تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ٤
"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر ،عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم ، ونفصِّل في أطروحاته ، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"
بعد الحديث في المقالات الأربعة ،التي كانت تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. نكمل السلسلة بمقالات تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع" وهنا مقال رقم ٤ ونواصل فيه الحديث عن القسمين الإثنين الأخيرين من انجازات علماء مرحلة ما بعد تثبيت منهج فرانسيس بيكون التجريبي في الساحة العلمية، تمهيدا للحديث عن محاولات كانط إنقاد المنهج التجريبي من معضلة السببية التي أثارها ديفيد هيوم، وأكدها كانط نفسه. ويتبعها في رقم ٥ محاولة إيمانويل كانط لدمج المنهج العقلي والمنهج التجريبي، ونتبع ذلك بالحديث عن أثرها الذي شبهه بأنه " ثورة كوبرنيكية فلسفية" ، وما وجه الى المنهج من انتقادات مهدت لطرح كارل بوبر القابلية للتفنيد.

انتهى الحديث في الجزء السابق عند تناول الحراك العلمي والفلسفي المتواصل خلال الفترة الزمنية التي فصلت بين زمن تبني منهج فرانسيس بيكون التجريبي، والزمن الذي طرح كانط دمج التجريبي والعقلي لتجاوز الانتقادات التي طالته. وصنفنا النتاجات العلمية التي تم تطويرها خلال تلك الفترة الى أربعة أصناف توقفنا بذكر الصنف الأول الذي يشمل النتاج العلمي المتعثر، والصنف الثاني الذي يحوى النتاج العلمي المتواصل للعلماء بتطبيق المنهج العلمي الجديد والذي كان متفاوتا في أثره وقيمته، بين ما هو المتوقع حدوثه وبينما هو المتميز والفاتح لصفحة جديدة في العلوم.
نواصل الآن، بالحديث عن الصنفين الأخيرين، الثالث وهو نتاج علمي مبهر لم ينتج بسبب تطبيق المنهج التجريبي كما قال به فرانسيس بيكون، ولكن بوسائل مختلفة، وربما الميل لاستخدام المنهج العقلي غير المعلن وغير الممنهج، والرابع وهو الذي يشمل عمل ما اسميناهم هنا "الممهدون" لكانط، إن صح التعبير، وهو مهتم بالأعمال التي ركزت على النقد الفلسفي للمنهج، فاتحة المجال لتطويره. ثم نستعرض المواقف المتباينة من المنهج العلمي، والتي كان من أهمها سببية ديفيد هيوم، التي شكلت معضلة كادت أن تجعل الثقة بالمنهج التجريبي تنهار. نتحدث عن تفاصيلها ودوافعها ومؤيديها ومعارضيها، الى أن نصل الى إيمانويل كانط الذي أيقظته السببية من سباته الدوغمائي، ونستطلع منهجه لتجاوز السببية ومن أين انطلق في ذلك، وما سببه من ثورة قارب في أثرها بالثورة الكوبرنيكية، حيث نستعرض مواقف العلماء والفلاسفة من طرح كانط، وما أنتجه من مسارات فكرية وجدت طريقها عند بعض العلماء والفلاسفة، وكان من ضمنهم كارل بوبر الذي أتى في بداية القرن الواحد والعشرين وطالب عند محاولة التحقق من أي فرضية، أن تحقق الفرضية خاصية التفنيد. ومع التمعن في بعض الجداول التي تضع أمامنا مقارنات المواقف والدوافع والحجج، يمكننا أن نرسم خطا خفيا يصل بين خلفية بعض العلماء في قناعاتهم ومعتقداتهم، مع مواقفهم العلمية وهو بمثابة ارهاصات تلقي بعض الضوء على انحراف عن الموضوعية وعن الحيادية، عند البعض في تناول المتناقضات التي يعيشها، إذا واجهها، بين قناعاته العلمية وقناعاته العقائدية، والذي سيصب في عنوان أحد المسارات المرتبط بعلاقة العلم والدين التي سنتناولها.
٣.٧.٣ نتاج علمي استثنائي
من النتاج العلمي المبهر الذي ينتمي للصنف الثالث، ما قدمه الشهير غاليليو غاليلي (١٦٤٢م)، الذي سبق بيكون في بعض تجاربه، ولكنه شارك روح الثورة، فكان أول من طبّق الملاحظة، ولكنها كانت مقرونة بالرياضيات على نحوٍ حاسم. فحين وجّه غاليلي تلسكوبه نحو القمر والمشتري، كتب في كتابه الرسول النجمي أو رسالة النجوم (١٦١٠م) “إنني رأيت بأم عيني أربعة كواكب صغيرة تدور حول المشتري، كما تدور الزهرة حول الشمس"، كاسراً بذلك التصور الأرسطي عن مركزية الأرض. لم يكتفِ غاليلي بالرؤية، بل دعمها بالتجارب لإثبات قانون السقوط الحر، عبر تجاربه على انزلاق الأجسام على السطوح المائلة، حيث كان يقول "إن الكتاب العظيم للطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات"، وهو اقتباس يلخّص صلب العلاقة بين التجريب والعقلنة الرياضية. نعم، غاليليو غاليلي كان بالفعل من أوائل العلماء الذين طبقوا منهجًا قريبًا من المنهج التجريبي الذي صاغه فرانسيس بيكون، وإن كان ذلك قبل أن تنضج صياغة بيكون النهائية. غاليلي اعتمد بشكل كبير على الملاحظة الدقيقة، القياس، والتجربة المضبوطة لاختبار الفرضيات العلمية، خصوصًا في ميكانيكا الحركة والدينامكيات. فعلى سبيل المثال، أجرى تجارب على الأجسام المتدلية والمنحدرات لقياس تسارع الأجسام، ورفض بشكل قاطع أفكار أرسطو التقليدية التي كانت تعتمد على الفلسفة والاستنتاج العقلي دون اختبار عملي. في علم الفلك، استخدم التلسكوب لرصد الأقمار والحركات السماوية، موثقًا النتائج بالملاحظات الدقيقة، وهو ما أتاح له تحدي نموذج الأرض المركزي القديم. وبذلك كان غاليلي يطبق جوهر التجريبية البيكونية المتمثل في الاعتماد على الملاحظة الدقيقة، التجربة المتكررة، والقياس الدقيق لاستخلاص استنتاجات عامة عن الطبيعة، رغم أن الصياغة المنهجية الكاملة لبيكون جاءت بعد فترة قصيرة من نشاطه العلمي.
ورجل آخر استثنائي علميا، ونتاجه لازال يخترق الزمان، هو إسحاق نيوتن وهو من قام بصياغة ذروة التلاقي العملي بين المنهجين النظري والتجريبي، في كتابه المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية (١٦٨٧م)، حيث يقرر في القاعدة الشهيرة: "لا أضع فرضيات؛ فما يُستنتج من الظواهر بالتجربة يُقبل، وإلا فلا". ومع ذلك صاغ قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجاذبية في نسق رياضي صارم، جامعاً بين استقراء المعطيات السماوية (من كبلر وغاليليو) وبين استنباط الصيغة العامة التي فسرت الأرض والسماء تحت قانون واحد. أي أن إسحاق نيوتن وضع قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجاذبية في شكل رياضي دقيق ومنظم. وقد استطاع أن يجمع بين ما لاحظه العلماء قبله مثل كبلر (الذي درس حركة الكواكب) وغاليليو (الذي درس حركة الأجسام على الأرض)، ليخرج نيوتن بصيغة عامة واحدة تفسر كل ما يحدث في السماء والأرض تحت نفس القانون. فنيوتن وحّد قوانين الطبيعة، حيث أثبت أن التفاحة الساقطة على الأرض، والكوكب الذي يدور حول الشمس يخضعان لنفس القانون وهو قانون الجاذبية. هذا المزيج كان التطبيق الأوضح للروح التي لم تندمج فلسفياً بعد، لكنها اندمجت علمياً في ممارسة حية. فإسحاق نيوتن استخدم بشكل واضح عناصر المنهج التجريبي الذي أسسه فرانسيس بيكون، لكن مع لمسة شخصية تجمع بين التجربة والرياضيات الصارمة. نيوتن لم يكتفِ بالملاحظة فقط، بل أجرى تجاربه الخاصة، خاصة في البصريات، حيث درس الضوء والظلال وانكسار الألوان، واعتمد على القياس الدقيق والاختبار التجريبي. في الوقت نفسه، دمج نيوتن النتائج التجريبية مع صياغة رياضية صارمة، كما في قوانينه الثلاثة للحركة وقانون الجاذبية، ما يجعله نموذجًا للعلم الذي يجمع بين التجريبية والقياس الدقيق والتحليل الرياضي. إسحاق نيوتن كان نموذجًا متقدمًا للعلمي الذي يجمع بين التجريبية الدقيقة والتحليل الرياضي، وقد تأثرت معظم نظرياته، بشكل واضح بروح المنهج التجريبي الذي أسسه فرانسيس بيكون. ففي البصريات، على سبيل المثال، قام نيوتن بسلسلة من التجارب الدقيقة على الضوء، مستخدمًا المنشور لفصل الألوان، ثم جمع الأدلة التجريبية لتطوير نظرية الضوء المكوّن من أطياف مختلفة، وهو تطبيق مباشر لمبدأ بيكون في الملاحظة الدقيقة والاختبار المتكرر. وفي ميكانيكا الأجسام، اعتمد على الملاحظات التجريبية الحسية للأجسام المتحركة وسقوطها الحر، واستخرج منها القوانين الثلاثة للحركة، التي صاغها بعد التأكد من توافقها مع البيانات والتجارب العملية، مما يعكس أسلوب بيكون في الاستنتاج من التجربة إلى القاعدة العامة. أما قانون الجاذبية العامة، فقد جاء نتيجة دمج الملاحظات الفلكية الدقيقة، مثل حركة الكواكب وفق بيانات يوهان كبلر، مع التحليل الرياضي الدقيق، فاستخلص قانونًا عامًا يفسر القوى المؤثرة بين الأجسام، وهو مثال على الطريقة التجريبية المتقدمة التي تتجاوز جمع البيانات إلى صياغة قوانين عالمية قابلة للاختبار والتطبيق. بهذا الشكل، يمكن القول إن نيوتن لم يقتصر على تقليد التجريبية البيكونية، بل طورها من خلال الجمع بين الملاحظة الدقيقة، التجربة العملية، والتحليل الرياضي، ليؤسس نموذجًا متكاملًا للمنهج العلمي الحديث الذي يعتمد على التجربة والقياس والتعميم المنطقي. بمعنى آخر، نيوتن طبق روح بيكون التجريبية في جمع البيانات والملاحظة الدقيقة، لكنه تجاوزها في تطوير استنتاجات عامة قانونية قابلة للتعميم عبر الصيغ الرياضية، مما جعله مثالاً فريدًا للمنهج العلمي التجريبي-التحليلي في العصر الحديث، وهو نفسه السبب الذي جعل بعض أعماله عرضة للنقد حيث قال بعضهم أن لا دليل حسي بل كان هناك رجوع للغيبيات في بعضها.
فنيوتن سار على خطى بيكون في الاعتماد على الملاحظة الدقيقة والتجارب، مثل تتبعه لحركة الكواكب وحركة الأجسام على الأرض. لكنه لم يتوقف عند جمع البيانات، بل صاغ قوانين عامة رياضية تنطبق على الظواهر كلها. هذا جعله نموذجًا لما يُسمى بالمنهج التجريبي-التحليلي: فيبدأ من التجربة، ثم يضع قوانين عقلية دقيقة تعمم ما يراه. لكن بعض النقاد لاحظوا أن نيوتن في بعض كتاباته لم يلتزم كليًا بهذا المنهج، بل أضاف عناصر قريبة من الميتافيزيقا أو الغيبيات. ففي الجاذبية، صاغ قانونها بدقة لكنه لم يفسر لماذا توجد قوة تجذب الأجسام عبر الفراغ. وقال إن الله هو من وضع هذه القوة في الطبيعة، فالنقاد رأوا أن هذا تفسير غيبي وليس تجريبي. كذلك في حديثه عن النظام الكوني، كان يعتقد أن الكون يحتاج إلى تدخل إلهي مستمر ليبقى منتظمًا، لأن القوانين وحدها – في رأيه – قد لا تكفي لحفظ الاستقرار الكامل. وفي دراساته عن الكيمياء والخيمياء (يمكننا القول إن الكيمياء وُلدت من رحم الخيمياء، بعدما تم التخلص من الطابع الأسطوري والرمزي لصالح المنهج التجريبي)، كان نيوتن يميل إلى أفكار شبه صوفية عن "القوة الخفية" و"الروح الكونية"، وهي لا تعتمد على التجريب المباشر. فالجانب العلمي يتمثل في قوانينه في الحركة والجاذبية التي أثبتها بالملاحظة والرياضيات، والجانب الغيبي يتمثل في تفسيره أن الله هو الفاعل المباشر في القوانين، وأن بعض القوى غير مرئية أو "روحانية". وللتبسيط، تخيّل طالبًا يفسر سقوط التفاحة. لو قال: "تفاحة تسقط لأن هناك قوة اسمها الجاذبية تجذبها إلى الأرض"، فهذا تفسير علمي، لكنه لو أضاف: "وهذه القوة وضعها الله مباشرة في الأشياء" فيكون هنا دخل عنصر غيبي لا يمكن التحقق منه بالتجربة. وكان نيوتن، في الخيمياء، يبحث عن قوى خفية تتحكم في المادة وراء الظواهر المرئية. فكان يعتقد أن هناك "روحًا كونية" أو "قوة غير مرئية" تجعل المادة تتفاعل وتتحول. هذا التفكير يحمل طابعًا صوفيًا أو ميتافيزيقيًا لأنه يتحدث عما وراء الطبيعة وليس فقط عن الظواهر التي يمكن قياسها. فنيوتن كان يرى أن هناك "جاذبية كيميائية" بين الجسيمات، شبيهة بجاذبية الكواكب، تجعل المواد تنجذب أو تنفر من بعضها. هذه الفكرة لم تكن مدعومة بتجارب كافية، لكنها أثرت لاحقًا في علم الكيمياء. وفي تحويل المعادن، كان يعتقد أن المعادن يمكن تحويلها إلى ذهب عن طريق قوى طبيعية/خفية إذا تم اكتشاف "الإكسير" المناسب. وفي بعض مخطوطاته، تحدث عن وجود "روح منتشرة في الكون" هي التي تنقل القوى بين الأجسام. ورأى أن هذه الروح هي الوسيط الذي يسمح للجاذبية والتأثيرات الكيميائية أن تعمل. نيوتن في العلم التجريبي أعطانا قوانين دقيقة مثل “قوة الجاذبية تتناسب مع الكتلة وتتناقص مع مربع المسافة"، ولكن في الخيمياء، كان يقول أشياء مثل “هناك روح خفية تربط الأشياء وتجعلها تتجاذب أو تتنافر". هذه الروح لا تُرى ولا تُقاس، لكنها بالنسبة له أساس النظام الطبيعي.
وفي مجال الرياضيات، تعتبر اكتشافات ليوناردو أويلر وجوزيف لاگرانج، مثل التحليل الرياضي ونظرية الأعداد أعمالًا عقلية بحتة كان لها الأثر البالغ في تغيير مسار العلوم تمامًا. فعالم الفلك السويسري ليوناردو أويلر (١٧٨٣م) هو من أعظم الرياضيين في التاريخ، وله إسهامات ضخمة في مختلف فروع الرياضيات بما في ذلك التحليل الرياضي، نظرية الأعداد، الهندسة، الميكانيكا، والرياضيات التطبيقية. اعتمد أويلر بشكل أساسي على المنهج العقلي والاستنباط الرياضي، ولم يكن المنهج التجريبي جزءًا أساسيًا من أعماله، فهو كان يبرع في بناء النظم الرياضية والقوانين النظرية التي تصف الظواهر الطبيعية بدقة عالية، مثل صياغته للثوابت والمعادلات في الميكانيكا وتحليل الحركة، وكذلك تطويره لمفاهيم الدوال الرياضية واللوغاريتمات. ورغم أن تجاربه العملية كانت محدودة، لكن نتاجه العلمي أثر بشكل بالغ على العلوم لأنه وفر أطرًا رياضية دقيقة يمكن تطبيقها لاحقًا في التجارب العلمية والهندسة والفيزياء التطبيقية، ما جعله جسرًا بين التفكير النظري والتطبيق العملي. أما عالم الرياضيات والفيزياء الإيطالي – الفرنسي جوزيف لاگرانج (١٨١٣م) فهو واحد من أعظم العلماء في مجال التحليل الرياضي والميكانيكا التحليلية. ولقد تميز لاگرانج بقدرته على صياغة المشكلات الفيزيائية في إطار رياضي بحت، مع تطويره لمبادئ الميكانيكا التحليلية ونظرية الأمثلية أو إيجاد الحلول المثلى، والتي أسست لفهم الحركة والقوى بطريقة تجريدية ونظرية، دون الاعتماد على التجارب المباشرة. فموقفه هو أن المنهج التجريبي كان تكميليًا؛ فهو لم يرفضه، لكنه لم يجعله حجر الزاوية في عمله، بل ركز على بناء النماذج الرياضية التي يمكن اختبارها تجريبيًا من قبل العلماء الآخرين. نتاجه العلمي، مثل صياغة معادلات لاگرانج للحركة ومساهماته في التحليل الرياضي، أتاح للعلوم التجريبية أساسًا قويًا لتفسير الظواهر الطبيعية بدقة، ووسع قدرة العلماء على التنبؤ بالنتائج قبل اختبارها تجريبيًا. وبالتالي فكل من أويلر ولاگرانج يمثلان الطيف النظري للعلم، حيث يعتمد التفكير العقلي والتحليل الرياضي كأساس للإنتاج العلمي، مع احترام المنهج التجريبي كأداة تكاملية، مما يوضح أن العلوم العظيمة لم تقتصر على التجربة فقط، بل جمعت بين العقل الرياضي والتطبيق العملي لاحقًا، وربما غيرهما، فمعطيات القرون القديمة بما فيها ما قدمه أرسطو ومن سبقه ومن أتى بعده فيها من العلوم الصلبة ما لم ينتج بهذا المنهج التجريبي.
ما جاء في إسهامات غاليلي ونيوتن، وأويلر ولاكرانج يدعم القناعة بأن ليس كل العلم العظيم جاء من التجربة المباشرة؛ هناك علم نظري صارم، قائم على الاستنباط والقياس الرياضي أو المنطقي، كان له أثر بالغ على تقدم المعرفة وأحيانًا مكّن التجريبية من أن تتقدم بشكل أكثر دقة بعد ذلك. وبالرغم أننا تحدثنا في أحد سابقا عن اكتشافات غاليلي ونيوتن العلمية بشكل أنهما كانا يترجمان الدمج بين المنهج التجريبي والعقلي الا أن التدقيق في تفاصيل ما قام به كل منهما يتبين أن غاليلي وبيكون كانا متزامنان جزئيًا، وكلاهما ركزا على التجربة، لكن غاليلي استخدم الرياضيات أكثر. مع الأخذ في الاعتبار أن غاليلي، كان على دراية جزئية بأفكار بيكون وديكارت. فهو اعتمد على الملاحظة الدقيقة والتجربة لفهم الحركة، سقوط الأجسام، ودراسة قوانين الطبيعة، وهذا جانب بيكوني بحت. وبالرغم من أنه استخدم الرياضيات لتحليل النتائج، الا أنه لم يربط ذلك بفلسفة ديكارت العقلانية بشكل واعٍ؛ فلقد كانت الرياضيات، حينها، أداة عملية وليس جزءًا من مشروع فلسفي شامل. وغاليلي لم يكن يحاول توفيق طرحي بيكون وديكارت، لأنه لم يكن على معرفة تامة واعية بمنهج ديكارت الفلسفي بعد. فاجتهاده كان تجريبيًا رياضيًا عمليًا لحل المشكلات العلمية، أكثر منه فلسفيًا. أي أن دمجه بين التجربة والرياضيات كان أداتيًا وليس فلسفيًا. كذلك نيوتن، لم يضع خطة فلسفية لتوفيق منهج بيكون وديكارت كما سيفعل كانط لاحقًا، بل كان اجتهادًا عمليًا وحكيمًا مبنيًا على التجربة والرياضيات. وكذلك نيوتن، فلقد اعتمد على الملاحظة الدقيقة والتجربة المنهجية لتأكيد الفرضيات الفيزيائية، خصوصًا في الحركة والجاذبية. في هذا الجانب، كان نيوتن بيكونيًا بحتًا، فلقد استقراء النتائج من التجارب بدلًا من الاعتماد على التفكير النظري المجرد. واستخدم التحليل الرياضي والمنطق لحساب القوى والحركة، مستفيدًا من رياضيات ديكارت وتحليله للفضاء والحركة. لكن نيوتن لم يقبل فرضية ديكارت عن نظريته الأثير الدوار التي حاول تفسير الحركة من خلالها، بل اعتمد نيوتن على التجربة لإثبات القوانين. نيوتن دمج عمليًا التجربة مع الرياضيات للوصول إلى قوانين الطبيعة، وهو نوع من التوفيق العملي بين المنهجين، لكنه لم يضع إطارًا فلسفيًا عامًا لتبرير هذا الدمج، كما فعل كانط بعد قرن تقريبًا. فلقد كان اجتهاد نيوتن اجتهادا عمليًا ونتيجة الحاجة العلمية، وليس اجتهادًا فلسفيًا متعمدًا لتوحيد منهجين. بينما جاء كانط لاحقًا ليضع إطارًا فلسفيًا رسميًا يبرر الدمج بين التجريبية والعقلانية، وهو ما لم يفعله نيوتن.
٣.٧.٤ أعمال في النقد الفلسفي للمنهج
مع تقدم القرن، ظهرت الدراسات الفلسفية المختلفة التي تحمل روح النقد للمنهج التجريبي. فهذا جون لوك يؤكد في كتابه مقالة في الفهم البشري، وواضعا أساس التجريبية المعرفية “لا يوجد شيء في الذهن إلا وقد مرّ بالحواس"، رافضاً أي معارف فطرية، ومؤكداً أن كل الأفكار تتولد من الخبرة الحسية. لكن في المقابل، تعرضت هذه النزعة لهزة قوية مع ديفيد هيوم في منتصف القرن الثامن عشر، إذ قال في كتابه تحقيق في الفهم البشري (١٧٤٨م) "لا يمكننا أبداً أن نتصور أي رابطة ضرورية بين السبب والنتيجة، إن ما نراه هو مجرد تتابع اعتيادي" وبذلك دفع التجريبية إلى أقصى حدودها من خلال تشكيكه العميق في أساس السببية التي يقوم عليها الاستقراء. هذا التشكيك، سبب أزمة معرفية حقيقية هزت يقين العلم الفلسفي، لم يكن للمنهج التجريبي أن يتجاوزها، مؤكدًا أن كل استنتاجاتنا عن العالم تعتمد على العادة والتكرار الحسي، ما خلق أزمة معرفية واضحة أمام العلماء والفلاسفة، وأبرز الحاجة إلى دمج العقل والمنطق مع التجربة لتأسيس معرفة مؤكدة. ولم يكن من مخرج من هذه الأزمة المعرفية الا منهج يستثمر إيجابيات كل من المنهجين، وهذا ما حاول كانط القيام به لاحقًا.
وهنا الفيلسوف الفرنسي برنارد لي بوفير دي فونتينيل (١٧٥٧م)، الذي عُرف بقدرته على تبسيط المفاهيم العلمية والفلسفية للجمهور العام، ساهم في تعزيز الفكر العقلاني والتجريبي في فرنسا خلال القرن السابع عشر، وله كتاب محادثات حول تعددية العوالم (١٦٨٦م) الذي يعد من أوائل الأعمال التي تمزج بين الفلسفة والخيال العلمي. وكان من المدافعين عن المنهج العقلاني، خاصة في تفسير الظواهر الطبيعية والكونية. في محادثات حول تعددية العوالم، يظهر تأكيده على أهمية العقل والتفكير المنطقي في فهم الكون. ومع ذلك، لم يكن معارضًا تمامًا للتجريب؛ بل كان يرى أن التجربة يمكن أن تكون مفيدة في بعض الحالات، لكنه كان يعتقد أن العقل هو الأداة الرئيسية لفهم العالم. بالتالي، يمكن القول إن فونتينيل كان يميل إلى الجمع بين المنهجين العقلاني والتجريبي، مع تفضيل واضح للعقل كأداة لفهم الحقيقة.
أما الألماني، غوتفريد فيلهلم لايبنتز، الفيلسوف وعالم الرياضيات البارز(١٧١٦م) عُرف بإسهاماته في الرياضيات والفلسفة، والمنطق، والفيزياء، والميكانيكا. ومن أهم أعماله العلمية تطوير حساب التفاضل والتكامل بشكل مستقل عن نيوتن، وابتكار مفهوم المونادات الذي يمثل لبنات الكون الروحية والغير مادية، بالإضافة إلى تقديم مبادئ في المنطق الرياضي والميكانيكا. كما كتب العديد من الأعمال الفلسفية مثل مبادئ الفلسفة ومقالات حول الخير الأعظم، الذي جمع بين التفكير العقلاني والتحليل المنطقي والاهتمام بالترتيب والتناغم في الكون. كان لايبنتز مؤيدًا للمنهج العقلاني باعتباره السبيل لفهم الكون والقوانين الكامنة وراء الظواهر الطبيعية، لكنه لم يرفض المنهج التجريبي تمامًا، إذ رأى أن التجربة والملاحظة يمكن أن تساعد في تأكيد الأفكار العقلية، لكنه كان يعتبر أن العقل هو الأداة الرئيسية لفهم الحقيقة والكون، وعليه فيمكن القول إن فلسفة لايبنتز تمثل جسرًا بين العقل والمنطق من جهة، والتجربة والملاحظة من جهة أخرى، مع ميل واضح إلى الاعتماد على العقل كمرشد أساسي في البحث العلمي.
وأيضا على الجانب العقلاني، طور الهولندي باروخ سبينوزا (١٦٧٧م) نظامًا فلسفيًا متكاملًا قائمًا على المنطق والاستنتاج الهندسي، ساعيًا لتفسير الطبيعة والأخلاق والسياسة من مبادئ أساسية قابلة للاشتقاق العقلي. سبينوزا كان فيلسوفًا بارزًا، وقد ترك أثرًا عميقًا في الفلسفة الغربية من خلال أعماله التي جمعت بين العقل والمنطق لفهم الكون والطبيعة والإنسان. ومن أهم أعماله كتاب الإتيقا الذي صاغ فيه فلسفة متكاملة على نمط الاستدلال الهندسي، موضحًا فيها أن الله والطبيعة شيء واحد، وأن كل ما يحدث في العالم هو نتيجة قوانين ضرورية وعقلانية، وكتاب الرسائل السياسية الذي ناقش فيه الحرية السياسية والاجتماعية، وكتاباته حول علم النفس والأخلاق التي تناولت دور العقل في السيطرة على الانفعالات البشرية. سبينوزا كان مؤيدًا للمنهج العقلاني، إذ اعتبر أن العقل والتحليل المنطقي هما الطريق الأكيد لفهم الحقيقة، وكان يشدد على أن المعرفة الحقيقية تأتي من التفكير العقلي المستقل عن الانطباعات الحسية المتقلبة. ورغم ميله القوي إلى العقل، لم ينكر تمامًا أهمية الملاحظة والتجربة في تأكيد بعض الحقائق، لكنه اعتبرهما أدوات مساعدة وليس المصدر الأساسي للمعرفة، وبذلك جسد فلسفة متوازنة تجمع بين التحليل العقلي والاعتماد المحدود على التجربة لفهم الكون والإنسان.
وبالطبع، لا يمكن تجاوز رينيه ديكارت الذي ساهم بشكل مباشر في بناء العقلانية الحديثة من خلال منهجه العقلي الذي يعتمد على الشك المنهجي والاستنتاج الصارم للوصول إلى يقين المعرفة، وهو ما شكّل مع التجريبية المتطورة خلفية فكرية مثالية لإنتاج فلسفة كانط النقدية. هكذا، وفرت التجريبية التجارب والقياسات الدقيقة، وأبرزت حدود المعرفة الحسية، في حين أظهرت العقلانية قدرة الفكر على بناء نظم معرفية شاملة ومستقلة عن التجربة المباشرة. هذا التناقض بين التيارين خلق الحاجة الملحة لمحاولة دمج المنهجين، وهنا يطل كانط في أواخر القرن الثامن عشر ليقدم مشروعه النقدي في نقد العقل المحض أو الخالص(١٧٨١م)، معلناً مقولته التي كانت عنوانا لمشروعه التي تقول "الأحكام التجريبية بدون مفاهيم عقلية عمياء، والمفاهيم العقلية بدون تجربة فارغة" (وكأن فيها بعض شبها مما سيقوله آينيشتين لاحقا، في وصفه العلاقة بين الدين والعلم عندما قال " الدين من دون علم أعمى، والعلم من دون دين أعرج"، ولاحقا صححت لتتبادل مفردتي (اعمى) و (أعرج) موقعيهما). وبمقولته، جمع كانط بين الحس والعقل في صيغة واحدة، مثبتاً أن المعرفة العلمية ممكنة لأنها تتأسس على تركيب بين ما يمنحه الحس وما يفرضه العقل، في مشروعه المعروف بمحاولة التقريب بين التجريبية والعقلانية، ومؤسسًا فلسفة المعرفة النقدية التي جمعت بين الحواس والعقل بطريقة منهجية صارمة.
المنجزات العلمية التي أبدعها العلماء في الأصناف الأربعة، يمكن النظر إليهم على أنهم قدموا أعمالا بنكهات مختلفة في منهجها العلمي الذي اتبعته، وربما المشترك الأبرز بينها هو خلق زخم وجو تدافع بن الاطروحات المتضادة والتي تدفع لإنتاج ما هو أفضل. وحيث أن العلامات الفارقة الرئيسية في مسيرة المنهج التجريبي تشمل بيكون نفسه، وبعده ديكات، وتقفز بعد ذلك في محور الزمن الى كانط متكأه على معضلة هيوم، من هنا يمكن تسمية أكثر هؤلاء العلماء بالممهدين لكانط، وفي الجدول ٦ نعرض مختصر لأعمال بعض العلماء هؤلاء.

حين استقر المنهج البيكوني التجريبي في صلب الممارسة العلمية الأوروبية في القرن السابع عشر، أخذت ثمار الثورة العلمية تتسع مع نيوتن وغاليليو وديكارت وغيرهم، حتى غدا التجريب والملاحظة هما المرجع الأول لصناعة المعرفة. غير أنّ هذا المسار، على ما أحرزه من نجاحات، لم يخلُ من تعثرات ونقد، إذ تعرّض لاتهام بالاقتصار على الظواهر، وإهمال الأسس العقلية التي تجعل العلم ممكنًا ومتماسكًا. في قلب هذا الجدل، جاء صوت ديفيد هيوم، الذي زلزل الثقة الراسخة بالعلم من حيث لم يكن كثيرون يتوقعون. فقد طرح سؤالًا مقلقًا حول مبدأ السببية: هل نحن ندرك فعلًا علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة، أم أنّنا لا نرى إلا تعاقبًا متكرراً بين الظواهر فنكوّن عادة ذهنية نسميها "سببية"؟ هيوم ذهب أبعد من مجرد الشك، مؤكّدًا أنّ العقل لا يمنحنا أي ضرورة وراء التجربة، وأن ما نسميه "قوانين الطبيعة" ليس سوى انتظام عادي اعتدنا على تكراره. بهذا الطرح، هدد هيوم أسس العلم ذاته، إذ إن غياب الضرورة يعني سقوط يقين القوانين التي يقوم عليها.
كان هذا التنبيه هو ما وصف به كانط أنه "أيقظه من سباته الدوغمائي". فقد رأى في نقد هيوم دعوة ملحّة لإعادة تأسيس العلم على أرضية أرسخ، لا تُسقط ثمار التجربة ولا تتجاهل حدود العقل. فكانط لم يرضَ بترك السببية عادةً ذهنية كما عند هيوم، ولا بقبولها ميتافيزيقياً مفارقاً كما عند من سبقوه، بل اجتهد لصياغة مشروع جديد يقوم على الدمج، فالعقل لا يُنتج المعرفة من ذاته وحده، والتجربة لا تكفي لتفسير انتظامها، وإنما المعرفة نتاج تفاعل خلاق بين الاثنين. التجربة تمدنا بالمعطيات الخام، والعقل ينسقها عبر مقولات قبليّة – كالسببية والزمان والمكان – التي تجعل الإدراك والمعرفة ممكنين. هكذا صاغ كانط ما عُرف بـ "الثورة الكوبرنيكية" في الفلسفة، مؤكداً أن العقل لا يتبع العالم، بل العالم كما ندركه يتشكل وفق شروط يفرضها العقل نفسه.
٣.٨ مواقف متباينة من المنهج التجريبي
شكّلت التجريبية إحدى أهم الركائز التي أعادت توجيه الفلسفة الأوروبية نحو الطبيعة والبحث العلمي، وكما تحدثنا، أعتبر أن كانت انطلاقتها الأولى مع فرانسيس بيكون الذي دعا إلى ترك الاعتماد على الميتافيزيقا المدرسية والقياس الأرسطي، والتوجّه بدلًا من ذلك إلى الاستقراء المنهجي القائم على الملاحظة والتجربة. بيكون لم يضع نظرية مفصلة في الإدراك أو المعرفة، لكنه شدّد على أن الطبيعة لا تُفهم إلا بالعودة إليها، وأن العلماء ينبغي أن يتخلصوا من "أصنام" العقل والعادة واللغة التي تحجب الرؤية السليمة. لقد أسس بهذا ما يُعرف بالتجريبية المنهجية، فاتحًا الطريق أمام فلاسفة القرن السابع عشر لتبيان مواقفهم من المنهج العلمي الذي نلخص اهم جوانب مواقف العلماء من فرانسيس الى كانط، الذي كان يدعوا لدمج التجريبية مع العقلانية. ملخص مواقف بعضهم مدونة في الجدول ٧.
٣.٩ التجريبية حين تتطور
يعد الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٧٠٤م) أحد أبرز أعلام التجريبية الحديثة ومن المؤسسين الأساسيين للفكر الليبرالي في الفلسفة والسياسة. درس الطب والفلسفة والعلوم الطبيعية، وتأثر بفرانسيس بيكون في دعوته إلى الاعتماد على الملاحظة والتجربة بدلًا من الاستنتاجات الميتافيزيقية، وترك أثرًا بالغًا على الفلسفة الأوروبية، بل إن هيوم نفسه يُعد امتدادًا وتطويرًا لخط لوك التجريبي. مع جون لوك دخلت التجريبية مرحلة أكثر فلسفية ومنهجية. حيث صاغ نظريته الشهيرة في اللوح الأبيض معتبرًا أن العقل البشري يولد خاليًا من الأفكار الفطرية التي افترضها ديكارت، وأن كل معرفة إنما تأتي عبر الخبرة، هذه الخبرة تصله إما عن طريق الحواس التي تمدنا بانطباعات مباشرة عن العالم الخارجي، أو عن طريق التأمل الداخلي الذي يمكّننا من تركيب وتفصيل تلك الانطباعات في صورة أفكار مركبة. هنا اتخذت التجريبية شكلًا معرفيا متماسكًا، يقوم على أساس أن الخبرة وحدها هي التي تؤسس المعرفة، وأن العقل ليس سوى جهاز لاستقبال وتنظيم تلك الخبرات. وقد كان لموقف لوك من السببية أثر مهم؛ فهو وإن لم يعطها طابعًا ما وراء طبيعي، صارم، حيث اعتبر أن معرفتها ممكنة كتعميم مستفاد من التجربة المتكررة، مما حافظ على إمكانية بناء علم تجريبي يقوم على قوانين عامة.
وبالتزامن مع جون لوك، كان الفيلسوف الأيرلندي جورج بركلي (١٦٨٥م) وواحدًا من أبرز ممثلي التجريبية البريطانية والذي اشتهر بفلسفته المثالية التي عبّر عنها بمقولته الشهير "الوجود هو أن يُدرَك"، كان يعمل على نقل التجريبية إلى مستوى إدراكي جديد، فاعتبر أن القول بوجود مادة مستقلة عن إدراكنا وهم لا مبرر له. فالعالم بالنسبة له ليس إلا مجموع إدراكاتنا، وما يُسمّى "جوهرًا ماديًا" لا يمكن أن يُعرف أو يُتصوّر خارج فعل الإدراك. شعاره الشهير الذي ذكرناه قبل قليل، يلخص موقفه من المعرفة والعالم. بهذا أعاد بركلي صياغة التجريبية لتصبح فلسفة إدراكية مثالية، ترفض فكرة أن الحواس تنقلنا إلى عالم مادي مستقل، وتؤكد بدلًا من ذلك على أن التجربة لا تتجاوز حدود ما يُعطى للوعي. أما السببية عنده فهي لا تكشف عن قوى خفية في الأشياء، بل عن انتظام إدراكي يفسّره العقل في إطار علاقته بالله كضامن لهذا الانتظام. الجدول ٨ يعطي خلاصة لتطور التجريبية عبر الزمن.
جدول ٧ أهم مواقف العلماء من المنهج العلمي.

جدول ٨ وتطور المنهجية عبر الزمن
٣.١٠ السببية تقلق الجميع وامتداداتها عميقة
من جهة أخرى، كانت السببية في قلب الجدل الفلسفي والعلمي، وكان النقاش حول طبيعة السببية في قلب الجدل الفلسفي والعلمي. مع إسحاق نيوتن (١٧٢٧م)، برزت نظرية الجاذبية التي قدّمت صياغة رياضية دقيقة لحركات الأجسام في الكون، لكنها أثارت في الوقت نفسه تساؤلات عميقة من قبيل، هل هذه القوانين مجرد أدوات حسابية لوصف الظواهر، أم أنها تكشف عن علل حقيقية وضرورات طبيعية تحكم العالم؟ نيوتن نفسه كان شديد التحفظ، وقد اشتهرت عبارته "لا أختلق فرضيات"، للتأكيد على أن مهمته هي وصف انتظام الظواهر رياضيًا دون ادعاء الكشف عن طبيعة القوى في ذاتها. غير أن الكثير من تلاميذه وأنصاره فسروا قوانينه باعتبارها تكشف عن روابط سببية جوهرية وعن "ضرورة طبيعية" قائمة في الأشياء، وهو ما شكّل خلفية فكرية مهمة في عصر هيوم.
خلال هذه الفترة دارت سجالات شهيرة بين الفيلسوف الألماني وعالم الرياضيات غوتفريد فيلهلم لايبنتز (١٧١٦م)، من جهة وصامويل كلارك (١٧٢٩م)من جهة ثانية. لايبنتز، وقد أتينا على ذكره، يعد من أعظم العقول الموسوعية في العصر الحديث. حيث أسهم في تطوير حساب التفاضل والتكامل بشكل مستقل عن نيوتن، وهو مبتكر النظام الحسابي الثنائي الذي أصبح أساس الحوسبة الحديثة. وفي الفلسفة، يُعرف بنظريته عن "المونادات" وهي الجواهر البسيطة التي تكوّن الكون، وبفكرة أن عالمنا هو "أفضل العوالم الممكنة" التي اختارها الله بحكمته. وكان أيضًا مدافعًا عن التوفيق بين الدين والعقل، وكان معاصرًا جزئيًا لنيوتن. وصاغ نظرية "المونادات"، وهي جواهر بسيطة لا تنقسم، وتعمل في انسجام مسبق وضعه الله. أما كلارك فكان فيلسوفًا ولاهوتيًا إنجليزيًا، وهو أحد أبرز تلامذة إسحاق نيوتن الروحيين وفلاسفة الدين في القرن الثامن عشر. اشتهر كلارك بدفاعه عن الميتافيزيقا الإلهية والسببية المرتبطة بإرادة الله المباشرة، وركز على توضيح العلاقة بين الله والكون، مؤكداً أن التدخل الإلهي ضروري لاستمرارية النظام الكوني والأخلاقي. ودافع عن فكرة أن كل حدث في العالم مرتبط مباشرة بإرادة الله، مع إبقاء الإنسان مسؤولاً أخلاقياً عن أفعاله، مما جعله يمثل موقفًا وسطًا بين الفكر الديني التقليدي والفلسفة العقلية المجردة.
دارت هذه النقاشات بين كلارك ولايبنتز وأتباعهما وقدم فيها لايبنتز تصورًا للسببية يقوم على ما أسماه مبدأ "الانسجام المسبق"، وبحسب هذا المبدأ، كل جوهر (أو "موناد") في الكون يعمل وفق برنامج داخلي وضعه الله منذ البداية، بحيث تتطابق أفعاله مع أفعال غيره دون أن يكون هناك تأثير مباشر متبادل. وللإيضاح، فمثلًا، عندما أرفع يدي وأرى يدي تتحرك، لا يوجد سبب مباشر بين إرادتي وحركة اليد، بل إن الله برمج منذ الأزل أن إرادتي ستتزامن مع حركة اليد. وبالتالي فإن السببية عند لايبنتز ليست علاقة فيزيائية بين الأشياء، بل تخضع لقانون ميتافيزيقي مغروس في طبيعة الكون منذ لحظة الخلق. وفي المقابل قدم كلارك تصوره، فاعترض هو ومناصريه على هذا التصور والقناعة، واعتبره إلغاءً للحقيقة الفعلية للسببية الطبيعية. فمن منظور نيوتيني، أن القوانين الطبيعية ليست محايدة، بل تعكس حكمة إلهية وضبطًا ربانيًا للعالم، وأن هناك نوعًا من الضرورة الفعلية في القوانين، وأنها جزء من إرادة الله المستمرة، فلذلك ففي رأيهما أن العالم يحتاج إلى تدخل إلهي مستمر للحفاظ على النظام (لأن الكون قد يختل بدون العناية الإلهية). ويؤكدون أن القوانين ليست برامج مسبقة تغني عن الله، بل هي آليات تعمل في الطبيعة، والله ضامن لاستمرارها لحظة بلحظة.
النقاش بين لايبنتز وكلارك كان قصير المدة نسبيًا، فقد بدأ عام ١٧١٥م، وتوقف بوفاة لايبنتز عام ١٧١٦م. بالرغم من قصر المدة وكون آلية النقاش كان عبر تبادل الرسائل بينهما، الا أن النقاش كان ثريا ومكثفا من الناحية الفكرية. ويظهر ذلك في امتدادات النقاش وتشعبه حول الحرية، والقوانين، وعلاقة الله بالعالم الطبيعي. ولكوننا نريد هنا أن نبقي تركيزنا مع السببية كمفهوم وأثره الآني على المنهج وكيف تمت معالجته، سنقتصر الحديث هنا عن السببية قدر الإمكان، وسنحاول تخصيص مكان آخر ربما في سياق الحديث عن علاقة العلم بالدين، لتفاصيل هذه السجالات التي امتدت من أثر السببية على المنهج التجريبي، الى الحديث عن علاقة الله بالعالم الطبيعي، وبين الله والعلم.
٣.١٠.١ هيوم والسببية
نرى الحجر يسقط بعد إفلاته، ونرى النار تتلوها الحرارة، لكننا لا ندرك أبدًا "القوة" أو "الضرورة" التي تجعل الحدث الأول علة للثاني. ما يحدث في الحقيقة هو أن العقل البشري، نتيجة التكرار والاقتران المستمر، يكوّن عادة ذهنية تجعله يتوقع الحدث الثاني عند رؤية الأول. السببية إذن ليست خاصية موضوعية في العالم، بل بناء إدراكي نفسي لا يتجاوز حدود الظواهر المشاهدة. هذا ما يقوله ديفيد هيوم (١٧٧٦م) في موقفه من السببية. فهو رفض أن تكون القوانين العلمية كشفًا عن ضرورات موضوعية في الطبيعة، كما رفض أن تكون السببية ضمانًا ميتافيزيقيًا مصدره الله. بالنسبة له، التجربة لا تعطينا إلا تتابع الظواهر في موقف متشدد من السببية.
ومع موقفه هذا، بلغت التجريبية ذروتها النقدية، إذ انطلق من مبادئ لوك وبركلي بأن كل معرفة تأتي من الانطباعات الحسية، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين تساءل: ما الذي يبرر لنا الاعتقاد بوجود علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة؟ ما تعطينا إياه التجربة ليس سوى تتابع ظواهر، لكننا لا ندرك أبدًا "الضرورة" التي تربط بينهما. وهكذا خلص هيوم إلى أن السببية ليست حقيقة موضوعية في العالم، بل مجرد عادة عقلية تكوّنت نتيجة تكرار المشاهدات، فنحن نميل نفسيًا إلى توقع الحدث الثاني عند رؤية الأول، لكن لا توجد ضمانة عقلية أو تجريبية تثبت ضرورة هذا الارتباط. لقد أدت هذه النتيجة إلى نزعة شكّية تهدد المنهج التجريبي من أساسه، إذ إن العلم يقوم على افتراض انتظام الطبيعة وقوانين السببية، فإذا لم تكن هذه القوانين ضرورية، فما الذي يبرر الثقة بالعلم أصلًا؟ هذه كانت الأزمة الكبرى التي خلّفها هيوم للفكر الفلسفي في القرن الثامن عشر.
وبالرغم من انتقاده العميق، الا إن هيوم اتخذ موقعًا "وسطًا" بين تيارين سادا في عصره: التيار العقلاني الميتافيزيقي عند لايبنتز وأتباعه، الذي جعل السببية جزءًا من نظام كوني إلهي منسجم، والتيار العلمي الطبيعي عند نيوتن وأنصاره، الذي مال إلى اعتبار القوانين العلمية كشفًا عن قوى واقعية في الطبيعة. موقف هيوم التجريبي النقدي رفض كلا التفسيرين، ورأى أن كليهما يتجاوزان حدود ما يمكن معرفته. ولذلك أعاد تعريف السببية باعتبارها عادة إدراكية ناتجة عن تكرار المشاهدات، واضعًا بذلك حدًا فاصلًا بين ما هو تجريبي يمكن البرهنة عليه وما هو ميتافيزيقي يظل خارج نطاق الإدراك البشري.
.قبل قراءته هيوم، كان كانط يعيش في ما أسماه هو "السبات الدوغمائي"، أي حالة من الاطمئنان الفكري التي يظن فيها الشخص أن العقل وحده قادر على الوصول إلى المعرفة اليقينية، وأن السببية والعلاقات بين الظواهر أمور مفهومة ومضمونة. جاء هيوم ليهز هذا الاطمئنان، فشكك في إمكانية استنتاج السببية من التجربة، موضحًا أن ما نلاحظه ليس إلا توالي أحداث متكرر، وأن السببية ليست أمرًا ضروريًا، بل عادة ذهنية. هذا الاعتراف بالشك هز كانط وجعله يدرك أن المعرفة تحتاج إلى إعادة بناء نقدية. فبدأ مشروعه في كتابه نقد العقل المحض، حيث أظهر أن السببية ليست مجرد عادة ذهنية، بل شرط قَبْلي للعقل نفسه لفهم العالم. بهذه الطريقة، أيقظ هيوم كانط من سباته الدوغمائي، وجعله يضع أساسًا متينًا يجمع بين العقل والتجربة لضمان إمكانية المعرفة العلمية.
٣.١٠.٢ من دوافع هيوم
دوافع هيوم لانتقاد مفهوم السببية كانت متعددة ومتشابكة، تجمع بين انشغاله الفلسفي العميق بمصادر المعرفة، وبين وعيه بالتحديات التي واجهها العلم في عصره. فمن جهة، كان استمرارًا للتقليد التجريبي الذي بدأ مع جون لوك وجورج بركلي، حيث يُنظر إلى التجربة الحسية باعتبارها المصدر الوحيد للمعرفة. عندما طبق هيوم هذا المبدأ على مسألة السببية، اكتشف أن التجربة لا تعطينا إلا صورًا متعاقبة للأحداث: كرة تصطدم بأخرى فتنطلق، النار تلامس الورق فيشتعل، المطر يهطل فتنبت الأرض. لكن في كل هذه المشاهد لا يمكن للتجربة أن تكشف عن "الرابطة الضرورية" التي يُفترض أنها تجعل الحدث الأول سببًا للثاني. السببية عنده ليست إدراكًا موضوعيًا لعلاقة داخلية، بل عادة ذهنية تتكون في وعينا نتيجة التكرار؛ فنحن نربط بين الحدثين لأننا اعتدنا أن نراهما متلازمين، لا لأننا لمسنا ضرورة خفية بينهما.
كان ديفيد هيوم ابنًا للتيار الإسكتلندي التنويري الذي جمع بين نزعة نقدية تجاه الموروثات الدينية وبين ثقة متزايدة في العقل والتجربة الحسية، وهو ما انعكس في شخصيته وفكره. فقد شبّ في بيئة بروتستانتية متشددة لكنه انحاز مبكرًا إلى رؤية نقدية تضع الدين في إطار الظاهرة الإنسانية القابلة للفحص العقلي والتاريخي، فاعتبر أن المعتقدات الدينية نتاج الخيال والعاطفة أكثر مما هي نتاج البرهان العقلي. وقد تأثر بالاتجاهات الفلسفية السائدة في عصره، خاصة التجريبية البريطانية مع لوك وبركلي، وكذلك كان لسجالات صامويل كلارك و غوتفريد لايبنتز دورا أيضا حيث شكلت خلفية معرفية غنية في البيئة التي نشأ فيها هيوم وتكوّن وعيه الفلسفي. لكنه ذهب أبعد مما قاله لوك وبركلي، عندما طعن في صلاحية الكثير من المقولات الميتافيزيقية، واعتبر أن المعرفة الإنسانية محصورة فيما تمنحه التجربة المباشرة للحواس، وما يتجاوزها لا يعدو أن يكون عادة ذهنية أو انطباعًا نفسيًا. هذا الموقف جعله من أبرز رموز الفلسفة النقدية الحديثة، ومهّد لانتقادات واسعة لمؤسسات الدين وللمفاهيم الفلسفية التقليدية.
من جهة أخرى، كان السياق العلمي المحيط بهيوم محفزًا أساسيًا لهذا الموقف. فقد جاء بعد ثورة نيوتن بقليل، حيث فتحت قوانين الحركة والجاذبية جدلًا فلسفيًا واسعًا حول طبيعة "القوة". نيوتن نفسه تجنب الخوض في تفسير جوهر الجاذبية مكتفيًا بالصياغة الرياضية الدقيقة، لكنه ترك الباب مفتوحًا أمام التأويلات. بعض تلاميذه والعلماء اللاحقين ذهبوا إلى أن هذه القوانين تكشف عن علل ضرورية في الطبيعة، وأن وراء الصيغ الرياضية قوى حقيقية تعمل بشكل حتمي. هيوم اعترض على هذا المنحى لأنه، في نظره، يتجاوز حدود ما يمكن للتجربة أن تثبته. فالعلم، كما صاغه، لا يتعدى الوصف المنتظم للظواهر وصياغة التوقعات المبنية على الملاحظة، أما الحديث عن ضرورات ميتافيزيقية فهو إضافة غير مبررة.
لم يكن عمل هيوم إذن نظريًا بحتًا أو منعزلًا عن تطورات عصره، بل كان استجابة مباشرة للنقاشات التي شغلت الوسط العلمي والفلسفي في القرن الثامن عشر. فهو لم يكن فيزيائيًا مثل نيوتن أو بويل، لكنه تابع عن كثب المشكلات التي أفرزها التفسير العلمي للقوى الطبيعية، فهل هذه القوى علل حقيقية تكشف عن ضرورات باطنة، أم مجرد أنماط متكررة يمكن صياغتها رياضيًا؟ اختار هيوم أن يسحب البساط من كلا التفسيرين، مكتفيًا باعتبار السببية عملية ذهنية ناتجة عن العادة والتوقع. بهذا المعنى لم يكن معاديًا للعلم، بل سعى إلى تحريره من الإسقاطات الميتافيزيقية، وتحديد مجاله في الملاحظة والوصف والربط الاحتمالي بين الظواهر.
٣.١٠.٣ معاصرو هيوم: مؤيدون ومعارضون
قبل هيوم، برزت في الفلسفة الأوروبية بعض التوجهات التي قربت أو مهدت لنقد السببية الذي سيقدمه لاحقًا. ونستعرض آراء أهم من كان لهم شأن في موقفهم من إشكالات هيوم. هذا جون لوك، كما ذكرنا سابقا، قام بصياغة نظريته الشهيرة في اللوح الأبيض معتبرًا أن العقل البشري يولد خاليًا من الأفكار الفطرية التي افترضها ديكارت، وأن كل معرفة إنما تأتي عبر الخبرة، وتبعه جورج بركلي بفلسفته المثالية التي عبر منها بقوله أن الأشياء لا وجود لها الا من خلال إدراكنا لها. "الوجود هو أن يدرك". وترك لوك أثرا كبيرا، إذ ورث هيوم عنه قاعدة أن المعرفة الحقيقية تأتي من التجربة، وأن العقل ليس سوى أداة لترتيب ما تقدمه الحواس. لكن بينما اكتفى لوك بالقول إن السببية احتمالية ومحدودة المعرفة، ذهب هيوم إلى النفي الجذري لليقين السببي، رافضًا أي أساس موضوعي له خارج عادة التكرار.
أما جورج بركلي وهو واحدًا من أبرز ممثلي التجريبية البريطانية ( التي تقول بأن كل المعرفة البشرية مصدرها التجربة الحسية)، اشتهر بفلسفته المثالية التي عبّر عنها بمقولته أي أن الأشياء لا وجود لها إلا من خلال إدراكنا لها. بركلي سار على خطى جون لوك في اعتبار أن المعرفة تنشأ من التجربة الحسية، لكنه ذهب أبعد من ذلك فرفض وجود مادة مستقلة عن الإدراك. ويعتقد بعدم وجود شيء يُسمى "جوهر مادي" خلف الظواهر، بل كل ما نعرفه هو الأفكار التي تنطبع في أذهاننا عن طريق الحواس. هذا جعله يقدم صورة راديكالية للتجريبية: فبدلًا من أن نقول إن التجربة تكشف عن العالم المادي، قال بركلي إن التجربة هي العالم ذاته، وما ندركه من أصوات وألوان وروائح ليس سوى أفكار في عقولنا. بهذا، يمكن القول إن بركلي وضع الأساس الفلسفي لهيوم في نقد السببية، لكنه ظل في إطار لاهوتي، بينما حوّلها هيوم إلى إطار نفسي وتجريبي صرف. جورج بركلي مثّل خطوة قريبة من هيوم في نقد العلية، حيث أنكر وجود العلل المادية المستقلة، ورأى أن ما نلاحظه هو مجرد "أفكار" في أذهاننا، منتظمة بإرادة الله. هنا نجد تشابهًا جزئيًا مع هيوم، إلا أن الأخير رفض أي إرجاع للنظام إلى الله، واختزل السببية إلى عادة ذهنية. هذا، يمكن القول إن بركلي وضع الأساس الفلسفي لهيوم في نقد السببية، لكنه ظل في إطار لاهوتي، بينما حوّلها هيوم إلى إطار نفسي وتجريبي صرف.
وأما الموسوعي الفرنسي الشكاك بيير بايل (١٧٠٦م) والذي يُعتبر من أبرز المفكرين في القرن السابع عشر، كان معروفًا بنزعته الشكية، حيث شكك في اليقينيات الدينية والفلسفية، ودافع عن التسامح الديني وحرية الفكر. رغم أنه لم يكن ملحدًا، إلا أن أفكاره أثرت في العديد من المفكرين التنويريين مثل فولتير، وديدرو، وكانط، ولوك. كما كان له تأثير كبير على تطور الفلسفة الحديثة، خاصة في مجال الشك المنهجي ونقد العقائد الدينية. وبتشكيكه في قدرة العقل على إثبات الضرورة الطبيعية لكنه لم يطور نظرية كاملة للسببية، ما جعله مؤثرًا في الاتجاه الشكي لدى هيوم دون بلوغ مستوى نقده الجذري.
و مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة ( والتي اهتمت بإعادة التفكير في طبيعة الدولة والسلطة والقانون والعقد الاجتماعي، بعيدًا عن المرجعيات الدينية الصرفة أو التقاليد الإقطاعية، مع التركيز على العقل والتجربة الإنسانية كأساس لفهم السياسة)، وهو أيضا أول من صاغ نظرية للعقد الاجتماعي السياسي في كتابه الليڤياثان (الذي رأى فيه أن الإنسان في حالة الطبيعة يعيش في صراع دائم "الكل ضد الكل"، ولذلك يضطر للتنازل عن حريته المطلقة لصالح سلطة قوية (الحاكم أو الدولة) تضمن له الأمن والاستقرار) ، الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (١٥٨٨م). كما تعودتم الآن، فلابد أنكم لاحظتم تعمدي أحيانا، ذكر بعض التفاصيل التي قد تبدوا للقارئ أنها خارج اهتمام الموضوع أو أن لا علاقة مباشرة لها بما نتحدث عنه، لكني أردت أن أوضح بأن الحديث عن أمر في جوهره قد يكون علمي، كالمنهج العلمي التجريبي مثلا ، قد تنطلق بعض الآراء فيه، من نظرة فلسفية كلية ترى الأمور بمنظار أوسع ولا يكون العلمي منها الا جزء بسيط ، ولابد أنه سيسير في فلك محددات ومبادئ تلك الفلسفة، أو على الأقل يتأثر بها. فهذا هوبز وهو مؤسس الفلسفة السياسية التجريبية، حيث ركز على الطبيعة البشرية والفوضى التي قد تنتج عنها، وعلى ضرورة الدولة والسلطة لضمان النظام، وكان ذلك بمثابة مقدمة للفلسفة التجريبية التي سيطورها هيوم في فهم العقل والسلوك والأخلاق. فقد تأثر بشكل واضح بفكرة هوبز حول التجربة والملاحظة كأساس للمعرفة الإنسانية، خصوصًا في مجال فلسفة الطبيعة والعقل البشري. نعود الى توماس هوبز الذي كانت له نظرته الخاصة في تعريف السبب، فهو اعتبر السبب مجرد حركة تؤدي إلى حركة أخرى في إطار ميكانيكي، ومن ثم كان موقفه بعيدًا عن الضرورة الميتافيزيقية، وهو ما ساهم جزئيًا في تمهيد المنهج التجريبي لهيوم. وقد أثر بشكل غير مباشر على كثير من المفكرين البريطانيين لاحقًا، بمن فيهم ديفيد هيوم.
في مقابل ذلك، وبعد عصر هيوم، ظهر تيار من الفلاسفة والعلماء الذين دافعوا عن السببية وحاولوا إنقاذها من الانهيار الذي يقترحه هيوم. الفيلسوف الأسكتلندي توماس ريد (١٧٩٦م)، وهو مؤسس ما يعرف بمدرسة الفطرة السليمة الأسكتلندية، وأتي في تسلسل أسماء الكبيرة في الفلسفة البريطانية بعد لوك، وبركلي، وهيوم. وكان نقده الأساس موجها الى الشكية عند هيوم. وكان يرى أن العقل البشري مُجهَّز بمجموعة من المبادئ الفطرية والبديهيات التي لا يمكن الشك فيها، مثل: وجود العالم الخارجي، وثبات قوانين الطبيعة، وصدق الإدراك الحسي في أساسه. لذلك رفض اختزال المعرفة إلى مجرد انطباعات حسية كما عند هيوم، وأكّد أن الثقة في الحواس والفطرة السليمة شرط أساسي لبناء أي معرفة. واعتبر أن نفي هيوم للسببية تهديدًا لمبدأ الثقة في العالم الخارجي، ورأى أن الإيمان بالعلل الحقيقية أمر بديهي للحس المشترك، ولا يحتاج إلى برهان فلسفي.
تأثر توماس ريد ومدرسته بالقس والفيلسوف الانجليزي جوزيف بتلر الذي كان يعرف بإسهاماته في الفلسفة الأخلاقية واللاهوت الطبيعي، وكان معاصرًا لديفيد هيوم وصامويل كلارك. رفض بتلر النزعة العقلانية البحتة في الأخلاق كما عند كلارك، كما رفض النزعة النفعية التي بدأت بالظهور، وركّز بدلاً من ذلك على أن الإنسان يمتلك ضميرًا أخلاقيًا فطريًا يغرسه الله في النفس البشرية. هذا الضمير، بحسب بتلر، ليس مجرد عاطفة أو مصلحة، بل هو سلطة داخلية لها قوة الإلزام والتوجيه، وتعلو على الرغبات والميول الفردية. بتركيزه على الجانب الأخلاقي واللاهوتي للسببية، اعتبر جوزيف بتلر أن السببية ضرورة أخلاقية في الكون، وبالتالي عارض أي محاولة لتحويلها إلى عادة نفسية فقط. وكان لأنصار نيوتن في إنجلترا رأي مستقل، رفضوا فيه اختزال القوانين إلى مجرد ارتباطات عادية، مؤكدين على وجود قوى حقيقية في الطبيعة مثل الجاذبية، وهو موقف علمي صلب تجاه محاولات هيوم تقويض السببية. أما آدم سميث، رغم قربه الشخصي من هيوم، فاستمر عمليًا في استعمال السببية كأساس للعلوم الاقتصادية والاجتماعية، معتمدًا على تنظيم طبيعي للعلاقات بين الدوافع والنتائج.
آدم سميث (1790م) الذي عرف بأنه مؤسس الاقتصاد الكلاسيكي، كان أيضًا فيلسوفًا أخلاقيًا عاش في الوسط نفسه الذي عاش فيه هيوم، وتأثر كثيرًا بأجواء النقاشات حول التجريبية، السببية، والعقلانية. ليس لسميث نظرية مستقلة في السببية لكنه تبنى موقف التجريبية الكلاسيكية. وبعد دراسته عن كيفية تكوين البشر لأفكارهم عن النظام والسببية في كتابه مقالات عن مواضيع فلسفية، اعتبر أن الإنسان بطبيعته يسعى إلى البحث عن الروابط بين الظواهر لتفسير العالم، وهذه النزعة النفسية تقوده إلى بناء "أنظمة" تفسيرية مثل الفلسفة أو العلم. وتبنى قناعته بأن السبب ليس ضرورة ميتافيزيقية، بل عادة ذهنية أو ميل طبيعي لربط الأحداث المتعاقبة، وهو موقف يقترب جدًا من هيوم.
بشكل عام، هؤلاء وغيرهم ممن تناول هذا الموضوع، أظهروا أن النقد الهيومي للسببية لم يلق قبولًا مطلقًا، وأن هناك دفاعًا فلسفيًا وعلميًا قائمًا على ضرورة السببية كمبدأ تنظيمي وعملي. ونعم، كان هناك من الفلاسفة من دافعوا عن التجريبية بعد هيوم دون أن يمنحوا نقده للسببية الوزن الكبير الذي أخذه لاحقاً عند كانط ومن تبعه. بعض هؤلاء لم ينكروا تماماً صعوبة التأسيس الميتافيزيقي للسببية، لكنهم اعتبروا أن ذلك لا يُبطل مشروعية المنهج التجريبي في العلم.، لكن يمكننا القول إن هيوم اتخذ موقعًا وسطًا بين تيارين سادا في عصره، التيار العقلاني الميتافيزيقي عند لايبنتز وأتباعه، الذي جعل السببية جزءًا من نظام كوني إلهي منسجم، والتيار العلمي الطبيعي عند نيوتن وأنصاره، الذي مال إلى اعتبار القوانين العلمية كشفًا عن قوى واقعية في الطبيعة. موقف هيوم التجريبي النقدي رفض كلا التفسيرين، ورأى أن كليهما يتجاوزان حدود ما يمكن معرفته. ولذلك أعاد تعريف السببية باعتبارها عادة إدراكية ناتجة عن تكرار المشاهدات، واضعًا بذلك حدًا فاصلًا بين ما هو تجريبي يمكن البرهنة عليه وما هو ميتافيزيقي يظل خارج نطاق الإدراك البشري.
١١ سبتمبر ، ٢٠٢٥
فؤاد
ونكمل المراحل السبعة المفصلية في المقال التالي
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ٥
لمواصلة الحديث عن تطور المنهج العلمي، حيث نبداء المقال القادم بمواصلة الحديث عن الجهود التي بذلها إيمانويل كانط سعيا لدمج المنهج العقلي والمنهج التجريبي، ونتبع ذلك بالحديث عن أثرها وما وجه اليه من انتقادات مهدت لطرح كارل بوبر القابلية للتفنيد.


تعليقات
إرسال تعليق