في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!؟ -XI


            تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع -٧






"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر ،عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة  في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل،  وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب  في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم ، ونفصِّل في أطروحاته ، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"

بعد الحديث في المقالات الأربعة ،التي كانت  تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. 

واصلنا السلسلة، بعد المقالات التأسيسية الأربعة،  بمقالات  تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع"، ومع آخر مقال انتهينا من المراحل المفصلية الست لتطوير المنهج العلمي، ومراجعة مسيرة تطوره وبدأنا في المقال الأخير.  وهنا مقال رقم 7 في هذه السلسلة ( اي أن هذا هو المقال رقم ١١)،  وسيخصص الحديث في هذا المقال والمقال القادم ، لدراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج  العلوم  عند الأمم القديمة. فنقوم باستعراض أهمية دراسة علوم تلك الامم، والتعرف على  رواد هذا التوجه، والمدارس والمناهج التي ابتكروها، بما فيها ماوثقه ابن النديم من تتبع للعلوم بطريقته المبتكرة في  كتابه الفهرست، الذي عد من أعظم الموسوعات التي أنتجها التراث العربي الإسلامي،  وما جاء في كتاب القفطي  المعنون في إخبار العلماء بأخبار الحكماء وغيرهما وهو الذي عد من أبرز المصنفات التراثية التي تناولت تاريخ العلوم والفكر العقلي في الحضارة الإسلامية، وابداعات أوغست كونت ، في هرم العلوم الذي ابتدعه، وقانونه الذي اسماه المراحل الثلاثة،  وجورج سارتون ومشروعه التأسيسي، وتوماس كون ونموذجه البنيوي في تفسير تطور  العلم،  واليس كرومبي وانماط العقل العلمي عنده، ومشروع التأصيل المنهجي عند ألدو مييلي، وتوماس كون وبلورته للنموذج الارشادي ( البارادايم).  وبعدها، نعود في المقال التالي  للمرحلة المفصلية  السابعة في المنهج ، نمهد لها باستعراض المواقف من المنهج العلمي الحديث، متبنين ومنتقدين ، ثم نعرض  أطروحات بول فايرابند  التي وضعها في كتابه "ضد المنهج" والتي مثلت عند البعض هدما للمنهج!!. وتقبلوا توصيفنا لما تم تغطيته في المقالين السابقين، وهذا لمقال واللاحق، بانهما بمثابة خلط أوراق تهيئة لنظرية  بول فايرابند "ضد المنهج".  

وهنا نبدأ

٤.٤ أهمية دراسة علوم الأسبقين

إن دراسة علوم السابقين من الحضارات القديمة تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم تطور الفكر الإنساني ومسيرة المعرفة عبر التاريخ. فالعلم لم يولد فجأة في أوروبا الحديثة، بل هو ثمرة تراكم طويل بدأ منذ فجر الحضارات في وادي الرافدين ومصر والهند والصين، ثم نضج في اليونان وتحوّل تحولاً عميقاً في العالم الإسلامي قبل أن يصل إلى الغرب. ولذلك فإن محاولة فهم العلم من دون العودة إلى جذوره التاريخية تشبه دراسة شجرة دون النظر إلى جذورها التي تغذيها. ولهذا أكّد مؤرخو العلم مثل مؤرخ العلم البلجيكي/ الأمريكي ومن مؤسسي حقل تاريخ العلوم، كمسار أكاديمي مستقل، جورج ألفريد ليون سارتون (١٩٥٦م)، أن "تاريخ العلم هو العلم نفسه"، لأن كل مرحلة من مراحل المعرفة الإنسانية تمهّد لما بعدها، وتبقى بصماتها في المناهج والمفاهيم طويلا.

ووجود علوم متنوعة في الحضارات القديمة وبتلك الكثافة والغزارة، التي ألقينا نظرة سريعة على بعضها ونتاج الحضارات الفكري والفلسفي، يُعد ظاهرة تستحق التأمل. فكيف استطاع المصريون القدماء أن يبنوا الأهرامات بدقة هندسية مذهلة دون أدوات حديثة؟ وكيف توصّل البابليون إلى جداول فلكية معقدة تنبأت بحركات الكواكب بدقة مدهشة؟ وكيف طوّر الهنود والصينيون طبّاً متقدماً، ونظماً رياضية وفلسفية عميقة؟ وكيف تمكن المسلمون من خلق عصر ذهبي ازدان بنتاج علمي غير مسبوق حتى قبل تمكن ابن الهيثم من تطوير منهج في كتابه المناظر، فكان ممهدا للمنهج التجريبي الحديث. ربما يمكن القول إن الإجابة تكمن في أن العلم ليس محصوراً في منهج واحد، بل هو تعبير عن قدرة الإنسان على الملاحظة والتنظيم والتجريب الذكي ضمن الإطار الثقافي المتاح له. وهذا ما نبّه إليه العالم الإنجليزي البارز المهتم بتاريخ العلوم، واشتهر بدراساته للتحقيق في تاريخ ونشأة العلوم والتقنيات في الحضارة الصينية وربطها بالفكر العالمي، المؤرخ جوزيف نيدهام (١٩٩٥م)، عندما طرح تساؤله الذي تبلور في صيغته النهائية، في وسط الستينات “لماذا لم تُثمر الحضارة الصينية القديمة، رغم تقدمها العلمي والتقني الباهر، عن ثورة علمية حديثة كتلك التي حدثت في أوروبا؟”، وسمي بسؤال نيدهام، انطلق من قناعته أن “كل حضارة تمتلك عقلانيتها الخاصة”، التي تمكّنها من بناء علمها على أسسها الفكرية. وينبغي هنا أن نستحضر تخلي نيدهام عن قناعته بعجز الصين عن القيام بثورة علمية بعد خمس وعشرين عاما من اطلاقه سؤاله هذا، عندما شهد تقدم الصين علميا وتقنيا وبدأت تظهر ارهاصات النتاج العلمي الغزير في الثمانينات وبداية التسعينات. فتبنى الرأي القائل بأن الثقافة الصينية تملك القابلية الذاتية للابتكار العلمي متى توافرت لها البنية المؤسسية والحرية الفكرية اللازمة، وصار يركّز أكثر على "دروس التاريخ المقارن" بدلاً من إصدار أحكاما نهائية حول “عجز حضارة” ما عن إنتاج العلم. ولو قدر له أن يعيش حتى وقتنا الحاضر ونحن في عام ٢٠٢٥م، لربما أعاد صياغة سؤاله، مرة أخرى وصحح قناعته عن عدم إمكانية حدوث ثورة علمية في الصين. 

وما يجعل ظاهرة وجود علوم متنوعة في الحضارات القديمة وبتلك الكثافة والغزارة لافتة وتستحق التأمل، هو أن هذه العلوم القديمة لم تكن منفصلة عن الحياة أو محصورة في المختبرات، بل كانت جزءاً من النسيج الاجتماعي والروحي للحضارة. فالفلك ارتبط بالزراعة والتقويم، والطب ارتبط بالدين والفلسفة، والرياضيات بخطط المعابد والمدن. هذا التكامل بين العلم والقيم والمجتمع منح المعرفة بعداً إنسانياً واسعاً لا يقتصر على القياس أو التجريب وحدهما، وهو ما يفتقده كثير من العلم المعاصر الذي اختزل الحقيقة في المعادلة والنتيجة. فعندما ننظر إلى الاحتفاء المفرط بالمنهج العلمي الغربي في العصر الحديث، نجد أن كثيراً منه ربما يعود إلى سوء فهم لطبيعة العلم نفسه. فنجاح المنهج التجريبي في القرون الأخيرة، وما حققه من إنجازات تكنولوجية، جعل البعض يظن أن هذا المنهج هو الطريق الذي أنتج هذه العلوم التي لم يكن ممكن انتاجها بدونه، فهو السبيل الوحيد للمعرفة. إلا أن هذا التصور يغفل أن العلوم السابقة — سواء عند الإغريق أو المسلمين أو الصينيين — قد أبدعت في مجالات الرياضيات والفلك والطب والكيمياء دون أن تتبع المنهج التجريبي بمعناه الحديث. ولقد اعطينا امثلة متعددة للنتاج العلمي والفلسفي والتقني عند بعض الحضارات القديمة، لم يجد علم اليوم تفسيرا قطعيا لماهيتها ولكيفية الوصول اليها. لذلك قال عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر، الذي يُعد من أبرز المفكرين الذين أعادوا تشكيل فهمنا للعلم والمعرفة في القرن العشرين، الفيلسوف برنو لاتور (٢٠٢٢م)، قولته العميقة “لم يكن الحداثيون أول من عرف كيف يفكر علمياً، بل كانوا أول من صدّق أن طريقتهم وحدها هي العلم،"، والتي تعتبر إحدى العبارات المحورية في نقده العميق للحداثة الغربية، ولما يسميه “أسطورة التقدم العلمي الخالص”. هذه الجملة لا تُعد مجرد تأمل فلسفي، بل تعكس موقفًا نقديًا من فكرة احتكار الغرب الحديث للمنهج العلمي، ورفضه الاعتراف بوجود أنماط أخرى من التفكير العلمي في حضارات سابقة أو غير غربية. يريد لاتور بهذه العبارة أن يقول إن الحداثيين — أي المفكرين والعلماء الذين عاشوا في ظل الثورة العلمية الأوروبية منذ القرن السابع عشر — لم يكونوا أول من مارس التفكير المنهجي أو العقلاني، فالحضارات القديمة مثل اليونانية، والعربية، والصينية، والهندية، كانت تمارس أنماطًا من الاستدلال، والتجريب، والملاحظة، والتنظير، لكنها لم تُسَمِّ ما انتجته “علمًا” بمعناه الحديث. والفرق بين القدماء والحداثيين، في نظره، هو أن الحداثيين أضفوا على طريقتهم هالة من الإطلاق والاحتكار، فاعتبروا منهجهم هو المرجعية التي يقاس بها ما هو علم وما ليس بعلم، فمن يخالف منهجهم ليس علمًا، بل خرافة أو أسطورة أو فكرا ما قبل علمي. وظاهر الأمر أن لاتور أراد القول إن هذه الحضارات استخدمت مناهج متنوعة شملت المناهج الاستنباطية، والرمزية، والفلسفية، والتأملية، ومع ذلك أنتجت علماً أصيلاً ومفيداً.

فالمنهج الاستنباطي هو أحد أقدم الطرق التي اعتمدها الإنسان في التفكير المنظم، ويقوم على الانطلاق من قاعدة عامة أو مبدأ كلي ثم تطبيقه على حالة جزئية للوصول إلى نتيجة منطقية. يقوم هذا المنهج على استخدام العقل وحده، دون الحاجة إلى التجربة المباشرة، لذلك يُعدّ من مناهج اليقين الرياضي والمنطقي لأنّه يقوم على الانتقال من مقدمات عامة يقينية إلى نتائج خاصة ضرورية، بحيث إذا كانت المقدمات صحيحة منطقياً، فإن النتيجة لا يمكن أن تكون إلا صحيحة. هذا يعني أن العلاقة بين المقدمات والنتائج علاقة لزومية حتمية، وليست احتمالية كما هو الحال في الاستقراء. في المنهج الاستنباطي، يعتمد الباحث أو المفكر على البديهيات والمسلّمات أو القضايا التي يُسلَّم بصحتها دون برهان، ثم يستخدم قواعد المنطق لاستخلاص ما يترتب عليها بالضرورة. ولهذا كان هذا المنهج أساساً لليقين في الرياضيات والمنطق الصوري، لأن البرهان فيه لا يعتمد على التجربة، بل على التماسك العقلي الداخلي بين القضايا. ففي الرياضيات مثلاً، حين نبدأ بمسلمة إقليدس القائلة: "من نقطة خارج مستقيم يمكن رسم مستقيم واحد موازٍ له"، فإننا نستنبط منها نتائج محددة تتعلق بزوايا المثلثات والمضلعات، ويكون كل استنتاج يقينياً ما دامت المقدمات يقينية. وكذلك في المنطق الأرسطي، إذا قلنا إن كل المعادن تتمدد بالحرارة، ثم نأخذ قطعة من الحديد ونسخنها، يمكننا أن نستنتج أنها ستتمدد لأنها جزء من قاعدة عامة.  فالنتيجة هنا يقينية لا تحتمل الخطأ، لأنها تتبع من المقدمات بالضرورة، ولذلك يرى الفلاسفة أن المنهج الاستنباطي هو منهج الصدق العقلي الذي يضمن اليقين المنطقي، في مقابل المنهج الاستقرائي الذي يعطي معرفة احتمالية قائمة على الملاحظة والتجربة، لا على الضرورة العقلية. هذا النوع من التفكير نجده واضحًا عند أرسطو وفي الفلسفة الحديثة عند ديكارت، حيث كان الهدف هو بناء معرفة تبدأ من مبادئ بديهية واضحة ثم تشتق منها بقية النتائج بطريقة منطقية دقيقة. ولهذا اعتمدت الرياضيات على الاستنباط لأنها علم يقوم على البرهان لا على التجربة.

وأما المنهج الرمزي فيعتمد على التعبير عن الأفكار والمعاني باستخدام رموز أو إشارات أو معادلات بدلاً من الألفاظ العادية. الهدف من ذلك هو تحقيق أقصى درجات الدقة والتجريد، لأن اللغة العادية قد تكون غامضة أو تحتمل أكثر من معنى، بينما الرموز تحدد العلاقة بدقة. فنحن عندما نكتب “2 + 2 = 4” فإن هذه الجملة الرمزية لا يمكن أن تفسر إلا بطريقة واحدة. ومن هنا ظهرت الرياضيات والمنطق الرمزي كأدوات للتفكير الصارم والمنضبط، واستخدمها العلماء والفلاسفة مثل راسل وفريجه لتجنب الغموض في الاستدلال. كما أصبحت المعادلات الرياضية لغة العلم الحديث، مثل معادلة آينشتاين الشهيرة للطاقة E = mc²، التي تختصر علاقة معقدة بين الكتلة والطاقة في رمز بسيط ودقيق. هذا المنهج واضح التفاصيل في استخداماتنا في العلوم الحديثة، لكن ما يهمنا هو التأكيد على أن الرمزية المنطقية ليست وليدة العصر الحديث فقط، بل لها جذور عميقة في الحضارات القديمة التي حاولت التعبير عن الفكر المجرد والعلاقات المنطقية من خلال الرموز والأشكال والصيغ المختصرة.  ويمكننا الرجوع للنتاج الحضاري عند اليونان والحضارة الهندية والصينيين والبابليين والمصريين لنجد الكثير من المصاديق لها، ونكتفي هنا بذكر مثال أو اثنين فقط.  ففي الحضارة المصرية القديمة، اعتمد المصريون في نصوصهم الرياضية، مثل بردية ريند وبردية موسكو (١٨٠٠ ق.م.) رموزًا عددية وهيروغليفية للتعبير عن عمليات حسابية ومنطقية. كانوا يستخدمون رموزًا خاصة للدلالة على الكسور والوحدات والتكرار، وأحيانًا لصياغة العلاقات الشرطية، فمثلا "إذا كان المجموع يساوي 10، فقسّم الناتج على 2"، تعد هذه البنية “الشرطية” نواة للمنهج الرمزي المنطقي، كما أن الرمز الهيروغليفي للميزان كان يُستخدم للتعبير عن المساواة أو العدل، وهو ما يمثّل فكرة العلاقة المنطقية المتوازنة (⇔) في المنطق الحديث. أما في الحضارة اليونانية، فيُعد إقليدس (القرن الثالث ق.م.)، من أوائل من استخدموا الرموز بشكل منظم في مؤلفه العناصر. فمع أنه لم يستعمل رموزًا رياضية كما نفعل اليوم، إلا أن طريقته كانت رمزية في جوهرها؛ إذ عبّر عن المسلّمات والقضايا في صورة رموز هندسية (نقطة، خط، دائرة) تمثل مفاهيم عقلية تُستخدم في البرهان الاستنباطي، مثلاً "إذا كان الخط AB يساوي الخط  CD ، وكان CD يساوي EF، فإن AB يساوي EF " وهي صيغة رمزية للاستدلال بما يسمى مبدأ التعدي في المساواة، وهو أحد القوانين المنطقية الأساسية.  كذلك استخدم أرسطو رموزًا منطقية بدائية في كتابه التحليلات الأولى ، حيث تحدث فيه عن أول عرضٍ منظم لما سمّاه القياس المنطقي، وهو عملية استنتاجية تنتقل من مقدمتين إلى نتيجة ضرورية. حيث مثّل القضايا العامة والجزئية بالحروف، أ (A): كل، ب (B): بعض، ج (C): النفي.  وبالتالي يمكننا الآن كتابة الاستدلال القياسي على شكل: كل أ ب، وكل ب ج، إذن كل أ ج، وهذا هو بالضبط، الشكل الذي طوّره لاحقًا فريجه وراسل بلغة رمزية رسمية. ونجد صوراً متنوعة ومتعددة عند غيرهما من الحضارات، مما يؤكد ما ذهبنا اليه من أن الاستدلال الرمزي ليس وليد الحضارة الحديثة، بل له جذوره العميقة في الحضارات الأخرى. 

  نأتي الآن للحديث عن المنهج الفلسفي، وهو مختلف عن السابقين، لأنه لا يكتفي بالملاحظة أو بالتطبيق، بل يسعى إلى فهم ما وراء الظواهر وتحليل المفاهيم التي نبني عليها معرفتنا. يهتم هذا المنهج بالأسئلة الكبرى التي لا يمكن للتجربة وحدها أن تجيب عنها، مثل: ما طبيعة الحقيقة؟ ما العلاقة بين العقل والواقع؟ وهل للسببية ضرورة أم أنها مجرد عادة ذهنية؟ هنا يعتمد الباحث على التحليل العقلي والمقارنة والنقد، لا على القياس أو التجريب. هذا المنهج نجده عند كبار الفلاسفة مثل أرسطو وكانط وهيوم، الذين حاولوا تحليل أسس التفكير العلمي نفسه. فالمنهج الفلسفي يمدنا بالأطر والمفاهيم التي تجعلنا نفهم معنى القانون العلمي، وطبيعة البرهان، وحدود المعرفة الإنسانية. وإن كان من اختلاف في المنهج الفلسفي بين ما كان عليه في العصور القديمة، والعصور الحديثة فلاختلاف يتمثل في تراجع حضوره وانكماشه في دوائر تبعده عن المساحات الواسعة التي كان يعمل فيها. فكانت الفلسفة حاضرة بقوة في تدارس الأسئلة الكلية والكبرى. ففي العصور القديمة، سواء في اليونان، أو الهند أو الصين أو العالم الإسلامي لاحقًا، كانت الفلسفة تمثّل نمطًا من التفكير الشامل الذي يدمج بين الميتافيزيقا والعلم والأخلاق والدين في نسق واحد، ولم تكن الفلسفة تخصّصًا مستقلاً بقدر ما كانت منهجًا لتأمل الوجود ككل، للبحث في أصل الكون، وطبيعة النفس، ومعنى الخير، ونظام العالم. فمثلا، الفيلسوف الإغريقي مثل أرسطو أو أفلاطون كان في الوقت نفسه عالِمًا، وطبيبًا ومنطقيًا ومشرّعًا. بينما في العصر الحديث، منذ عصر النهضة ومن ثم الحداثة، حدث تحوّل جذري في منهج الفلسفة، فلم تعد تبحث الفلسفة عن “الكلّ” بل عن “الأساس” الذي يضمن صدق المعرفة، وأصبحت الفلسفة نقدًا للعقل نفسه، لا تأملًا في الوجود فحسب. فجعل ديكارت من الشك المنهجي نقطة البداية، ومن العقل الفردي أداة للتحقق من الوجود، وفي هذا نتذكر مقولته (أنا أفكر إذن أنا موجود). وبعده أتى كانط فحوّل الفلسفة إلى تحليل نقدي لبنية المعرفة، عندما تساءل عنما يجعل المعرفة ممكنة؟ وما حدود المعرفة. وفي نفس الوقت، بدأ العلم ينفصل عن الفلسفة بفضل المنهج التجريبي، وأصبحت الفلسفة تراجع مفاهيم مثل السببية، واليقين، والحرية، والوعي، بدلًا من أن تفسر الظواهر الطبيعية بنفسها.

أما المنهج التأملي فهو أعمق في طبيعته وأكثر ذاتية، لأنه ينطلق من تجربة الإنسان الداخلية وتأملاته في نفسه وفي الوجود. فهو يعتمد على الحدس والبصيرة، ويُستخدم عادة في الفلسفة والدين والتصوف. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن بعض الحقائق لا يمكن بلوغها بالتجربة أو المنطق، بل بالبصيرة والتأمل العميق. فالمنهج التأملي، يعد أحد المسالك الكبرى التي سلكها المفكرون في رحلتهم نحو الحقيقة، وقد تباينت مواقفهم منه باختلاف العصور والمشارب الفكرية. فالفيلسوف أفلاطون مثلاً كان يرى أن الحقيقة تُدرك بالعقل المتأمل الذي يتجاوز العالم الحسي نحو عالم المثل، وجعل التأمل العقلي وسيلة لتذكّر النفس لما كانت قد رأته من حقائق في عالم المثل قبل حلولها في الجسد، ورأى أن المعرفة الحقة لا تأتي من الحواس، بل من صعود الفكر نحو المطلق، مجسداً شعاره الخالد "اعرف نفسك بنفسك". بينما استخدم المتصوفة المسلمون مثل الغزالي وابن عربي التأمل وسيلة للوصول إلى معرفة روحية تتجاوز حدود العقل النظري. فالإمام الغزالي بدأ رحلته العقلية بالنقاش والمنطق، ثم انتهى إلى أن اليقين لا يُنال بالبرهان العقلي بل بنور يقذفه الله في القلب، فغدا التأمل عنده سلوكاً روحياً وذوقاً باطنياً يتجاوز الحجة إلى الكشف. ومن بعده جاء محيي الدين ابن عربي ليبلغ بالمنهج التأملي ذروته الصوفية، إذ رأى أن المعرفة بالله لا تحصل إلا بالشهود والفناء، وأن من ذاق عرف، فالتأمل عنده انكشاف وجودي يتجاوز التمييز بين العاقل والمعقول. وفي بدايات علم النفس حاول بعض العلماء مثل فيلهلم فونت دراسة الوعي من الداخل من خلال التأمل الذاتي، إذ كانوا يطلبون من الأفراد وصف مشاعرهم وأفكارهم في لحظات معينة للوصول إلى فهم بنية العقل، وحاول أن يُعيد للتأمل مكانته داخل العلم الحديث، فحوّله من انطباعات ذاتية إلى أداة بحث علمي مضبوطة، مؤمناً بأن دراسة النفس لا تكون إلا من الداخل، ولكن بشرط أن تُضبط أدوات الملاحظة لتصبح قابلة للتحقق والتكرار. وهكذا اجتمع هؤلاء الأربعة على أن التأمل طريق إلى الحقيقة، وتأكيدا على التباين الذي استحضرناه في صدر الحديث عن المنهج التأملي، فكلٌّ من هؤلاء الأربعة رآه من زاوية مختلفة، ففونت جعله علمياً تجريبياً، والغزالي روحياً، وابن عربي وجودياً كشفياً، بينما جعله أفلاطون عقلياً مثالياً؛ فكان اختلافهم تنويعاً على لحن واحد هو البحث عن النور الكامن وراء الظواهر.

بهذا المعنى تمثل هذه المناهج الأربع طرقًا مختلفة للبحث عن الحقيقة: فالاستنباطي يبحث عنها عبر المنطق، والرمزي عبر الشكل الرياضي، والفلسفي عبر التحليل العقلي، والتأملي عبر الحدس الداخلي. وهي ليست متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن تتكامل، فالعالم حين يضع فرضية قد يستند إلى تحليل فلسفي، ويعبّر عنها بمعادلة رمزية، ثم يستنبط منها نتائج منطقية قبل أن يختبرها بالتجربة.

وفي سياق ما ذهب اليه لاتور، يمكننا القول إن تأليه المنهج العلمي الحديث يختزل التجربة الإنسانية في قالب ضيق ويغفل أن العلم ظاهرة حضارية متعددة الأبعاد، تتغذى من الفلسفة، والدين، والفن، والمجتمع. فالعلم لا ينمو في فراغ، بل في سياق ثقافي يمنحه المعنى والاتجاه. لهذا، فإن دراسة علوم السابقين تذكّرنا بأن الإبداع العلمي لا يتوقف على أدوات أو تجارب، بل على رؤية كونية تسمح للإنسان بفهم نفسه والعالم. وكما أشار توماس كون، فإن “ما نعتبره علماً في أي عصر تحدده الجماعة العلمية وثقافتها”، مما يعني أن تعدد النماذج لا ينتقص من العلم، بل يثريه.

وعودا على بدء، فالعودة إلى علوم القدماء ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي وسيلة لتوسيع أفقنا المعرفي، وفهم أن العقل البشري قادر على الإبداع في ظروف وثقافات متعددة. وهي تفتح لنا باب النقد البنّاء للمنهج الحديث، إذ تجعلنا ندرك أن ما نملكه اليوم ليس نهاية العلم، بل محطة في تاريخه الطويل. فإذا كان القدماء قد أنجزوا علماً عظيماً من دون مختبرات أو حواسيب، فإن ذلك يذكّرنا بأن جوهر العلم هو في السؤال والبحث والملاحظة، لا في الشكل أو الأداة. ومن هنا تأتي أهمية دراسة علومهم، فهي تُحرّرنا من وهم التفوق المطلق، وتعيد إلينا التواضع المعرفي الذي يُعدّ أول شروط الحكمة.

٤.٤.١ مؤسسون ورواد الاهتمام بدراسة تاريخ العلوم

يُعدّ الاهتمام بتاريخ العلم من أهم التحولات الفكرية التي شهدها الوعي الإنساني الحديث، إذ لم يعد العلم يُنظر إليه بوصفه منظومة من النتائج والمعادلات فقط، بل كمسارٍ تراكميٍّ تشكّل عبر قرون من التجارب والسجالات والتفاعل الحضاري بين الأمم. إن دراسة تاريخ العلم تتيح لنا أن نفهم كيف نشأ التفكير العلمي، وكيف تغيّرت مفاهيم الحقيقة والمعرفة والمنهج بتغيّر الأزمنة والثقافات. فهي تكشف أن العلم ليس نتاج عبقرية فردية معزولة، بل ثمرة شبكة معقدة من العوامل الفكرية والاجتماعية والدينية والسياسية التي أثّرت في طرائق البحث وموضوعاته. ومن هنا تأتي أهميتها في إدراك الطابع الإنساني التشاركي للمعرفة، وإعادة الاعتبار للحضارات التي أسهمت في بنائها.

كما أن هذا الاهتمام يحمل بعدًا نقديًا وتأمليًا، إذ يسمح للباحثين بفهم كيف تتكوّن المفاهيم العلمية، وكيف تُستبدل النظريات وتُعاد صياغة المناهج عبر الزمن. فبدراسة تاريخ العلم يمكننا أن نكشف عن أنماط التحول المعرفي التي قادت من الملاحظة الحدسية إلى التجربة المنظمة، ومن الفلسفة الطبيعية إلى العلم التجريبي الحديث. ومن خلال هذا المنظور، يصبح تاريخ العلم مرآةً للعقل الإنساني في مسيرته نحو الفهم، وأداة لفهم علاقة المعرفة بالسلطة، والدين، والمجتمع، والحضارة.

ولذلك، فإن تتبّع جهود الرواد الأوائل في تأريخ العلم — من أمثال جورج سارتون، وبيير دوهيم، وكون،  وأليستر كرومبي، وغيرهم — لا يهدف فقط إلى توثيق البدايات الأكاديمية لهذا الحقل، بل إلى فهم كيف تحوّل الاهتمام بتاريخ العلم إلى علمٍ قائمٍ بذاته له مناهجه وأسئلته ومصادره. غير أن هذا الجهد لا يكتمل دون الرجوع إلى الحضارات القديمة — كالمصرية، والرافدية، والفارسية، واليونانية، والهندية، والصينية، ثم الإسلامية — إذ إن فيها البذور الأولى لمحاولات فهم العلم وتدوين العلوم السابقين لهم. فالوعي بتاريخ العلم لا يمكن أن ينفصل عن جذوره القديمة، لأن استعادة إسهامات تلك الحضارات تمنحنا رؤية أكثر شمولًا لمسار الإنسان في بناء المعرفة، وتكشف عن وحدة التجربة الإنسانية في سعيها لفهم الكون.

٤.٤.١.١العصور القديمة

قبل الحديث عن المؤسسين ورواد الاهتمام بدراسة تاريخ العلوم، في هذه الحقبة الزمنية وهو هدفنا وغايتنا في هذا الجزء من المقال، لابد لنا أولا، من التوقف مليا عند مسألة تدوين النتاج الفلسفي في هذه الحقبة، وكيف نشأ وتطور، بين معارض للتدوين والاكتفاء بالحوارات الحية في الطرقات كما كان عند سقراط، وداع للتدوين ومؤكد عليه كما مارسه تلميذه أفلاطون.  وهنا نأخذ مسار نبدأه من سقراط مرورا بأفلاطون ووصولا الى أرسطو، والذي سنبدأ معه، بعد ذلك، مسيرة النظر الى مستوى وكيفية الاهتمام بتاريخ العلوم. 

وتمهيدا لذلك، نبدأ بوصف عام للحقبة التي عاش فيها هؤلاء الثلاثة، والتي تُعد من أزهى عصور الفكر الإنساني، وهي المرحلة التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بـالعصر الكلاسيكي اليوناني، وهي الفترة الممتدة تقريبًا من القرن الخامس إلى القرن الرابع قبل الميلاد. كانت هذه الفترة ذروة ازدهار أثينا سياسيًا وثقافيًا بعد انتصاراتها على الفرس، فانبثقت منها أولى التجارب الديمقراطية، وتطورت فيها الفنون والآداب والمسرح والرياضيات والعلوم الطبيعية، وبلغ فيها الوعي العقلي والبحث الفلسفي درجة غير مسبوقة في التاريخ القديم.

في هذه الأجواء، نشأ سقراط بوصفه ثمرة لهذه الحضارة الديمقراطية ومنتقدًا لها في الوقت ذاته. فقد عاش في مدينةٍ تضج بالحوار العام، فحوّل النقاش اليومي إلى منهج فلسفي، مؤمناً أن الحقيقة لا تُنال بالسلطة أو الخطابة، بل بالحوار العقلي الذي يكشف تناقضات الفكر. كانت فلسفته بمثابة رده على فوضى السفسطائيين الذين نسبوا كل شيء إلى الرأي والهوى، فهو قد جاء ليعيد الاعتبار إلى العقل والأخلاق بوصفهما جوهر الإنسان. ثم جاء أفلاطون بعد إعدام أستاذه في زمنٍ سادت فيه الخيبة السياسية والاضطراب الأخلاقي، فحاول أن يؤسس فلسفةً تتجاوز الواقع إلى عالمٍ مثالي تحكمه العدالة والمثل العليا. وعبّر أفلاطون عن التحوّل من الفكر العملي الجدلي عند سقراط إلى الفكر التأملي النظري، فكانت مدرسته الأكاديمية بداية الفلسفة كعلم منظم يسعى إلى بناء نسق كوني متكامل. أما أرسطو، فقد عاش في مرحلةٍ بدأت فيها أثينا تفقد زعامتها السياسية بعد الحروب والانقسامات، لكنه ورث تراث أستاذه، وطوّره بمنهجٍ واقعي وتجريبي. فكانت فلسفته استجابةً لحاجة عصرٍ يميل إلى النظام والتحليل والدراسة الدقيقة، فأسّس أول تصور شامل للمنطق والطبيعة والأخلاق والسياسة، جامعاً بين الفكر التجريبي والتأمل العقلي. هكذا مثّل سقراط وأفلاطون وأرسطو قمّة متصاعدة في نضج العقل الإنساني، بدأها سقراط بالبحث الأخلاقي والحوار النقدي، وارتقى بها أفلاطون إلى عالم المثل والتصورات الكلية، ثم تم استكمالها بتأسيس علمٍ منهجي للوجود والمعرفة، من قبل أرسطو. ويمكن القول إن تلك الحقبة كانت لحظة ولادة العقل الفلسفي بالمعنى الإنساني الكامل، حيث انتقل التفكير من الأسطورة والخيال إلى النقد والتحليل والبرهان، فغدت أثينا آنذاك   “مدرسة العالم القديم”.

وهنا نأتي لمسألة التدوين، حيث يمكننا اعتبار أن سقراط وأفلاطون وأرسطو كانوا يمثلون سلسلة فكرية متصلة شكّلت الأساس الذي قامت عليه الفلسفة الغربية، غير أن مواقفهم من التدوين ومنهج التعبير عن الفكرة كانت متباينة تعكس اختلاف رؤاهم في طبيعة المعرفة وكيفية نقلها. فسقراط، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، لم يترك وراءه أي كتاب مكتوب، لأنه كان يرى أن الحقيقة لا تُنال من النصوص الصامتة، بل من الحوار الحيّ الذي يولد الأفكار في العقول كما تولّد القابلة الطفل من رحم أمه. كان يؤمن أن الكتابة تجمّد الفكر وتمنعه من النمو، إذ لا تستطيع أن تردّ على سؤال أو توضح غموضاً، ولهذا قال في إحدى محاورات أفلاطون، أن “الكتابة تشبه الرسم، فهي تريك صور الناس، ولكنها لا تجيبك إن سألتها.” كان سقراط يرى أن المعرفة الحقة هي ثمرة النقاش والجدل، وأن المعلم ليس من يلقّن، بل من يثير التساؤل ويقود المتعلم إلى إدراك الحقيقة بنفسه، ولذلك ارتبط اسمه بالمنهج الحواري الذي نقل إلينا روح البحث الفلسفي الأولى.

أما تلميذه، أفلاطون الذي عاصره ٢٣ سنة تقريبا، فقد كان أول من أدرك خطر ضياع تلك الحكمة الشفهية، فاختار أن يصيغها في قالب أدبي فلسفي يجمع بين الحوار والسرد، ليحفظ ما تلقّاه من أستاذه ويضيف إليه من تأملاته الخاصة. وهكذا ظهرت محاوراته الشهيرة مثل الجمهورية وفيدون والمأدبة وتيماوس، التي صاغ فيها أفكار سقراط ومزجها بفلسفته المثالية القائمة على نظرية المثل. لم يكن هدف أفلاطون من التدوين أن يحوّل الفكر إلى نص جامد، بل أن يجعل الكتابة امتداداً للحوار، فظل سقراط في معظم محاوراته الشخصية الناطقة بالحكمة والمجادلة بالمنطق. فلقد كان أفلاطون يرى أن الكتابة لا تلغي الحوار، بل تحفظه للأجيال القادمة، ولهذا قال: “الفكر الذي لا يُكتب يضيع، أما الذي يُكتب فيبقى شاهداً على صاحبه.” لقد جمع أفلاطون بين الأمانة لأستاذه وبين وعيه بأهمية التوثيق المنهجي، فكان أول من وضع أسس المدرسة الفلسفية المكتوبة في الغرب.

وأرسطو الذي عاصر سقراط ١٥ سنة تقريبا، وعاصر أفلاطون ٣٧ سنة تقريبا، تربى في أكاديمية أفلاطون ثم أسس مدرسته الخاصة “اللوقيون”، ورث من أستاذه الإيمان بقيمة الفكر المنهجي، لكنه أضفى على التدوين طابعاً علمياً دقيقاً. وبالرغم من أن له الكثير من الأعمال التي ألفها، وغطت مجالات متنوعة كالمنطق والطبيعة والأخلاق والسياسة والميتافيزيقا، غير أن ما وصلنا منها هو في معظمه “الكتب الداخلية” التي أعدّها لتلاميذه في دروسه ومحاضراته، لا الكتب العامة التي كتبها لعامة القراء، والتي فُقد معظمها مع الزمن. ويعزى ذلك لاعتناء تلاميذه بجمع محاضراته وملاحظاته بعد وفاته، ثم قام أندرونيقوس الرودسي في القرن الأول قبل الميلاد، أي بعد ٢٥٠ سنة من وفاة أرسطو تقريبا، بترتيبها وتحريرها لتأخذ شكل مجموعة أرسطو التي نعرفها اليوم أو ما يسمى أيضا المدونة الأرسطية.  وهذه تتألف من منظومة فكرية مترابطة تمثل خلاصة ما دوّنه أرسطو أو أملاه في مدرسته، وتشمل مؤلفاته المنطقية التي عُرفت باسم «الأورغانون» وجُعلت مدخلاً للفكر البرهاني وأداة للتمييز بين الصحيح والفاسد في الاستدلال، ثم تليها كتبه الطبيعية التي تناولت مبادئ الحركة والزمان والمكان والعناصر الأربعة وظواهر السماء والعالم والنفس، ومنها انتقل إلى البحث في ما وراء الطبيعة حيث تناول قضايا الوجود والجوهر والعلل الأولى في كتابه «الميتافيزيقا»، ثم تناول في مؤلفاته الأخلاقية، وعلى رأسها  الأخلاق النيقوماخية واحدى التفسيرات للإسم  "النيوقوماخية" أنه إسم ابن أرسطو،  نيوقوماخوس،  الذي قام بتدوين الكتاب ، وهو كتاب  يبحث في طبيعة الخير والسعادة والفضيلة، وغايات الإنسان والفضيلة والسعادة، وربط ذلك بنظام المدينة المثالية في كتابه  السياسة  الذي يُعدّ امتدادًا لنظرته الأخلاقية، كما ضمّت المجموعة دراساته في البلاغة وفن الشعر، اللذين بحث فيهما في بنية الخطاب الجمالي ودور المحاكاة في تهذيب النفس وتربية الذوق. وهكذا بدت مجموعة أرسطو كهيكلٍ معرفي متكامل ينتظم الفكر من منطقه إلى طبيعته وميتافيزيقاه وأخلاقه وفنه، ليجسد رؤية شاملة للعقل والكون والإنسان.

تجتمع هذه المواقف الثلاثة في رؤية متكاملة لطبيعة الفلسفة، فسقراط جعلها حواراً حياً في الساحات والطرقات، وأفلاطون نقلها إلى صفحات الحوار الأدبي لتصبح نصاً خالداً، وأرسطو صاغها في منهج تحليلي منظم يربط بين العقل والمنطق والعلم. وإذا كان سقراط قد رفض القلم لأنه يؤمن بأن الفكر يجب أن يظل نابضاً بالحياة، فإن أفلاطون استخدمه ليحفظ روح أستاذه، بينما جعل أرسطو منه أداة لترتيب العالم وتصنيفه. وهكذا يمكن القول إن الفكر الفلسفي انتقل عبرهم من الشفهية الجدلية إلى الكتابة الحوارية، ثم إلى التدوين المنهجي العلمي، فكانت هذه السلسلة نقطة التحول من الحكمة القديمة إلى العلم المنظم، ومن الكلمة المنطوقة إلى النص الخالد الذي يروي حكاية العقل الإنساني في بحثه الدائم عن الحقيقة.

تعمدت الاسهاب والاسترسال في ذكر أعمال أرسطو لتتضح المفارقة الكبيرة بين ما كان عليه سقراط، وكيف قفزت الى ما هو عليه عند أفلاطون وبعده أرسطو خلال جيل واحد فقط. من هنا فلابد من التأكيد على أن التدوين لم يكن من المسلمات المأخوذ بها حتى في عصر أرسطو، لم يظهر لنا أن تلك العصور كان لها اهتمام بتاريخ العلوم بشكل بارز، بل كان اهتمامًا ضمنيًا وغير منهجي. فالفلاسفة الإغريق والرومان مثل أرسطو وبطليموس وجالينوس لم يتعاملوا مع “تاريخ العلم” كميدان قائم بذاته، بل كانوا يشيرون إلى تطور المعرفة العلمية السابقة ضمن سياق شرحهم للمفاهيم العلمية والمنهجية. فبالنسبة لهم، كان معرفة أعمال من سبقهم هي وسيلة لفهم العلم نفسه، وليس هدفًا دراسيًا مستقلاً.

فأرسطو، على سبيل المثال، في مؤلفاته مثل الميتافيزيقا و الأصول، يشير إلى الفلاسفة السابقين مثل طاليس وأنكسيماندر وأحيانًا إقليدس، لكن هذه الإشارات كانت مرتبطة بشرح الأسس المنطقية والطبيعية للعلم. وفي كتابه التاريخ الطبيعي، يقدم أرسطو تصنيفاته وملاحظاته على الحيوانات، مشيرًا أحيانًا إلى من سبقوه في جمع المعلومات، لكنه لم يهدف إلى كتابة تاريخ علمي، وإنما كان يربط المعرفة السابقة بأسلوبه التحليلي الخاص. فحتما كانت دراسة أعمال السابقين ضرورية، بالنسبة لأرسطو ، لفهم العلم والسببية الطبيعية، لكنها لم تكن دراسة تاريخية مستقلة.

وكذلك بطليموس، العالم الفلكي والرياضي، يذكر مساهمات الفلكيين السابقين في أعماله مثل كتابه المجسطي، حيث يوضح دور هيبارخوس وغيرهم في دراسة حركات الكواكب والكسوف. كما يشير في كتابه   التهيئة إلى تطور التنجيم والرياضيات الفلكية، مستشهداً بالأساليب التي استخدمها من سبقوه، لكنه يستخدم التاريخ لدعم تحليله العلمي وليس لتقديم دراسة تاريخية مستقلة. فالتاريخ عند بطليموس كان أداة لتوضيح تراكم المعرفة وتحليلها، وليس هدفًا بحد ذاته، ولم يكن يهدف إلى تحليل تطور العلم أو وضعه ضمن سياق تاريخي مستقل، بل كان يستخدم التاريخ كأداة لشرح ومقارنة النتائج العلمية. ونجد أن جالينوس، الطبيب والفيلسوف الروماني، يستشهد في مؤلفاته مثل على طرق التشريح والطبيعة البشرية، بأعمال أبقراط ومن سبقوه من الأطباء لتوضيح تطور الممارسات الطبية والآراء النظرية. فعلى سبيل المثال، عندما يناقش تشخيص الأمراض أو قياس النبض، يذكر الطرق القديمة ويقارنها بملاحظاته الشخصية، ليُظهر كيف تطورت الممارسة الطبية. هذه الإشارات التاريخية تهدف إلى تبرير منهجه الطبي وتحسين الفهم العملي للنظام الجسدي، لكنها ليست دراسة تاريخية منظمة لتطور الطب.

وبالتالي فبشكل عام، يمكن القول إن الاهتمام بالتاريخ عند هؤلاء العلماء كان تاريخًا ضمنيًا للعلم. فكانوا يسجلون المعلومات السابقة ويستشهدون بها لدعم الملاحظات والتفسيرات العلمية، كما يتم حاليا في الاستشهاد بأعمال وجهود مماثلة سبقت البحث الذي يدونه المؤلفين. فهؤلاء العلماء لم ينظموا هذه المعلومات ضمن حقل معرفي مستقل يُعرف بـ تاريخ العلوم. وما يميز هذا النوع من الإشارات هو أنها تهدف إلى تعزيز الفهم العلمي، لا إلى دراسة تطور الفكر العلمي بشكل منهجي وتحليلي مستقل. ويمكن الاستنتاج من هذه الأمثلة أن هؤلاء العلماء لم يكن لديهم مفهوم "تاريخ العلوم" كما نعرفه اليوم فتاريخ العلوم إن كان موجودا، كان ضمنيًا كأداة تفسيرية. فكانوا يربطون التطور التاريخي للمعرفة بسياق المنهج العلمي والملاحظات التجريبية، مع التركيز على تراكم المعرفة وتحليلها، وليس على توثيق الأحداث العلمية أو الشخصيات العلمية بشكل مستقل ومنهجي.

٤.٤.١.٢ القرون الوسطى

يمثل تتبّع الحركة الديناميكية في انتقال الاهتمام بالعلوم بين الحضارة الإسلامية والأوروبية أحد المفاتيح الأساسية لفهم مسار تطور الفكر الإنساني عبر العصور. فالعلم لم يكن يومًا حكرًا على أمة أو ثقافة، بل هو ثمرة تفاعل مستمر بين مراكز حضارية تتبادل الأدوار في الريادة والتأثير. فقد شهد العالم الإسلامي منذ القرن الثامن الميلادي نهضة علمية ومعرفية هائلة، أسّست لمناهج البحث والملاحظة والتجريب، ووضعت اللبنات الأولى لعلم الفلك، والطب، والبصريات، والرياضيات، والفلسفة الطبيعية. ولم يقتصر اهتمام العلماء المسلمين على ممارسة العلم، بل تجاوزوه إلى تأمل طبيعته وتاريخه، فظهر لديهم وعيٌ مبكرٌ بترابط المعرفة وتراكمها، كما نرى في أعمال أمثال ابن النديم في الفهرست، والقفطي في إخبار العلماء، والسيوطي في بغية الوعاة، حيث سعوا لتوثيق سير العلماء ومصنفاتهم، وبيان تطور العلوم عبر الأجيال، مما جعلهم روادًا مبكرين فيما يمكن تسميته اليوم بـتاريخ العلم.

ومع انحسار مركز الثقل العلمي في العالم الإسلامي بدءًا من القرن الثالث عشر، انتقل الاهتمام بالعلم تدريجيًا إلى أوروبا، التي استفادت من التراث الإسلامي المترجم لتؤسس نهضتها الفكرية والعلمية. هناك بدأ التفكير في العلم لا بوصفه ممارسة فحسب، بل كظاهرة تاريخية تستحق الدراسة والتأمل. وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تبلورت ملامح تاريخ العلم كحقل معرفي مستقل على يد رواد مثل بيير دوهيم، وجورج سارتون، و ألدُو مييلي ، الذين سعوا إلى تقديم رؤية منهجية لتطور العلم عبر الحضارات، معتمدين على التوثيق النقدي والتحليل المقارن. وهكذا، فإن دراسة هذه الديناميكية تكشف عن حركة متواصلة لتبادل المشعل الحضاري بين الشرق والغرب، وعن وحدة المسار الإنساني في سعيه لفهم العالم وتاريخ معرفته به.

٤.٤.١.٢.١ ديناميكية العلوم والحضارة بين العالم الإسلامي وأوروبا

 الرسم البياني في الشكل ٧ يعطي تصويرًا زمنيا مقارنًا لمسار الحضارتين الإسلامية والأوروبية منذ البدايات الأولى لكل منهما حتى العصر الحديث. والجدول٢٠ يعطى التفاصيل لكل قرن من القرون التي مر بها الرسم البياني. فالرسمان يوضحان كيف انطلقت الحضارة الإسلامية في القرن السابع الميلادي بقوة فكرية وروحية هائلة، أسست لنهضة علمية وفلسفية وفنية شاملة امتدت من المشرق إلى الأندلس، وشكّلت في القرون الوسطى مركز الثقل العالمي للمعرفة والعمران. ومع مرور الزمن، أخذت هذه الحيوية في التراجع مع تزايد الانقسامات السياسية وضعف التواصل بين مراكز العلم، حتى بدأت ملامح الأفول تظهر تدريجيًا منذ سقوط بغداد عام ١٢٥٨م، لتتحول ببطء من مركز إنتاج للمعرفة إلى مستهلك لها مع تصاعد النفوذ الأوروبي. في المقابل، يظهر المنحنيين كيف بدأت أوروبا من حالة من الركود والاعتماد على التراث القديم، قبل أن تتصل بالحضارة الإسلامية من خلال حركة الترجمة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فاستعادت من خلالها أدوات البحث والنقد، وأطلقت عصر النهضة في الفنون والعلوم والإنسانيات. تتابعت بعد ذلك مراحل التحول الكبرى من الثورة العلمية في القرن السابع عشر، إلى عصر التنوير في الثامن عشر، ثم الثورة الصناعية في التاسع عشر، وصولًا إلى الثورة الرقمية والمعرفية في العصر الحديث، ما جعل أوروبا والعالم الغربي عمومًا مركز التطور العلمي والتقني في القرون الأخيرة.

يمثل هذا الرسم إذن خطين متقابلين ومتداخلين في بعض اللحظات التاريخية، يعكسان انتقال مركز الثقل العلمي والثقافي من الشرق الإسلامي إلى الغرب الأوروبي.  ويحكي الرسم أن الحضارة الإسلامية بلغت قمة نشاطها بين القرنين 8م–12م، ثم بدأت في الانحسار السياسي مع القرن 13م، والعلمي مع القرن 15م، والتحول الحضاري مع القرن 19م. أما أوروبا، فبدأت في التحرك من الجمود إلى النهضة منذ القرن 14م، وبلغت ذروتها العلمية في القرن 17م، والفكرية في القرن 18م، ثم الصناعية في القرن 19م. فهو لا يرسم مجرد مسار أفول وصعود، بل يكشف أيضًا عن دينامية التاريخ الإنساني التي تقوم على التبادل والتأثير المتبادل بين الحضارات، فكل نهضة جديدة إنما تبنى على إرث من سبقها، كما فعلت أوروبا مع التراث الإسلامي، وكما تسعى اليوم الحضارات المعاصرة إلى إعادة بناء توازن جديد بين الأصالة والمعرفة الكونية.







٤.٤.١.٢.٢ اهتمام علماء الحضارة الإسلامية 

بالرغم من الديناميكية التي حكمت الحركة العلمية في أوروبا والعالم الإسلامي، متمثلة في انتقال مركز الثقل الحضاري من العالم الإسلامي الى أوروبا، خلال القرون الوسطى، كما أوضحنا في الفقرات السابقة مدعمة بالشكل ٧ والجدول ٢٠، الان أن كل من العالم الإسلامي وأوروبا كان لهم خلال هذه الفترة ما يعكس اهتمام بتاريخ العلم. ففي العالم الإسلامي، يمكن لنا أن نجد إرهاصات واضحة للاهتمام بتاريخ تدوين العلوم   أبعد من الاستشهاد بأعمال السابقين فقط. فالعلماء المسلمون، ونأخذ أربعة منهم لتمثل هذه الفترة الزمنية، فهذا ابن النديم في كتابه الفهرست، والقفطي في إخبار العلماء بأخبار الحكماء، وابن أبي أصيبعة في كتابه  عيون الأنباء في طبقات الأطباء، والسيوطي في كتابه بغية الوعاة، قدموا نماذج مبكرة لتاريخ العلم من خلال توثيق تطور المعارف وأسماء العلماء زمنيا. كانت هذه الجهود ذات طابع موسوعي يربط بين العلم، والفلسفة، والسياق الحضاري. وهنا نقدم استعراضا مختصرا، لابد وأنه سيخل بالصورة الأبهى لكل منهم، لكن لابد أن نوازن بين الايضاح والاسترسال لكي تبقى عيوننا هناك على الهدف المرجو من كل هذا والمتمثل في تتبع نشأه الاهتمام بالعلوم في تاريخها ومنشأها، وتبعا لذلك يظهر لنا جهود همشت ومبادرات رائدة طمست وتم تجاوزها.  

يُعدّ كتاب الفهرست لابن النديم من أعظم الموسوعات التي أنتجها التراث العربي الإسلامي، وأحد أقدم الأعمال التي أرست دعائم التاريخ المنهجي للعلوم والفكر في الحضارة الإسلامية. ألّفه أبو الفرج محمد بن إسحاق النديم في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، في بغداد، زمن ازدهار الحركة العلمية والفكرية. كان هدفه أن يجمع حصيلة ما أنتجه العقل الإنساني من علوم وآداب، وما تُرجم إلى العربية من كتب الأمم القديمة، فكان كتابه مرآة شاملة للعقل العلمي والثقافي في عصره، ومصدراً لا غنى عنه للمؤرخين المعاصرين في دراسة نشأة العلوم وتطورها في الإسلام. وتميّز ابن النديم باتساع أفقه المعرفي وصلاته الوثيقة بالورّاقين والمترجمين والعلماء، مما مكّنه من تتبّع المؤلفات عبر الأجيال، سواء كانت عربية أصيلة أو مترجمة عن الفارسية، واليونانية، والهندية والسريانية. وقد قسّم كتابه إلى مقالات تناولت شتى المعارف. فشمل، علوم القرآن والحديث والفقه والكلام إلى المنطق والفلسفة والطب والرياضيات والفلك والطبيعة، مروراً بعلوم الأدب، واللغة، والشعر، والنحو. وكان يسجّل في كل فرع أسماء المؤلفين وأعمالهم ومناهجهم، ويعرض أحياناً ملاحظاته النقدية حول أفكارهم. ومن خلال هذه الطريقة، لم يقدّم ابن النديم مجرد فهرس للكتب، بل وضع نواة لببليوغرافيا نقدية علمية، تربط بين العلم، وصاحبه وسياقه الزمني والمذهبي، بمعنى إنشاء إطار أولي ومنظم للمصادر العلمية لا يكتفي بتوثيقها فحسب، بل يربط كل علم بصاحبه، مع وضعه في سياقه الزمني والفكري أو المذهبي، ويتيح تقييمه نقديًا من حيث المنهجية، الدقة، والموثوقية. هذه النواة تصبح أداة لفهم تطور المعرفة العلمية وكيفية تأثير الظروف التاريخية والفكرية على إنتاجها وتفسيرها.

وفي مجال تاريخ العلوم والفلسفة، أظهر ابن النديم وعياً لافتاً بترابط الفكر الإنساني عبر الثقافات، فذكر أعمال فلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، وتحدث عن جهود المترجمين العرب والسريان، كـحنين بن إسحاق وإسحاق بن حنين وثابت بن قرة، الذين نقلوا علوم الأوائل إلى العربية وصاغوها بلغة العقل الإسلامي. كما رصد مساهمات العلماء المسلمين الذين طوروا هذه المعارف، فذكر جابر بن حيان في الكيمياء، والخوارزمي في الحساب والجبر، والكندي والفارابي في الفلسفة والمنطق، والرازي وابن سينا في الطب والطبيعيات، مما يجعل كتابه سجلاً فريداً لتراكم المعرفة وانتقالها من حضارة إلى أخرى. ويُبرز الفهرست أن اهتمام ابن النديم لم يكن بجمع الأسماء فقط، بل ببيان حركة الأفكار وامتدادها التاريخي، فهو يتتبع أثر الكتب، يصف نسخها، ويشير إلى مواضع وجودها، بل يذكر أحياناً الخلافات حول نسبتها أو قيمتها، مما يكشف عن نزعة نقدية وبحثية ناضجة. ومن خلال هذا المنهج، وضع ابن النديم الأساس لما يمكن أن نسميه اليوم بـعلم تاريخ العلوم والمكتبات، إذ لم يكتف بالتوثيق، بل ربط بين تطور العلوم وموقعها في الثقافة الإسلامية.

وبالمحصلة، فإن كتاب الفهرست لا يمثل مجرد موسوعة كتب، بل شهادة حية على الوعي الحضاري الذي أدرك أن العلم سلسلة ممتدة بين الأمم، وأن حفظ المعرفة لا يكون إلا بتوثيقها وتحليلها. ولذلك ظل أثره ممتداً في مؤرخي العلوم من بعده، مثل القفطي في إخبار العلماء بأخبار الحكماء، وابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء. ومن ثم، فإن جهد ابن النديم لم يكن عملاً فردياً فحسب، بل تأسيساً لرؤية معرفية تُعلي من شأن التراث العلمي بوصفه ذاكرة الإنسانية الجامعة.

كما يُعَدُّ كتاب أخبار العلماء بأخبار الحكماء لجمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القِفطي (١٢٤٨م) من أبرز المصنفات التراثية التي تناولت تاريخ العلوم والفكر العقلي في الحضارة الإسلامية، وهو عمل موسوعي يجمع بين التاريخ والسير والفلسفة والعلوم الطبيعية. فقد أراد القفطي من خلاله أن يضع سجلًا شاملًا لأعلام الحكمة والعلوم من الأمم القديمة والحديثة، بدءًا من فلاسفة اليونان مرورًا بالعلماء السريان والعرب والمسلمين، وصولًا إلى معاصريه. ويمتاز الكتاب بترتيب علمي دقيق وتوثيق غني للمصادر، مما يجعله مرجعًا رئيسًا في دراسة نشأة وتطور الفكر العلمي والفلسفي في العالم القديم والإسلامي. يستعرض القفطي في كتابه سير أعلام مثل فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، مع إبراز دورهم في تأسيس المنهج العقلي، ثم ينتقل إلى الحكماء الذين أسهموا في نقل هذه العلوم إلى العربية كحنين بن إسحاق وثابت بن قرة، ويُعنى بذكر مؤلفاتهم ومناهجهم ومواقفهم الفكرية، مستشهدًا أحيانًا بمقاطع من كتبهم أو بما نقله عنهم المترجمون. ويُفرد فصولًا للأطباء والفلكيين والرياضيين والكيميائيين مثل جالينوس، إقليدس، أرخميدس، الخوارزمي، الرازي، ابن سينا، وابن الهيثم، فيبرز في عرضه تداخل العلوم العقلية والطبيعية، وكيف تشكّل التراث العلمي في سياق حضاري متكامل. كما يُظهر وعيًا نقديًا حين يميّز بين ما هو علمي وما هو أسطوري، أو حين يُقارن بين مناهج الأمم المختلفة في طلب المعرفة.

كما ويكشف القفطي من خلال عمله عن نزعة تأريخية واضحة تهتم بسلسلة الانتقال المعرفي، إذ يربط بين جهود المترجمين والعلماء، ويبرز كيف مثّلت حركة الترجمة في العصر العباسي نقطة تحول في الفكر العلمي، مما ساعد على صوغ تقاليد البحث والتجريب في العالم الإسلامي. كما يُظهر حسًّا نقديًا في تقييمه لمحتوى بعض الكتب، إذ يعلّق على آراء ابن سينا أو الرازي أو ابن رشد أحيانًا، فيوضح التوافق أو التعارض بين مدارس الفكر، وهو ما يجعل كتابه شاهدًا على تفاعل العقل الإسلامي مع الميراث العلمي اليوناني والإسلامي بروحٍ تحليلية لا نقليّة. ويتميّز أخبار العلماء بلغةٍ تجمع بين الدقة العلمية والأسلوب الأدبي، فهو لا يقتصر على العرض التاريخي، بل يسعى إلى رسم صورة للعالم في توازنه بين العقل والفضيلة، والعلم والعمل. كما حفظ لنا كثيرًا من أسماء المؤلفات التي فُقدت لاحقًا، فصار الكتاب مصدرًا فريدًا للباحثين في تاريخ الفلسفة والطب والرياضيات والفلك عند العرب. وقد أفاد منه اللاحقون كابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء، والسيوطي في بغية الوعاة، وعدّه الباحثون المحدثون أحد المنعطفات في الكتابة التاريخية العلمية، إذ أسّس لوعيٍ بأن العلم ليس مجرد تراكم منجزات، بل هو مسار إنساني متصل يشارك فيه العلماء والحكماء عبر العصور، ويتطوّر بتبادل الثقافات وتراكم الخبرات.


ويُعَدُّ كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (١٢٧٠م) من أهم المصادر التراثية التي تناولت تاريخ العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية والعالم القديم على حدٍّ سواء، فهو ليس مجرد سجلٍّ لتراجم الأطباء، بل موسوعة علمية وثقافية ترسم تطور الفكر الطبي منذ العصور الإغريقية حتى زمن المؤلف. ويمتاز الكتاب ببنية منهجية تجمع بين السرد التاريخي والتحليل النقدي، حيث يعرض ابن أبي أصيبعة سِيَر الأطباء ومناهجهم العلمية ومؤلفاتهم، مستعيناً بالنقل عن مصادر يونانية وعربية وسريانية، مثل أعمال جالينوس وأبقراط وديسقوريدس، كما يورد شواهد من كتب حنين بن إسحاق وثابت بن قرة والرازي وابن سينا والزهراوي وغيرهم ممن أسهموا في تأسيس تقاليد البحث الطبي في العالم الإسلامي. ويُظهِر ابن أبي أصيبعة وعياً تاريخياً نادراً في ربط العلم بسياقه الحضاري، إذ يبرز في تحليلاته كيف انتقلت المعارف الطبية من الإغريق إلى العرب عبر الترجمة، وكيف أبدع المسلمون في تطويرها، فيذكر على سبيل المثال إنجازات الرازي في الطب السريري، وتجارب ابن سينا في القانون في الطب ، ومساهمات الزهراوي في الجراحة العملية. كما يعرض جهود الأطباء في المراكز العلمية الكبرى مثل بيت الحكمة في بغداد ومدارس جنديسابور ومستشفيات دمشق والقاهرة، مما يجعل كتابه وثيقة نادرة لتاريخ المؤسسات العلمية ومناهج التعليم الطبي في العصور الوسطى. ويتميز المؤلف بأسلوب نقدي رصين؛ فهو لا يكتفي بجمع الأخبار، بل يقارن بين الروايات، ويشير أحياناً إلى تناقضات المصادر أو ضعف بعض الأسانيد، وهو ما يُظهِر بداية الوعي بضرورة التحقيق التاريخي في العلم. كما يكشف اهتمامه بالبعد الإنساني في العلم، حيث يورد نوادر الأطباء وحكمهم ومواقفهم الأخلاقية من المهنة، مما يقدّم صورة متكاملة للعالم والطبيب في آنٍ واحد.

ومن خلال كتابه، حفظ ابن أبي أصيبعة ذاكرة علمية هائلة تضم أسماءً ومؤلفات ربما فُقِدت لاحقاً، وهو ما جعل عيون الأنباء مصدراً لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ الطب وتاريخ العلوم عند العرب. فقد اعتمد عليه المستشرقون والباحثون المحدثون مثل طبيب العيون الألماني ماكس مايرهوف (١٩٤٥م)، الذي انتقل لمصر ودرس العربية وبدأ اهتماماته في دراسة التراث بدراسة وتحقيق كتاب المنهج العلمي للبيروني، ونشره في برلين. ويُعد مايرهوف من أبرز الشخصيات التي ساهمت في توثيق وتقديم التراث العلمي العربي للعالم الغربي، من خلال أبحاثه وتحقيقاته، وساعد في إبراز دور العلماء العرب في تطور العلوم، مما جعل اسمه مرتبطًا بتتبع مسيرة العلم وتوثيقها. كما اعتمد المؤرخ التركي الألماني المتخصص في تاريخ العلوم العربية والاسلامية فؤاد سزكين (٢٠١٨م) والذي يعد من أبرز من ساهموا في اعادة الاعتبار على كتاب ابن أبي أصيبعة، في تتبّع مسيرة العلم، ورأى فيه دليلاً على نضج الفكر التاريخي عند المسلمين، وعلى إدراكهم أن العلم ليس مجرد تراكم معلومات، بل هو سيرة حضارية متصلة. وبهذا المعنى، يمكن القول إن ابن أبي أصيبعة جسّد في عمله روح المؤرخ العلمي الأول الذي جمع بين الدقة، والوعي النقدي، والرؤية الشاملة لمسار تطور الفكر العلمي عبر العصور.

ورابع الكتب هو كتاب بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة لجلال الدين السيوطي (١٥٠٥م)  والذي يعد من أهم الموسوعات التي أرّخت للعلماء واللغويين والنحويين في العالم الإسلامي، وهو عمل ضخم يندرج ضمن تقاليد التأريخ العلمي التي اهتمت بتوثيق جهود العلماء وحفظ سيرهم العلمية والفكرية. غير أن السيوطي، وهو المفسر والمحدث واللغوي الموسوعي، لم يكتف بتسجيل التراجم على نحو تقريري، بل جعل من كتابه دراسة شاملة لمسار العلم العربي والإسلامي في فرع اللغة والنحو، رابطًا بين تطور المعرفة اللغوية وبين تطور الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية، باعتبار اللغة أداة العلم ومفتاحه ووعاءه. في هذا الكتاب، جمع السيوطي تراجم مئات العلماء من شتى العصور، بدءًا من الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العَروض ومؤسس المعجم العربي، مرورًا بسيبويه صاحب الكتاب، والكسائي والفراء من أعلام المدرسة الكوفية، وصولًا إلى ابن جني وابن مالك والزمخشري وغيرهم من علماء القرون المتأخرة. وقد كان منهجه في العرض متوازنًا، إذ يورد نسب كل عالم وشيوخه وتلاميذه ومصنفاته ومكانته العلمية، مع الإشارة إلى أثره فيمن جاء بعده. هذا التوثيق المتسلسل يجعل الكتاب بمثابة خريطة علمية للغة العربية، تظهر من خلالها حركة العلم في المدارس والبقاع المختلفة، وكيف تداخلت المناهج البصرية والكوفية والمصرية والأندلسية والمشرقية لتكوّن نسيجًا علميًا واحدًا. ويكشف السيوطي من خلال عمله عن وعي تاريخي عميق بمفهوم التراث العلمي بوصفه ظاهرة تراكمية، إذ كان يرى أن دراسة العلماء السابقين ضرورة لفهم تطور المعرفة. فهو لا يكتفي بذكر المؤلفات، بل يحلل محتواها أحيانًا، فيشير إلى منهج الخليل في بناء المعجم، أو طريقة سيبويه في التحليل النحوي، أو اجتهاد ابن جني في تفسير الظواهر الصوتية. كما يستشهد بآراء العلماء حول بعض المسائل الخلافية، مما يجعل الكتاب مصدرًا لفهم الجدل العلمي والمنهجي في التراث العربي. كذلك يبرز السيوطي دوره كمؤرخٍ واعٍ لتكامل العلوم، فيربط أحيانًا بين اللغة والقرآن والتفسير والحديث، مشيرًا إلى أن كل تقدم في الفهم اللغوي يعين على التوسع في فهم النصوص الشرعية، وهو بذلك يُدرج جهود اللغويين ضمن الإطار العام لتاريخ العلوم الإسلامية.

ويتميز بغية الوعاة بأسلوب يجمع بين الدقة والتذوق الأدبي، حيث يُبرز السيوطي سيرة العلماء في إطار من التقدير والاحترام العلمي، مستشهدًا بأقوال تلاميذهم أو نقادهم، فيعطي صورة حية عن البيئة العلمية والثقافية التي أنتجت ذلك الثراء المعرفي. كما يحافظ على أمانة النقل عن المصادر السابقة مثل كتاب الفهرست لابن النديم وكتاب أخبار العلماء للقفطي وكتاب عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة، مضيفًا إليها ما استجد في عصره من أسماء ومؤلفات. وبذلك يصبح كتابه خاتمةً تقليدية للموسوعات العلمية التي ازدهرت منذ القرن الرابع الهجري، إذ جمع شتات المعرفة وحافظ على تراث أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الصرح العلمي العربي والإسلامي. ومن خلال هذا العمل، أثبت السيوطي أن الاهتمام بتاريخ العلوم ليس حكرًا على الفلاسفة والأطباء، بل يمتد إلى علماء اللغة بوصفهم حراسًا للمعرفة ومنظّرين لمنطقها، فاللغة عنده ليست مجرد أداة تواصل، بل نظام علمي متكامل يعبّر عن طريقة الأمة في التفكير والبرهنة. ولهذا غدا بغية الوعاة أحد أهم المراجع التي تربط بين العلم واللغة والتاريخ، ويمثل حلقة أساسية في تطور الكتابة الموسوعية التي أرّخت للعلماء والعلوم، مؤكدةً أن الوعي بتاريخ الفكر هو شرطٌ لاستمراره وتجدده.

 وبالمجمل، يمكن القول إن هؤلاء العلماء الأربعة وغيرهم، أسسوا نموذجًا موسوعيًا لتاريخ العلم في الإسلام، يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية، توثيق أسماء العلماء وأعمالهم، ورصد تطور المناهج العلمية، وربط المعرفة بسياقها الحضاري والثقافي. وهذا يميز التاريخ العلمي الإسلامي عن الإشارات الضمنية القديمة، لأنه يركز على التراكم العلمي والتحليل المنهجي لسير العلماء وأعمالهم، مع الحفاظ على البعد الموسوعي والفلسفي للمعرفة.

٤.٤.١.٣ اهتمام العلماء خلال النهضة الأوروبية 

الفترة الممتدة من القرن الرابع عشر حتى القرن السابع عشر، تعتبر الامتداد الزمني للنهضة في أوروبا، حيث شهدت تحولات ثقافية ومعرفية عميقة لم تقتصر على الفن والأدب، حيث بدأت فيهما، فقط، بل شملت اهتمامًا متزايدًا بمسيرة المعرفة وتطور العلوم عبر العصور. فبدأ المفكرون الأوروبيون في جمع المخطوطات القديمة، وتحقيق النصوص العلمية الكلاسيكية، وتحليلها بطريقة نقدية، سعياً لفهم أعمق لتطور الفكر العلمي وبناء منهجيات دقيقة للتقدم المعرفي. ومن أبرز الشخصيات التي اهتمت مباشرة بتاريخ ومسيرة العلوم، في النهضة الأوروبية، يمكن ذكر صاحبنا الذي صاحبنا في حديثنا عن المنهج التجريبي في أوروبا، الفيلسوف والعالم الإنجليزي  فرانسيس بيكون (١٦٢٦م)، الذي كتب عن أهمية التجربة والمنهج العقلي في تقدم المعرفة. وفي مؤلفه النهج الجديد (١٦٢٠م)، دعا بيكون إلى دراسة تطور أساليب التفكير العلمي والتجريبي عبر العصور، مؤكدًا أن تتبع تطور المناهج السابقة، بما فيها الأخطاء والنجاحات، شرط أساسي لفهم الطبيعة والوصول إلى معرفة حقيقية. بيكون رأى أن المعرفة لا تتقدم بمجرد الاعتماد على التقليد، بل عبر تراكم التجارب وتحليل الأساليب، واعتبر أن دراسة الماضي العلمي تساعد على تحسين منهج البحث العلمي المعاصر. ويتحتم علي هنا أن أفرز ما ذهب اليه بيكون الى نوعين من الحديث، خطاب أصيل في الدفع لتطوير المنهج العلمي وتبني المنهج التجريبي والتبشير به، ولكن جزء من خطابه المتعلق بتتبع تتطور المناهج السابقة ودراسة الماضي العلمي، كانت في أفضل حالاتها حالة خطابية لم تترجم على أرض الواقع لا من قبله مباشرة ولا من قبل من التفوا حوله. وسنعود لإشكالية بيكون هذه لاحقا.

وفي هذه الحقبة أيضا، يُعدّ ديفيد هيوم ١٧٧٦م الذي اصطحبنا وهو الذي أيقظ كانط من سباته الدوغماطيقي، أحد أبرز فلاسفة التنوير الأسكتلنديين، وقد ترك أثرًا بالغًا في فهم طبيعة المعرفة والعقل العلمي، حتى وإن لم يكتب مباشرة في تاريخ العلوم. إلا أن فلسفته التجريبية والنقدية كانت حجر الزاوية الذي أعاد صياغة أسس التفكير العلمي ومناهجه في العصر الحديث. فقد نظر هيوم إلى المعرفة بوصفها نتاجًا للتجربة الحسية، لا للعقل الفطري، ورأى أن كل ما نعرفه عن العالم ينبع من الانطباعات الحسية والتجارب المتكررة، لا من المبادئ العقلية المسبقة. ومن خلال هذا المنظور، قدّم نقدًا جذريًا لفكرة السببية التي اعتمد عليها الفلاسفة والعلماء من قبل، معتبرًا أن الربط بين السبب والنتيجة ليس إدراكًا عقليًا ضروريًا، بل عادة ذهنية نكوّنها من تكرار الأحداث في التجربة. ورغم أن هيوم، لم يكن مؤرخًا للعلم بالمعنى المؤسسي، إلا أن منهجه التجريبي وموقفه من العقل والتجربة جعلاه أحد الممهدين لفهم العلم بوصفه ظاهرة إنسانية قائمة على الملاحظة والتكرار لا على المبادئ المطلقة. وقد تناول في أعماله مثل رسالة في الطبيعة البشرية وبحث في الفاهمة البشرية الأسس التي تُبنى عليها المعرفة، وهي ذات الأسس التي استند إليها العلم الحديث في تفسير الظواهر عبر الاحتمال والعادة لا اليقين المطلق. ومن خلال هذا التحول، ساهم هيوم في إرساء رؤية ترى أن العلم ليس يقينًا بل منهج للبحث المستمر، وأن المعرفة العلمية لا تنفصل عن التجربة البشرية وتطورها التاريخي.


٤.٤.١.٣.١ أوغست كونت وقانون المراحل الثلاث

من أبرز فلاسفة القرن التاسع عشر الذين سعوا إلى بناء رؤية شاملة للعلم والمجتمع هو أوغست كونت ١٨٥٧م ، حيث كان له أثر عميق في تطور فلسفة العلم وتاريخ العلوم معاً. رأى أوغست كونت أن مسار تطور الفكر الإنساني لا يسير عشوائيًا، بل يخضع لناموس عام يعكس نضج العقل عبر التاريخ. هذا الناموس هو ما أسماه “قانون المراحل الثلاث”، ويعد أحد أعمدة الفلسفة الوضعية التي أسسها. وفق هذا القانون، تمر المعرفة الإنسانية بثلاث مراحل متتابعة: اللاهوتية، والميتافيزيقية، والوضعية. تمثل كل مرحلة منها طريقة معينة في تفسير الإنسان للعالم من حوله، وتعكس مستوى الوعي الذي بلغه في كل عصر، وهنا مختصرا لكل منها.

 المرحلة اللاهوتية، وهي الأقدم زمنيًا وتمتد من فجر التاريخ الإنساني حتى العصور القديمة، يقول كونت أن الإنسان الذي عاش خلالها ، كان يفسّر الظواهر الطبيعية والاجتماعية بإرجاعها إلى قوى خارقة أو آلهة متعددة، ثم تطور التصور إلى توحيد الألوهية كما في الديانات السماوية. كان هذا النمط من التفكير طبيعيًا في زمن لم تتبلور فيه المناهج العقلية أو الأدوات العلمية، فكانت العواصف والفيضانات والكسوفات تُعزى إلى غضب الآلهة أو تدخلها المباشر في الكون. ويمكن رؤية هذا النمط بوضوح في حضارات مثل بابل ومصر القديمة واليونان، حيث كانت الآلهة مسؤولة عن المطر والحرب والحب والزراعة. أما في أواخر هذه المرحلة، فقد بدأت الديانات التوحيدية الكبرى مثل اليهودية والمسيحية والإسلام تعيد تنظيم الرؤية الدينية للعالم ضمن تصور أكثر انتظامًا وعقلانية نسبية، لكنها بقيت في الإطار اللاهوتي الذي يربط الظواهر بإرادة إلهية مباشرة.

ثم جاءت المرحلة الميتافيزيقية، التي تمثل انتقالًا فكريًا من إرجاع كل شيء إلى إرادة الآلهة نحو محاولة تفسير العالم بمفاهيم مجردة أو قوى خفية، مثل "الجوهر"، و"الطبيعة"، و"العلّة الأولى". هذه المرحلة ارتبطت بالعصر الفلسفي اليوناني وما بعده، حين بدأ الفلاسفة يطرحون تساؤلات حول ماهية الأشياء دون اللجوء للأساطير، لكنهم لم يصلوا بعد إلى المنهج التجريبي. يمكن أن نرى في فلسفة أرسطو وأفلاطون، وفي النزعة العقلانية في العصور الوسطى، تجسيدًا لهذا الاتجاه الذي يربط الظواهر بمفاهيم عقلية عامة أكثر من ربطها بملاحظات واقعية. فحين كان أرسطو يفسّر سقوط الأجسام بكونها تبحث عن “مكانها الطبيعي”، لم يكن يعتمد على تجربة أو قياس، بل على تأمل عقلي في طبيعة الأشياء. تمتد هذه المرحلة تقريبًا من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، حيث ظل التفكير الفلسفي هو المهيمن قبل بروز المنهج العلمي الحديث.

أما المرحلة الوضعية، فهي التي تمثل نضج العقل الإنساني عند كونت، وابتداء العصر العلمي بالمعنى الحديث. ففيها تخلى الإنسان عن البحث في العلل الغيبية أو الجوهرية، وصار يفسّر الظواهر من خلال الملاحظة والتجربة والقوانين الثابتة التي تحكمها. لم يعد السؤال "لماذا يحدث هذا؟" بل "كيف يحدث؟"؛ أي الانتقال من الميتافيزيقا إلى العلم التجريبي. وتبدأ هذه المرحلة، عند كونت، مع الثورة العلمية الحديثة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين قدّم جاليليو ونيوتن نموذجًا جديدًا في تفسير الطبيعة بالمعادلات والملاحظة الدقيقة. وفي القرن التاسع عشر، اكتمل الوعي الوضعي مع تطور الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، حين صارت الظواهر تُفهم ضمن إطار من القوانين التجريبية دون حاجة لتفسيرات خارقة أو فلسفية مجردة. بهذا التسلسل، أراد كونت أن يبين أن الفكر الإنساني قد مر من الطفولة إلى المراهقة ثم إلى النضج، من الأسطورة إلى الفلسفة إلى العلم. فالتاريخ، في نظره، ليس فقط سجلًا للأحداث، بل هو تطور للعقل ذاته في فهمه للعالم.

واضافة لبلورته قانون المراحل الثلاث، فله إسهاماته في فلسفة العلم، تتجلى في تأسيس ما سماه "الفلسفة الوضعية"، التي تؤكد أن كل معرفة حقيقية يجب أن تقوم على الوقائع القابلة للملاحظة، وأن مهمة الفيلسوف والعالم هي الكشف عن القوانين التي تحكم الظواهر لا البحث في عللها الغيبية أو الجوهرية. من هذا المنطلق، رفض كونت الأسئلة الميتافيزيقية، ودعا إلى توحيد مناهج البحث في العلوم الطبيعية والاجتماعية. وقد مهدت هذه الرؤية الطريق أمام نشوء علم الاجتماع، وفتحت آفاقاً جديدة أمام التفكير التاريخي في العلم بوصفه عملية اجتماعية تتأثر بالمجتمع وتؤثر فيه.

لقد تأثر كونت بأعمال فلاسفة سابقين مثل فرانسيس بيكون وديكارت وكوندياك، واستفاد من النزعة التجريبية البريطانية والمنهج الرياضي الفرنسي، كما تأثر بالروح الموسوعية للقرن الثامن عشر. لكنه عندما وضع أوغست كونت مشروعه للفلسفة الوضعية، لم يكتفِ بمجرد تحليل تطور الفكر الإنساني عبر المراحل الثلاث، بل حاول أن ينظم العلوم نفسها في بناءٍ متكامل يعبّر عن هذا التطور. فالعقل الإنساني، بحسبه، لا يتقدم فقط في طريقة تفكيره، بل كذلك في تنظيم معارفه. ومن هنا جاء تصوره الشهير لما أسماه "هرم العلوم"، وهو تصور نسقي يربط بين فروع المعرفة وفق مبدأ التدرج من الأبسط إلى الأعقد، ومن الأكثر تجريدًا إلى الأكثر تركيبًا. في هذا الهرم، وضع كونت الرياضيات في القاعدة؛ لأنها تمثل أبسط صور التفكير وأكثرها تجريدًا، وتُعنى بالعلاقات الكمية التي تشكل أساس كل علم آخر. فالرياضيات تقدم اللغة والمنهج الذي يمكن بواسطته التعبير عن القوانين العامة في كل الحقول اللاحقة، وهي الأداة التي يعتمد عليها العلم في صياغة نماذجه وقياساته. ولهذا رأى كونت أن أي علم لا يستند إلى الرياضيات يظل في مرحلة غير ناضجة من التطور.

يلي الرياضيات في التدرج علم الفلك، لأنه يطبق القوانين الرياضية على الأجسام السماوية، ويدرس الظواهر البسيطة غير المرتبطة بالحياة أو التعقيد الحيوي. ثم يأتي بعده الفيزياء، التي تتناول المادة والطاقة في حالاتها المتغيرة، وتصف العلاقات بين الحرارة والضوء والحركة، وهي أكثر تعقيدًا لأنها تدرس ظواهر أقرب إلى عالم الإنسان. ثم تليها الكيمياء، التي تنتقل من دراسة العلاقات العامة إلى دراسة تركيب المادة وتحولاتها، فتقترب أكثر من الحياة العضوية. أما بعد الكيمياء فتأتي البيولوجيا، وهي العلم الذي يتعامل مع الكائنات الحية وما يميزها من تعقيد وتنظيم ذاتي، ولذلك فهي تتجاوز العلوم السابقة في التركيب والتنوع. غير أن كونت رأى أن البيولوجيا رغم عمقها لا تكفي لفهم الإنسان، لأن الإنسان لا يُختزل في جسده أو وظائفه الحيوية، بل يعيش في مجتمع، ويتفاعل مع الآخرين ضمن نظم أخلاقية وثقافية واقتصادية وسياسية. ومن هنا وضع على قمة الهرم علمًا جديدًا هو علم الاجتماع (السوسيولوجيا ، الذي اعتبره تتويجًا للعلوم الطبيعية وامتدادًا لها في ميدان الظواهر الإنسانية.

في هذا الإطار، يمثل علم الاجتماع عند كونت ذروة النضج العلمي، لأنه يدرس أعقد ظواهر الوجود: المجتمع الإنساني بكل ما فيه من نظم وتفاعلات. وهو يجمع في ذاته ما سبق من معارف: فهو يستند إلى الرياضيات في منهج القياس، وإلى الفيزياء في تفسير الظواهر المنتظمة، وإلى البيولوجيا في فهم علاقات النمو والبقاء، لكنه يضيف إلى ذلك بُعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا لا يوجد في العلوم الطبيعية.

بهذا التصور، أراد كونت أن يربط بين فروع المعرفة في بناء واحد متكامل؛ حيث لا تتعارض العلوم، بل تتساند وتتدرج نحو فهم أكثر عمقًا للعالم والإنسان. فكل علم يمهد لما بعده ويعتمد على ما قبله، حتى نصل إلى علم الاجتماع الذي يجمع خلاصة الفهم العلمي للعالم الطبيعي والإنساني معًا. لقد كان هدف كونت من هذا التصور أن يؤسس لعلم شامل يحقق الانسجام بين الطبيعة والمجتمع، ويجعل من دراسة الإنسان جزءًا من المشروع العلمي الكلي لا خارجه. وقد صاغ من خلال هذا الهرم تصوراً لمسار تطور العلوم، حيث يرى أن كل علم يمر بالمراحل الثلاث التي ذكرها، ما جعل منه رائداً في إدخال البعد التاريخي والمنهجي في دراسة العلوم.

كان تأثير كونت واسعاً على مفكرين لاحقين مثل إميل دوركايم في علم الاجتماع، وجون ستيوارت ميل في المنهج العلمي، كما استفاد منه مؤرخو العلوم الذين سعوا إلى قراءة تاريخ العلم كمسار متصل يخضع لقوانين تطور يمكن رصدها وتحليلها. كذلك شكّلت أفكاره الأساس للاتجاهات الوضعية المنطقية في القرن العشرين التي حاولت إعادة صياغة منطق العلم على أسس تجريبية صارمة. وبذلك يمكن القول إن أوغست كونت وضع لبنة أساسية في فهم العلاقة بين تطور الفكر العلمي وتاريخ الإنسانية، من خلال رؤيته التدرجية التي جعلت من العلم مرآة لتقدم العقل البشري عبر العصور.

إلى جانب هؤلاء، لم يغفل الأوروبيون دراسة التراث العلمي الإسلامي والكلاسيكي. فلقد اهتموا بأعمال علماء مثل ابن سينا، الرازي، والبيروني، والتي أسهمت في إثراء المعرفة في الطب والفلك والرياضيات والكيمياء، وقد ساعدت هذه الدراسات على فهم تطور العلوم في سياق حضاري عالمي، ووضعت الأسس التي استند إليها العلماء الأوروبيون لاحقًا في تطوير التجريب والمنهج العلمي.

بهذه الجهود، أصبح الاهتمام بتاريخ العلوم مجالًا معرفيًا قائمًا بذاته في أوروبا، يربط بين الماضي والحاضر، ويتيح للباحثين فهم كيفية تطور الفكر العلمي ومنهجيته، مما مهد لاحقًا لظهور الثورة العلمية في القرن السابع عشر وما بعدها، وفتح الباب أمام دراسة تاريخ العلوم كحقل أكاديمي متكامل يعتمد على التحليل النقدي والتوثيق الدقيق لمسيرة المعرفة الإنسانية.

وبشكل عام، يمكن القول إن النهضة الأوروبية شهدت تحولًا نوعيًا في الاهتمام بتاريخ العلوم، من إشارات ضمنية إلى دراسة أكثر وعيًا لتطور المناهج الفكرية والعلمية. بيكون ركز على تحليل التجربة والمناهج، هيوم على تطور المعرفة عبر التجربة الإنسانية، وكونت على المراحل التاريخية الكبرى لتطور الفكر العلمي، وهو ما مهد لاحقًا لتطور علم تاريخ العلوم كحقل مستقل في القرنين التاسع عشر والعشرين.


٤.٤.١.٣.٢.مشاريع ومبادرات لمحاولة فهم تاريخ العلوم في القرنين ال ١٩ وال ٢٠

مع بدايات القرن التاسع عشر، وبعد التحول الكبير الذي أحدثه إيمانويل كانط في بنية الفكر الفلسفي من خلال مشروعه النقدي، بدأت تتبلور داخل أوروبا نزعة جديدة تسعى إلى فهم العلم لا كمعرفة معزولة، بل كظاهرة إنسانية لها تاريخها وشروطها. فكانط، إذ وضع قانون المراحل الثلاث، قد صاغ الإطار الذي يتيح النظر إلى الفكر الإنساني في سياق تطوره الذهني من اللاهوتي إلى الميتافيزيقي وصولًا إلى الوضعي، غير أن هذا التصور ظلّ فلسفيًا تجريديًا أكثر من كونه تحليلًا تاريخيًا واقعيًا لمسار العلوم كما عرفتها الأمم.

وفي القرن التاسع عشر، تتابعت محاولات المفكرين والمؤرخين لتجاوز النموذج الفلسفي الكلي نحو مشروعات تحليلية تاريخية تستقرئ العلم في ضوء مراحله، وشخصياته الرئيسية ومؤسساته ومناهجه. لقد مثّل مشروع كانط خطوة تأسيسية من حيث طرح السؤال عن شروط إمكان المعرفة، لكن أوغست كونت جاء ليحوّل هذا السؤال إلى قانون تطوري عام، يرى في العلم ثمرة نضوج الفكر البشري في مرحلته الوضعية. ومع أن كونت لم يكتب تاريخًا علميًا تفصيليًا، فقد فتح الباب أمام تصور أن العلم كظاهرة اجتماعية يخضع لقوانين التطور والتراكم، وهو ما مهد الطريق لظهور اتجاهات لاحقة جمعت بين التاريخ والفلسفة والسوسيولوجيا في دراسة العلم.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ظهرت مشروعات كبرى حاولت أن تعطي لتاريخ العلوم منهجًا علميًا مستقلًا عن الفلسفة الخالصة. فكان جورج سارتون من أوائل من نادوا بأن تاريخ العلم علمٌ في ذاته، له أدواته ومناهجه، ورأى أن دراسة تطور الأفكار العلمية عبر الحضارات تمكّننا من فهم البنية المعرفية للإنسانية جمعاء. وبذلك انتقل الاهتمام من التساؤل الميتافيزيقي إلى التوثيق التحليلي لمسار الاكتشافات، مما جعله يُعدّ بحقّ مؤسس علم تاريخ العلوم الحديث.

إلى جانب سارتون، برزت أسماء أخرى قدمت نماذج تفسيرية مختلفة لمسار العلم؛ مثل توماس كون في منتصف القرن العشرين، الذي أعاد صياغة فكرة التطور العلمي في صورة تحولات نموذجية ، بارادايم، تتخللها ثورات علمية لا تسير خطيًا كما افترض كونت. أما أليستر كاميرون كرومبي فقد اقترح أنماطًا متعددة للتفكير العلمي ظهرت في العصور الوسطى وبنت أسس العلم الحديث، مبرزًا التنوع البنيوي في تطور الفكر العلمي.أما الإيطالي ألدُو مييلي، فقد قدّم مشروعًا متميزًا يزاوج بين التوثيق الفلسفي والدراسة الحضارية، ساعيًا إلى إبراز الإسهام العلمي للحضارات غير الأوروبية، وخاصة الإسلامية، في تشكيل العلم الحديث. وبذلك مثّل ردة فعل منهجية على النزعة المركزية الأوروبية التي غلبت على تصورات كونت وسارتون في بدايات القرن العشرين.

لقد شكّلت هذه المشاريع – من كانط إلى كونت، ومن سارتون إلى كون وكرومبي ومييلي – سلسلة فكرية متصلة، اختلفت في الأدوات واتحدت في الهدف المتمثل في فهم العلم من حيث هو ظاهرة إنسانية تتطور في الزمان والمجتمع والفكر. وإذا كان كانط قد طرح الإطار الفلسفي الذي مكّن من التفكير في العلم ضمن حدود العقل الإنساني، فإن هؤلاء المؤرخين والفلاسفة اللاحقين قد أعادوا صياغة هذا التفكير في ضوء التاريخ الفعلي للمعرفة، محولين السؤال “كيف يمكن للعلم أن يوجد؟” إلى سؤال أكثر واقعية: “كيف نشأ العلم، وتطور، وتبدّل عبر الحضارات؟”. وهنا نستعرض مجموعة من هذه المشاريع والمبادرات لفهم تاريخ العلوم.


٤.٤.١.٣.٢.١ جورج سارتون والمشروع التأسيسي لتاريخ العلم كعلم مستقل 

يُعدّ جورج سارتون أحد أبرز المؤرخين الذين أسّسوا لتاريخ العلوم بوصفه علماً مستقلاً له منهجه وأدواته الخاصة. فقد سعى سارتون إلى تجاوز النظرة التجزيئية التي كانت تكتفي بسرد الاكتشافات العلمية دون ربطها بسياقها الحضاري والثقافي. رأى أن العلم لا يمكن فهمه إلا من خلال تتبع تطوره في تفاعل مع المجتمع الذي نشأ فيه، ومع المعتقدات والقيم التي وجّهت حركة العلماء. ومن هذا المنطلق وضع مشروعه الضخم لتأريخ العلم، الذي كرّس له حياته وأنتج من خلاله موسوعته الكبرى المدخل إلى تاريخ العلم.

في هذا العمل الموسوعي، حاول سارتون أن يقدم نظرة شاملة لمسيرة العلم منذ أقدم الحضارات وحتى العصر الحديث، مبينًا كيف انتقلت المعارف من الشرق إلى الغرب، وكيف ساهمت كل أمة في بناء الصرح العلمي الإنساني. وقد امتاز مشروعه بالدقة والاتساع، إذ لم يقصر اهتمامه على أوروبا كما فعل مؤرخون قبله، بل أبرز الدور العظيم الذي قامت به الحضارة الإسلامية في نقل وترجمة وتطوير المعارف اليونانية والفارسية والهندية، وفي إنشاء منهج تجريبي جديد مهّد لنهضة أوروبا. وقد كان سارتون من أوائل من نادوا بضرورة الاعتراف بالعلماء المسلمين في تاريخ العلم، فخصّهم بدراسات موسعة، وتحدث عن أسماء مثل ابن الهيثم والبيروني وابن سينا وابن رشد، بوصفهم روادًا في بناء العلم التجريبي والمنهج النقدي.

من الشواهد الدالة على دقته وموضوعيته أنه كان يتحقق من المصادر الأصلية، ويتتبع المخطوطات القديمة، ولا يكتفي بالنقول الثانوية. ففي مقدمات أجزاء موسوعته، نجده يذكر أسماء المخطوطات ومواقعها ومحققيها، مما جعل عمله مرجعًا لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ العلم. كما أنه أسس مجلة Isis عام ١٩١٣م، وهي منبر أكاديمي عالمي لدراسة تاريخ العلوم والفكر العلمي، وقد أصبحت لاحقًا من أهم المجلات المتخصصة في هذا المجال. وبجهوده هذه، أسّس سارتون تقليدًا علميًا جديدًا لدراسة تاريخ العلوم بطريقة نقدية ومنهجية قائمة على الوثائق والأدلة، لا على الأحكام المسبقة أو التصورات الحضارية المنغلقة. واسم المجلة "Isis"  إيزيس الذي يبدوا وكأنه اختصارا لعبارة ما، هو في حقيقته ليس كذلك، بل اختياره من قبل التي جورج سارتونعام 1912 ، كان ترجمة لبعض جوانب فكره وتوجهه.  فالاسم الرمزي مستوحى من إيزيس الآلهة المصرية القديمة التي كانت تمثّل عند المصريين الحكمة والمعرفة والشفاء، وترمز إلى البحث عن الحقيقة وإحياء العلم. فاختيار سارتون لهذا الاسم لم يكن اعتباطيًا، بل أراد من خلاله أن يربط بين التراث الإنساني القديم والمشروع الحديث لتاريخ العلوم، فـإيزيس في الأسطورة كانت تجمع أجزاء جسد أوزوريس الممزقة لتعيده إلى الحياة، وهو ما رآه سارتون صورة رمزية لمؤرخ العلوم الذي يجمع شتات المعارف المبعثرة عبر العصور ليعيد بناء صورة متكاملة لمسيرة العلم. فـ"Isis” رمزٌ ثقافي وفلسفي يعبّر عن إحياء الماضي العلمي وإعادة وصله بالحاضر ضمن رؤية شاملة لتاريخ الفكر الإنساني.

ومن مواقفه الفكرية البارزة أنه دعا إلى النظر إلى العلم بوصفه مسيرة إنسانية واحدة لا تعرف الحدود القومية أو الدينية، مؤكدًا أن كل حضارة أضافت لبنة في هذا البناء المشترك. فقد كان يؤمن بوحدة الفكر العلمي عبر العصور، وأنه ثمرة تراكم جهود متتابعة من حضارات مختلفة. ولعل هذا الإيمان هو ما جعله يرفض مركزية أوروبا في تاريخ العلم، ويؤكد أن النهضة الحديثة ما كانت لتقوم لولا الجذور الإسلامية والعربية والشرقية التي سبقتها.

لقد قدّم سارتون بعمله هذا نموذجًا رائدًا لمؤرخ العلم الذي يجمع بين المعرفة العلمية والفهم الفلسفي والوعي التاريخي. فهو لم يكتب سردًا تقريريًا، بل تحليلًا نقديًا يبيّن كيف تتكوّن المفاهيم العلمية، وكيف تتغير المناهج بتغير البيئات الثقافية والفكرية. وبذلك فتح الباب أمام جيل جديد من المؤرخين مثل أليستر كرومبي وتوماس كون، الذين واصلوا جهده في فهم العلم باعتباره ظاهرة تاريخية متحركة، لا مجموعة من الحقائق الثابتة. فكان سارتون بحقّ من أوائل من منحوا تاريخ العلم بعده العلمي والفلسفي، وأسهموا في جعله علمًا قائمًا بذاته.

مشروع سارتون في تاريخ العلوم يُعرف عادةً باسم  المشروع التأسيسي لتاريخ العلم كعلم مستقل ، أو كما يعبّر عنه بعض الباحثين بـ  النموذج السارتوني وهو الإطار الذي سعى من خلاله إلى إرساء تاريخ العلم كحقل أكاديمي منظم ومنهجي، لا بوصفه مجرد سرد للتطورات العلمية، بل كدراسة نقدية متكاملة تربط بين العلم، والعالم، والعصر الذي نشأ فيه. يُشار إليه أحيانًا أيضًا باسم  البرنامج السارتوني ، لأن سارتون وضع من خلاله برنامجًا بحثيًا متكاملًا يقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة، وهي أن العلم ظاهرة إنسانية عالمية، تتشارك فيها جميع الأمم والحضارات، وثانيا، أن تطور العلم يجب أن يُفهم في سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي، وثالثا، أن كتابة تاريخ العلم تحتاج إلى منهج نقدي توثيقي يعتمد على المصادر الأصلية، لا على الروايات الموروثة. أما موسوعته الكبرى المدخل إلى تاريخ العلم فهي تمثل اللبّ العملي لهذا المشروع، إذ تجسّد رؤيته التاريخية الشاملة لتطور الفكر العلمي منذ الحضارات القديمة مرورًا بالإسلامية وصولًا إلى الأوروبية الحديثة. وبذلك يمكن القول إن مشروع سارتون هو أول محاولة لبناء علم "تاريخ العلوم" بمنهج علمي مؤسسي، جعل من دراسة العلم عبر العصور حقلًا معرفيًا له أصوله وغاياته ومناهجه الخاصة، ممهّدًا الطريق لمدارس لاحقة مثل مدرسة توماس كون وأليستر كرومبي في فلسفة وتاريخ العلم.


نواصل في المقال القادم، دراسة ومراجعة فهم العلماء لكيفية انتاج  العلوم  عند الأمم القديمة. واستعراض أهمية دراسة علوم تلك الامم، والتعرف على  رواد هذا التوجه، والمدارس والمناهج التي ابتكروها،


فؤاد 


٥ أكتوبر  ٢٠٢٥


تعليقات