاربة لم تكن لتوجد دون الإطار الذي وضعه شابن وشايفر.

كما رأينا، فإن أعمال برونو لاتور تركزعلى إعادة تفكيك الطريقة التي تُبنى بها الحقيقة العلمية داخل المختبرات وفي المجتمع، وهو بذلك يلتقي مع شابين وشافِر في الهدف العام، الذي يتمثل في إظهار أنّ العلم ليس نشاطًا عقلانيًا خالصًا أو محايدًا، بل ممارسة اجتماعية ـ تقنية شديدة التعقيد. ورغم هذا التقاطع، فإنّ مقاربة لاتور تتسم بطابع أنثروبولوجي أكثر راديكالية؛ إذ لا يكتفي بوصف التفاعلات البشرية داخل العلم، بل يمنح الأشياء والأجهزة والوثائق والأدوات، دورًا فاعلًا في تكوين الحقائق، ما يشكل جوهر نظريته في شبكات الفاعلين-الشبكات.

وفي كتابه مختبر الحياة: إعادة بناء العلوم، الذي كتبه مع وولغار، يصف لاتور التجارب العلمية بطريقة تشبه المراقبة الإثنوغرافية لقبيلة غريبة. يلاحظ الباحثان كيف تُنتج الحقائق عبر عمليات تدوين وتكرار وفرز وحذف، وكيف تتحول القياسات الخام إلى حقائق بعد المرور بسلسلة طويلة من عمليات التمثيل. ويركز على أن نتيجته الأشهر تقول، إن الحقائق تُكتب قبل أن تُكتشف، بمعنى أن عملية إنتاج الحقيقة العلمية ترتبط بقدرة الباحث على جعل ادعاءاته أكثر صلابة من اعتراضات الآخرين، لا بكونها معطيات جاهزة تنتظر الكشف.

هذا البعد يتقاطع بعمق مع أطروحة شابين وشافِر في كتابهما، حيث درسا تجربة بويل ومفهوم الحقيقة التجريبية وكيف بُنيت داخل سياقات سياسية واجتماعية. لكن بينما يضع شابين وشافر التركيز على الثقافة السياسية للقرن السابع عشر ودور الثقة والتوافق في قبول الحقائق، يذهب لاتور خطوة أبعد من ذلك ويجعل الأجهزة والنماذج المخبرية والمواد الكيميائية، عناصر تشارك في إنتاج الحقيقة وليس مجرد أدوات محايدة. فالهواء المضغوط في مضخة بويل، مثلاً، لم يكن مجرد وسيط في تجربة العلم، بل فاعلا شارك في خلق الظروف التي أصبحت لاحقًا أساس الممارسة التجريبية الحديثة.

وتتجلى علاقة لاتور بشابين وشافِر أيضًا في اهتمام الجميع بتاريخ الممارسات العلمية، لكنه يختلف عنهما في مستوى التحليل؛ إذ يميل شابين وشافر إلى قراءة التاريخ في ضوء سياق ثقافي-سياسي واسع يفسر لماذا اكتسبت ممارسات معينة سلطة معرفية، بينما يعمد لاتور إلى الغوص في الميكرو-عمليات التي تشكل بنية المختبر، فحركة العين داخل المجهر، وتطور الرسومات على الورق، وتراكم سلاسل التمثيل وهي تفاصيل دقيقة، يرى أنها أساس قوة العلم ومصدر سلطته. ويعني لاتور بسلاسل التمثيل تلك التحوّلات المتتابعة التي تنتقل فيها الظواهر الطبيعية من حالتها الخام إلى حقائق علمية مقنعة؛ فالعالم لا يكتشف الحقيقة دفعة واحدة، بل يصنعها عبر خطوات صغيرة، فينظر في المجهر، ويرسم خطوطاً أولية، ثم يسجّل قياسات، وينقلها إلى جداول ورسوم، ثم يصوغ منها ادعاءً علمياً قابلاً للنشر. هذه الميكرو-عمليات، التي قد تبدو ثانوية، هي في نظر لاتور أساس قوة العلم، لأنها تبني شبكة من التحويلات المتراكمة التي تجعل الظاهرة مرئية، قابلة للإقناع، ومشتركة بين العلماء. ويمكننا ايراد المثال التالي من دراسة لاتور في مختبر غيومين (مختبر نوبل).  فأثناء تتبعه لعمل الباحثين الذين يدرسون الهرمونات العصبية، لاحظ لاتور سلسلة تمثيل تبدأ بعينة صغيرة تُلتقط من دم فأر مثلا، ثم تُعالج كيميائياً ثم تُمرّر عبر جهاز تحليل ينتج منحنى خافتاً على ورق. يعمل العلماء على تحسين هذا المنحنى، يرسمون شكله بدقة، ثم يحوّلونه إلى أرقام، وبعد ذلك يُعاد ترتيب الأرقام في جدول يُدرج لاحقاً ضمن ورقة علمية. وفي نهاية السلسلة يظهر اكتشاف هرمون جديد، بوصفه حقيقة راسخة، بينما هو في الأصل نتاج سلسلة طويلة من التحويلات التقنية والكتابية والتفسيرية التي صاغت الظاهرة خطوة بعد أخرى.

أيضا، من خلال دراسته الشهيرة الحياة في المختبر، يبرز مثال تجربة العلماء في مختبر سالك وهم يحاولون إقناع بروتين معيّن أن يتفاعل بطريقة ما. يعرض لاتور كيف يتحدث العلماء عن الجزيئات كما لو كانت كائنات لها طباع ومزاج، ما يوضح أنّ بناء الحقيقة ليس مجرد تطبيق لتقنيات، بل سلسلة مفاوضات مع الطبيعة ذاتها. وعندما تستقر نتيجة ما بعد سلسلة طويلة من الرسوم البيانية والبيانات المكررة والتعليقات المكتوبة، تصبح تلك النتيجة حقيقة تُعامل بوصفها بديهية، وهو ما يسميه لاتور تثبيت الحقيقة.


كما يشترك لاتور مع شابين وشافر في رفض الفصل الكلاسيكي بين العلم والمجتمع، لكن خصوصيته أنه يرى العلم شبكة تتداخل فيها بوضوح العناصر البشرية وغير البشرية. فالعلم عنده ليس عملاً يقوم به العلماء فحسب، بل نتاج شبكة تجمع بين الأدوات، الأجهزة، الجداول، المختبرات، أوراق التمويل، السياسات، وحتى العلاقات النفسية داخل الفريق. وهذه الرؤية تجعل كتابه  يبدو أقرب إلى رسالة تأسيسية لنسق فكري سيشقّ لاتور طريقه الخاص لاحقًا في تعميقه وتوسيعه.


وهكذا، فإنّ جانبا من العلاقة بينهم، يتمثل في أنّ شابين وشافِر قدما تحليلًا تاريخيًا واجتماعيًا يوضح كيف تَشكّل العلم بوصفه سلطة، بينما أخذ لاتور هذه الخطوط الكبرى وعمّقها إلى مستوى يوميات المختبر، محللًا كيف تتكوّن الحقيقة في المكان الذي تُصنع فيه، وكيف تتشابك عمليات التمثيل مع الأدوات والبشر لتُنتج عالَمًا علميًا يمتلك قوة تفرض نفسها على باقي العالم.


٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٣ الطب، مثالا خصبا لتطبيق أطروحاتهما

في مجال تاريخ الطب، نجد تطبيقًا بارزًا لأطروحتهما في أعمال لودميلا جوردون وآن ماركوس، حيث درستا كيف تشكلت سلطة الطب الحديث في أوروبا من خلال آليات المشاهدة الجماعية والشهادة المتبادلة، شبيهة بتلك التي حددها بويل في مختبره. أصبح الطبيب في المستشفى الحديث نظير العالِم في الجمعية الملكية، يمتلك سلطة معرفية مصدرها التنظيم الجماعي للثقة أكثر من مصدرها التجربة الفردية.

عمل لودميلا جوردون وآن ماركوس في موضوع يتعلق بتقليد الدراسات السوسيولوجية للعلم والطب الذي ابتدأه شابين وشافِر، لكنهما تحوّلتا إلى مجال الطب السريري والطب الحيوي، حيث ركّزتا على كيفية إنتاج المعرفة الطبية داخل البيئات الميدانية لا المختبر فقط. ويستند عملهما إلى فكرة أنّ الطب ليس تطبيقًا مباشرًا لحقيقة علمية جاهزة، بل هو حقل تتشكل فيه الحقائق من خلال الممارسة اليومية، والتفاعل بين الأطباء والمرضى، والبروتوكولات، والأدوات التشخيصية. بهذا المعنى، يمكن اعتبارها، امتدادا مباشرا للمنهج الذي وضعه شابين وشافِر، حين كشفا أن الحقيقة التجريبية مرتبطة بالبنى الاجتماعية والثقافية، لكنهما تنقلان هذا النقاش إلى المستشفى وغرفة الفحص.

في دراساتها، تركّز لودميلا جوردون على كيفية صياغة الحكم السريري في لحظات عدم اليقين. وتبيّن أن الطبيب لا يعتمد فقط على الأدلة العلمية أو البروتوكولات المعيارية، بل يكوّن قراره من خلال الانطباعات الحسية والتفاعلات المباشرة مع المرضى، وهي عمليات تتداخل فيها الخبرة الشخصية مع التكنولوجيا الطبية. وتصف في أحد أشهر دراساتها كيف كان الأطباء في وحدات العناية المركزة يتفاوضون حول معنى قراءة جهاز مراقبة القلب؛ فالقيم الرقمية وحدها لا تفسّر حالة المريض، بل تُفهم بالرجوع إلى السياق، أي رائحة الغرفة، لون بشرة المريض، وتاريخ علاجه. وهذا يعيدنا إلى أطروحات شابين وشافِر حول كيفية بناء الحقيقة عبر التوافق والسياق السياسي-الاجتماعي، لكن في حالة جوردون يصبح هذا التوافق جزءًا من الروتين السريري الدقيق.

أما آن ماركوس فتذهب إلى تحليل كيف تُبنَى فئات المرض والاضطراب داخل المفاصل ما بين الطب والعائلة والمجتمع. فتركّز آن ماركوس على فهم المرض ليس كحالة طبية معزولة، بل كفئة يجري تشكيلها عبر التفاعل بين الطبيب والعائلة والمجتمع. فهي ترى أن التشخيص لا يعتمد فقط على المؤشرات البيولوجية، بل يتأثر أيضاً بما تتوقعه الأسرة، وما يعتبره المجتمع سلوكاً طبيعياً أو غير طبيعي، وما يقرّره الطب من معايير. وهكذا يصبح المرض نتيجة تفاوض وتفاعل اجتماعي، تُبنى معانيه وحدوده عند تقاطع هذه الأطراف الثلاثة. مثال على ذلك حالة طفل يظهر عليه سلوك مفرط الحركة. قد يراه الطبيب اضطراباً يحتاج إلى تشخيص وعلاج، بينما تراه الأسرة مجرد طاقة زائدة يمكن ضبطها، ويعتبر المجتمع السلوك مقبولاً أو غير مقبول بحسب معاييره. وفي هذا الالتقاء تتحدد هوية الحالة، هل هي اضطراب يحتاج إلى تدخل طبي؟ أم مرحلة تربوية؟ أم اختلاف يقع ضمن الطبيعي؟ هنا يتضح كيف تتشكل فئة المرض عبر المفاصل الممتدة بين الطب والعائلة والمجتمع.

وتُعد دراساتها حول المراهقين مثلاً، نموذجًا لذلك، حيث تكشف كيف يتحول تشخيص ما، مثل اضطراب السلوك أو القلق، إلى نتيجة تفاوض بين الطبيب والأسرة والمريض والوثائق التأمينية. وتستشهد في إحدى مقابلاتها بقول مراهقة إن التشخيص لم يكن شيئًا شعرتُ به، بل شيئًا أخبروني أنني أعانيه، ما يوضح أن الحقيقة الطبية ليست اكتشافًا خالصًا، بل صياغة اجتماعية لها تبعات عملية مباشرة. وهذه الرؤية تلتقي مع شابين وشافِر في رفض فكرة الحقيقة العلمية الخالصة لصالح قراءة الممارسة نفسها.

وتبرز مساهمتهما المشتركة في أن الطب الحديث، رغم اعتماده على أجهزة متقدمة وبيانات رقمية ضخمة، لا يستطيع إنتاج معرفة يقينية إلا من خلال شبكة متداخلة من الملاحظات البشرية والممارسات التفسيرية. وتُظهر جوردون، من خلال تتبعها لتجارب مراقبة وحدات الطوارئ، كيف يستند الأطباء إلى قصص صغيرة يسردونها لبعضهم حول مسار المرضى، وهي قصص تشبه إلى حد بعيد ما كان شابين وشافِر يصفانه بـالسرديات التي تثبّت الحقيقة. بينما تركز ماركوس على أن تشخيص الأمراض النفسية للأطفال يعتمد على تفاعل طويل بين الأسرة والمدرسة والعيادة، وهو ما يجعل الحقيقة الطبية في هذه الحالات شديدة التشكّل عبر العلاقات الاجتماعية.

وتعكس هذه الأعمال جميعًا استمرارًا لنفس المسار الذي افتتحه شابين وشافِر، بإعادة العلم والطب إلى ميدانهما الحقيقي، أي إلى الممارسة اليومية حيث تُبنى الحقائق عبر التفاوض والملاحظة والتفسير، لا عبر تطبيق نظريات مجردة. غير أن جوردون وماركوس تطبّقان هذا المنظور على الطب بوصفه مهنة لها طقوسها الخاصة، وروتينها، وتوتراتها، ما يمنح القارئ صورة واضحة لطبيعة المعرفة الطبية باعتبارها نشاطًا اجتماعيًا معقدًا يتجاوز بكثير الحدود العقلانية الصارمة التي يُصوَّر بها عادة.


٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٤ الدراسات البيئية والتكنولوجيا

وفي مجال التكنولوجيا والدراسات البيئية، استُخدمت أطروحة شابين وشايفر لفهم كيف يُبنى الإجماع العلمي حول قضايا مثل تغيّر المناخ أو الطاقة النووية. الباحثون مثل شيلا جاسانوف وبراين وين اعتمدوا تحليلهما ليفسروا كيف أن الموضوعية العلمية في هذه القضايا لا تُفرض ببرهان نظري، بل تُنتج ضمن توازن بين المعرفة والخطاب والسلطة السياسية. فالإجماع العلمي حول الاحتباس الحراري، مثلاً، يُبنى عبر مؤسسات مثل الهيئة الحكومية لتغير المناخ، التي تشبه الجمعية الملكية الحديثة من حيث دورها في بناء الثقة العامة حول المعرفة العلمية. تأتي أعمال شيلا جاسانوف وبراين وين امتدادًا مباشرًا للمسار الذي فتحه ستيفن شابين وسايمون شافِر، والذي يقوم على النظر إلى العلم بوصفه نشاطًا اجتماعيًا تُنتج فيه الحقائق داخل سياقات ثقافية ومؤسسية، لا بوصفه ممارسة عقلانية خالصة. غير أن جاسانوف ووين ينقلان هذا النقاش إلى نطاق جديد هو التكنولوجيا والسياسات البيئية والمخاطر العلمية، حيث يصبح العلم محاطًا بالقرارات الحكومية، والشكوك المجتمعية، وقضايا السلطة، والمعرفة.

تركز شيلا جاسانوف على كيفية تداخل العلم مع القانون والسياسة، وتطور مفهومًا محوريًا هو التشارك التكويني الذي يعني أن العلم والمجتمع يشكّلان بعضهما بعضًا في آن واحد. تظهر هذه الفكرة بوضوح في دراساتها حول تنظيم التكنولوجيا الحيوية، حيث حلّلت كيفية اختلاف تعامل الولايات المتحدة وأوروبا مع تقنيات الهندسة الوراثية. وتستشهد في أحد أبحاثها بحوار مع مسؤول أوروبي قال، لسنا نرفض العلم، نحن نرفض أن يفرض علينا تعريف واحد للسلامة. يوضح هذا الاقتباس كيف أن تقييم المخاطر ليس حقيقة علمية بحتة، بل هو مفاوضة ثقافية، وهي الفكرة نفسها التي أكّدها شابين وشافِر في كتابهما حول مضخة الهواء عندما بيّنا أن الحقائق العلمية تُبنى داخل شبكات الثقة والقوة والسلطة. وتظهر هذه العلاقة بين العلم والسياسة في دراساتها لحوادث مثل كارثة تشيرنوبيل، حيث حللت كيف تصوغ الحكومات الحقيقة الرسمية عن الخطر، وكيف يتشكل الخلاف بين الروايات العلمية والدولة.

أما براين وين فينقل روح أطروحات شابين وشافِر إلى ميدان الثقة الشعبية في العلم، خصوصًا في الأزمات البيئية. وتأتي دراسته لمربي النحل في شمال إنجلترا مثالًا بارزًا على ذلك. دراسة براين وين حول المزارعين في شمال إنجلترا بعد كارثة تشيرنوبيل، كانت واحدة من أبرز الأعمال التي كشفت تعقيد العلاقة بين الخبرة العلمية الرسمية والخبرة المحلية.  فبعد كارثة تشيرنوبيل، وصلت آثار خفيفة من التلوث الإشعاعي إلى تلك المنطقة، لكن الحكومة البريطانية حينها، قدمت تطمينات مستندة إلى نماذج علمية مركزية افترضت أن تأثير الإشعاع سيكون محدودًا وسهل الاحتواء. غير أنّ المزارعين المحليين لاحظوا على أرضهم وسلوك ماشيتهم تغيرات لم تنسجم مع التقييمات الرسمية.

وقد بيّنت دراسة وين أن هذه الفجوة لم تكن بسبب سوء نية أو نقص في الخبرة العلمية، بل بسبب اعتماد العلماء الحكوميين على نماذج نظرية لا تعكس بدقة خصائص البيئة المحلية، سواء في طبيعة التربة أو أنماط الطقس أو تفاعلها مع المواد المشعة. وفي المقابل كان لدى المزارعين معرفة متراكمة دقيقة نابعة من ممارستهم الطويلة للزراعة وتربية الماشية، وهي معرفة تجاهلتها المؤسسات الرسمية أو قلّلت من قيمتها. كما أظهرت دراسته، أن هذا التجاهل لمجال الخبرة المحلية لم يؤدِّ فقط إلى أخطاء علمية في التقييم، بل أسهم في تآكل الثقة بين المجتمع الريفي والسلطات العلمية والحكومية. فقد شعر المزارعون بأن تجاربهم المباشرة لا تُؤخذ بجدية، وأن العلم الرسمي يفترض احتكارًا للمعرفة لا ينسجم مع الواقع المعقّد للبيئات المحلية. وهذا ما دفع أحد المزارعين للقول في مقابلة وين له، أجهزتنا ليست متطورة، لكننا نعرف أرضنا أكثر مما يعرفها أي خبير يأتي من لندن. وهذا جوهر ما أراد وين توضيحه، وهو أن الخبرة ليست ملكًا للعلماء وحدهم، والمعرفة البيئية تُبنى بطريقة موزعة عبر خبرات يومية وحسية، تمامًا كما يشدد شابين وشافِر على أن المعرفة العلمية نتاج تفاعلات بشرية وممارسات اجتماعية.

وبالتالي، أبرزت الدراسة كيف أنّ مشكلة العلم ليست دائمًا في دقّة البيانات، بل في كيفية إدارتها ضمن سياق اجتماعي أوسع. فقد أظهر وين أنّ المعرفة العلمية تحتاج إلى الانفتاح على خبرات الناس اليومية بدلاً من وضعها في مرتبة أدنى، وأن تقاطع المعارف، وليس صراعها، هو ما يضمن فاعلية القرارات ويصون الثقة العامة. ولذلك تُعَدّ هذه الدراسة مثالًا تأسيسيًا في دراسات العلم والتكنولوجيا لأنها تكشف كيف أن تجاهل الخبرة المحلية قد يقوّض الثقة في المؤسسات حتى عندما يكون العلم ذاته قويًا ودقيقًا.

وتُظهر أعمال جاسانوف ووين أن التكنولوجيا والبيئة لا يمكن فصلهما عن المجتمع والسياسة والثقافة، وأن كل تقييم علمي هو في الوقت ذاته تقييم اجتماعي. وتبيّن جاسانوف من خلال تتبعها لملفات السياسات العلمية أن ما يبدو قرارًا تقنيًا حول سلامة التكنولوجيا يحمل في داخله قيمًا ثقافية ومعايير أخلاقية. بينما يكشف وين، عبر الحالات البيئية، أن الجمهور ليس كيانًا جاهلاً، بل يمتلك معرفة محلية تتفاعل مع المعرفة العلمية الرسمية، وأن الصراع بينهما يكشف ما كان شابين وشافِر يسمّيانه سوسيولوجيا الحقيقة.

وتمثل مساهمات الباحثَين إضافة نوعية لمسار دراسات شابين وشافِر لأنها تكشف كيف تتحول الممارسات المعملية التي درساها إلى مجال عام واسع، حيث تتواجه المعرفة العلمية مع السياسة ومع مخاوف المجتمع. فبينما درس شابين وشافِر ظروف إنتاج الحقيقة داخل المختبر في القرن السابع عشر، يدرس وين وجاسانوف كيف تتشكل هذه الحقيقة داخل ساحات المحكمة، ومكاتب الحكومات، وحقول المزارعين، ومدن تعاني من التلوث والكارثة البيئية. في هذه الحالات، لا تُختبر التكنولوجيا أو المخاطر الطبيعية في المختبر فقط، بل تُختبر في المجتمع كله، وهو ما يجعل المعرفة العلمية، كما تصفه دراساتهم، شبكة واسعة من العلاقات لا نتيجة لبيانات معزولة.


٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٥ العلوم الإنسانية الرقمية مساحة واسعة للتطبيق

في مجال العلوم الإنسانية الرقمية، استعان الباحثون بأفكار شابين وشايفر لفهم الطريقة التي تتشكّل بها المعرفة في العصر الرقمي. الفكرة الأساسية عندهما هي أن الحقيقة العلمية لا تُنتج من الفرد وحده، بل تتكوّن داخل شبكات من الأشخاص والأدوات والمعايير التي تمنح المعلومة نوعًا من الثقة. عندما نُسقط هذا التصور على العالم الرقمي، نجد أن الخوارزميات والبيانات الضخمة ومنصّات التحقق الجماعي أصبحت تلعب الدور نفسه الذي كانت تلعبه الأجهزة العلمية والمختبرات في الماضي. وبدأت بعض الدراسات ترى أن الإنترنت اليوم يشبه، بطريقة حديثة، ما وصفه شابين وشايفر عندما تحدثا عن الفضاء العلمي الذي ظهر في القرن السابع عشر. ففي ذلك الزمن، كانت الحقيقة تُبنى من خلال الشهادة المتبادلة بين العلماء، حيث يصف أحدهم تجربته ويؤكد الآخر صحتها. أما الآن، فالأمر يحدث عبر أدوات مختلفة مثل خوارزميات التحقق، والمصادر المفتوحة، وعدد المشاركين في مراجعة المعلومات عبر الشبكات الرقمية. ويمكن توضيح ذلك بأمثلة بسيطة.

فعندما يقوم شخص بنشر معلومة طبية على منصة مثل ويكيبيديا، لا تصبح هذه المعلومة موثوقة إلا بعد أن يراجعها مجتمع كامل من المستخدمين ذوي الخبرة، ويضيفوا مصادر معتمدة، ويُجْروا تعديلات دقيقة. هنا تعمل المنصة كفضاء تُنتج فيه الحقيقة بشكل جماعي، تمامًا كما كانت الجمعية العلمية في إنجلترا تتشارك الخبرات لتأكيد صحة التجارب. وبالتدقيق في أنظمة التحقق في تويترأوفيسبوك، يمكن اعتبار إعطاء بعض المنشورات علامة موثوق بعد سلسلة عمليات فحص آلي وبشري، إنها آليات رقمية حديثة تُعيد إنتاج فكرة الشهادة والتجربة الجماعية التي تحدث عنها شابين وشايفر. وبهذه النظرة، تصبح المعرفة الرقمية ليست مجرد بيانات مخزّنة في خوادم، بل عملية اجتماعية معقّدة تتفاعل فيها الخوارزميات مع المستخدمين، ويتشكل فيها الإجماع الرقمي، بطريقة تشبه إلى حد كبير تكوّن الحقيقة العلمية في بدايات العصر الحديث، ولكن بأدوات رقمية بدل الأدوات التجريبية القديمة. كما يمكننا أيضا النظر إلى الخوادم الحديثة، على أنها تأخذ مكان المختبرات في زمن شابين وشايفر.


ويمكننا الحديث عن بعض الدارسات، التي تُشبِّه الخوادم الحديثة بمختبرات القرن السابع عشر لأنها المكان الذي تُصنع فيه المعرفة الرقمية، تمامًا كما كانت المختبرات القديمة المكان الذي تُصنع فيه الحقيقة العلمية التجريبية. كان المختبر في ذلك الزمن غرفة مغلقة يجتمع فيها عدد محدود من العلماء، يجرون تجارب باستخدام أدوات بدائية ويكتبون تقارير تُرسل إلى المجتمع العلمي ليتم قبولها أو رفضها. واليوم، يقوم الخادم بالدور نفسه تقريبًا، لكنه يعمل بطريقة آلية وعلى نطاق أكبر بكثير. فعندما يرفع شخص ما بيانات إلى قاعدة معلومات، أو ينشر نتيجة بحث، أو يستخدم خوارزمية ما، فإن الخادم يصبح المكان الذي تُخزن فيه الأدلة ويجري فيه التحقّق الرقمي. وكما كان المختبر القديم يحتاج إلى أدوات قياس وإثبات، يحتاج الخادم اليوم إلى بروتوكولات للموثوقية وأدوات تحقق مثل سجلات التعديل، ومستويات الوصول، وأنظمة التدقيق الرقمي. والتشابه يصبح أوضح عندما نتذكر أن العلماء في مختبرات القرن السابع عشر كانوا يعتمدون على الشهادة لإقناع الآخرين بأن تجاربهم حقيقية، فكانوا يصفون ما حدث أمام أعينهم ويطلبون من المجتمع العلمي تصديقهم. وفي عالم الخوادم، تقوم الأنظمة الرقمية بالدور نفسه، ولكن بلغة إلكترونية. فالسجلات الرقمية، والبيانات الوصفية، والبصمات الزمنية، كلها تعمل كنوع من الشهادة الحديثة التي تُظهر أن البيانات أصلية وأن من قام بإنتاجها التزم بمعايير معينة. وبذلك يصبح الخادم وسيطًا لإنتاج الحقيقة، تمامًا كما كان المختبر القديم وسيطًا لإنتاج التجربة.


٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٦ الذكاء الاصطناعي ذراعا رئيسية لإنتاج العلوم


وفي الذكاء الاصطناعي قصة أخرى، فهو يعيد بطريقة جديدة مفهوم الوسيط العلمي الذي تحدث عنه شابين وشايفر، وبأسلوب لم يكن موجودًا في عصرهما. فقد شق طريقا في تطبيقاته واستخداماته التي احتل في بعضها موقع الدراع الرئيسية في انتاج العلوم. فلقد كان الوسيط العلمي عندهما هو الجهاز أو الأداة أو اللغة التي تسمح للعلماء بتحويل التجربة إلى شيء قابِل للتداول، كأن تنتج جهازًا يقيس الضغط أو تكتب تقريرًا علميًا. هذه الوسائط كانت ضرورية حتى يتمكن الآخرون من رؤية التجربة من بعيد وتصديقها دون حضورها. لكن، اليوم يقوم الذكاء الاصطناعي بدور مشابه، ويفعل ذلك من خلال تحويل البيانات الضخمة إلى معرفة قابلة للفهم أو للاستخدام، مثل خوارزميات التعلّم العميق التي تستخلص أنماطًا طبية من آلاف صور الأشعة. فالآلات هنا ليست مجرد أدوات تسجيل، بل أصبحت شريكة في عملية إنتاج المعرفة نفسها. فعندما يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصًا طبّيًا مقترحًا، فهو لا يعرض نتيجة فقط، بل يلعب دور الوسيط الذي يجعل البيانات مفهومة ومقنعة للخبراء. وهذه هي الفكرة المحورية عند شابين وشايفر، وهي أن الحقيقة تتكوّن عبر وسيط يمنحها صفة القبول والثقة.

ويمكن توضيح ذلك بالمختبر الذي كان ينتج تقريرًا يصف تجربة علمية ليطمئن العلماء الآخرين إلى صحتها، بينما اليوم، ينتج نظام ذكاء اصطناعي خريطة مفسّرة لصورة طبية، تبرز مناطق الاشتباه ويعطي درجة احتمال، وهذه الخريطة تعمل كنوع من الشهادة العلمية التي تمكّن الطبيب من الثقة في النتيجة. فالذكاء الاصطناعي هنا يشغل موقعًا وسيطًا بين البيانات الخام والحقيقة الطبية، كما كانت أدوات روبرت بويل وسيطًا بين التجربة الخام والحقيقة العلمية في القرن السابع عشر. وتمثل البيانات التجريبية القديمة تلك، النتائج المحدودة التي كان العلماء يحصلون عليها من تجارب فردية داخل مختبر صغير. فكانت التجربة تُنفَّذ مرة أومرتين، وتُكتب ملاحظاتها في دفتر، ثم تُرسل إلى المجتمع العلمي للاطلاع عليها. هذه البيانات كانت قليلة، مركّزة، وتحمل معها سلطة الشاهد الذي حضر التجربة بعينيه. أما البيانات الضخمة اليوم فهي ليست بالضرورة مرتبطة بعالِم واحد ولا بمختبر واحد، بل قد تكون ناتج تراكمي لأنظمة الاستشعار، الأقمار الصناعية، الخوادم الضخمة، وملايين المستخدمين حول العالم. هذه البيانات لا تعتمد على شاهد واحد، بل على آلاف أو ملايين نقاط الإدخال التي تشكل معًا نمطًا يمكن للخوارزميات تحليله.

ويصبح الأمر أوضح عندما ننظر إلى علم الفلك. فالعلماء قديمًا كانوا يراقبون النجوم بالعين المجردة أو بأجهزة بسيطة، يدوّنون مواقعها ويعيدون الحسابات يدويًا. كانت البيانات نادرة وتتطلب جهدًا كبيرًا لجمعها. أما اليوم، فالتلسكوبات الفضائية مثل هابل وجيمس ويب، تنتج تيرابايتات من الصور في اليوم الواحد، تُرسل إلى خوادم ضخمة لتحليلها. ولم يعد عالم الفلك يعتمد على ما يراه هو، بل على الخوارزميات التي تلتقط إشارات بعيدة جدًّا لا يمكن للبشر رؤيتها بنفسهم، مما يجعل الذكاء الاصطناعي وسيطًا ضروريًا لوجود المعرفة.

وفي علم الأحياء الدقيقة، تُعَدّ تقنية التسلسل الجيني عالي الإنتاجية واحدة من أهم التحولات في علم الأحياء الحديث، لأنها تسمح للعلماء بقراءة المادة الوراثية للكائنات بسرعة هائلة. في الماضي، كان تحليل جزء صغير من الحمض النووي يستغرق أسابيع طويلة، ويحتاج إلى عمل يدوي دقيق، لكن اليوم تستطيع الأجهزة الحديثة إنتاج ملايين القراءات الجينية خلال ساعات قليلة. هذه القراءات ليست صورًا واضحة أو جُملًا مفهومة، بل هي أشبه بكمّ ضخم من الحروف غير المرتّبة التي تبدو للعين البشرية كفوضى لا يمكن التعامل معها بشكل مباشر. هذه الفوضى الرقمية تحتاج إلى خوارزميات متقدمة لتحويلها إلى معنى علمي. وتشبه الخوارزميات هنا عمل المترجم الذي يأخذ نصًّا مبعثرًا بلغة غريبة وينظمه ويعيد ترتيبه لتكوين رسالة متكاملة. فتقوم هذه الخوارزميات أولًا بمقارنة القراءات الجديدة بمرجع جيني معروف، ثم تبحث عن الأماكن التي تختلف فيها الحروف الوراثية، وهذه الاختلافات هي ما يسمّيه العلماء الطفرات الجينية.  ويمكن استخدام هذه الطفرات لتفسير اختلاف صفات الكائنات، أو ظهور الأمراض، أو تطور السلالات عبر الزمن. ويصبح دور الخوارزميات أكثر وضوحًا عندما ندرس العلاقات بين الأنواع. فعندما تُحلِّل ملايين القراءات الجينية من مجموعة كبيرة من الكائنات، تستطيع هذه الخوارزميات رسم شجرة عائلة للتطور، تُظهر كيف تتقارب الأنواع أو تختلف، ومن أي أسلاف مشتركة جاءت. وهذا يشبه محاولة تجميع شجرة عائلة ضخمة اعتمادًا على آلاف الوثائق غير المرتبة، لكن الفرق أن الخوارزميات تستطيع القيام بذلك خلال دقائق.

ولتبسيط الفكرة، يمكن النظر إلى مثال من الحياة اليومية. فلو كان لدى أحدهم، آلاف الرسائل النصية غير المكتملة، ويرغب في إعادة تكوين قصة كاملة منها. سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا، وقد يصعب عليه، معرفة كيفية ربط الرسائل ببعضها. لكن برنامجًا ذكيًا يمكنه تحليل كل الرسائل، والتعرف إلى الكلمات المتكررة، وربط الجمل المتشابهة، ثم إعادة بناء القصة كاملة. هذا هو بالضبط ما تفعله الخوارزميات مع البيانات الجينية، لكنها تعمل على مستوى أكثر دقة وتعقيدًا بكثير. من خلال هذا النظام المتكامل، تتحول البيانات الخام إلى خرائط جينية دقيقة تُظهر مواضع الطفرات والعلاقات التطورية، وهي معلومات لا يمكن للإنسان استخراجها وحده دون مساعدة الخوارزميات. لهذه الأسباب يُنظر إلى التحليل الخوارزمي بوصفه الذراع الثانية لعلم الأحياء الحديث، وحليفًا أساسيًا في فهم التنوع البيولوجي، وتشخيص الأمراض الوراثية، وتتبع انتشار الفيروسات، كفيروس كورونا عبر طفراتها الجينية.

ويظهر التشابه نفسه في الطب، حيث يقدّم الذكاء الاصطناعي اليوم قراءة دقيقة لصور الأشعة، مثل أشعة الرئة أو الرنين المغناطيسي. سابقا، كان الطبيب ينظر إلى الصورة مباشرة ويعتمد على خبرته الشخصية، أما الآن فإن خوارزميات الرؤية الحاسوبية تحلّل آلاف الصور، وتستخرج أنماطًا خفية لا تراها العين، ثم تقدّم للطبيب مؤشرات جاهزة مثل مناطق الظلّ المشبوهة أو احتمالية وجود التهاب أو ورم. وبذلك تتحول الخوارزمية إلى وسيط علمي شبيه بالأدوات التجريبية عند بويل، فهي لا تنتج الحقيقة من تلقاء نفسها، لكنها تساعد على تشكيلها وجعلها مقنعة للمجتمع العلمي.

وتوضح هذه الأمثلة جميعها أن المعرفة المعاصرة أصبحت نتاج علاقة ثلاثية بين الإنسان، وأدوات التفسير، والبيانات الضخمة. هذه العلاقة هي جوهر ما وصفه شابين وشايفر في دراستهما لتكوين المعرفة في القرن السابع عشر، لكنها توسعت اليوم بشكل هائل. فكما كان المختبر هو المكان الذي تُصنع فيه الحقيقة بمساعدة الأجهزة التجريبية، أصبح الخادم ونماذج الخوارزميات هما المكان الذي تُصنع فيه الحقيقة الرقمية الحديثة. وبهذا يكون الذكاء الاصطناعي استمرارًا معقّدًا لفكرة الوسيط العلمي الذي تُبنى عبره الثقة والمعرفة.


٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٧ الفضاء الرقمي الحالي وتشابهه بالفضاء العلمي


كما تذهب بعض الدراسات الحديثة إلى أن الفضاء الرقمي الذي نعيش فيه اليوم يشبه إلى حدّ كبير الفضاء العلمي الذي وصفه شابين وشايفر في القرن السابع عشر، لكن بصيغة إلكترونية. ففي ذلك العصر، كانت الحقيقة العلمية لا تُصنع في عزلة، بل داخل شبكات من العلماء الذين يتشاركون التجارب ويؤكدون صحة ملاحظات بعضهم البعض. كان العلماء يجتمعون في جمعيات علمية مثل الجمعية الملكية في لندن، حيث يصف أحدهم تجربة أجراها، ثم يشهد آخرون بأنها تمت كما قال، أو يعيدون تجريبها للتأكد. هذا التبادل كان جوهر إنتاج المعرفة، ومصدرًا لبناء الثقة في النتائج العلمية. أما اليوم، فنعيش في بيئة رقمية تقوم على المبدأ نفسه تقريبًا، ولكن باستخدام أدوات إلكترونية بدل الأدوات العلمية القديمة. الإنترنت، بما فيها من خوارزميات ومنتديات ومنصات مفتوحة، أصبحت مكانًا تتولد فيه الحقيقة الرقمية من خلال التفاعل الجماعي بدل التجربة المعملية.  وفي السنوات الأخيرة قدّم عدد من الباحثين دراسات لافتة تقارن بين آليات إنتاج الحقيقة في العصر الرقمي وما قدّمه ستيفن شابين وسايمون شافر في القرن السابع عشر حول نشأة العلم الحديث.

ومن بين هذه الأعمال ما كتبه الفيلسوف الإيطالي/الأمريكي دومينيكو ڤيردوراتي في دراسة صدرت عام ٢٠١٧م، حول المعرفة الرقمية والسلوك التشاركي على الإنترنت، حيث يحلل كيف تُبنى الثقة في المنصات التعاونية مثل ويكيبيديا. خلص ڤيردوراتي إلى أن عملية التحقق في الموسوعات الرقمية تشبه إلى حد كبير عملية الشهادة العلمية التي تحدث عنها شابين وشايفر، فالمعلومات تُقبل حين يعيد المجتمع الرقمي مراجعتها، ويشهد مستخدمون آخرون على صحتها، أو يصححونها عندما تتعارض مع المعايير المتفق عليها. ويرى ڤيردوراتي أن هذا التشابه يكشف استمرار مركزية الثقة التعاونية، كشرط لصناعة الحقيقة، سواء في المختبر أو في الفضاء الإلكتروني.


وفي دراسة أخرى للباحثة الأمريكية كاثلين والـتـر المنشورة عام ٢٠١٩م، حول ديناميات المعرفة في وسائل التواصل الاجتماعي، تشرح أن شبكات تويتر وفيسبوك تعمل بطريقة تشبه شبكات الشهود، التي وصفها شابين وشايفر. فالحقيقة في العالم الرقمي لا تُبنى عبر مصدر واحد، بل عبر تكرار الإشارات والمشاركات وإعادة الإنتاج، وكلها تؤدي وظيفة الشهادة الجماعية التي تمنح المعلومة قوة وشرعية. وخلص والـتـر إلى أن آليات الانتشار الرقمي تعيد صياغة ما كان يجري في الجمعية الملكية في لندن، ولكن بوتيرة أسرع وخوارزميات أكثر تأثيرًا.


كما قدّم عالم الإعلام الكندي هوبرت دريفوس دراسة عام ٢٠٠١م، بعنوان شبكة الإنترنت في ضوء الفلسفة تناول فيها طبيعة المعرفة المتداولة عبر الإنترنت، معتبرًا أن الفضاء الرقمي يعتمد على مصداقية موزعة، تتولد من تفاعل المستخدمين، لا من سلطة فرد واحد. ورغم أن دريفوس كان ناقدًا للانبهار بالتقنية، إلا أنه أكد أن المعرفة الرقمية اليوم ليست معزولة، بل تتشكل داخل شبكات مستخدمين يشبهون في دورهم شهود التجارب العلمية في بدايات العلم الحديث.


وتأتي هذه الدراسات وغيرها لتشكّل خلفية فكرية تسمح بقراءة الفضاء الرقمي بوصفه امتدادًا محدثًا للفضاء العلمي الذي وصفه شابين وشايفر في القرن السابع عشر. ففي ذلك الزمن، لم تكن الحقيقة العلمية تصنع في عزلة، بل داخل شبكات من العلماء يتبادلون التجارب ويشهدون على صحة نتائج بعضهم بعضًا. كانت الجمعية الملكية في لندن مسرحًا لهذا التبادل الذي يقوم على عرض التجارب وإعادة إجرائها والتأكد من صدقيتها. ومن خلال هذا التفاعل الاجتماعي، تشكلت الثقة العلمية التي مكنت العلم الحديث من ترسيخ مكانته.

واليوم نعيش وضعًا مشابهًا من حيث البنية العامة، وإن اختلفت الأدوات اختلافًا كاملًا. فالفضاء الرقمي أصبح مكانًا تُبنى فيه الحقيقة من خلال التفاعل الجماعي، لكن عبر خوارزميات، ومنصات مفتوحة، وقواعد تحقق مشتركة، لا عبر المضخة الهوائية أو التجربة المعملية. ومع ذلك يبقى المبدأ واحدًا، وهو أن الحقيقة لا تُصنع منفردة، بل تتولد داخل شبكة من الشهود الرقميين الذين يعيدون إنتاجها، أو يصححونها، أو يطعنون فيها، تمامًا كما كان العلماء يفعلون قبل أربعة قرون.


فعندما يُنشر خبر أو معلومة على ويكيبيديا مثلًا، لا يُعدّ صحيحًا فورًا، بل يراجعها آخرون، ويضيفون مصادر، ويحذفون الأخطاء. تتكون الثقة في هذه المعلومة عبر مشاركة عدد كبير من المستخدمين في بنائها وتصحيحها، تمامًا كما كان العلماء يشاركون في تثبيت وقائع التجربة. وينطبق الأمر نفسه على منصّات التحقق من الأخبار، حيث تستخدم الخوارزميات والبشر معًا لفحص المعلومة. فإذا ادعى شخص أن دواءً معينًا يشفي مرضًا ما، تقوم المنصة بفحص الادعاء عبر قواعد بيانات طبية، ثم يقوم فريق من المختصين بمراجعة التحليل. النتيجة النهائية لا تأتي من فرد واحد، بل من عملية شهادة إلكترونية جماعية تستعيد روح الشهادة العلمية القديمة، ولكن عبر كود برمجي ونظام مراجعات رقمية. حتى شبكات التواصل الاجتماعي نفسها تعمل بآلية مشابهة. فانتشار معلومة ما يعتمد على عدد المشاركين، وعدد من يتفاعلون معها، ومن يضيف تعليقات أو تصحيحات. كل هذا يخلق شكلًا من أشكال الإجماع الرقمي الذي يشبه إلى حد ما الإجماع العلمي القديم، لكنه قائم على تفاعل سريع، مفتوح، ولا مركزي، بدل نظام عضوي في جمعية علمية.

بهذا المعنى، يرى الباحثون أن الإنترنت ليست مجرد مكان لحفظ المعلومات، بل فضاء يُعاد فيه إنتاج الحقيقة عبر التعاون، الشهادة، المشاركة، والتصحيح المتبادل، كما كان يحدث قبل أربعة قرون، ولكن بأدوات جديدة تتناسب مع العصر الرقمي.


٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٨ بعض التطبيقات الرقمية الحديثة


وفي التطبيقات الرقمية الحديثة في مجالات العلوم الإنسانية، استفاد الباحثون من أفكار شابين وشايفر في النظر إلى الوثيقة ليس كمجرد نص أو صفحة مكتوبة، بل ككيان متعدد الأبعاد. فوفق هذا التصور، للوثيقة طبقة مادية مثل نوع الورق والحبر، ولها طبقة معنوية تتعلق بالمعاني التي تحملها، إضافة إلى طبقة ثالثة مرتبطة بالظروف التي أُنتجت فيها وكيف انتقلت من يد إلى أخرى عبر الزمن. هذا يعني أن الوثيقة تشبه كائنًا حيًا له تاريخ وسياق، وليس مجرد ملف يمكن نسخه بسهولة. وقد أثّر هذا الفهم على طرق الرقمنة الحديثة، إذ لم يعد الهدف هو تصوير الوثيقة أو مسحها ضوئيًا فقط. فالتقنيات الرقمية اليوم تحاول أن تنقل التجربة الكاملة للوثيقة. على سبيل المثال، عند رقمنة مخطوطة قديمة، لا يكتفي الباحثون بتصوير النص، بل يسجلون أيضًا ملمس الورق، أماكن التآكل، اختلاف ألوان الحبر، آثار الاستخدام، وحتى طريقة تجليد الكتاب؛ لأن كل هذه العناصر تساعد على فهم كيف استخدمت الوثيقة ومن تعامل معها. وبفضل هذا التوجّه، ظهرت نماذج جديدة لتمثيل الوثائق رقميًا تحافظ على حياتها الكاملة. فعوضًا عن تقديم نسخة نهائية جامدة، تُعرض الوثيقة الرقمية بشكل يتيح رؤية طبقاتها المختلفة؟ نصها، مادتها، تاريخها، وحتى علاقتها بالمستخدمين عبر الزمن. وهذا يشبه تقديم نسخة رقمية ثلاثية الأبعاد للوثيقة، تسمح للباحث أن يشعر بقربها وحضورها كما لو كانت بين يديه، مع إمكانية تتبع قصتها الطويلة، لا مجرد قراءة كلماتها.


في التطبيقات الرقمية الحديثة في مجالات العلوم الإنسانية، استفاد الباحثون من أفكار شابين وشايفر في النظر إلى الوثيقة ليس كمجرد نص أو صفحة مكتوبة، بل ككيان متعدد الأبعاد. فوفق هذا التصور، للوثيقة طبقة مادية مثل نوع الورق والحبر، ولها طبقة معنوية تتعلق بالمعاني التي تحملها، إضافة إلى طبقة ثالثة مرتبطة بالظروف التي أُنتجت فيها وكيف انتقلت من يد إلى أخرى عبر الزمن. هذا يعني أن الوثيقة تشبه كائنًا حيًا له تاريخ وسياق، وليس مجرد ملف يمكن نسخه بسهولة. وقد أثّر هذا الفهم على طرق الرقمنة الحديثة، إذ لم يعد الهدف هو تصوير الوثيقة أو مسحها ضوئيًا فقط. فالتقنيات الرقمية اليوم تحاول أن تنقل التجربة الكاملة للوثيقة. على سبيل المثال، عند رقمنة مخطوطة قديمة، لا يكتفي الباحثون بتصوير النص، بل يسجلون أيضًا ملمس الورق، أماكن التآكل، اختلاف ألوان الحبر، آثار الاستخدام، وحتى طريقة تجليد الكتاب؛ لأن كل هذه العناصر تساعد على فهم كيف استخدمت الوثيقة ومن تعامل معها.


وبفضل هذا التوجّه، ظهرت نماذج جديدة لتمثيل الوثائق رقميًا تحافظ على حياتها الكاملة. فعوضًا عن تقديم نسخة نهائية جامدة، تُعرض الوثيقة الرقمية بشكل يتيح رؤية طبقاتها المختلفة؟ نصها، مادتها، تاريخها، وحتى علاقتها بالمستخدمين عبر الزمن. وهذا يشبه تقديم نسخة رقمية ثلاثية الأبعاد، للوثيقة، تسمح للباحث أن يشعر بقربها وحضورها كما لو كانت بين يديه، مع إمكانية تتبع قصتها الطويلة، لا مجرد قراءة كلماتها.


 بنفس الأهداف التي جعلت التطبيقات الرقمية المعاصرة للعلوم الإنسانية، تستثمر إطار شابين وشايفر في إعادة فهم الوثيقة بوصفها بنية متعددة الطبقات، تجمع بين مادتها الفيزيائية وبُعدها الدلالي وسياق إنتاجها وتداولها، أستثمرالإطاركذلك في توجيه تصميم قواعد البيانات التراثية. حيث بُنيت وفق مفهوم دورة حياة الوثيقة بما يشمل إنتاجها ونسخها وتحويلاتها وانتقالها ورقمنتها. وأتاح هذا الأسلوب للباحثين تتبّع مسار الوثيقة عبر تاريخها، وتسجيل التعديلات النصية والمواد المصاحبة وأثر القرّاء، بحيث تصبح المنصات الرقمية سجلاً شاملاً يُظهر التحولات المادية والدلالية معاً. وفي ضوء ذلك، توسعت معايير البيانات الوصفية لتضم معلومات عن خصائص الورق والحبر والتجليد، وعن حالتها الفيزيائية وطبقات النص والعناصر السياقية المرتبطة بها، فوق المعلومات الببليوغرافية المعتادة.

وأظهر الإطار أهميته أيضاً في تعزيز الأبعاد التفاعلية للوثيقة الرقمية، فبدلاً من النظر إلى المستخدم متلقياً سلبياً، بات يُنظر إليه جزءاً من تشكيل معنى الوثيقة. ولذلك صُممت واجهات تتيح مستويات متعددة للقراءة والمقارنة بين الصور الرقمية والنصوص المحققة والمشفرات اللغوية والبيانات التحليلية، بما يتيح فهماً أعمق للعلاقات بين التجليات النصية المتعددة. وإلى جانب ذلك، ساعد المفهوم على تحديد الخصائص الجوهرية التي يجب الحفاظ عليها في مشروعات الحفظ الرقمي، لضمان بقاء العناصر الأكثر دلالة في التمثيل الرقمي حتى مع تغيّر التقنيات.

ومجمل هذه التطبيقات جعل من إطار شابين وشايفر ركيزة معرفية تدعم الانتقال من رقمنة المحتوى إلى بناء نموذج غني للوثيقة، يعكس تكوينها المادي والثقافي والتاريخي، ويتيح قراءتها ضمن شبكة من العلاقات والسياقات والتجليات التي تشكل هويتها الحقيقية في العالمين المادي والرقمي.

 

٤.٤.١.٣.٢.٩.٣.٩ استخدامات مؤرخي الفن


ومن التطبيقات الطريفة التي تؤكد عمق أطروحتهما أن بعض مؤرخي الفن استخدموا منهجهما لتفسير التحوّل في تقنيات الرسم والمنظور خلال عصر النهضة بوصفه أيضًا تحوّلًا في أنظمة الثقة البصرية، المشابهة لتلك التي أسسها بويل في مضخة الهواء. فحتى الرؤية الفنية، يمكن أن تُقرأ بوصفها نظامًا اجتماعيًا لإنتاج حقيقة مرئية. فلقد اعتمد عدد من مؤرّخي الفن على إطار شابين وشايفر لفهم الوثيقة بوصفها كياناً مركّباً يضمّ مادته وتقنياته وسياقه ووظيفته، ثم إسقاط هذا الفهم على الأعمال الفنية في عصر النهضة. فقد سمح لهم هذا المنهج بالتعامل مع اللوحة لا باعتبارها صورة تمثّل موضوعاً فحسب، بل بوصفها وثيقة تحمل جوانب المادة-التقنية-السياق، مما تسبب في تحوّلات عميقة في طرائق الرسم وتشكيل المنظور. وانطلاقاً من هذا التصوّر، أعاد الباحثون قراءة التحوّل من أساليب الرسم المسطّح في أواخر العصور الوسطى إلى تجارب البناء المنظوري الدقيق، بوصفه تحوّلاً في بنية الوثيقة الفنية نفسها، لا في موضوعها أو جمالياتها فحسب.

الوصول لقناعة أن الرؤية الفنية هي نظام اجتماعي لإنتاج حقيقة مرئية، تتمظهرعندما ننظر إلى العمل الفني ليس بوصفه صورة جميلة فحسب، بل بوصفه وثيقة تحتوي على مواد وتقنيات وسياقات وأهداف، تمامًا كما تحتوي التجربة العلمية على أدوات وخطوات وشهود. فالفكرة هنا أن اللوحة ليست مجرد رسم لمشهد، بل نتيجة شبكة كاملة من المعارف والممارسات التي تمنحها مظهر الواقعية أو الإقناع. وقد استفاد بعض مؤرخي الفن من الإطار الذي وضعه شابين وشايفر لدراسة كيفية صناعة الحقائق العلمية، وطبّقوه على الفن. فبدل التركيز فقط على السؤال التقليدي، ما الذي تصوّره اللوحة؟، أصبح السؤال يدور حول كيفية صنعها، ولماذا بهذه الطريقة، وما الظروف الاجتماعية والتقنية التي جعلت هذا الأسلوب الفني ممكنًا؟ وبذلك تنتقل اللوحة من كونها تمثيلًا لموضوع إلى كونها وثيقة مركبة تشير إلى المادة المستخدمة، والتقنيات المتّبعة، والسياق التاريخي الذي ظهرت فيه.


هذا التحول في طريقة النظر إلى الفن يساعد في فهم تطور الأساليب البصرية في أوروبا، خصوصًا الانتقال من الرسم المسطّح في أواخر العصور الوسطى إلى التجارب الدقيقة للمنظور في عصر النهضة. فبدل القول إن الفنانين أصبحوا أكثر واقعية، يوضح هذا المنهج أن ظهور المنظور كان نتيجة تراكمات عديدة، مثل إكتشافات رياضية جديدة، أوتحسين أدوات الرسم، أوتغير توقعات الجمهور، أوبناء ورش عمل يتبادل فيها الفنانون المعرفة والخبرة. هكذا يصبح المنظور نفسه جزءًا من نظام إنتاج الحقيقة المرئية لا مجرد تفضيل جمالي.


ومن خلال هذا الفهم، يُعاد النظر في الأعمال الفنية من عصر النهضة على أنها نتاج تحوّل في طبيعة الوثيقة الفنية ذاتها. فاللوحة لم تعد مجرد سطح مسطّح يحمل صورة، بل أصبحت مساحة هندسية محسوبة، تعتمد على قواعد دقيقة لتكوين العمق والظل والنور، ما يمنح العين إحساسًا بأن المشهد حقيقي وذي عمق. هذا التحول لا يمثل فقط تقدمًا في الجماليات، بل إعادة صياغة لما يجعل الصورة صحيحة أو واقعية. وبذلك يظهر أن العمل الفني، مثل التجربة العلمية، هو نتيجة شبكة اجتماعية وتقنية كاملة، تتداخل فيها المعرفة المتخصصة، والأدوات، والتقاليد، وتوقعات الجمهور. إنها طريقة لفهم الفن باعتباره ممارسة جماعية ومؤسساتية تصنع الحقيقة المرئية، تمامًا كما تصنع المختبرات الحقيقة العلمية.


كما استفاد مؤرّخو الفن من تركيز شابين وشايفر على الطبقات المادية للوثيقة، في تتبّع التغيّر الذي مسّ المواد والأدوات خلال النهضة، مثل استخدام الألوان الزيتية، وتقنيات المزج، وإرساء قواعد الظلال والضوء. وقد سمح النظر إلى هذه العناصر كـخصائص وثائقية، بتحليل كيف أسهمت المادة في تشكيل أنماط جديدة للرؤية. فالانتقال إلى تقنيات المنظور الخطي لم يُقرأ فقط كابتكار بصري، بل كتحوّل في طبيعة العمل الفني، إذ أصبحت اللوحة وثيقة تبني فضاءً وهمياً منظماً وفق قواعد رياضية، وتقدّم للمتلقي تجربة رؤية محكومة بموقعه داخل الفضاء.

ويندرج ضمن هذا التوظيف أيضاً الاهتمام بسياقات الإنتاج والاستخدام، حيث أعاد الباحثون قراءة أعمال النهضة من زاوية علاقتها بالمؤسسات الراعية والمعرفة العلمية والتمثلات الاجتماعية للجسد والفضاء. فبموجب منهج شابين وشايفر، تُدرس اللوحة من خلال ارتباطها بالخطاب الفكري السائد في عصرها، وبالتحوّلات التي عرفتها العلوم البصرية والهندسية، بما يجعل المنظور ممارسة معرفية وليست مجرد تقنية جمالية. ومن خلال هذه المقاربة صار تفسير التحوّل في تقنية الرسم جزءاً من فهم تطوّر الوثيقة الفنية نفسها، وكيف صارت وسيطاً يجمع بين العلم والفن والفلسفة.

وهكذا مكّن إطار شابين وشايفر مؤرّخي الفن من الانتقال من قراءة شكلية أو موضوعية للوحة إلى قراءة تستحضر أبعادها المادية والتقنية والمعرفية. فبدلاً من دراسة المنظور كمهارة مكتسبة أو كابتكار فردي، أضحى يُفهم كتعبير عن تغيّر في بنية الوثيقة الفنية وفي شبكة العلاقات التي تربطها بمحيطها الثقافي. ومن هذا المنطلق جاءت دراسات النهضة أكثر قدرة على تفسير التحوّل العميق الذي أعاد تشكيل العلاقة بين الفنان والعالم والمتلقي، وجعل اللوحة فضاءً هندسياً يُقرأ بوصفه وثيقة لثورة في الرؤية الإنسانية.

 

وهنا نخلص إلى أنه، إجمالًا، أثبتت هذه التطبيقات أن أطروحة شابين وشايفر ليست مجرد دراسة تاريخية عن بويل وهوبز، بل منهج عام لتحليل كيف تُبنى الحقيقة في أي مجال معرفي، من المختبر إلى السياسة، ومن الطب إلى البيئة. لقد جعلت دراستهما من العلم الحديث نموذجًا اجتماعيًا مفتوحًا، يمكن تتبّع آلياته في كل سياق حيث تُنتَج المعرفة ويُبرَّر ادعاء الحقيقة. وتكمن أهمية شابين وشايفر في أنهما نقلا مركز الثقل من نظرية المعرفة إلى سوسيولوجيا المعرفة، فبينما كان توماس كون قد بيّن أن التحولات العلمية مشروطة بـالبارادايم المجتمعي والعلمي، عمّق شابين وشايفر هذه الفكرة بالقول إن هذا البارادايم نفسه ليس نتاج المجتمع العلمي وحده، بل ثمرة تفاعل أوسع يشمل الطبقات الاجتماعية، والدين، والاقتصاد، والسياسة. لقد مثّل منهجهما تطبيقاً عملياً لمبدأ برونو لاتور في الفاعلين-الشبكات، ولكن مع تركيز أكبر على النصوص الأصلية والوثائق التاريخية. وبذلك أسهما في تجاوز الرؤية الوضعية التي كانت تفسر تطور العلم كمسار خطّي عقلاني، إلى رؤية أكثر تركيباً تتضمن الأبعاد الرمزية واللغوية والاجتماعية. ومن خلال أعمالهما، أصبح تاريخ العلم مجالاً نقدياً يراجع سرديات التقدم والحياد العلمي، ويفتح الباب أمام فهم العلم كظاهرة ثقافية إنسانية تتغير بتغير السياقات. وبهذا، يتكامل مشروعهما مع من سبقهم مثل توماس كون في نقد الرؤية الوضعية، ومع من لحقهم مثل برونو لاتور وبيتر دير في التوسع في تحليل العلم بوصفه شبكة من العلاقات. فقد أعاد شابين وشايفر تعريف ما يعنيه أن تكون حقيقة علمية، وكيف يتم التفاوض عليها اجتماعياً، وهو ما جعل منهما مرجعاً أساسياً في دراسات العلوم والتقنية (STS).

وهكذا يمكن القول إن أعمال شابين وشايفر قد رسّخت مرحلة جديدة في تاريخ الفكر العلمي، لم تعد فيها دراسة العلم مقتصرة على المفاهيم والنظريات، بل امتدت لتشمل السياق الاجتماعي، واللغة، والممارسات، والأدوات، والرموز التي تشكّل العلم وتمنحه شرعيته.

 

 ٤.٤.١.٣.٢.١٠ إيان هاكينغ وخلق الواقع العلمي وتشكيله


مع العمل المشترك الذي قدّمه ستيفن شابين وسايمون شافر، بدا أن دراسة العلم قد دخلت طورًا جديدًا، لا ينظر إلى المعرفة العلمية بوصفها نتاجًا عقلانيًا محضًا، بل بوصفها ممارسة اجتماعية وسياسية وثقافية تتشكل عبر تفاعل البشر مع مؤسساتهم وأدواتهم وسلطاتهم. ففي كتابهما الليڤياثان ومضخة الهواء، أن التجربة العلمية ليست مجرد اختبار محايد للفرضيات، بل هي حدث اجتماعي معقّد يتداخل فيه الخطاب والحجّة والسلطة والفضاء المؤسسي، وأن الحقائق لا تُولَد من الطبيعة مباشرة، بل من شبكة من الترتيبات والإجراءات التي تجعل من الظاهرة قابلة للتثبيت والإقناع. وقد مثّل هذا العمل نقطة انعطاف حقيقية، حيث أعاد النظر في العلاقة بين المختبر والمجتمع، وفي كيفية تشكّل المعايير والتقنيات التي تمنح العلم سلطة معرفية خاصة.


هذا التحول الذي بدأه شابين وشافر، وجعلا من خلاله تاريخ العلم وتقاليده المخبرية مركزًا للسجال الفلسفي، فتح الباب أمام جيل جديد من المفكرين الذين رأوا أن فهم العلم لا يمكن أن يتم من داخل النظرية وحدها. وفي هذا المسار يأتي إيان هاكينغ ليطوّر هذا المنظور، ولكن عبر زاوية مختلفة؛ إذ لم يكتف بإبراز البنية الاجتماعية للممارسة العلمية، بل ركّز على البنية التجريبية الدقيقة التي تجعل الظواهر العلمية قابلة للتأثير عليها والتوجيه، وعلى الطريقة التي ينتج بها المختبر أنماطًا من الوجود للأشياء والكيانات. وبذلك أصبح هاكينغ حلقة طبيعية في هذا التطور الفكري، فبعد أن أظهر شابين وشافر أن المختبر مؤسسة اجتماعية، سيُظهرهاكينغ كيف يصبح المختبر أيضًا مكانًا لصناعة الواقع نفسه، وكيف أن الحقيقة العلمية تتجسد في قدرتنا على التدخل في العالم وليس فقط في قدرتنا على وصفه أو الاتفاق عليه.


يأتي إيان هاكينغ ليقدّم توسعة نوعية، في المسار الفكري الذي بدأ مع شابين وشايفر، ليس من خلال التركيز على الجانب الاجتماعي فحسب، بل عبر الغوص عميقًا في طبيعة الممارسة التجريبية نفسها. فبينما أوضح شابين وشايفر كيف أن المختبر كان مؤسسة اجتماعية تقوم على الثقة والشهادة وتبادل الخبرات، يركّز هاكينغ على ماذا يحدث داخل المختبر عندما نتعامل مع الظواهر العلمية؟ وكيف تتحول الظواهر من أفكار مجردة إلى أشياء يمكن التأثير فيها والتلاعب بها؟


فهاكينغ يرى أن العلم لا يقوم فقط على الملاحظة والوصف، بل على التدخل، أي القدرة على جعل الظواهر تستجيب لما نفعله بها. فمثلاً، لا يكفي أن نصف الإلكترون أو الأشعة السينية، بل الأهم أننا نستطيع توجيهها، التحكم بها، والانخراط معها في سلسلة من الإجراءات. وعندما يصبح بالإمكان التعامل مع ظاهرة معينة، فإن هذه القدرة تمنحها نوعًا من الوجود الخاص يسمّيه هاكينغ أنماط الوجود، أي أن المختبر يصنع للظاهرة طريقة جديدة للظهور والتصرّف لم تكن متاحة خارج السياق التجريبي.


كان إيان هاكينغ  أحد أبرز فلاسفة ومؤرخي العلم في القرن العشرين، وتميز بمسار فكري متفرد جمع بين التحليل الفلسفي الدقيق والمقاربة التاريخية والسوسيولوجية لتطور المعرفة العلمية. ولم يكن هاكينغ مجرد شارحٍ لفلسفة العلم كما عند بوبر أو كون، بل كان يسعى إلى إعادة بناء فهمنا لماهية العلم من خلال ممارساته وتجلياته المادية، محاولاً تجاوز النزاع التقليدي بين الواقعية والتجريبية أو بين النظرية والملاحظة. لقد رأى أن تاريخ العلوم لا يمكن فهمه بمجرد تتبع النظريات، بل يجب النظر إلى الطرق التي تُمارس بها التجربة، وإلى الأدوات، وإلى أنماط الخطاب التي تنتج الواقع العلمي.


في كتابه الشهير التمثيل والتدخل، ١٩٨٣م، قدّم هاكينغ أطروحة مركزية أصبحت علامة فارقة في فلسفة العلم الحديثة. في هذا الكتاب، ميّز بين التمثيل والتدخل في النشاط العلمي؛ فالتمثيل يعبر عن محاولتنا لوصف العالم من خلال النماذج والنظريات، أما التدخل فيشير إلى الممارسة التجريبية التي تُمكّننا من التأثير في العالم وصنع ظواهر جديدة. ومن خلال هذا التمييز، حاول هاكينغ أن يجيب على السؤال عن هل العلم يكتشف الواقع أم يخلقه؟، ليقدّم موقفاً وسطاً بين الواقعية العلمية والوضعية البنائية. لقد رأى أن ما نمارسه علمياً، عندما نتدخل وننتج ظواهر قابلة للتكرار والسيطرة، هو دليل على وجود واقعي للعالم، حتى لو كانت نظرياتنا حوله تتغير. من هنا جاءت مقولته الشهيرة، إذا استطعت أن أجعل الإلكترون يفعل ما أريد، فالإلكترون موجود.


اهتم هاكينغ كثيراً بما أسماه الأنماط التاريخية في تكوين الواقع، وهو مفهوم طوره في كتابه الأنماط التاريخية، ٢٠٠٢م، حيث أوضح أن الكيانات التي يتعامل معها العلم ليست ثابتة، بل تتغير مع الزمن، لأنها نتاج تفاعلات بين الممارسات الخطابية والتجريبية. فالجنون، والمرض، والجينات، وحتى مفاهيم مثل الاحتمال والاحتمالية، ليست أشياء أزلية، بل مفاهيم تَكَوّنت ضمن شبكات معرفية وتاريخية محددة. في هذا السياق، استفاد هاكينغ من ميشيل فوكو، الذي تأثر به بعمق، خصوصاً في تحليله لكيفية تشكل أنظمة الخطاب التي تحدد ما يمكن قوله علمياً. إلا أن هاكينغ خالف فوكو في نقطة محورية، إذ لم يكتفِ بالتحليل الخطابي، بل شدد على دور التجريب والأدوات بوصفها مكوّناً أساسياً في تشكل الحقيقة العلمية، ما جعله يمزج بين نقد فوكو والتحليل العلمي التجريبي.


ودرس في كتابه ظهور الاحتمال، ١٩٧٥م، التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم الاحتمال عبر التاريخ، موضحًا كيف انتقل من كونه فكرة ذات طابع أخلاقي أو فلسفي إلى أن أصبح أداة رياضية وعلمية دقيقة. ففي القرن السابع عشر، لم يكن الاحتمال يُفهم بوصفه رقمًا أو معادلة، بل كان مرتبطًا بمفاهيم مثل الصدق، والنية، والعدالة، والاحترام، أي أنه كان جزءًا من التفكير الأخلاقي المرتبط بالحكمة اليومية واتخاذ القرار في غياب اليقين. فقد كان الناس يتحدثون عن احتمال صدق شخص أو احتمال عدالة موقف ما، وهي تعبيرات تعتمد على تقديرات أخلاقية لا على حسابات كمية. غير أن هذه الصورة بدأت تتغير عندما ظهرت الحاجة إلى قياس المجهول بطريقة أكثر دقة، خصوصًا مع انتشار ألعاب الحظ والمراهنات، ثم توسع التجارة والتمويل، ما دفع العلماء والرياضيين إلى التفكير في طرق لصياغة عدم اليقين بأرقام واضحة. وهنا بدأ الاحتمال يتحول إلى حساب رياضي يمكن استعماله في التنبؤ، بدلاً من كونه مجرد حكم أخلاقي. وأصبحت الأسئلة تتعلق بكيفية حساب فرصة ظهور رقم معيّن في رمية نرد، أو احتمال حدوث خسارة في تجارة ما، وهي أسئلة تتطلب أدوات رياضية وليس قيمًا فلسفية. ومع تقدم العلوم، استقر الاحتمال باعتباره مفهومًا علميًا يُستخدم لفهم العالم المادي والنفسي على حد سواء. في الفيزياء، مثلاً، أصبح الاحتمال جزءًا أساسيًا من ميكانيكا الكم، حيث لا يمكن وصف حركة الجسيمات إلا من خلال الاحتمالات. وفي الإحصاء، صار الاحتمال أساسًا لقراءة البيانات وفهم الظواهر الاجتماعية والطبية. وحتى في علم النفس، أصبح وسيلة لفهم كيفية اتخاذ الناس للقرارات تحت ظروف عدم اليقين.


ويبرز هاكينغ من خلال هذا التحليل أن الاحتمال لم يكن مجرد تقدم رياضي، بل كان تحولًا في طريقة البشر لفهم العالم، من النظر إليه عبر قيم أخلاقية غامضة، إلى التعامل معه عبر أرقام ونماذج تسمح بالتنبؤ، والتحكم، وإجراء التجارب. بهذه الطريقة أصبح الاحتمال عنصرًا أساسيًا في العلم الحديث، ومفتاحًا لفهم كل شيء من الطقس إلى الأسواق المالية إلى سلوك الإنسان. ومن خلال هذا التحليل التاريخي، بيّن أن المفاهيم العلمية ليست مجرد تطورات عقلية، بل تتأصل في تغيرات ثقافية ومعرفية واجتماعية، إذ نشأ مفهوم الاحتمال في سياق تراجع النظرة الحتمية للعالم وصعود فكرة اللايقين. وفي كتابه اخضاع أو ترويض الصدفة، ١٩٩٠م، وسّع هاكينغ هذا البحث ليكشف كيف أن الصدفة لم تعد مرادفاً للجهل، بل أصبحت أداة علمية لفهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية، مؤكداً أن المفاهيم العلمية تتبدل تبعاً لأنماط التفكير السائدة.

 

ولإيضاح ذلك، يشيرهاكينغ إلى أمثلة ملموسة، مثل كيفية إنتاج حزم الإلكترونات في أجهزة المسرّع. هذه الإلكترونات ليست مجرد كيانات تُرى أو تُلاحظ من بعيد، بل تُنتج داخل أجهزة معقّدة تسمح للعلماء بتحريكها، قياس سرعتها، وتغيير خصائصها. هنا يصبح وجود الإلكترون مرتبطًا بالسياق التجريبي الذي يتيح إمساكه عمليًا. ومثال آخر هو القدرة على خلق أشكال جديدة من المادة مثل تكثيف بوز-آينشتاين، وهو حالة غريبة من حالات المادة تنشأ عندما تُبرَّد مجموعة من جسيمات تُسمّى بوزونات إلى درجة قريبة جداً من الصفر المطلق. عند هذه الدرجة تتوقف تقريباً الحركة العشوائية للجسيمات، ويبدأ عدد هائل منها بالانزلاق إلى أدنى مستوى للطاقة بشكل جماعي. النتيجة هي أنّ الجسيمات تتصرف كأنها جسيم واحد هائل له موجة كمومية مشتركة. في هذه الحالة، يختفي الحدّ الفاصل بين الجسيمات الفردية، وتظهر خصائص كمومية على مستوى المادة كلها، مثل التدفق الفائق وخواص موجية جماعية يمكن رؤيتها بالعين عبر تجارب معينة. اكتشف هذه الحالة نظرياً بوز وآينشتاين في عشرينيات القرن العشرين، وتم إنتاجها مخبرياً في التسعينيات عبر تبريد ذرات الروبيديوم بالليزر. ويعد تكثيف بوز-آينشتاين مثالًا على قدرة العلماء على دفع المادة إلى حالات جديدة لا تظهر في الطبيعة العادية، من خلال تبريد الذرات إلى درجات قريبة جداً من الصفر المطلق، حيث تتوقف الحركة تقريباً وتتصرّف الذرات كأنها كيان واحد.


تكمن الحاجة العلمية لهذه الحالة في أنها تتيح رؤية خصائص كمومية كانت محصورة في الجسيمات الدقيقة، مثل التداخل والسلوك الموجي الجماعي، مما يجعلها نافذة فريدة لفهم القوانين الأساسية للميكانيكا الكمومية وكيف تتجلّى عندما تفقد المادة طاقتها الحرارية. وتساعد هذه الحالة العلماء على الربط بين فيزياء العالم المجهري والقابل للرصد، من خلال جعل الظواهر الكمومية كبيرة بما يكفي لقياسها بأجهزة تقليدية. وتتجاوز أهمية هذه المواد حدود المعرفة النظرية، إذ تُستخدم في تطوير تقنيات دقيقة مثل الساعات الذرية وأنظمة الملاحة، وفي ابتكار حساسات عالية الحساسية قادرة على رصد تغيرات طفيفة في الجاذبية أو الحقول المغناطيسية. كما تُعد مثالًا على طموح العلم في ابتكار حالات جديدة من المادة تفتح الباب أمام ثورات تقنية مستقبلية، تماماً كما قادت اكتشافات سابقة، كالمواد فائقة التوصيل والبلازما، إلى تطبيقات غيرت العالم. بهذه الطريقة يصبح تكثيف بوز– آينشتاين خطوة نحو توسيع حدود معرفتنا بالطبيعة وفي الوقت نفسه أداة لبناء تكنولوجيا أكثر تقدماً.


ومن هذه الأمثلة يتضح أن المختبر، في منظور هاكينغ، ليس مجرد مكان للتحقق من الفرضيات أو اختبار النظريات، بل هو موقع إنتاج واقع جديد. فالظاهرة العلمية تكتسب حقيقتها عندما نستطيع أن نوجّهها، نعيد خلقها، ونجعلها تعمل وفق إرادتنا، لا عندما نصفها فقط أو نتفق نظريًا على شكلها. الحقيقة العلمية، إذن، ليست فقط اتفاقًا اجتماعيًا كما يبرز شابين وشايفر، وليست مجرد تمثيل جيد للواقع، بل هي القدرة العملية على جعل العالم يتصرّف بطريقة يمكن التحكم بها.


وبهذا يصبح دور هاكينغ حلقة طبيعية في التطور الفكري لدراسات العلم. فإذا كان شابين وشايفر قد أظهرا أن المختبر مؤسسة اجتماعية تنتج الثقة والمعرفة، فإن هاكينغ يبيّن أن المختبر أيضًا يصنع الكائنات والظواهر التي يتعامل معها العلم، وأن الواقع العلمي ليس شيئًا نكتشفه فقط، بل شيئًا نساهم في خلقه وتشكيله عبر أدوات وأنشطة دقيقة. بهذه الرؤية تتكامل المقاربات، فالعلم ممارسة اجتماعية، لكنه أيضًا ممارسة تدخلية تصنع العالم الذي تدرسه. كما أدخل إيان هامينج البعد الأنطولوجي والتجريبي إلى النقاش، فالعلم في نظره ليس لغة فقط، كما يذهب إلى ذلك متبني الوضعية التحليلية اللذين يقولون ان العلم لغة منطقية دقيقة، والحقيقة تُفهم عبر قواعد التحقق والمنطق، وليس نتاجا اجتماعياً فقط، كما يتبنى ذلك بارينز وشابين وشايفز وغيرهم ممن يقولون إن العلم نتاج اجتماعي، والثقافة تحدد ما يعدّ معرفة، كما هو عند اتباع سوسيولوجيا المعرفة العلمية، وليس مجرد تمثيلا أو تصويرا للواقع، كما يقول البنائيون أمثال كون وكوفو ولاتوراللذين يقولون بأن الحقيقة العلمية مبنية عبر مفاهيم ونماذج وخطابات وشبكات. بل أبرزهامينج أن الواقع العلمي ليس مجرد بناء لغوي أو اجتماعي، بل يتشكل من خلال تفاعلٍ دائم بين المفاهيم والنماذج والأدوات التجريبية. ويقوم بذلك عبر لفت الانتباه إلى أن الواقع العلمي لا يتكوّن فقط من خلال الخطاب أو التوافقات الاجتماعية، بل ينشأ من تفاعل حيّ ومستمر بين المفاهيم التي يبتكرها العلماء، والنماذج التي يصوغونها، والأدوات التي يستخدمونها لإنتاج الظواهر في المختبر. فالعلم، في منظوره، ليس مجرد نشاط لغوي نُطلق خلاله أسماء على أشياءٍ في العالم، ولا هو فقط ممارسة اجتماعية يتشكل فيها المعنى عبر التفاوض بين العلماء، بل هو قبل كل شيء نشاط تجريبي يتيح للعالم أن يتفاعل مع الظواهر بطريقة تجعلها موجودة ومؤثرة وملموسة.


ويتجلى هذا التفاعل في كيفية تحوّل المفاهيم العلمية إلى كيانات يمكن التعامل معها، وذلك حين تدخل في سلسلة من الإجراءات العملية. فعندما يبتكر الفيزيائيون مفهوم الكوارك مثلًا، الذي ظهر مفهومه في ستينيات القرن العشرين عندما حاول العلماء فهم العدد الكبير من الجسيمات التي اكتُشفت في مسرّعات الجسيمات، اقترح الفيزيائي موري غيلمان، بالتوازي مع جورج تسفايغ، أن البروتونات والنيوترونات ليست جسيمات أولية، بل تتكون من وحدات أصغر سمّا كل منها كوارك، مقتبسا هذا الاسم، من احدى الروايات الأدبية التي كان يقرؤها حينها، وبدون أي مسوغ لهذه التسمية الا من مصادفة جملة كانت تتحدث عن الرقم ثلاثة والصوت كان مشابها للصوت الذي كان يردده. هذا الكوارك، يبقى مجرد فكرة إلى أن تُنشأ أجهزة معجّلات الجسيمات التي تسمح بإنتاج إشارات قابلة للقياس، وتفرض بواسطتها نمطًا من الوجود لهذا الجسيم بطريقة لا يمكن اختزالها إلى اللغة فقط. هنا يتكوّن الواقع العلمي من خلال التلاقي بين النموذج النظري الذي يقترح وجود الكوارك، والآلة التي تجعل آثاره قابلة للرصد، والمنهج التجريبي الذي يسمح بتكرار النتائج والتحكم فيها. في هذه اللحظة يصبح الكوارك، ليس مجرد وصف، بل جزءًا من العالم الفيزيائي الذي يمكن أن نثيره ونرصد استجاباته.


ويظهر هذا التوجه أيضًا في العلوم البيولوجية حيث لا تُفهم الجينات بوصفها مفاهيم لغوية، بل ككيانات التجارب التي يمكن تعديلها والتدخل فيها. فعندما يستخدم العلماء تقنيات مثل Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats  تكرارات قصيرة متباعدة منتظمة ذات طبيعة متناظرة, وتختصر CRISPR,  لتعديل جزء محدد من الحمض النووي، فإنهم لا يصفون الجين فقط، بل يخلقون نمطًا جديدًا لوجوده من خلال قدرته على الاستجابة لأفعالهم. هنا يتجلى البعد الأنطولوجي في أوضح صوره، إذ يصبح الجين جزءًا من واقع مُعدَّل بفعل تدخل تقني مباشر، لا مجرد كيان مُعرَّف داخل الكتب. ويُعدّ CRISPR  واحدًا من أهم الاكتشافات في علم الأحياء الحديث، وهو في جوهره نظام مناعي طبيعي تمتلكه البكتيريا للدفاع عن نفسها ضد الفيروسات التي تغزوها. حيث تعتمد البكتيريا على طريقة ذكية للقضاء على الفيروسات التي تهاجمها. فتحتفظ البكتيريا، بأجزاء صغيرة من الحمض النووي للفيروسات التي هاجمتها سابقًا، وتتعرف عليها لاحقًا وتقضي عليها بسرعة. من خلال دراسة هذا النظام البسيط والفعال، اكتشف العلماء إمكانية تحويله إلى أداة دقيقة لتعديل الجينات في أي كائن حي.  وتحوّل إلى تقنية ثورية عندما أدرك الباحثون أن المكوّنات الأساسية التي تستخدمها البكتيريا يمكن إعادة توجيهها.

أهم ما يجعل CRISPR  ثوريًا هو أنه فتح الباب أمام تعديل الجينات بدقة غير مسبوقة، في الإنسان كما في النبات والحيوان. ويمكن استخدامه لعلاج أمراض وراثية، وتطوير محاصيل مقاومة للجفاف، وتغيير وظائف الخلايا المناعية لمحاربة السرطان، بل ودراسة دور كل جين عبر تعطيله أو استبداله. وبذا، تحوّلت الهندسة الوراثية من مجال صعب ومحدود إلى أداة تشبه محرّر النصوص، حيث يمكن قصّ ولصق الحمض النووي بسهولة لافتة.


كما هو الحال في أكثر المشاريع الكبيرة، فجذور فهم CRISPR  تعود إلى جهود تراكمية لعلماء من دول عدة، لكن النقلة الحاسمة حدثت عام ٢٠١٢م، حين نجحت إيمانويل شاربنتييه وجينيفر دودنا في تحويله إلى أداة قابلة للاستخدام في المختبر، وهو الإنجاز الذي نالتا بسببه جائزة نوبل في الكيمياء عام ٢٠٢٠م. ورغم الآفاق الواسعة التي فتحتها هذه التقنية، إلا أنها تثير مخاوف أخلاقية وعلمية مهمة تتعلق بإمكانية حدوث تعديلات غير مقصودة، وبقضية تعديل الأجنة البشرية، وبالتأثيرات البيئية لإطلاق كائنات معدلة وراثيًا. ولذلك يحرص العلماء وصنّاع القرار على وضع حدود واضحة لاستخدامها. وبذلك، يمثّل CRISPR  تحولًا جذريًا في فهمنا للوراثة وقدرتنا على التدخل في أساس الحياة، جامعًا بين بساطة الفكرة الأولى في البكتيريا، واتساع آفاقها في يد العلم الحديث. حيث أكدت لجنة نوبل عام 2020 أن عملهما "أعاد تشكيل علوم الحياة" وفتح بابًا واسعًا لأبحاث العلاج الجيني وإمكانية شفاء أمراض وراثية كانت تُعد مستحيلة العلاج. وبذلك أصبح بحثهما لعام 2012 حجر الأساس لانطلاقة ثورة التعديل الجيني الحديثة.


ولفهم علاقة هذا بأطروحات إيان هاكينغ، ينبغي التذكير برؤيته المبنية على أن العلم لا يكتفي بتمثيل الواقع أو وصفه لغويًا، بل يتدخل فيه ويعيد تشكيله من الداخل. فالعالم في نظره لا يكتشف ما هو موجود فحسب، بل يخلق كيانات جديدة لم تكن لتوجد لولا الأدوات والتقنيات والممارسات التجريبية، وشدّد على أن المختبر هو المكان الذي تُصنع فيه أنماط الوجود الجديدة من خلال القدرة على المناورة بالمواد، وتوجيه الظواهر، وإنتاج ما لم يكن مرئيًا أو قابلًا للتحكم من قبل.


تأتي تقنية CRISPR   لتجسّد هذه الفكرة بأوضح صورها. فالعلم هنا لا يقوم بتمثيل الجينات أو وصفها فقط، بل يتدخل فيها تدخلاً مباشرًا، ويقصّها، ويعيد ترتيبها، ويُدخل تغييرات لم تكن ممكنة في الطبيعة. وهذا النوع من التدخل يبرهن على أطروحة هاكينغ بأن الحقيقة العلمية لا تتحقق فقط عندما نفهم الشيء، بل عندما نستطيع التلاعب به وجعله يستجيب لنا بوصفه جزءًا من عالم تجريبي مُدار داخل المختبر. وبذلك تصبح الجينات كيانًا لا يُعطى جاهزًا، بل يمكن تشكيله وإعادة صياغته.


يتصل هذا أيضًا بفكرة هاكينغ حول صناعة الكيانات العلمية، وهي أطروحة تقول إن بعض الكيانات التي يتعامل معها العلم، مثل الإلكترونات، الكواركات، أو البنى الجينية المعدّلة، تتجسد واقعيًا فقط عندما نملك القدرة التجريبية على إنتاجها، السيطرة عليها، أو استخدامها. وCRISPR   تحديدًا خلق نوعًا جديدًا من الكيانات الوراثية، وهي جينات مُعاد صياغتها، خلايا معدّلة، وكائنات حية تحمل سمات لم توجد في الطبيعة. بهذا يتحقق ما يسميه هاكينغ الواقعية التجريبية، أي أننا نصدق بوجود كيان ما لأننا نستطيع التدخل فيه، لا لأن النظرية فقط تقول بوجوده.


كما أن CRISPR  يكشف الجانب التاريخي الذي شدّد عليه هاكينغ. فهو يبيّن أن المعرفة العلمية لا تتطور فقط بفعل الأفكار، بل بفعل الأدوات والتقنيات التي تُتيح رؤية جديدة للواقع. فمثلا، لو لم يظهر إنزيم Cas9،  ولو لم تُطوّر تقنيات، كتقنيّة RNA-guiding  لما ظهرت فكرة التحرير الدقيق للجينات أصلاً. وهذا يطابق ما قاله هاكينغ بأن العلم يتشكل من تفاعل المفاهيم والأدوات، وأن التاريخ العلمي هو تاريخ للأجهزة بقدر ما هو تاريخ للأفكار.


وبذلك، يمكن القول إن CRISPR   هومثال مدهش يجسّد قلب مشروع إيان هاكينغ، الذي يعتمد على فهم العلم بوصفه نشاطًا يصنع واقعًا جديدًا، ويحوّل ما هو ممكن معرفيًا وعمليًا. إنه ليس مجرد تطبيق علمي، بل ظاهرة تجريبية تعطي الفلسفة دليلًا حيًا على أن المختبر ليس مكانًا لاكتشاف العالم فقط، بل مكانًا لصناعته أيضًا.


ويمتد هذا المنظور كذلك إلى الظواهر التي لم يكن لها وجود قابل للرصد إلا بعد أن أتاح التقدم التكنولوجي إمكان إنتاجها، مثل تكثيف بوز–آينشتاين، كما ذكرنا أعلاه، أو حالات جديدة من المادة في درجات حرارة فائقة الانخفاض. فهذه الظواهر لم تكن تُعرف لأنها لم تكن موجودة قبل توفر الأجهزة التي تجعلها ممكنة. بذلك ينشأ الواقع العلمي من علاقة ثلاثية الأطراف، وهي النظرية التي تتوقع الظاهرة، والأدوات التي تنتجها، والتجارب التي تبرهن على استقرارها وقابليتها للتكرار.


ويخلص هذا الفهم إلى أن العلم ليس بناءً لغويًا يخلق الواقع من خلال الكلمات، ولا مؤسسة اجتماعية تفرض المعنى عبر التفاوض فحسب، بل هو عملية صنع للعالم من خلال التفاعل المتبادل بين الفكر والأداة والتجربة. فما يصبح حقيقيًا في العلم هو ما يمكن أن نستثيره ونضبطه ونوجّهه باستخدام أدواتنا، وما يثبت استقراره في سلسلة من الممارسات التجريبية. بهذه الرؤية يكشف هاكينغ عن بُعد وجودي عميق يجعل الواقع العلمي نتاجًا لتشابك مستمر بين ما نفكّر به وما نصنعه وما نتدخل فيه عمليًا.


٤.٤.١.٣.٢.١٠.١ كيف تختلف أطروحاته عن أطروحات لاتور


 التمييز بين أطروحة شابين وشايفر في الليڤياثان ومضخة الهواء، وأطروحة برونو لاتور في كتابيه حياة المعمل، والعلم في الميدان هو أحد المفاتيح لفهم تطوّر فلسفة العلم الاجتماعية في أواخر القرن العشرين. فكلا الطرفين انطلقا من المنظور البنائي الاجتماعي للعلم، لكنّهما اختلفا في درجة الراديكالية، وفي مفهوم الفاعل، وفي رؤيتهما للعلاقة بين المجتمع والطبيعة. ونحاول فيمايلي إيضاح الفروق الجوهرية بينهما.

ينطلق شابين وشايفر من فرضية أساسية مفادها أن العلم الحديث هو نتاج سياق اجتماعي وتاريخي محدّد، وأن ما نعدّه منهجًا علميًا ليس اكتشافًا موضوعيًا للطبيعة، بل تأسيس لنظام اجتماعي جديد للثقة والمعرفة. فالحقيقة العلمية عندهما اجتماعية المصدر، لكنها مع ذلك تظل حقيقة بشرية، داخل فضاء اجتماعي بشري. المجتمع هنا هو الإطار الذي يُنتج فيه العلم، والعلاقات بين العلماء والمؤسسات والجمهور هي ما يمنح النتائج العلمية مشروعيتها. بمعنى آخر، فعند شابين وشايفر، المجتمع يفسّر العلم، بينما العلم انعكاس لتكويناته الثقافية والسياسية.


أما برونو لاتور فيرى أن هذا التفسير الاجتماعي للعلم، لا يذهب بعيدًا بما يكفي. فحين نقول إن المجتمع هو الذي يفسّر العلم، فإننا نعيد ببساطة استبدال الطبيعة بـالمجتمع، كعامل محدّد، من دون أن نتخلص من الثنائية القديمة بينهما. لذلك تجاوز لاتور هذا الإطار نحو منظور أكثر جذرية هو نظرية شبكة الفاعلين ((ANT، التي ترى أن لا وجود لقطيعة بين العوامل البشرية والعوامل المادية. في شبكة لاتور، الأشياء نفسها فاعلة، فالأجهزة، والكائنات، والنصوص، وحتى المفاهيم، تشارك في إنتاج الحقيقة. فالعلم ليس نتاج تفاعل اجتماعي بين البشر، بل نتاج شبكة هجينة من البشر والأشياء. وهنا يكمن الفارق الأساسي بين أطروحتيهما، فشابن وشايفر يدرسان العلم من زاوية اجتماعية تاريخية، أما لاتور فيدرسه من زاوية أنثروبولوجية شبكية تتخطى حدود المجتمع نفسه.


كذلك، يرى شابن وشايفر أن الحقيقة العلمية تُبنى داخل نظام من الاتفاق الاجتماعي والثقة المؤسسية، أي أن قبول الحقيقة هو نتيجة للتفاعل داخل جماعة العلماء والمجتمع الأوسع. أما لاتور فاعتبر أن هذا القبول لا يمكن تفسيره فقط بالعلاقات الاجتماعية، بل يجب فهمه بوصفه عملية ترجمة متبادلة بين عناصر بشرية وغير بشرية، حيث تكتسب الحقيقة قوتها من قدرة الشبكة على التوسّع والثبات. الحقيقة في نظره لا تُقبل لأنها اجتماعيًا موثوقة فحسب، بل لأنها صمدت في شبكة من الاختبارات والوثائق والأدوات والكتابات التي تجعلها واقعية. ولذلك قال عبارته الشهيرة، الحقائق العلمية هي ما يبقى قائمًا عندما يتوقف الجدل. بهذا، لاتور يقول الحقيقة العلمية ليست شيئًا جاهزًا أو ثابتًا منذ البداية، بل هي نتيجة سلسلة طويلة من النقاشات، والتجارب، والاعتراضات، والاختبارات. وعندما تصمد فكرة معينة أمام كل هذه الاختبارات، ويتوقف الناس عن الاعتراض عليها، عندها تُسمّى هذه الفكرة، الحقيقة.


من ناحية المنهج، ركّز شابن وشايفر على التحليل التاريخي والنصّي، مستخدمَين الجدل بين بويل وهوبز كنموذج تأسيسي لتوضيح كيف تغيّر شكل السلطة المعرفية في القرن السابع عشر. منهجهما إذًا تاريخي جدلي يعتمد على الأرشيف والنصوص والوقائع الفكرية. أما لاتور فاعتمد المنهج الإثنوغرافي الميداني (الإثنوغرافيا الميدانية هي دراسةُ الناس في حياتهم الطبيعية عبر الملاحظة المباشرة، والمشاركة في أنشطتهم، وتوثيق سلوكياتهم ومعتقداتهم بهدف فهم الثقافة من الداخل كما يراها أفرادها، وهذا نشأ في الأنثروبولوجيا (علم دراسة الإنسان)، وانتقل لاحقًا إلى السوسيولوجيا، وعلوم التربية، والإعلام، ومجالات كثيرة. فدخل المختبرات المعاصرة ودرس العلماء أثناء ممارساتهم اليومية، ليبيّن كيف تُبنى الحقيقة في لحظتها وليس فقط عبر السرد التاريخي. وبذلك، نقل لاتور دراسة العلم من التاريخ إلى الأنثروبولوجيا الحيّة.


كما يختلفان في الموقف من الحداثة. فشابن وشايفر يصفان كيف وُلدت الحداثة العلمية من خلال بناء فاصل بين الطبيعة والمجتمع، دون أن يحكما عليها جذريًا. لكن لاتور يذهب أبعد في نقدها، فيعلن أن الحداثيين لم يكونوا حداثيين حقًا، لأنهم ظنّوا أنهم فصلوا بين المجتمع والطبيعة بينما ظلّوا يخلطونهما في الممارسة، لأن حقائقهم العلمية لم تكن يومًا طبيعية خالصة، بل كانت دائمًا نتاج شبكة مختلطة من البشر والأدوات والمواد والقرارات؛ لكنهم في خطاباتهم ادعوا أنها طبيعة صافية، منفصلة عن المجتمع. وهكذا تحوّل تحليل لاتور من دراسة العلم إلى نقد شامل للحداثة الغربية ومفاهيمها حول العقل، والموضوعية، والسلطة.


أما من حيث العلاقة بالموضوعية، فإن شابن وشايفر بقيا ضمن أفق يمكن وصفه بـالبنائية المعتدلة، فهما لا ينكران وجود العالم الطبيعي، لكنّهما يؤكدان أن فهمنا له يمر عبر الوساطة الاجتماعية. في المقابل، يقدّم لاتور واقعية جديدة أو واقعية بنائية، تعترف بفاعلية العالم نفسه في تشكيل المعرفة، بحيث لا يكون الواقع مجرّد موضوع يُمثَّل، بل شريك فعّال في عملية إنتاج المعنى. ولهذا يرى البعض أن لاتور تجاوز المنعطف الاجتماعي، في فلسفة العلم نحو ما يُعرف اليوم بـالمنعطف المادي.


ومن حيث علاقة المعرفة بالواقع، يبقى شابن وشايفر داخل إطار ما يمكن تسميته بالبنائية المعتدلة؛ فهما لا يشكّكان في وجود العالم الطبيعي ولا ينكران واقعيته، لكنهما يريان أن الطريق إلى فهمه لا يكون مباشرًا، بل يمرّ عبر المجتمع، ومؤسساته، ولغته، وأدواته. فالظواهر موجودة، لكن معناها العلمي يتشكل من خلال تفسيرات العلماء وأساليبهم وتجاربهم المشتركة. وفي المقابل، يقدّم برونولاتور تصورًا مختلفًا أكثر جرأة، يقوم على واقعية جديدة أو واقعية بنائية، حيث لا ينظر إلى الواقع باعتباره مادة خام صامتة نكتفي بتمثيلها، بل باعتباره طرفًا فاعلًا يشارك البشر في صنع المعرفة. فالعالم الطبيعي، في هذا المنظور، لا يُكتشَف فحسب، بل يتفاعل مع الباحث ومع أدوات المختبر، ويؤثر في مسار البحث ونتائجه. ولهذا يرى عدد من الباحثين أن لاتور تجاوز إطار المنعطف الاجتماعي الذي ركّز على دور البشر والمؤسسات في العلم، واتجه نحو ما يُعرف بالمنعطف المادي، حيث تصبح الأشياء والمواد والأجهزة جزءًا أساسيًا من تفسير كيفية تشكّل الحقائق العلمية، لا مجرد خلفية محايدة للبحث.


وأخيرًا، يمكن القول إن أطروحة شابين وشايفر كانت بمثابة الأساس البنائي الاجتماعي الذي مهد الطريق لاتباع لاتور، لكنها ظلت متمركزة حول الإنسان والمؤسسة، بينما أطروحة لاتور كسرت مركزية الإنسان لتؤكد أن الحقيقة العلمية هي نتيجة شبكة كونية هجينة تتشارك فيها الكائنات البشرية وغير البشرية على السواء. بهذا المعنى، انتقل الخط الفكري من شابين وشايفر إلى لاتور كما ينتقل الضوء من العدسة التاريخية إلى العدسة الأنثروبولوجية، الأولى تبيّن كيف نشأت سلطة العلم، والثانية تبيّن كيف تعمل هذه السلطة وتتشكل لحظة بلحظة في العالم المعاصر.


٤.٤.١.٣.٢.١٠.٢ أطروحات فوكو وعلاقاتها بأطروحات هاكينغ 


يعتبر كل من ميشيل فوكو وإيان هاكينغ، من أهم من أعادا تشكيل فهمنا للعلم والمعرفة والسلطة في القرن العشرين، لكن كلٌ بطريقته الخاصة. وهنا سنستعرض المعالم الرئيسية لأطروحات كل منهما، نبدأ بأطروحات فوكو، ثم نوضح علاقة هاكينغ بها وكيف تقاطعت واختلفت أعمالهما، مع إبراز التحول الذي أحدثه هاكينغ في نقل أفكار فوكو إلى مجال فلسفة العلم.


تقوم أطروحة ميشيل فوكو على أن المعرفة ليست نتاج تطور عقلاني أو تراكم حقائق، بل هي نتاج علاقات قوة تعمل ضمن أنساق اجتماعية وتاريخية محددة. فالمعرفة عنده لا يمكن فصلها عن السلطة، بل هما وجهان لعملة واحدة. في كتبه الكلمات والأشياء واركيولوجيا المعرفة، وغيرهما، يقدّم فوكو مشروعًا لتحليل نظام الخطاب الذي يُنتج شروط إمكان القول والمعرفة في كل عصر. هذه الأنظمة، هي البنى الخفية التي تحدد ما يمكن اعتباره علمًا أو حقيقة أو خطأ في زمن معيّن. فالمعرفة ليست اكتشافًا تدريجيًا لما هو موجود، بل هي إنتاج تاريخي مشروط. وعندما تتغيّر هذه البنى، تتغيّر معها أشكال العلم والفكر واللغة، فيتحوّل الإبستيمه كما تتحول الطبقات الجيولوجية في الأرض.


يمكن فهم قول فوكو إن المعرفة ليست عملية تراكمية نتقدم فيها خطوة بعد أخرى نحو حقيقة ثابتة كانت تنتظر أن تُكشف، بل هي نتاج لشروط تاريخية وثقافية تحدّد مسبقًا ما يمكن التفكير فيه وما لا يمكن. فالمعرفة، في منظور فوكو، تُبنى داخل إطار عميق يسمّيه الإبستيمه، وهو ليس نظرية يضعها العلماء ولا مجموعة قوانين واعية، بل هو المناخ الخفي الذي يشكل ما يعتبره الناس معقولًا، وما يعدّونه علمًا، وما يتيح لهم طرح أسئلة معينة واستبعاد أخرى دون أن يشعروا بذلك. وعندما تتغيّر هذه البنية العميقة، يتغيّر معها شكل العلم واللغة والفكر، تمامًا كما تتبدل الطبقات الجيولوجية بمرور العصور. فالإبستيمه في عصر النهضة، القائم على التشابهات والرموز، ليست هي الإبستيمه الكلاسيكية التي جعلت العالم مجالًا للتمثيل والتصنيف، وليست هي الإبستيمه الحديثة التي صارت ترى الأشياء في إطار تطورها وتاريخها.


في نظر فوكو، تقوم الإبستيمه في عصر النهضة على رؤية العالم بوصفه شبكة من التشابهات والرموز التي تعكس بعضها بعضًا، بحيث يُفهم كل شيء من خلال علاقته بما يشبهه أو يرمز إليه. لم يكن الإنسان في تلك المرحلة يبحث عن القوانين الدقيقة أو الأسباب المادية، بل كان يقرأ الطبيعة كما تُقرأ النصوص، ويرى في النباتات والنجوم والأشكال علامات تشير إلى معانٍ خفية. كانت المعرفة تعتمد على الكشف عن هذه التناظرات بين الأشياء: بين الإنسان والكون، بين النص والعالم، بين الصورة وما تمثله. هذا التصور جعل العالم كتابًا كبيرًا مليئًا بالرموز، وجعل مهمة العالم هي تفسير هذه العلامات وفهم التناغمات التي تربط الظواهر بعضها ببعض. بهذه الطريقة، كانت الإبستيمه النهضوية تنظر إلى المعرفة كفنّ للقراءة والتأويل، لا كتحليل سببي أو رياضي كما سيظهر لاحقًا في العصر الكلاسيكي.


في الإبستيمه الكلاسيكية، كما يصورها فوكو، لم يعد العالم يُفهم من خلال التشابهات والرموز كما في عصر النهضة، بل أصبح يُنظر إليه كواقع يمكن تمثيله بدقة وتنظيمه عبر التصنيف. ظهرت فكرة أن المعرفة تقوم على وضع الأشياء أمام الذهن، وصفها، قياسها، وترتيبها في جداول وأنساق واضحة. العالم هنا يتحول إلى مجموعة من الموضوعات التي يمكن تسميتها وتعريف خصائصها وربطها بحدود ثابتة، فتغدو المعرفة فعلًا من أفعال العرض العقلي: كيف نُمثّل الشيء كما هو؟ وكيف نصنّفه ضمن نظام شامل يشمل كل الظواهر؟ هذا التحول جعل الطبيعة تُقرأ كمنظومة قابلة للضبط والترتيب، وفتح الطريق لولادة العلوم الوضعية التي تبحث عن علاقات منتظمة بين الظواهر عبر الملاحظة والقواعد المنهجية.


في الإبستيمه الحديثة، ينتقل التفكير من رؤية العالم ككيانات ثابتة يمكن تمثيلها وتصنيفها، إلى فهم الأشياء ضمن سياق تاريخها وتطورها. لم تعد الظواهر تُدرَس باعتبارها معطيات جاهزة، بل بوصفها نتائج لمسارات زمنية طويلة، تتغير فيها الأشكال والوظائف والمعاني باستمرار. يظهر هذا في بروز علوم مثل البيولوجيا التطورية، والاقتصاد التاريخي، واللسانيات المقارنة، والعلوم الإنسانية التي تبحث في نشأة الظواهر وتحولاتها. المعرفة الحديثة هنا لا تكتفي بوصف ما هو قائم، بل تدرس كيف أصبح الشيء على ما هو عليه، وما القوى التي شكّلت مساره، وكيف يمكن أن يتغير مستقبلًا. بهذه الرؤية، يصبح التاريخ هو الشرط الأساسي لفهم الإنسان والطبيعة معًا، وتغدو الحقيقة مرتبطة بالحركة والتحول بدل الثبات والتصنيف.

فوكو أكد على أن كل انقلاب من هذه الانقلابات لا يحدث بسبب اكتشاف علمي معيّن، بل لأن شروط التفكير نفسها تغيّرت، فتغيّرت معها إمكانات المعرفة. لذلك يصبح تحوّل الإبستيمه، هو اللحظة التي يعيد فيها عصرٌ ما تعريف الحقيقة، وإمكان العلم، وحدود العقل، دون أن ينتبه معظم الناس إلى أنهم باتوا يفكرون ضمن طبقة معرفية جديدة بالكامل.


في أعماله اللاحقة، وخاصة  المراقبة والعقاب وتاريخ الجنسانية، عمّق فوكو تحليله باتجاه ما سماه الميكروفيزياء للسلطة، فالسلطة ليست شيئًا يُمارَس من الأعلى، بل هي شبكة من الممارسات اليومية التي تُنتج الأفراد وتشكّلهم. وهكذا لم يعد السؤال عند فوكو من يملك السلطة؟، بل كيف تعمل السلطة في إنتاج الحقيقة والذات؟ ومن هنا جاء مفهومه الشهير السلطة/المعرفة، فكل نظام معرفي يتضمن آلية سلطة تنظم ما يمكن التفكير فيه، وكل سلطة تحتاج إلى نظام معرفي يبررها. وفي تحليله للعلم الحديث، رأى فوكو أن العلم ليس محايدًا، بل هو جزء من مشروع سياسي اجتماعي يهدف إلى ضبط الأجساد وتنظيم المجتمع، كما في الطب، والطب النفسي، وعلم الإجرام. ومن خلال منهجه الأركيولوجي والجينيالوجي، قدّم فوكو رؤية تاريخية غير خطية للعلم، تقوم على أن تاريخ العلم ليس قصة تقدّم مستمر نحو الحقيقة، بل هو سلسلة من التحولات العميقة في الطريقة التي يتكلم بها الناس عن الأشياء ويفكرون فيها. فهو يستخدم ما يسميه “الحفر الأركيولوجي” ليكشف كيف ظهرت في كل عصر قواعد معينة تحدد ما يمكن قوله ومعرفته. ثم يستعمل “المنهج الجينيالوجي” ليتتبع كيف تتغير هذه القواعد عبر الزمن تحت تأثير القوى الاجتماعية والسياسية. بهذه الرؤية، لا يصبح العلم رحلة منتظمة من الخطأ إلى الصواب، بل عملية تاريخية تتبدل فيها شروط التفكير. هذه الفكرة قلبت التصور الوضعي للعلم رأسًا على عقب، ولهذا كان فوكو من أبرز الذين غيّروا نظرتنا لطبيعة المعرفة وتاريخها وجعلته أحد آباء المنعطف التاريخي في فلسفة المعرفة.


ذاك ما يراه فوكو، وتلك أطروحاته، ليأتي إيان هاكينغ، وينطلق من تراثه، ويعمل على تطويره وتعديله داخل فلسفة العلم الأنغلو-سكسونية، بحيث جمع بين حسّ فوكو التاريخي والسوسيولوجي وبين دقّة التحليل التحليلي في فلسفة اللغة والمنهج العلمي. تتمثل مساهمته الكبرى فيما يُعرف بـالبنائية التاريخية المتعدّدة، وهي فكرة مستوحاة مباشرة من مفهوم فوكو عن إنتاج الواقع عبر الخطاب، لكنها أكثر واقعية ومرتبطة بالممارسة العلمية الفعلية.


 ففوكو يرى أن ما نعدّه حقائق أو معرفة، ليس نتيجة تقدّم طبيعي نحو الحقيقة، بل ثمرة تغيّر طرق التفكير والخطاب في كل عصر. فالناس لا يكتشفون الواقع كما هو، بل يبنون صورة عنه داخل أنظمة فكرية تتغيّر مع الزمن. هذا هو الأساس الذي انطلق منه إيان هاكينغ، لكنه حاول أن يجعله أكثر قربًا من العلوم كما تُمارَس فعليًا في المختبرات والمؤسسات العلمية، التي تتبع هويته الأكاديمية في فلسفة العلم، فهو ينتمي إلى تقاليد الفلسفة التحليلية الأنغلو-سكسونية، التي تختلف عن المقاربات القارية (فرنسا والماني) والتي ينتمي اليها فوكو.  وتعتمد الفلسفة التحليلية الأنغلو-سكسونية، تحليلًا منطقيًا أدق، وتركز على اللغة العلمية، وطبيعة التفسير، ومنطق التجربة، وتقييم الحجج، والبراهين. وتعتبر مدرسة أقرب إلى الفلسفة التحليلية، حيث الاهتمام منصبّ على وضوح المفاهيم والأدلة وكيف تُبنى النماذج العلمية، بدل التركيز على البُنى التاريخية العميقة أو السلطة والمعرفة. هذه الخلفية جعلت هاكينغ يقترب من فوكو لكن من داخل تقاليد مختلفة تمامًا.


الاختلاف عند هاكينغ أنه لم يكتفِ بفكرة أن الخطاب يُنتج الواقع، بل درس كيف تنتج الممارسات العلمية الفعلية أشياء جديدة في العالم، مثل تصنيفات نفسية، أو تقنيات طبية، أو فئات اجتماعية، وكيف تتفاعل هذه الوقائع الجديدة مع الناس لتغيّر حياتهم وسلوكهم. هذا الاتجاه هو الذي سمي بالبنائية التاريخية المتعدّدة، أي أن بعض الأشياء تُبنى اجتماعيًا عبر الزمن، لكن بطرق مختلفة من مجال لآخر، وبمزيج من الخطاب، والممارسة، والتقنية، والأدوات.


بهذا المعنى، جمع هاكينغ بين نظرة فوكو التاريخية التي تُبرز تحول أنظمة التفكير، وبين روح الفلسفة التحليلية التي تبحث في كيفية عمل العلم نفسه، وكيف تُنتج التجارب والمختبرات والمفاهيم العلمية واقعًا يمكن اختباره والعيش معه.


لقد وافق هاكينغ، فوكو في أن المفاهيم العلمية لا تُولد من فراغ، بل من سياقات اجتماعية ومؤسساتية تحدد ما يمكن قوله وفهمه. غير أنه رفض أن تُختزل المعرفة العلمية إلى مجرد خطاب سلطة، ورأى أن الممارسة التجريبية والاحتكاك بالعالم المادي يلعبان دورًا أساسيًا في بناء الكيانات العلمية. ولهذا قال عبارته الشهيرة، إذا كنت تستطيع أن تتلاعب بها، فهي حقيقية. أي أن الواقع لا يُحدّد بالكلمات وحدها، بل أيضًا بالأفعال التجريبية التي تمنح الأشياء وجودًا فعليًا، داخل الممارسة العلمية. فهو بذلك أدخل الجسد والمخبر والأداة إلى فضاء فوكو الذي كان في الغالب نصّيًا وخطابيًا.


هاكينغ استخدم أيضًا مفهوم فوكو عن أنماط الوجود البشري، لشرح كيف تُنتج العلوم الاجتماعية فئات جديدة من الأشخاص، مثل المجنون، والمنحرف، والمجرم، وهي فئات لم تكن موجودة قبل ظهور الخطاب العلمي الذي عرّفها. لكنه أضاف أن هذه الفئات، ما إن تُخلق في الخطاب، حتى تبدأ في التأثير على الناس فعليًا. هذه الفكرة بلورها في مفهومه الشهير التفاعل المتبادل بين التصنيف والمصنَّف، أي أن تصنيفات العلوم الاجتماعية لا تصف الواقع فقط، بل تغيّره، لأن الناس يتفاعلون مع تلك التصنيفات ويعيدون تشكيل ذواتهم بناءً عليها. وهنا يتجلى التمديد العملي لفكر فوكو في ميدان فلسفة العلوم الإنسانية.


وبينما ركّز فوكو على تحليل شروط إمكان المعرفة في كل عصر، ركّزهاكينغ على كيفية تشكّل الكيانات العلمية في الممارسة الفعلية، أي كيف تنتقل المفاهيم من كونها أفكارًا إلى أن تصبح أشياء يُتعامل معها. لذلك يُعتبر هاكينغ قريبا من فوكو، لأنه أخذ من فوكو الحس التاريخي والتحليل البنيوي للخطاب، لكنه أضاف إليه المنظور التجريبي الذي يُظهر تفاعل الخطاب مع الواقع المادي.


إجمالا، يمكن تلخيص العلاقة بينهما، بأن فوكو قدّم فلسفة سلطة ومعرفة تُظهر كيف تُنتج الخطابات أشكال الحقيقة، بينما هاكينغ قدّم فلسفة ممارسة ومعرفة تُظهر كيف تتحقق تلك الخطابات داخل العالم التجريبي وتكتسب قوة واقعية. وكلاهما يرفض الفكرة الوضعية عن العلم كمرآة للواقع، لكن فوكو ظل في مستوى نقد أنظمة المعرفة، أما هاكينغ فانتقل إلى تحليل دينامية الممارسة العلمية نفسها. بمعنى آخر، فوكو كشف كيف تُنتَج الحقيقة داخل شبكات السلطة والمعرفة، بينما هاكينغ كشف كيف تعمل الحقيقة عندما تدخل حيّز الممارسة والاختبار والتصنيف. ولذلك يمكن القول إن فوكو وضع الأساس الفلسفي البنيوي لتحليل العلم كخطاب، بينما هاكينغ نقل هذا التحليل إلى أفق واقعي وتطبيقي في فلسفة العلوم الطبيعية والاجتماعية. ومن خلال ذلك، أصبحت أعمالهما معًا تمثّل جناحين متكاملين لتيار البنائية التاريخية المعاصرة، ففوكو يبيّن كيف يُنتج المجتمع شروط القول، وهاكينغ يبيّن كيف تتحول تلك الشروط إلى كيانات وتجارب وممارسات تُغيّر العالم نفسه.


٤.٤.١.٣.٢.١٠.٣ أمثلة توضح ما ذهب اليه هاكينغ


تعتبر أمثلة إيان هاكينغ هي الجزء الأكثر حيوية من فلسفته، فهي ليست مجرد تطبيقات توضيحية، بل تمثل جوهر طريقته في التفكير، في أن تحول المفاهيم العلمية والاجتماعية إلى كيانات واقعية، تكون من خلال الممارسة، لا من خلال النظرية فقط. وهنا نعرض بعض أبرز الأمثلة التي استخدمها هاكينغ أو بُنيت على طريقته، توضّح بجلاء كيف تُجسّد أفكاره مثل التفاعل المتبادل والأنطولوجيا التاريخية وعبارته الشهيرة إذا كنت تستطيع أن تتلاعب بها، فهي حقيقية.


الطب النفسي


أحد أهم أمثلته التاريخية جاء من تاريخ الطب النفسي وعلم النفس، وخاصة في كتابه إعادة كتابة الروح حيث درس ظاهرة اضطراب تعدد الشخصية، المعروف اليوم بـ اضطراب الهوية الانفصامية. وفيه يرى هاكينغ أن هذا الاضطراب لم يكن مجرد اكتشاف علمي جديد في القرن العشرين، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين الطب، والمجتمع، والثقافة. فقبل القرن التاسع عشر، لم يكن للطب النفسي أو القانون أو الأدب أي تصوّر لفكرة أن شخصًا واحدًا يمكن أن يضمّ أكثر من هوية. لكن مع نشوء علم النفس التحليلي والاهتمام بالذاكرة والصدمة، بدأ يُعاد تعريف الذات الإنسانية بطريقة جعلت هذا الاضطراب ممكنًا. هكذا أصبح المريض ذو الشخصيات المتعددة، كيانًا جديدًا في العالم، ليس لأنه وُجد فجأة في الطبيعة، بل لأن الخطاب الطبي والنفسي خلق إمكانية وجوده. ومن ثمّ تفاعلت الشخصيات المصابة فعليًا مع هذا الخطاب، فالمرضى بدأوا يعبّرون عن ذواتهم وفقًا للوصف العلمي الجديد، مما جعل الاضطراب أكثر حقيقية، عبر الزمن. هذه هي الآلية التي يسميها التفاعل المتبادل بين التصنيف والمصنَّف، فالتصنيف العلمي يخلق فئة جديدة من الناس، والناس بدورهم يكيّفون سلوكهم ليطابق هذا التصنيف، فيصبح التصنيف واقعًا اجتماعيًا فعليًا.


الهوس بالسفر


في مثال آخر من كتابه المسافرون المجانين ١٩٩٨م، تناول ظاهرة نادرة ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر تُعرف باسم الانطراحية أو الهوس بالسفر، وهي حالة كان يُعتقد أن صاحبها يندفع بشكل لا إرادي إلى السفر دون هدف. هاكينغ أظهر أن هذه الفئة لم تكن موجودة قبل أن يصيغ الأطباء الفرنسيون هذا المفهوم في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ضمن سياق قانوني وسياسي مهتمّ بتصنيف المنحرفين والمجرمين المجانين. ومع الوقت، بدأ بعض الناس يُقدَّمون أنفسهم فعلاً على أنهم مسافرون مجانين، وبدأ المجتمع يتعامل معهم كفئة طبية مستقلة. بهذا المثال، يوضّح هاكينغ أن الحقائق النفسية والاجتماعية لا تُكتشف، بل تُخلَق داخل منظومة من الخطابات والممارسات المؤسسية، وأن وجودها الواقعي يعتمد على استمرار هذا النظام من المراقبة والتسمية.


الناس المتفاعلة والأشياء المستقرة


ومن الأمثلة البارزة أيضًا تحليله لما سماه أنواع الناس المتفاعلة مقابل أنواع الأشياء المستقرة. ففي العلوم الطبيعية، مثل الفيزياء والكيمياء، لا تتفاعل الإلكترونات أو الجزيئات مع التصنيفات التي نضعها لها؛ فهي أنواع غير مبالية. لكن في العلوم الإنسانية، الناس يتفاعلون مع التصنيفات. فعندما يصف الطب أو القانون فئة من الأشخاص بأنهم منحرفون أو مكتئبون أو مضطربو الهوية، فإن هؤلاء يتأثرون بالتصنيف، فيتبنّون أو يقاومون السلوك الذي يُنسب إليهم. هذا التفاعل يجعل الفئات البشرية متغيّرة ومتجددة باستمرار، على عكس الفئات الطبيعية المستقرة. من هنا جاءت فكرته عن الأنطولوجيا التاريخية، أن الواقع البشري لا يُكتشف فقط، بل يُعاد تشكيله مع كل تصنيف جديد. وهذه الفكرة استلهمها من فوكو، لكنه منحها طابعًا واقعيًا ملموسًا. كما استخدم هاكينغ أمثلة من تاريخ العلم التجريبي نفسه لتوضيح تفاعله بين الفكر والممارسة. ففي كتابه التمثيل والتدخّل، ١٩٨٣م، فرّق بين نوعين من النشاط العلمي، التمثيل النظري والتدخّل التجريبي. حيث يرى أن العلماء لا يكتفون بتمثيل العالم في معادلات ونظريات، بل يتدخلون فيه عبر أدواتهم وتجاربهم. فإذا كان بالإمكان التلاعب بشيء في المختبر، مثل الإلكترونات، أو أشعة الليزر، أو الجينات، فهذا دليل على أنه كيان واقعي فعلاً. وبهذا المعنى، تصبح الممارسة العلمية ذات طابع أنطولوجي، فهي لا تكتشف الواقع فقط، بل تصنع واقعية الأشياء من خلال السيطرة التجريبية عليها. فهاكينغ يبرهن هنا أن الواقعية العلمية لا تُبنى على تطابق الفكر مع الواقع، بل على القدرة العملية على التعامل مع الكيانات المفترضة.


الإحصاءات الإجتماعية


كذلك حلّل هاكينغ ظاهرة الإحصاءات الاجتماعية مثل تصنيفات الفقر أو الانحراف أو الإجرام، مبيّنًا كيف أن هذه التصنيفات حين تُعمَّم عبر أجهزة الدولة والبيروقراطيات، فإنها تُنتج واقعًا اجتماعيًا جديدًا، طبقة الفقراء أو الفئات المعرضة للخطر، تصبح موجودة فعلاً لأنها تُقاس وتُراقب وتُدار. وهنا يلتقي هاكينغ مرة أخرى مع فوكو، لكن مع فارق أساسي هو أن فوكو ركّز على السلطة الخطابية، بينما ركز هاكينغ على الفاعلية العملية للتصنيف.


تصنيفات الصحة النفسية


ومن التطبيقات المعاصرة التي تستلهم طريقته، حتى لو لم يذكرها بنفسه، تحليل تصنيفات الصحة النفسية في الدليل التشخيصي الأمريكي، أو الهوية الجندرية والجنسانية في العلوم الاجتماعية الحديثة. هذه المجالات تُظهر بوضوح كيف تؤدي التصنيفات العلمية إلى إنتاج فئات بشرية جديدة مثل اللاجنسي، المتحوّل، المصاب باضطراب فرط الحركة، وكيف يتفاعل الأفراد مع هذه الفئات ليعيدوا تعريف ذواتهم من خلالها، وهو بالضبط ما أراد هاكينغ تسليط الضوء عليه.


ويمكن إجمال الحديث في أن الأمثلة التي قدّمها هاكينغ، من المسافر المجنون، إلى المريض متعدد الشخصية، إلى الإلكترون في المختبر، إلى الفئات الاجتماعية الحديثة، توضّح فكرته الجوهرية المتمثلة في أن الواقع ليس معطى جاهزًا، بل يُصنع باستمرار عبر الممارسات العلمية والتصنيفية، وأن العلوم لا تكتشف العالم فقط، بل تخلق طرائق جديدة لوجود الكائنات فيه. فهي فلسفة تضع الفعل التجريبي والتصنيف الاجتماعي في قلب عملية تكوين العالم، وهي النقطة التي جعلت من هاكينغ همزة وصل بين فوكو من جهة، ولاتور من جهة أخرى، لكن بصلابة واقعية أقرب إلى المختبر منها إلى الخطاب.


٤.٤.١.٣.٢.١٠.٤موقع مشروع وأطروحات هاكينغ


يتكامل مشروع هاكينغ مع من سبقوه من عدة اتجاهات؛ فقد ورث من توماس كون اهتمامه بالتاريخية والسياق العلمي، لكنه رفض فكرة القطيعة التامة بين البارادايمات، مشدداً على وجود استمرارية في الممارسة التجريبية. كما استفاد من بول فايراباند في نقده لفكرة المنهج الواحد، لكنه كان أكثر تحفظاً، إذ لم يرَ أن العلم فوضوي بالكامل، بل تنظمه قواعد محلية متغيرة. ومن برونو لاتور أخذ اهتمامه بدراسة الممارسة والأدوات، إلا أنه لم يتبنّ رؤية لاتور الراديكالية التي تساوي بين البشر والموضوعات في شبكة واحدة، بل أبقى على التمييز بين الذات والموضوع ضمن علاقة إنتاج متبادلة.


كما كان لهاكينغ تأثير كبير على من أتوا بعده في دراسات العلم والتقنية (STS)، وخصوصاً في اتجاه الحقيقة التاريخية الذي جمع بين النقد الفلسفي والتحليل التاريخي. ألهمت أفكاره حول بناء الواقع عدداً من الباحثين مثل العالم المعاصر أندرو بيكر  و العالم الشاب جوزيف راميه، الذين طوروا رؤى جديدة حول كيفية نشوء الحقائق العلمية ضمن أنظمة الممارسة. وقد جعلت هذه المقاربة من هاكينغ أحد أهم الجسور الفكرية بين الفلسفة التحليلية والتاريخ الاجتماعي للعلم، لأنه تعامل مع الحقيقة العلمية بوصفها نتاجاً لتفاعل مستمر بين النظرية والتجربة والسياق الثقافي.


العلم ليس مجرد تفسير للعالم، بل طريقة للعيش فيه، هذه من أبرز مقولات هاكينغ التي تعكس جوهر فكره. وبهذه العبارة عبّر عن قناعته بأن الممارسة العلمية ليست نشاطاً ذهنياً منعزلاً، بل شكل من أشكال الوجود الإنساني الذي يغيّر علاقتنا بالعالم وبأنفسنا. وقد كان حريصاً على ألا يقع في فخ النسبية المطلقة، إذ أكد دوماً أن الواقعية ممكنة من خلال الممارسة، حتى إن لم تكن النظريات تمثّل الواقع تمثيلاً دقيقاً.


وبهذا يمكن القول إن إيان هاكينغ قد أسّس اتجاهاً وسطاً في فلسفة وتاريخ العلم، جمع بين العمق الفلسفي والدقة التاريخية والتحليل السوسيولوجي. وقدّم إطاراً يمكن من خلاله فهم كيف تتشكل المفاهيم العلمية، وتُصنع الظواهر، وتُبنى الحقائق، دون الوقوع في ثنائية العقلانية المطلقة أو النسبية الفوضوية. ومن خلال أعماله، أصبح تاريخ العلوم ليس فقط تاريخاً للأفكار، بل تاريخاً للممارسات والأنطولوجيات التي جعلت من العالم كما نعرفه اليوم ممكناً.

 

 

 

 



ونواصل في المقال القادم 


في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور! XVII
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ١٣ 

 

فؤاد 

٩ ديسمبر ، ٢٠٢٥

 

 

 

 

 


تعليقات