في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!؟ XIII
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -٩
"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر ،عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم ، ونفصِّل في أطروحاته ، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"
بعد الحديث في المقالات الأربعة ،التي كانت تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين.
واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة، بمقالات تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، ومع آخر مقال انتهينا من المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره وبدأنا في المقال الأخير. وهنا مقال رقم ٩ في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم ١٣)، وسنكمل فيه الحديث في موضوع دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج العلوم عند الأمم القديمة. فنقوم بعد أن تحدثنا عن جورج سارتون ومشروعه التأسيسي، و عن جيان باتيستا دو مييلي وتأسيس تاريخ العلوم الأكاديمي، و عن توماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور العلم، بعد وضع تبريرنا لتقديمه على باشلار بالرغم أن باشلار سبق توماس كون في نشر أطروحاته المشابهة لاطروحات كون. و عن بارادايمات تموماس كون سيكون حديثنا في هذا المقال عن تقاطع اطروحات باشلار مع كون ، ومن ثم نتحدث عن أنماط كرومبي الستة.
ونتحدث في المقال القادم عن أطروحات لاكتوش وتوفيقه بين رؤية بوبر وكون في برامجه البحثية، وبعدها نستعرض تجسير ألكسندر كويريه بين التحليل الفلسفي والتاريخ المفهومي للعلوم، وأطروحات بعض العلماء الآخرين، ومن ثم نعطي لمحة عن إهتمام المسلمين بتأريخ العلوم، ونختمه باشكاليتين تستحقان التوقف عندهم احداها عند فرانسيس بيكون والأخرى عند إيمانويل كانط. للنهي المقال بخاتمة . وبعدها يكون الطريق سالكا للحديث في المقال الذي يليه، عن المرحلة المفصلية السابعة في المنهج ، نمهد لها باستعراض المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين ، ثم نعرض أطروحات بول فايرابند التي وضعها في كتابه "ضد المنهج" والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!!. وتقبلوا توصيفنا لما تم تغطيته في المقالات الثلاثة السابقة، وهذا لمقال واللاحق، انهما بمثابة خلط أوراق تهيئة لنظرية بول فايرابند "ضد المنهج".
٤.٤.١.٣.٢.٤ باشلار واهتماماته بدراسة التحولات من داخل العقل العلمي
تحدثنا عن باشلار في بدايات المقال السابق، وكان الحديث مركز بشكل أساسي على الفروقات بين الظروف الموضوعية للأطروحته وأطروحة توماس كون، من حيث اللغة والمحيط والعلمي وغيرها من عوامل، والتي في مجموعها كانت سببا لانتشار أطروحة توماس كون رغم تأخرها عن باشلار، ومحدودية انتشار أطروحات باشلار. وهو الذي قادنا بالتالي لتأخير الحديث عن أطروحات باشلار وتقديم عرض أطروحات توماس بيكون قبلها. وهنا سنتناول في حديثنا أفكار وقناعات وأطروحات باشلار المرتبطة بتاريخ العلوم، ونوضح تقاطعها واختلافها مع ما تم طرحه وسبق الحديث عنه فيما يخص نظرية البارادايم التي طورها ويتبناه توماس كون.
٤.٤.١.٣.٢.٤.١ من يكون غاستون باشلار؟
ونبدأ بالقول إن الفيلسوف والعالم الفرنسي البارز غاستون باشلار، ولد عام ١٨٨٤م في بلدة بارسورأب بفرنسا، في بيئة بسيطة بعيدة عن المراكز الأكاديمية والفكرية. بدأ حياته العملية موظفًا في البريد، كأبيه، وهو عمل لم يكن يتيح له سوى القليل من الوقت والراحة، لكنه كان يحمل في طيّاته بذور الانضباط والدقة والملاحظة التي ستصبح لاحقًا من سمات تفكيره الفلسفي والعلمي. كان يقضي لياليه في الدراسة والقراءة، ينهل من كتب الرياضيات والفيزياء والفلسفة رغم ظروفه المتواضعة. في تلك الفترة المبكرة، تبلور لديه إدراك بأن المعرفة لا تُمنح بسهولة، بل تُنتزع من صلب الجهد والمعاناة، وهو ما انعكس لاحقًا في رؤيته للعلم كمسيرة نقد ذاتي وتجاوز مستمر.
في عام ١٩١٣م، نال شهادة التأهيل لتدريس الفيزياء والكيمياء، وبدأ يدرّس العلوم الطبيعية في المدارس الثانوية. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، انخرط في الجيش الفرنسي وخبر قسوة الميدان، فخرج من الحرب بوعي عميق بحدود التقدّم التقني وبقدرة الإنسان على تحويل العلم إلى أداة للدمار. بعد الحرب، عاد إلى التعليم، لكن تجربته الإنسانية تلك دفعته للتساؤل عن معنى العلم ودوره في بناء الإنسان لا في تدميره. عندها بدأ مساره الفلسفي يأخذ شكلًا أكثر نضجًا، فانتقل تدريجيًا من عالم التجريب والمختبر إلى عالم التفكير الفلسفي، دون أن يتخلى عن الدقة العلمية التي اكتسبها من اشتغاله بالعلوم.
حصل باشلار على الدكتوراه في الفلسفة عام ١٩٢٧م، بأطروحتين، الأولى عن تطور مفاهيم الكم في الفيزياء الحديثة، والثانية عن دراسة نفسية للمعرفة العلمية. شكّلت هاتان الأطروحتان بداية مشروعه الكبير في فلسفة العلم، الذي رأى فيه أن تاريخ المعرفة ليس خطًا متصاعدًا من الاكتشافات، بل مسارًا مليئًا بالانقطاعات والثورات الفكرية التي تطيح بالأفكار القديمة لتقيم مكانها تصورات جديدة. من هذا المنطلق صاغ مفهوم القطيعة الإبستمولوجية، أي تلك اللحظة التي يقطع فيها العقل مع طريقة سابقة في التفكير ليؤسس نمطًا جديدًا من الفهم.
شغل باشلار لاحقًا كرسي الفلسفة في جامعة ديجون ثم في جامعة السوربون، حيث أصبح أحد أبرز الوجوه في فلسفة العلوم في القرن العشرين. كانت دروسه تجمع بين العمق المنهجي والخيال الخلّاق، فهو لم يكن فيلسوفًا تقنيًا فحسب، بل صاحب حسّ أدبي وشاعري نادر بين الفلاسفة. هذا الحس دفعه إلى الاهتمام بالجانب الرمزي والخيالي في علاقة الإنسان بالطبيعة، فأصدر أعماله الشهيرة مثل التحليل النفسي للنار، والماء وأحلام الإراد،ة والهواء وأحلام الطيران، وأحلام المادة. في هذه الكتب جمع بين العلم والأدب، بين الدقة العلمية والخيال الشعري، ليثبت أن الإنسان لا يفكر بالعقل وحده، بل بالخيال أيضًا، وأن الخيال ليس نقيضًا للعلم، بل مكمّل له.
عرف باشلار طوال حياته بصرامة المنهج وعمق الرؤية وتواضع السلوك، وترك إرثًا فكريًا غزيرًا أعاد رسم حدود العلاقة بين العلم والفلسفة، بين العقل والخيال، وبين التقدم والتجاوز. إن مسيرته المهنية والعلمية كانت مثالًا نادرًا على كيف يمكن للمعاناة والعمل والخيال أن تلتقي لتصنع واحدًا من أكثر العقول إشراقًا في الفلسفة المعاصرة.
٤.٤.١.٣.٢.٤.١.٢ قطيعة المعرفة عند باشلار
بهذه الخلفية، وصل غاستون باشلار إلى فكرته التي سماها القطيعة المعرفية، وكانت ثمرة مسيرة فكرية وعلمية طويلة عاشها بين المختبر والفكر الفلسفي، حيث جمع بين الحس العلمي التجريبي والدقة التحليلية الفلسفية. فقد بدأ حياته عالمًا في الفيزياء والكيمياء، لا فيلسوفًا نظريًا، وعاصر عن قرب التحولات الكبرى التي عرفها العلم في أوائل القرن العشرين، حين ظهرت النظرية النسبية لأينشتاين والميكانيكا الكمية لبلانك وبور وهايزنبرغ. وقد رأى بأمّ عينيه كيف أطاحت هذه النظريات بالمفاهيم القديمة التي كانت تُعدّ يقينية في فيزياء نيوتن، مثل المكان المطلق والزمان الثابت والمادة الصلبة. من هنا بدأ باشلار يدرك أن العلم لا يتقدم بتراكم الحقائق كما تصوّر الفلاسفة التجريبيون، من أمثال بيكون وهيوم، وإنما يتطور عبر ثورات فكرية تغيّر الإطار الذي يُفكّر العلماء من خلاله، بحيث لا تكون المفاهيم الجديدة امتدادًا للقديمة، بل نقضًا لها وإعادة بناء كاملة للمعنى.
فمن خلال دراسته لتاريخ العلوم، لاحظ باشلار مثلًا أن الفيزياء الحديثة لم تتطور من الفيزياء الكلاسيكية بشكل سلس، بل قامت بثورة عليها. فقد كانت فيزياء أرسطو تفسر سقوط الأجسام استنادًا إلى طبيعتها، أما غاليليو فقد كسر هذا التصور عندما أدخل فكرة التجربة والقياس، وبيّن أن حركة الأجسام تخضع لقوانين رياضية وليست لصفات ذاتية. ثم جاءت الفيزياء النيوتنية لتحدث قطيعة جديدة مع تصورات القرون الوسطى عن الطبيعة، وبعدها جاء أينشتاين ليكسر بدوره الإطار النيوتني بمفاهيم الزمكان والنسبية. كل مرحلة من هذه لم تكن استمرارًا للأخرى، بل كانت قفزة معرفية أعادت بناء المفاهيم من جديد.
هذه الملاحظة قادته إلى قراءة تاريخ العلوم بعين جديدة، فوجد أن مسار الفكر العلمي ليس خطيًا، بل مليء بالانقطاعات والتحولات الجذرية. فكل ثورة علمية – من غاليليو إلى نيوتن، ومن نيوتن إلى أينشتاين – تمثل في نظره قطيعة معرفية تفصل بين نمطين مختلفين من التفكير في الطبيعة. وفي كتابه تكوين العقل العلمي الصادر عام ١٩٣٨م، حلّل باشلار كيف أن العقل العلمي يمر بمراحل من الخطأ والتصحيح، وأن كل مرحلة علمية تحيا ضمن ما يسميه “عوائق إبستمولوجية”، أي تصورات ذهنية وثقافية ولغوية تعوق رؤية الواقع كما هو. فالعائق ليس مجرد جهل، بل هو معرفة خاطئة أو منقوصة تسيطر على الذهن وتمنعه من تجاوزها. ويضرب مثالًا على ذلك بالاعتقاد القديم بأن الحرارة مادة تُسمّى “الكالوريك” تنتقل بين الأجسام، وهو ما تم تجاوزه عندما ظهرت نظرية الطاقة الحرارية. لم يكن هذا التطور مجرد تصحيح تدريجي، بل انقلاب في المفهوم نفسه، أي أن العلم لم يُضِف معرفة جديدة إلى القديمة، بل غيّر بنيتها جذريًا.
من خلال هذا التحليل، صاغ باشلار رؤيته للتقدم العلمي على أنه تاريخ من الصراعات بين العقل القديم والعقل الجديد. فالعقل العلمي لا ينمو تلقائيًا، بل يتطور من خلال صدام معرفي مستمر يجبر الفكر على تجاوز ذاته، إذ يولد كل مفهوم علمي جديد ضد المفاهيم السابقة وليس امتدادًا لها. وفي هذا السياق، قال باشلار عبارته الشهيرة "لكي نتعلم العلم، يجب أن نتعلم أولًا كيف ننسى". بهذه الجملة لخّص جوهر القطيعة، لأن التقدم العلمي يتطلب تدميرًا منهجيًا للآراء المسبقة التي تشكل عوائق إبستمولوجية، سواء كانت نابعة من الحسّ المشترك أو من الموروث الفلسفي أو من اللغة اليومية. وقد أضاف في موضع آخر"العلم يتقدّم ضدّ الرأي"، بمعنى أن الرأي الحسي الساذج الذي يعتمد على التجربة اليومية لا يمكن أن يكون أساسًا للمعرفة العلمية، بل هو العائق الأول أمامها.
تطورت هذه الفكرة إلى فلسفة إبستمولوجية متكاملة في أعماله اللاحقة، خصوصًا في كتابيه العقل الجديد في العلم ١٩٣٤م، وفلسفة الرفض عام ١٩٤٠م، حيث بلور باشلار مفهوم القطيعة الإبستمولوجية بوصفها لحظة يتحول فيها التفكير العلمي نفسه. فالتحول لا يطال النتائج فقط، بل يشمل طريقة طرح الأسئلة ذاتها. فعندما انتقل العلم من السؤال “ما طبيعة الضوء؟” إلى “كيف يتصرف الضوء في ظروف مختلفة؟”، تغير المنهج العلمي من التأمل الميتافيزيقي إلى البحث التجريبي الرياضي. هذا التغير في بنية السؤال هو جوهر القطيعة عند باشلار، لأنه يمثل تغيرًا في العقل المنتج للمعرفة وليس في محتوى المعرفة فحسب.
ومن هنا رأى باشلار أن تاريخ العلم ليس خطًّا متصاعدًا من الجهل إلى المعرفة، بل سلسلة من الانقطاعات التي يولد فيها عقل علمي جديد بأدواته ومفاهيمه الخاصة. فالعلم لا يتراكم كما تتراكم الحجارة لبناء جدار، بل يتحول كما تتحول اليرقة إلى فراشة؛ لا بإضافة أجنحة إليها، بل بتغيّر بنيتها الداخلية كلها. هذا التصور جعله يرفض الفكرة الكلاسيكية عن “تراكم الحقائق” ويستبدلها بفكرة “تطور أنماط التفكير العلمي”. فلكل عصر لغته الخاصة في فهم الطبيعة، وهذه اللغة لا يمكن ترجمتها تمامًا إلى لغة العصور التالية، لأن كل واحدة منها تنتمي إلى عالم تصوري مختلف.
ورأى باشلار أن القطيعة ليست مجرد ظاهرة معرفية، بل هي أيضًا حدث نفسي وإنساني عميق. فكما أن الإنسان في حياته لا ينضج إلا عندما يواجه ذاته ويتجاوز أخطاءه، كذلك العلم لا يتقدم إلا عندما يعي محدودية ماضيه ويثور عليه. بهذا المعنى، تصبح القطيعة العلمية نوعًا من التحرر من الوهم، وكل اكتشاف جديد هو تحول في الوعي الإنساني نفسه. ولهذا كان باشلار يرى أن تاريخ العلم هو أيضًا تاريخ الإنسان في سعيه إلى تجاوز ذاته، وأن كل تقدم في الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات هو في الوقت نفسه تقدم في وعي البشرية بمحدودية أفكارها الأولى.
في النهاية، فإن ما أوصل باشلار إلى اعتبار تطور المعرفة نتاجًا للقطيعات لا للتراكم هو تكوينه المزدوج كعالم فيزيائي وفيلسوف إبستمولوجي. فقد عاش التجربة العلمية من الداخل وشهد بنفسه كيف يُعاد بناء المفاهيم عندما يتغير أفق النظر إلى الواقع. وفلسف هذه الملاحظة في رؤية تعتبر أن الحقيقة العلمية ليست نهائية ولا مطلقة، بل تُعاد صياغتها باستمرار عبر تجاوزات متتالية. وبذلك صاغ فلسفةً ترى في العقل العلمي نهرًا متدفقًا لا تتراكم مياهه فوق بعضها، بل تتغير مجاريه كلما ازداد عمقًا واتساعًا.
بهذا، عند محاولاتنا تلمس موقع باشلار في سياق تطور فلسفة وتاريخ العلوم، يمكننا استحضار تعليقه على ما ذهب اليه سارتون الذي يُعتبر مؤسس تاريخ العلوم الحديث. فسارتون اهتم بجمع المعلومات والوقائع التاريخية عن تقدم العلوم مع التركيز على التسلسل الزمني للاكتشافات، معتبرًا أن العلم يتطور بشكل تراكمي. باشلار انتقد هذا التصور، مؤكداً أن العلم لا يتقدم ببساطة عبر تراكم المعرفة، بل عبر تغييرات نوعية تقطع مع المفاهيم القديمة. كذلك يمكن استحضار ما ذهب اليه ألكسندر كويريه ، والذي سنأتي على ذكره ودوره واهتماماته في فلسفة العلوم، وهو الذي ركز على التحولات الكبرى في الفكر العلمي مثل الثورة الكوبرنيكية والنيوتنية، مع الاهتمام بالمفاهيم الأساسية للفضاء والزمن والحركة، لكنه لم يدمج الجانب النفسي والخيالي كما فعل باشلار، وشكل بدمجه هذا فارقا كبيرا.
لقد قدم باشلار تصوّرًا يقوم على فكرة أن العلم لا يتقدم بصورة خطية متراكمة، بل عبر قفزات معرفية أو ثورات داخلية في العقل العلمي، وهي لحظات تُغيّر الأسس المفاهيمية للعلم، ويطلق عليها مفهوم "الانقطاعات المعرفية". هذه الرؤية تختلف جذريًا عن الفهم التقليدي للتاريخ العلمي الذي يراه متواصلاً ومتراكماً، كما عند مؤرخي العلم الكلاسيكيين مثل سارتون. ومنهجه الفكري يقوم على دراسة التحولات العميقة في بنية التفكير العلمي، والاهتمام بما يسميه المذاهب العقلية أو روح العلم في كل فترة، محاولًا الكشف عن القوانين الداخلية للفكر العلمي التي تحدد إمكانات ومحدودية المعرفة في زمن معين. وقد قدّم أمثلة عديدة على ذلك، مثل تطور الفيزياء الكلاسيكية لدى نيوتن وكيفية انفصالها عن الميكانيكا الارسطية السابقة، أو فهمه لتغير مفاهيم المادة والموجة في الفيزياء الحديثة. باشلار يري أن كل قفزة معرفية تتطلب إعادة تشكيل للمعاني والمفاهيم الأساسية، وليس مجرد إضافة حقائق جديدة.
٤.٤.١.٣.٢.٤.٣قطيعة باشلار، وبارادايم كون
ربما الأطروحة الأقرب لما طرحه باشلار، وربما يعطي انطباعا بالتشابه بينهما هو ما ذهب اليه توماس كون في البارادايم، التي سبق الحديث عنها، مما يستدعي تناول الاطروحتين وايضاح الفرق الدقيق بينهما، وهذا ما سنخصص له الجزء التالي من المقال. عند محاولة تفكيك العلاقة بين أفكار باشلار وأطروحات توماس كون، فإننا سنجد تشابها في التركيز على الانقطاعات والمعالم الكبرى في تاريخ العلوم، لكن سنجد الاختلاف واضحا في المنظور والتحليل. كون، في كتابه بنية الثورات العلمية، ركّز على مفهوم البارادايمات أو الإطارات النظرية التي تحدد البحث العلمي في فترة معينة، ودرس كيف تنتقل المجتمعات العلمية من بارادايم إلى آخر عبر "ثورة علمية". باشلار، بالمقابل، اهتم أكثر بالعمق النفسي والفلسفي لهذه القفزات، وبكيفية تشكل الفكر العلمي نفسه من الداخل، وليس فقط بالمجتمع العلمي أو بالإطار المؤسسي المحيط به. ويمكن تبسيط الفرق بالقول إن باشلار يدرس العلم من الداخل، من حيث تكوين المفاهيم والعمق العقلي، بينما كون يدرس العلم من الخارج، من حيث الإطار المؤسساتي والمجتمعي الذي يوجه البحث العلمي ويقيمه. وهنا نتحدث عن ثلاثة أمثلة لاستيضاح الفرق بين ما ذهب اليه باشلار وكون في معنى تحول معنى الفراغ، وتحول الميكانيكا الكلاسيكية الى الكوانتية، والتحول من الكيمياء الطبيعية لكيمياء الحديثة، ونبدأ بأولها.
٤.٤.١.٣.٢.٤.٣.١ما ذا يعني التحول في معنى "الفراغ" عندهما
يشكّل تحول مفهوم الفراغ من الفيزياء الكلاسيكية إلى الفيزياء الكمومية أحد أهم الأمثلة التي استخدمها كلٌّ من غاستون باشلار وتوماس كون في تحليل طبيعة التحول العلمي. فكلٌّ منهما، وإن اختلفت لغته ومنهجيته، رأى في هذا التحول أكثر من مجرد تطور في النظريات الفيزيائية، بل تغييرًا جذريًا في نمط التفكير العلمي وفي البنية المعرفية التي تؤطر هذا التفكير.
ولتوضيح ذلك، نرجع لتعريف الفراغ في الفيزياء القديمة، ونرى لاحقا كيف تغير مفهوم الفراغ مع ظهور ميكانيكا الكم. لقد كان العلماء في الفيزياء القديمة، مثل نيوتن يرون أن الفراغ هو “اللاشيء” تمامًا — مكان خالٍ من أي مادة أو طاقة، تتحرك فيه الأجسام بحرية دون أن يؤثر الفضاء نفسه في حركتها. كان يُعتقد أن الفضاء ثابت، صامت، ومجرد مسرح للأحداث التي تجري داخله. حتى عندما جاء ماكسويل بنظريته في الكهرومغناطيسية، ظل يُنظر إلى الفضاء كوسط خامل تمرّ فيه الموجات كما تمرّ الأمواج في البحر، من دون أن يكون له حياة خاصة به.
ومع ظهور ميكانيكا الكم في القرن العشرين، تبيّن أن هذا التصور خاطئ تمامًا. فالفراغ، كما كشف العلم الحديث، ليس خاليًا. بل هو مليء بالطاقة غير المرئية، وتحدث فيه اضطرابات وتقلبات مستمرة. في كل لحظة، تظهر جسيمات صغيرة جدًا وتختفي بسرعة هائلة — هذه تُسمّى الجسيمات الافتراضية. بمعنى آخر، الفراغ في العالم الكمي يشبه بحرًا يغلي تحت السطح، حتى لو بدا ساكنًا من الخارج. وليس هذا مجرد خيال نظري؛ فلقد تمكن العلماء من قياس تأثير طاقة هذا الفراغ فعليًا، كما في تأثير كازيمير، حيث ينجذب لوحان معدنيان موضوعان في الفراغ نحو بعضهما لأن طاقة الفراغ بينهما تختلف عن طاقته خارجهما. وتأثير كازيمير،هو ظاهرة فيزيائية كمومية مدهشة تبيّن أن الفراغ نفسه ليس خاليًا تمامًا، بل يحتوي على طاقة كامنة يمكن أن تؤثر على الأجسام المادية. اكتشف هذه الظاهرة الفيزيائي الهولندي هندريك كازيمير عام ١٩٤٨م، أثناء دراسته لتفاعلات الجسيمات الصغيرة في الفراغ. وكانت فكرته الأساسية هي أنه إذا تم وضع صفيحتين معدنيتين متوازيتين على مسافة صغيرة جدًا من بعضهما (أجزاء من الميكرومتر)، فإنهما ستنجذبان نحو بعضهما دون أي تدخل خارجي، والسبب في هذا ليس وجود شحنات كهربائية أو قوى مغناطيسية، بل هو نتيجة مباشرة لتقلبات الطاقة في الفراغ الكمومي المحيط بهما. ففي الفراغ، وفق ميكانيكا الكم، توجد جسيمات افتراضية تظهر وتختفي باستمرار في كل لحظة. لكن بين الصفيحتين، لا تستطيع هذه الجسيمات أن تهتز بحرية في جميع الأطوال الموجية بسبب ضيق المسافة. أما خارج الصفيحتين، فالتقلبات ممكنة بحرية أكبر. هذا يجعل الضغط الناتج عن طاقة الفراغ أكبر من الخارج وأقل من الداخل، مما يؤدي إلى قوة جذب صغيرة جدًا تدفع الصفيحتين إلى الالتصاق. وقد تم إثبات هذا التأثير تجريبيًا بدقة عالية منذ نهاية القرن العشرين، وأصبح أحد الأدلة القوية على أن “الفراغ الكمومي” يحتوي على طاقة حقيقية قابلة للقياس.
تكمن أهمية تأثير كازيمير في أنه لا يبرهن فقط على وجود طاقة في الفراغ، بل يشير أيضًا إلى أن العدم الفيزيائي ليس عدماً بالمعنى الحقيقي، بل هو نظام نشط يموج بطاقة يمكن أن تؤثر في المادة وتنتج قوى فيزيائية ملموسة. وهذا التأثير يُستخدم اليوم في أبحاث النانو والميكروتكنولوجيا، لأن القوى الناتجة عنه تصبح ملحوظة جدًا على المقاييس الصغيرة جدًا، مما يساعد في تصميم الأجهزة الدقيقة والتحكم في التفاعلات الميكانيكية الكمومية.
وهذا جعل العلماء يعيدون التفكير في معنى “العدم”. فالعدم لم يعد غيابًا مطلقًا لكل شيء، بل صار حالة فيزيائية نشطة تملك طاقة وتستطيع أن تولّد منها الجسيمات والمادة. حتى إن بعض الفيزيائيين قالوا إن “الفراغ هو الذي يصنع المادة”. وعلى مستوى الكون كله، يعتقد البعض، أن نشأة الكون نفسه بدأت من تقلب كمومي في هذا الفراغ، أي من طاقة صغيرة داخل “اللاشيء” انفجرت وخلقت المكان والزمان والمادة فيما نعرفه اليوم بالانفجار العظيم!
وهذا كفيل بأن تتغير الصورة كليا. فعندما كان العلماء في الماضي يظنون أن الفراغ يعني "العدم الكامل"، كان من الطبيعي أن يتصور الناس أن الكون وُجد داخل مساحة فارغة لا تحتوي على شيء. لكن مع اكتشاف أن الفراغ نفسه مليء بالطاقة والجسيمات غير المرئية، لم يعد "العدم" يعني غياب الوجود، بل أصبح نوعًا من "الحياة الخفية" التي تتحرك في أعماق الكون، وتُظهر لنا أن كل شيء مرتبط بشيء آخر حتى في أكثر الأماكن التي نظنها خالية.
هذه الفكرة الجديدة جعلت الفلاسفة والعلماء يعيدون التفكير في معنى الخلق والبداية. ففي العلم الحديث، يعتقد بعض العلماء، أنه يمكن أن تنشأ الجسيمات والطاقة من تقلبات صغيرة داخل الفراغ الكمومي، وكأن الكون يمكن أن يولد من “اللاشيء” الفيزيائي. لكن في الفكر الديني، مثل الفكر الإسلامي، يُنظر إلى هذا “اللاشيء” على أنه ليس غيابًا ماديًا فقط، بل هو غياب كل وجود إلا بإرادة الله.
وهنا وجد كثير من المفكرين جسرًا جميلاً بين العلم والإيمان: فكما أن الفراغ الكمومي يخفي في داخله طاقات لا تُرى، فإن الوجود نفسه يخفي وراءه إرادة خالقة منظِّمة تجعل كل هذا الانسجام ممكنًا. فالتحول من الفراغ الكلاسيكي إلى الفراغ الكمومي لم يكن مجرد تطور في الفيزياء، بل فتح أفقًا جديدة لفهمنا للكون، ولعلاقتنا بما وراءه. إذن، التحول من فكرة الفراغ الكلاسيكي إلى الفراغ الكمومي لم يكن مجرد تغيير علمي، بل ثورة فكرية. فبعد أن كان الفراغ يعني “العدم”، صار اليوم، عند البعض، هو الأصل الذي خرج منه كل وجود.
٤.٤.١.٣.٢.٤.٣.٢كيف قرأ كل من باشلار وكون التغير في تعريف الفراغ
عند باشلار، كان مفهوم الفراغ مثالًا على ما سماه القطيعة الإبستمولوجية. ففي الفيزياء الكلاسيكية، من أرسطو إلى نيوتن، كان الفراغ يُفهم على أنه فضاء خالٍ من المادة، مجرد وعاء تسبح فيه الأجسام. هذا المفهوم يبدو بديهيًا وسليمًا، لكنه عند باشلار يمثل مرحلة “معرفية ساذجة” لا تزال أسيرة الحسّ المشترك والتصورات اليومية. جاءت الفيزياء الحديثة، بدءًا من النسبية العامة وانتهاءً بالفيزياء الكمومية، لتُحدث قطيعة تامة مع هذا الفهم. فالفراغ في التصور الكمي لم يعد فراغًا خاليًا، بل أصبح مجالًا فيزيائيًا نشطًا مليئًا بالطاقات والاحتمالات والتقلبات. وهنا يرى باشلار أن العلم لا يتقدم بتراكم المعارف، بل عبر تجاوزات نوعية تُحطّم الأطر السابقة وتؤسس لرؤية جديدة. فالقطيعة عنده ليست مجرد رفض، بل ولادة "عقل علمي جديد" قادر على فهم ما كان يبدو مستحيلًا أو متناقضًا في السابق. ولذلك يقول باشلار في كتابه تكوين العقل العلمي إن "كل معرفة جديدة تحمل في داخلها نفياً لمعارف سابقة"، ويضرب أمثلة بمفهوم المادة والفراغ والطاقة بوصفها مفاهيم لم تتطور تدريجيًا، بل انقلب معناها رأسًا على عقب.
أما توماس كون، فقد اقترب من الفكرة نفسها لكن عبر مصطلحه الشهير البارادايم. فبالنسبة له، الانتقال من الفراغ الكلاسيكي إلى الفراغ الكمي ليس مجرد اكتشاف جديد، بل هو تحول بارادايمي شامل غيّر بنية العلم نفسه. في إطار البارادايم النيوتني، كان العالم منظومة من جسيمات تتحرك في فضاء وزمن مطلقين يمكن قياسهما بدقة. أما في البارادايم الكوانتي، فقد تغيرت قواعد اللعبة: لم يعد الفراغ خاملًا، بل صار ذا طاقة متغيرة، يحكمه مبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ وتقلبات مجاله الكمومي. هذا التغير لا يمكن تفسيره ضمن اللغة أو المفاهيم القديمة، لأن المفاهيم نفسها فقدت معناها الأصلي. لذلك يقول كون في بنية الثورات العلمية إن الثورات العلمية تغيّر “العالم الذي يعيش فيه العلماء”، وليس فقط معارفهم عنه.
التشابه بين باشلار وكون يتمثل في أن كليهما يرى في التحول العلمي انفصالاً جذريًا عن الماضي، لا مجرد تراكم أو تحسين تدريجي. كلاهما يرفض الصورة التقليدية للتطور الخطي للعلم. كما يتفقان على أن التغير المفاهيمي – مثلما حدث لمفهوم الفراغ – يرافقه تغير في الرؤية للعالم، وفي أدوات الفهم والمعنى التي يستخدمها العلماء.
لكن الفارق الجوهري بينهما أن باشلار ينظر إلى هذه القطيعة من زاوية فلسفية معرفية داخلية، أي من منطلق تطور “العقل العلمي” ذاته، ويركز على العلاقة بين العقل والخيال والخطأ والتصحيح المعرفي. أما كون فيتناولها من زاوية تاريخية وسوسيولوجية، أي كيف تتبدل المجتمعات العلمية وتُعاد صياغة معايير القبول والبرهان والنظرية. عند باشلار، القطيعة تولد داخل الفكر، كتحول في الوعي العلمي؛ أما عند كون، فهي تحدث داخل مجتمع العلماء، كتغير في قواعد الممارسة العلمية ومقاييسها.
ولذلك يمكن القول إن باشلار يرى الفراغ الكمي مثالًا على “نضوج العقل العلمي” الذي تحرر من التصورات الحسية البدائية، بينما يرى كون فيه “ثورة بارادايمية” أعادت تعريف ما يُعد فيزيائيًا وما يُعد واقعيًا. كلاهما، رغم اختلاف المنهج، اتفق على أن هذا التحول كشف عن طبيعة العلم بوصفه عملية تحول ثقافي ومعرفي مستمر، لا مجرد تقدم تقني أو حسابي.
في ضوء المفاهيم الحديثة للفراغ في فيزياء الحقول الكمومية، يتضح أن ما تناوله باشلار وكون لم يكن مجرد قراءة فلسفية لتاريخ العلم، بل استشراف لطبيعة التحول العميق في فهم “الوجود الفيزيائي” نفسه. فاليوم، لا يُنظر إلى الفراغ على أنه فراغ، بل بوصفه نسيجًا ديناميكيًا من الحقول والطاقة الكامنة، تظهر فيه الجسيمات وتختفي وفقًا لتقلبات كمومية دقيقة. هذا المفهوم المعاصر يجسد بصورة مثالية ما قصده باشلار بالقطيعة المعرفية، لأن الذهن الإنساني كان مضطرًا للتخلي عن كل تمثلاته الحسية السابقة للفراغ كي يفهمه كحقل مفعم بالنشاط دون مادة مرئية. فالقطيعة هنا ليست مع نظرية واحدة، بل مع تصور ميتافيزيقي عميق عن “العدم” ذاته.
أما من منظور كون، فإن تطور فكرة الفراغ الكمي يمثل ثورة بارادايمية متكاملة، إذ لم يتغير فقط مفهوم الفراغ، بل الطريقة التي يُمارس بها العلم ذاته. فالعلماء في ميكانيكا الكم لا يتحدثون بلغة المكان والزمان المطلقين كما فعل نيوتن، بل بلغة “الاحتمال” و“التقلب” و“الفراغ المفعم بالطاقة”، وهي مفردات تنتمي إلى عالم مفاهيمي جديد لا يمكن ترجمته بدقة إلى قاموس الفيزياء الكلاسيكية. هذا هو جوهر الثورة عند كون: حين لا تعود المفاهيم القديمة قادرة على تفسير الواقع، يُعاد بناء النموذج كله من الأساس.
من هذا المنظور، يمكن القول إن رؤية باشلار كانت فلسفة لثورات داخل الفكر العلمي، بينما كانت رؤية كون تاريخًا لثورات داخل مجتمع العلم، لكن كلاهما يلتقي في أن الفراغ الكمي يمثل مثالاً ناضجًا على أن العلم لا يسير في خط مستقيم، بل يقفز قفزات تغير رؤيتنا للعالم جذريًا.
إن الفيزياء المعاصرة، من النسبية إلى نظرية الأوتار، تبرهن على صحة هذا التحليل المزدوج: فكلما توغّل العقل في فهم ما وراء المادة، كلما اضطر إلى كسر مفاهيمه السابقة والبدء من جديد. هنا يلتقي باشلار وكون عند فكرة واحدة عميقة، وهي أن العلم ليس تراكمًا من المعارف، بل مغامرة مستمرة لإعادة بناء المفهوم الإنساني للواقع.
٤.٤.١.٣.٢.٤.٣.٢التحول من الميكانيكا الكلاسيكية الى الميكانيكتا الكوانتية عند باشلار وكون
تحوّل الميكانيكا الكلاسيكية إلى الميكانيكا الكوانتية يمثّل بالنسبة لباشلار ولكون نموذجًا مثاليًا آخر، لفهم كيفية تغيّر المعرفة العلمية على نحو جذري، بحيث لا يكون التطور مجرد إضافة جديدة إلى القديم، بل قطيعة أو ثورة تُعيد صياغة الطريقة التي يرى بها العلماء العالم نفسه. ومع أن كلاً من باشلار وكون تحدث بلغة مختلفة — فباشلار ركّز على طريقة تفكير العلماء وكيف تتغيّر عقولهم عندما يواجهون مشكلات جديدة، بينما ركّز كون على التاريخ الواقعي للعلم وكيف تتغيّر المجتمعات العلمية وأساليب عملها — فإنهما يلتقيان في فكرة أساسية واحدة، هي أن العلم لا يتطور بخط مستقيم ولا يتقدم تدريجيًا، بل يقفز من مرحلة إلى أخرى عندما تتبدّل مفاهيمه الأساسية وتُعاد صياغة أفكاره من الجذور.
في نظر باشلار، الميكانيكا الكلاسيكية — مثلما بلورها نيوتن وطورها لابلاس — كانت تمثل ذروة مرحلة فكرية تعتمد على ما يسميه “الخيال الواقعي” أو “العقل التجريبي البسيط”. فهي تصف العالم كمنظومة من الأجسام المادية تخضع لقوانين سببية صارمة، يمكن التنبؤ بها بشكل مطلق إذا عرفنا الشروط الابتدائية للحركة. لكن هذا التصور، في رأيه، يحمل أوهامًا حسية ومفاهيم ساذجة عن اليقين والتحديد والموضوعية. عندما جاءت الميكانيكا الكوانتية، أحدثت ما يسميه “القطيعة الإبستمولوجية”؛ إذ أجبرت الفكر العلمي على التخلي عن فكرة الحتمية المطلقة والقبول بمبدأ الاحتمال وعدم اليقين. وهنا يرى باشلار أن التحول لم يكن مجرد تصحيح للخطأ، بل ولادة جديدة للعقل العلمي. ففي كتابيه، تكوين العقل العلمي والعقل الجديد في العلم، يؤكد أن “العلم لا يتطور بإضافة معرفة إلى معرفة، بل بتصحيح خطأ بخطأ أعمق منه”، أي أن كل مرحلة علمية تعيد تعريف معنى الواقع والمعرفة. الميكانيكا الكوانتية، بالنسبة له، مثال على “نضوج الفكر العلمي” الذي تخلّى عن يقينيات الحس وواجه الطبيعة كعقل تجريبي خالص قادر على إدراك ما وراء الظاهر..
أما توماس كون، فقرأ هذا التحول في إطار أطروحته عن “الثورات العلمية” و“البارادايم”. بالنسبة له، كانت الميكانيكا الكلاسيكية تمثل بارادايمًا شاملاً للعالم، قائمًا على مفاهيم الحتمية، والسببية، والموضوعية، والقوانين المطلقة. ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الفيزياء الكلاسيكية تبدو وكأنها وصلت إلى مرحلة الاكتمال، إذ كانت قوانين نيوتن في الحركة والجاذبية، ومعادلات ماكسويل في الكهرومغناطيسية، تفسران معظم الظواهر الطبيعية بدقة كبيرة. غير أنّ هذه الصورة المطمئنة بدأت تتصدع مع ظهور ظواهر جديدة استعصت على التفسير، فأدخلت العلم في أزمة فكرية عميقة مهدت لميلاد الفيزياء الحديثة، ففشلها في تفسير إشعاع الجسم الأسود وتجربة ميكلسون ومورلي، وصولاً إلى ظهور مبدأ الكم لبلانك وتجارب الإلكترونات والفوتونات شكل شبه إنهيار لما كان متعارف عليه ومتصالح على صحته.
فما عُرف باسم إشعاع الجسم الأسود، وهو نوع من الإشعاع يصدر عن الأجسام الساخنة مثل المعادن المتوهجة أو الفحم المحمرّ، شكل ظاهرة توقف عندها العلماء بدون أن يتمكنوا من تفسيرها بما قدمته الفيزياء الكلاسيكية. حاول العلماء تفسير توزيع هذا الإشعاع عند درجات حرارة مختلفة باستخدام القوانين الكلاسيكية، لكن حساباتهم كانت تؤدي إلى نتائج غير منطقية، إذ كانت تتنبأ بأن الجسم الساخن سيصدر طاقة لا نهائية عند الترددات العالية، وهو ما لا يحدث في الواقع. أطلق العلماء على هذه المشكلة اسم "الكارثة فوق البنفسجية". وفي الفترة نفسها، جاءت تجربة ميكلسون ومورلي لتضرب فكرة أساسية أخرى في الفيزياء الكلاسيكية. حيث كان الاعتقاد السائد أن الضوء ينتقل عبر وسط خفي يُسمى "الأثير"، كما تنتقل الموجات الصوتية عبر الهواء. أجرى العالمان الأمريكيان ميكلسون ومورلي تجربة دقيقة جداً لقياس حركة الأرض عبر هذا الأثير، متوقعين أن تختلف سرعة الضوء باختلاف اتجاه حركة الأرض. لكن النتيجة كانت مفاجئة، فلم يُرصد أي فرق في السرعة، ما يعني أن الأثير غير موجود. هذه النتيجة أربكت الفيزيائيين لأنها نسفت الأساس الذي كانت تقوم عليه نظريات الحركة والموجات، وأدت في النهاية إلى ظهور نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين التي أعادت تعريف الزمان والمكان والضوء.
ثم جاء مبدأ الكمّ لبلانك ليُحدث قطيعة أخرى مع التصور الكلاسيكي للطبيعة. فقد بينت أبحاث بلانك أن الطاقة لا تنتقل بصورة مستمرة، بل في شكل حزم صغيرة محددة المقدار تُسمى "كوانتوم". هذه الفكرة فتحت الباب أمام تفسير ظواهر جديدة مثل الانبعاث الضوئي وخصائص الذرات، وأرست الأساس لما أصبح لاحقًا ميكانيكا الكم. أما تجارب الإلكترونات والفوتونات فقد أكدت عمق الأزمة التي تواجهها الفيزياء الكلاسيكية. فقد أظهرت التجارب على الضوء والإلكترونات أن كلاً منهما يمكن أن يتصرف أحيانًا كموجة وأحيانًا كجسيم، في ظاهرة تُعرف بالازدواجية الموجية-الجسيمية. هذا الاكتشاف كان صادماً للعقل العلمي الكلاسيكي الذي كان يؤمن بالتمييز الصارم بين المادة والموجة، لكنه أصبح أحد المبادئ الجوهرية في الفيزياء الحديثة.
وهكذا يمكن القول إن هذه الأزمات — من إشعاع الجسم الأسود إلى تجربة ميكلسون ومورلي، ثم مبدأ الكم وتجارب الإلكترونات والفوتونات — لم تكن مجرد مشكلات تقنية في الحساب أو القياس، بل كانت زلازل فكرية أطاحت بالأسس الفلسفية التي قامت عليها الفيزياء الكلاسيكية. ومن رحم هذه الأزمات وُلدت الفيزياء الحديثة، التي قدّمت فهماً جديداً للطبيعة يقوم على مفاهيم الاحتمال، وعدم الاستمرارية، والنسبية، بدلاً من الحتمية واليقين اللذين ميزا العلم القديم.
لم يكن حل هذه الأزمات من داخل الإطار الكلاسيكي، فظهرت الميكانيكا الكوانتية كنظام مفاهيمي جديد بالكامل. عند كون، هذا هو جوهر “الثورة العلمية”: لا تغير في النظريات فحسب، بل في طريقة التفكير ذاتها، وفي المعايير التي تحدد ما يعتبر علمًا صالحًا. ففي بنية الثورات العلمية الذين يقبلون بارادايمًا جديدًا يعملون في عالم مختلف”، أي أن الانتقال من الكلاسيكية إلى الكوانتية هو انتقال من عالم مليء بالكائنات القابلة للتحديد إلى عالم من الاحتمالات والمجالات والازدواجية الموجية-الجسيمية.
وجه التشابه بين باشلار وكون أن كليهما يرى في هذا التحول انفصالاً معرفيًا لا يمكن ردمه بالاستمرار أو التطور التدريجي. فكلاهما يرفض التصور التراكمي للعلم، ويعتبر أن كل ثورة علمية تقيم قطيعة مع الماضي. كلاهما أيضًا يدرك أن هذا التغيير لا يحدث على مستوى المفاهيم فحسب، بل في نظرة الإنسان إلى العالم، فكان الناس والعلماء يظنون أن العالم موجود بطريقة ثابتة وواضحة، أي أن الأشياء موجودة ومحددة تمامًا سواء نظرنا إليها أم لم ننظر، وأن كل شيء يسير بقوانين دقيقة يمكن التنبؤ بها بدقة تامة. هذه هي النظرة التي كانت سائدة في الميكانيكا الكلاسيكية منذ زمن نيوتن، حيث العالم يشبه ساعة ضخمة تعمل وفق تروس متناسقة لا تتغير. لكن عندما ظهرت الميكانيكا الكوانتية في القرن العشرين، اكتشف العلماء أن الأمور في العالم الذري ليست بهذه البساطة. فالجسيمات الصغيرة مثل الإلكترونات والفوتونات لا تملك مواقع أو سرعات ثابتة قبل أن نقيسها، بل توجد في حالة من الاحتمالات، فيمكن أن تكون هنا أو هناك، وتتصرف كموجة أحيانًا وكجسيم أحيانًا أخرى. بمعنى آخر، الواقع في المستوى الكوانتي ليس شيئًا ثابتًا ومستقلاً عن الملاحِظ، بل يبدو وكأنه يتشكل جزئيًا عندما نقوم بمشاهدته أو قياسه. وهذا يعني أن العالم ليس "موضوعًا صلبًا جاهزًا" ينتظر أن نكتشفه، بل هو نظام حيّ من التفاعلات، تتغير حالته حسب الطريقة التي نتعامل بها معه.
أما الفارق بينهما، فهو في طبيعة التفسير. باشلار ينطلق من داخل المعرفة العلمية، محاولًا تحليل تحولاتها كظواهر عقلية ومنهجية؛ فهو يهتم بنمو العقل العلمي وكيف يتجاوز أخطاءه. أما كون فينظر إلى العلم من خارجه، من خلال تاريخه ومجتمعه، فيفسر التغيرات بوصفها تحولات في “مجتمع العلماء” وممارساتهم ومعاييرهم. لذلك نجد باشلار يتحدث عن “تكوين عقل علمي جديد”، بينما يتحدث كون عن “تبدل نموذج تفسيري كامل”. عند باشلار، الثورة علمية معرفية في جوهرها، وعند كون هي اجتماعية-تاريخية في بنيتها.
في المحصلة، فإن الميكانيكا الكوانتية جسّدت في نظر كليهما المثال الأوضح على أن العلم ليس مجرد أداة لوصف الواقع، بل هو نشاط إنساني يعيد بناء تصوره للواقع في كل عصر. فحين يتخلى العلماء عن يقين الحتمية ويقبلون بمبدأ الاحتمال، لا يغيرون قوانين الطبيعة فحسب، بل يغيرون فهم الإنسان لذاته وللعالم الذي يعيش فيه
في ضوء الفهم المعاصر للعلم، يمكن القول إن ما رآه باشلار وكون في التحول من الميكانيكا الكلاسيكية إلى الميكانيكا الكوانتية أصبح اليوم جزءًا من تصور أعمق للعلم بوصفه عملية تطورية معرفية تشبه التطور البيولوجي في طابعها. فكما يعتقد، بتتطور الكائنات الحية عبر طفرات نوعية لا تراكمية، يتطور العلم عبر قفزات مفاهيمية تُعيد تشكيل البيئة المعرفية التي يعمل فيها العقل البشري. الميكانيكا الكوانتية كانت إحدى تلك “الطفرات الكبرى” في تاريخ الفكر الإنساني، لأنها لم تغيّر فقط طريقة القياس أو الحساب، بل غيرت المفهوم ذاته لما هو “واقعي” وما هو “قابل للمعرفة”.
بهذا المعنى، تتقاطع رؤية باشلار وكون مع الاتجاهات الحديثة في فلسفة العلم التي ترى أن العقل العلمي كائن تطوري، ينمو عبر صراعات داخلية وأزمات تحفزه على تجاوز حدوده السابقة. فباشلار تحدث عن “نفي المعارف القديمة من داخل العلم نفسه”، وكون تحدث عن “تبدّل النموذج السائد عندما تعجزه الأزمات”. واليوم، نرى في كل ثورة علمية جديدة — من فيزياء الكم إلى نظرية الأوتار والذكاء الاصطناعي — استمرارًا لهذا المسار التطوري الذي لا يُبقي شيئًا على حاله.
الدرس المشترك بينهما، والذي يكتسب أهمية فلسفية عميقة، هو أن العلم ليس مرآة للواقع، بل مشروع دائم لإعادة بنائه. وكل انتقال، مثل الانتقال من الميكانيكا الكلاسيكية إلى الكوانتية، يكشف أن الحقيقة العلمية ليست نهائية، بل مشروطة دائمًا بمستوى الوعي واللغة والأدوات التي يصوغها الإنسان لفهم العالم. وهكذا يصبح العلم، في جوهره، سيرة تطور الوعي الإنساني نفسه — من اليقين إلى التساؤل، ومن الحتمية إلى الاحتمال، ومن العالم الصلب إلى العالم الموجي الغامض الذي نحاول اليوم أن نعيد اكتشافه بعقل أكثر تواضعًا ومرونة.
من خلال المقارنة، وخلاصتها المدرجة في الجدول ٢٨، يتبين أن باشلار وكون توصلا إلى رؤية متقاربة في جوهرها: كلاهما يرى أن الانتقال من الميكانيكا الكلاسيكية إلى الكوانتية ليس مجرد تطوير تدريجي، بل تحول في الرؤية للعالم. ومع ذلك، باشلار يركّز على البنية الداخلية للفكر العلمي بوصفها مجال القطيعة، بينما كون يدرس التغير من الخارج بوصفه ثورة في ثقافة العلماء أنفسهم. المثال الكوانتي — بمفاهيم مثل مبدأ اللايقين، والازدواجية، وانهيار الحتمية — شكّل بالنسبة لهما دليلًا على أن العلم ليس تراكميًا، بل ثوريّ في طبيعته، وأن “الحقيقة العلمية” دائمًا مشروطة بالمنظور العقلي الذي يُنتجه.
ونواصل في المقال القادم





تعليقات
إرسال تعليق