تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ٣
"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر ،عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم ، ونفصِّل في أطروحاته ، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"
بعد الحديث في المقالات الأربعة ،التي كانت تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" والتي كانت تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. نكمل السلسلة بمقالات تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع" وهنا مقال رقم ٣ ونتحدث فيه عن الاحتفاء بما قدمه فرانسيس بيكون اوروبيا، ونستعرض بعض أمثلة تبرز اسهامات العلماء باتباعهم منهج بيكون وتصاعد التدافع بين المنهج التجريبي والعقلي، ونقسم انواع المساهمات العلمية والفلسفية في هذه المرحلة الى أربعة آنواع، نتحدث هنا عن إثنتين منهم، ونواصل في المقال القادم.
٣.٦ مرحلة التدافع بين التجريبي والعقلي
خلال القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، شهدت الساحة الفكرية الأوروبية صراعًا ديناميكيًا بين المنهج التجريبي الذي أسسه فرانسيس بيكون وجسده روبرت بويل وغاليليو، وبين المنهج العقلاني الذي دافع عنه ديكارت ولايبنتز وسبينوزا. التجريبيون ركزوا على الملاحظة الدقيقة، التجربة المحكمة، والاعتماد على البيانات الواقعية لتفسير الظواهر الطبيعية، كما في تجارب غاليليو على الحركة والسقوط الحر، وفي دراسات بويل للغازات وتطويره قانون الضغط العكسي المعروف باسمه، وفي أبحاث بليز باسكال حول ضغط السوائل والهواء التي جمعت بين التجربة الدقيقة والتحليل الرياضي. من جهة أخرى، العقلانيون سعوا إلى تفسير العالم انطلاقًا من المبادئ العقلية الثابتة والاستدلال المنطقي، معتقدين أن العقل قادر على كشف القوانين الكونية دون انتظار النتائج التجريبية، كما ظهر في فلسفة ديكارت الذي اقترح منهجًا يبدأ من الشك المنهجي وصولاً إلى اليقين العقلي، وفي أعمال لايبنتز التي جسدت فكرة المونادات والنظام الكوني، وفي سبينوزا الذي صاغ فلسفة كلية تستند إلى المنطق الهندسي والاستنتاج العقلي. الصراع بين هذين المنهجين لم يكن مجرد نزاع نظري، بل كان نتاجًا لرغبة العلماء والفلاسفة في تأسيس معرفة موثوقة وقادرة على تفسير العالم الطبيعي والإنساني، وقد أثبتت تجارب البعض مثل تيخو براهي أو ديكارت مع الدوامات حدود المنهج الواحد؛ فبراهي، رغم دقته الفائقة في الرصد الفلكي، قيده الموروث الكوني التقليدي، ولم يتمكن من الوصول إلى نموذج شمسي دقيق، وديكارت لم يستطع تفسير المدارات الكوكبية والقوانين الجديدة للانكسار والجاذبية عبر الدوامات وحدها. في المقابل، محاولات التجريبيين في بعض الحالات لم تكتمل أيضًا، كما في محاولات باسكال في تفسير ضغط السوائل بدون فهم العلاقة الشاملة بين القوى والطاقة، أو في محدودية تجارب ريدي وباستور قبل تطوير مفاهيم الخلايا الدقيقة، ما أظهر أن الاعتماد الحصري على التجربة أو العقل وحده لا يكفي للوصول إلى اليقين المعرفي. كان هذا الصراع والمراجعة النقدية المستمرة بين المناهج المختلفة دافعًا قويًا لكانط، الذي جاء مع نهاية القرن الثامن عشر بفكرته الفلسفية المتمثلة في الدمج بين التجريبي والعقلاني، معتبرًا أن الحس التجريبي يوفر المادة الخام للمعرفة، بينما العقل ينظمها ويمنحها صياغة مفهومية، وهو ما أوجده في مشروعه "نقد العقل المحض" حيث حاول تفسير كيف يمكن للإنسان أن يمتلك معرفة علمية متينة تجمع بين الملاحظة والتجربة من جهة، والاستدلال والتحليل العقلي من جهة أخرى. هذه الجهود المشتركة لعلماء مثل غاليليو و بويل، و باسكال، واويلر و لاكرانج ولافوازيه، و جان فان هلمونت، و كريستيان هويجنز وريدي وديكارت، و لايبنتز، وسبينوزا تمثل جسرًا معرفيًا بين التجريبية الصرفة والعقلانية الصرفة، ووضعت الأسس النظرية التي مهدت لكانط صياغة منهجه المتكامل الذي أثر لاحقًا في الفلسفة والعلوم الطبيعية على حد سواء. وهنا نتحدث في هذا المقال عنما حوته هذه الفترة الزمنية من أنشط وانجازات علمية متنوعة، شكلت التمهيد العملي لأطروحات كانط. ونبدأ بإلقاء الضوء على الاحتفاء بفرانسيس بيكون والمنهج التجريبي، نتبعها بالحديث عن مخترعات واكتشافات نسبت الى غير من أكتشفها أو مهد لاكتشافها، ويأتي بعدها الحديث عن ما بعد استقرار المنهج التجريبي، ويتبعه الحديث عن أربع أصناف من الإنجازات في هذه المرحلة، الأول يشمل النتاج العلمي المتعثر، والثاني يحوى النتاج العلمي المتواصل للعلماء بتطبيق المنهج العلمي الجديد، والذي كان متفاوتا في أثره وقيمته، بين ما هو المتوقع حدوثه وبين ما هو المتميز والفاتح لصفحة جديدة في العلوم، والثالث هو نتاج علمي مبهر لم ينتج بسبب تطبيق المنهج التجريبي كما قال به فرانسيس بيكون، ولكن بدمجه غير المعلن مع المنهج العقلي، والرابع يشمل أعمال النقد الفلسفي للمنهج التجريبي فاتحة المجال لتطويره، ونتبع ذلك باطروحات كانط.
٣.٦.١الاحتفاء بفرانسيس بيكون والمنهج التجريبي
مع ما انتهينا اليه في المقال السابق، تركنا الانطباع عند القارئ أن فرانسيس بيكون شكل نقطة التحول الكبرى في الفكر العلمي الأوروبي من خلال تطويره لما أصبح يعرف بالمنهج التجريبي، الذي أسس لفهم العلم كعملية مستمرة من الملاحظة الدقيقة والتجربة المضبوطة، بدلًا من الاعتماد على التقليد أو الاستنتاج العقلي المجرد. وتجاوزنا، تجاوز فرانسيس بيكون ابن الهيثم وروجير بيكون بعدم ذكره لهما وما قدماه ومهدا به للمنهج التجريبي قبله، فلم نتحدث فيه الا بتنويه مقتضب. لقد صاغ فرانسيس بيكون المبادئ الأساسية في كتابه الآلة الجديدة، قائلاً “يجب أن ننطلق من الطبيعة كما هي، لا كما نريدها أن تكون، وأن نركز على التجربة المتكررة والتحليل الدقيق لاستخلاص القوانين الطبيعية". ومنذ نشر هذا الكتاب، بدأ المجتمع العلمي في إنجلترا بتقبل وتقدير منهجه بشكل واضح، وهو ما تجلّى مباشرة في تأسيس الجمعية الملكية في لندن بعد اجتماع مجموعة من نخبة علماء البلاد فتأسست بقرار من النخبة. وبلوروا أهم أهدافهم المتمثل في متابعة "الاستقصاء الطبيعي وفقاً لمبادئ بيكون"، معتبرين منهجه نموذجًا للبحث التجريبي والمنهجي في علوم الطبيعة. وقد وصف السير روبرت بويل، وهو أحد الأعضاء البارزين في الجمعية الملكية، منهج بيكون قائلاً:"بيكون أهدى للعلم روحًا جديدة، فنحن نجمع الحقائق ونسعى للوصول إلى القوانين عبر التجربة المراقبة لأفكار المنهج التجريبية، لا مجرد النظريات" ،وبعد سنوات، صدر مرسوم من الملك لويس الرابع عشر وبإشراف وزيره كولبير، لتأسيس الأكاديمية الفرنسية للعلوم، فولدت في إطار مركزي ومؤسسي يعكس سلطة الدولة ، وكان الهدف المعلن لتأسيسها، هو خدمة "المصلحة العامة للدولة" وتطوير المعرفة بما يدعم القوة الاقتصادية والعسكرية لفرنسا.
لم يتوقف الاحتفاء ببيكون على الاعتراف المؤسسي فحسب، بل امتد إلى الأنشطة الفكرية والأكاديمية لإبراز مفعول تطبيق المنهج التجريبي الذي نادى به. فخلال القرن التاسع عشر، تبنى بعض العلماء ما طرحه. فهذا عالم الكيمياء الفرنسي أنطوان لافوازييه (١٧٩٤م)، تبنى مبدأ التجربة المضبوطة بشكل صارم، فاعتمد على قياسات دقيقة للتفاعلات الكيميائية لدحض فرضية الفلوغستون، مؤكداً على ضرورة ربط الملاحظة الدقيقة بالتحليل النقدي. فعلى مدى ٧٤ عاما هيمنت نظرية جورج شتال التي قال بها عام 1703م وهي التي تذهب الى أنّ في كل مادة قابلة للاحتراق يوجد عنصر يُسمّى "الفلوجستون " (Phlogiston)، وعند احتراق المادة يتحرّر هذا الفلوجستون في الهواء. فاحتراق الخشب أو الفحم يعني خروج الفلوجستون منه، وبقاء الرماد هو بقايا المادة بعد خروج الفلوجستون، واستُخدم هذا التنظير، لتفسير الاحتراق، الصدأ، والعمليات الحرارية في غياب معرفة الأكسجين. لكن لافوازييه، والذي يُعدّ واحدًا من أعظم روّاد الكيمياء الحديثة، ولقب "أبو الكيمياء الحديثة" بسبب إسهاماته الجذرية في إعادة صياغة علم الكيمياء على أسس تجريبية دقيقة، والذي من أبرزها صياغة قانون حفظ الكتلة، وإدخال مفهوم العنصر الكيميائي الحديث، وأيضا ما يتعلق بموضوعنا هنا وهو قضاؤه على نظرية الفلوجستون التي كانت سائدة قبل عصره. فلسنوات، شكك لافوا زييه في نظرية الفلوجستون لأنّها لم تكن مدعومة بقياسات دقيقة للكتلة، وقام بتجارب دقيقة على الاحتراق والتنفس والصدأ مستخدمًا ميزانًا شديد الحساسية، واكتشف أنّ الاحتراق لا يفقد الكتلة، بل يحدث بزيادة الكتلة عند اتحاد المادة مع جزء من الهواء (الأكسجين). وفي عام ١٧٧٧ أعلن أنّ الاحتراق ليس تحرّر فلوجستون، بل اتحاد المادة مع الأكسجين، مما أدى إلى إلغاء نظرية الفلوجستون نهائيًا وبداية عصر الكيمياء الحديثة. وبالمثل، أسس تشارلز داروين في كتابه أصل الأنواع (١٨٥٩) نموذجًا للتجربة التاريخية، حيث اعتمد على المنهج الاستقرائي القائم على تراكم الأدلة الميدانية والملاحظات الطويلة الأمد. حيث جمع داروين كمًا هائلًا من البيانات من رحلاته، خاصة في جزر غالاباغوس، وقام بمقارنة دقيقة بين الأنواع الحية والمتحجرة، وتحليل التباينات المورفولوجية والتوزيع الجغرافي للكائنات. هذه المقارنات، مع الملاحظات حول الانتقاء الاصطناعي لدى المربين، قادته إلى صياغة نظرية الانتقاء الطبيعي باعتبارها الآلية التي تفسر نشوء الأنواع وتطورها عبر الزمن دون تدخل فوق طبيعي، ما جعل عمله مثالًا متميزًا على استخدام الملاحظات التاريخية الضخمة لصياغة قانون علمي عام.
كما تجلّى الاحتفاء ببيكون في تكريماته الفكرية والأكاديمية، إذ شهدت الجامعات الأوروبية والإنجليزية عقد ندوات ومؤتمرات دورية لإحياء ذكراه ومناقشة أثر منهجه على تطور العلوم الحديثة. وفي عام ٢٠٢٠، احتفت الجامعات والمؤسسات العلمية بالذكرى الأربع مئة لنشر الآلة الجديدة، حيث نظمت مؤتمرات وأوراقًا علمية تناولت تأثير المنهج البيكوني على العلوم الطبيعية والرياضية، وعلاقته بمدارس الفكر الكانطي، الذي أتى لاحقا وحاول دمج التجربة بالحس النظري، وهو ما سيكون موضوعنا في المقال القادم. ولم يقتصر الاحتفاء على الجانب النظري، بل شمل تطوير أدوات وتقنيات البحث العلمي. فقد ساهم المنهج البيكوني في انتشار استخدام التجارب الضابطة، والموازين الدقيقة، والأدوات القياسية، مما رفع مستوى الدقة والموثوقية في جميع العلوم التجريبية. وهذا الاهتمام المنهجي انعكس في تطور الكيمياء والفيزياء، حيث تمكن العلماء مثل نيوتن وغاليليو من توظيف أدوات رياضية وتحليلية دقيقة لشرح الظواهر الطبيعية، في مزيج يظهر فيه الامتداد العملي للمنهج البيكوني، حتى وإن لم يكن هؤلاء العلماء قد تناولوا صراحة فكرة دمج المنهج التجريبي، كما فعل كانط لاحقا، مع منهج العقل، الذي كان أساس استنتاجاتهم. جدول ٤ يعطي عينة من الاحتفاليات التي أقيمت ومستمرة بالمنهج التجريبي.

في تقديري، أن الاحتفاء ببيكون لم يكن مجرد تكريم له، بل كان تحفيزًا للأجيال القادمة من العلماء والمفكرين على تبني أسلوب البحث القائم على الأدلة والملاحظة الدقيقة، مع الالتزام بالنقد والتحليل. وهذا التقدير المؤسسي والفكري رسخ الفكرة القائلة بأن العلم ليس مجرد تراكم للمعارف، بل عملية مستمرة من التحقق والتجربة، وهو ما مهد لاحقًا لظهور فلسفة القابلية للتفنيد التي طرحها كارل بوبر في القرن العشرين. وأكد العديد من الباحثين في تاريخ العلوم، مثل الفيلسوفان الأمريكيان المعاصرين بيتر غودمان وفردريك لينش، أن منهج بيكون التجريبي وضع حجر الأساس للعلم الحديث، ليس فقط في إنجلترا، بل في أوروبا بأكملها، حيث أصبح المنهج التجريبي معيارًا للتفكير العلمي المنظم والمنضبط.
٣.٦.٢ مخترعات واكتشافات نسبت الى غير من أكتشفها أو مهد لاكتشافها
أردت في استعراض الاحتفاء، الذي لازال مستمرا منذ أكثر من أربعة قرون، بالمنهج التجريبي الذي نسبت بدايته لفرانسيس بيكون، أن أأكد على أمرين مهمين، أولهما هو تبيان الأهمية العظيمة التي أضافها المنهج العلمي في مسيرة العلم، والنقلة النوعية التي سببها، والأمر الثاني إعادة التنويه بأن الأصل للمنهج هو في مكان آخر يعود لأكثر من خمسة قرون سبقت فرانسيس بيكون عندما وضع بذوره النظرية والعملية ابن الهيثم (١٠٤٠م)، كما ذكرنا في مقال سابق. وهذا يدعو للتأمل في الى أي مدى فرط ويفرط المسلون فيما انتجه أسلافهم لعلوم ومخترعات ورؤى كانت لها المكانة الكبيرة في الكثير من العلوم الحديث، في مقابل الاحتفاء من قبل بعض الغرب، بنسبة بعض الاكتشافات والاختراعات والنظريات، نسبة ربما تكون غير حقيقية الى أشخاص ربما اقتبسوا أو بنوا على من يستحقون الاحتفاء من العلماء العرب والمسلمين. هنا، في جدول ٥، أورد عينة صغيرة جدا من أعمال نظرية وعملية واكتشافات أوجدها أو مهد لإيجادها شخصيات علمية وفلاسفة من العالم الاسلامي أوالعربي، انتهى بنسبتها لغيرهم.
٣.٧ ما بعد استقرار المنهج التجريبي
بعد استعراض أهمية المنهج التجريبي في مسيرة العلوم، و وتبن أهميتها التي وصلنا الحديث عنها في نهاية المقال السابق بعد سلسلة المقالات التي سبقته، نحتاج الى أن نقرأ ما حدث بعد ذلك خصوصا أنه لم يطال المنهج أي تغير جوهري الا بعد ما يقارب ال ١٩٠ عاما من إعلان فرانسيس بيكون في كتابه (١٦٢٠م) الآلة الجديدة عن مشروعه الجديد. حيث بدت أوروبا حينها، على موعد مع ثورة منهجية قلبت وجه التفكير العلمي. وكما قلنا سابقا، بيكون رأى أن العقل البشري محاط بأوهام أربعة وهي أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح. وهذه الاوهام تمنعه من الوصول إلى معرفة نقية، وأن الطريق لتصحيح ذلك يكمن في الملاحظة الدقيقة والتجريب المنتظم، لا في القياس الأرسطي. ففي إحدى عباراته التأسيسية يقول: «إن القوة الإنسانية تكمن في المعرفة؛ ولكن الطبيعة لا تُغلب إلا إذا أُطِيعَت»، وبهذا وضع قاعدة التجريب الخاضع لقوانين الطبيعة، لا الفرضيات المسبقة. هذه الصياغة لم تكن دعوة تأملية، بل خطة لتشييد علم يعتمد على جمع الوقائع وتصنيفها ثم الانتقال خطوة خطوة نحو القوانين، فيما عُرف بالاستقراء الصاعد. بعده بسبعة عشر عاماً تقريباً، جاء ديكارت ليعلن منهجاً مختلفاً في مقدماته، وإن لم يكن مناقضاً في غاياته. فديكارت جعل من الشك المنهجي نقطة البدء، حتى الوصول إلى حقيقة يقينية لا يمكن الشك فيها، منطلقا من الحقيقة العقلية الأولى «أنا أفكر إذن أنا موجود»، ينطلق لبناء نسق علمي يتوسل بالرياضيات والمنطق: «القوانين التي وضعتها الطبيعة لا تتغير، والله لم يترك العالم بلا نظام، بل رتب كل شيء في صورة قوانين عامة وبسيطة». وأصبحنا أمام مشروعين متعارضين ظاهريًا، متكاملين من حيث التأثير: الأول يرفع من شأن الحسّ والتجربة، والثاني يكرس سلطان العقل والرياضيات. فإذا كان بيكون يرى في التجربة أساس المعرفة، فإن ديكارت يرى في العقل والوضوح والتمييز الطريق الأمثل، وبهذا تبلورت أمامنا ثنائية خصبة: استقراء تجريبي مقابل استنباط عقلي رياضي. هذه الثنائية دشنت انقسامًا عميقًا بين التجريبيين والعقلانيين، وأطلقت جدلًا سيستمر حتى نهاية القرن الثامن عشر، حيث سيحاول إيمانويل كانط تجاوزه بمشروع تركيبي.
وخلال هذه المدة الزمنية الفاصلة الممتدة ١٩عقدا، لم تخلوا الساحة العلمية من حراك علمي وفلسفي متواصل. كان هذا الحراك في السنين الأولى في بدايات تلمس الطريق لتطبيق المفاهيم والمبادئ التي يقول بها المنهج التجريبي، فلم تخلوا النتائج من عقبات واخفاقات إما في التطبيق أو التعريف بالإجراءات أو الاستنتاجات. وبعض الأعمال نتجت نتاجا علميا رصينا ومهما. ويمكن تصنيف هذا النتاج العلمي في أصناف أربعة: الأول يشمل النتاج العلمي المتعثر، والثاني يحوى النتاج العلمي المتواصل للعلماء بتطبيق المنهج العلمي الجديد، والذي كان متفاوتا في أثره وقيمته، بين ما هو المتوقع حدوثه وبينما هو المتميز والفاتح لصفحة جديدة في العلوم، والثالث هو نتاج علمي مبهر لم ينتج بسبب تطبيق المنهج التجريبي كما قال به فرانسيس بيكون، ولكن بدمجه غير المعلن مع المنهج العقلي، والرابع يشمل عمل ما يمكن أن نسميه عمل الممهدين لكانط، إن صح التعبير، وهو مهتم بالأعمال في النقد الفلسفي للمنهج فاتحة المجال لتطويره.
٣.٧.١ بعض نتاج علمي متعثر
في مطلع القرن السابع عشر، وبينما كانت أوروبا تشهد التحولات الكبرى في التفكير العلمي بعد ظهور دعوة فرانسيس بيكون إلى المنهج التجريبي، حاول بعض العلماء تطبيق هذه المبادئ الجديدة، إلا أن غياب التنظيم الرياضي والمنطقي أوقعهم أحيانًا في استنتاجات غير دقيقة. كما أن الصورة لم تكن مكتملة عند بعض العلماء، في ماهية المنهج ومساحات تطبيقه. فيأتي بعض العلماء ومعهم قناعاتهم التي أرساها أرسطو، مثلا في مجال حركة المقذوفات، والذي استمر طويلا ربما الى أوائل الثلاثينيات من القرن السابع عشر، إذ اعتقدوا أن الجسم يحتاج إلى قوة دافعة مستمرة ليبقى في حركة، وإن توقفت القوة يؤدي ذلك إلى توقف الحركة، أو الايمان بمركزية الأرض، وغيرها فيتسبب ذلك في التحيز في الاستنتاج ويشكل عائقا للوصول للنتائج المنطقية التي تتجانس مع المنهج التجريبي. كما أن عدم وجود الأدوات والأجهزة المناسبة، سبب بعض الإخفاق لبعض العلماء في تطبيق المنهج التجريبي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك تجربة جان فان هلمونت الشهيرة عام 1620، التي اعتبر فيها أن الماء هو المصدر الوحيد لنمو النبات. فقد وضع شتلة صفصاف صغيرة في وعاء يحوي كمية محددة من التربة، ثم سقاها بالماء النقي على مدى خمس سنوات، ليجد أن وزن النبات قد ازداد بشكل كبير، بينما لم يتغير وزن التربة إلا قليلًا. استنتج فان هلمونت أن كل مادة النبات جاءت من الماء. ورغم أن التجربة كانت رائدة في زمانها وتعكس روح الملاحظة البيكونية، فإن التحليل الكيميائي والمنهج العقلي لاحقًا أثبت أن النمو يعتمد أيضًا على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء والمواد المعدنية من التربة، لا على الماء وحده. وفي السياق نفسه، برزت فرضية المغناطيسية الحيوانية التي حاول بعض المفكرين، ومنهم غاليليو في بداية مسيرته قبل أن يرفضها، استخدامها لتفسير الجاذبية، معتبرين أن القوة التي تجعل الأجسام تسقط نحو الأرض هي قوة مغناطيسية تشبه قوة جذب المغناطيس للحديد. والمغناطيس الحيوانية، هي فكرة ظهرت في القرن الثامن عشر على يد الطبيب الألماني فرانتس أنطون مِسمر،الذي كان يعتقد أن هناك قوة خفية تشبه المغناطيس تسري في أجسام الكائنات الحية وتتحكم في صحتها وأمراضها. سماها "المغناطيسية الحيوانية"، ورأى أنها تشبه القوى الطبيعية مثل الجاذبية والمغناطيسية الفيزيائية. وبحسب مسمر، فإن الأمراض تنشأ عندما يختل تدفق هذه القوة داخل الجسم، ويمكن للطبيب أن يعيد التوازن إليها عبر التنويم المغناطيسي أو لمس المريض أو تمرير "قضبان حديدية ممغنطة" حوله، وكان يؤكد أن بعض الأشخاص لديهم قدرة خاصة على توجيه هذه القوة وشفاء الآخرين.لاقت الفرضية رواجًا كبيرًا في أوروبافي بداية الأمر، حتى أن بعض المرضى أبلغوا عن تحسن فعلي. لكن في عام 1784 شكّلت السلطات الفرنسية لجنة علمية لدراسة مزاعم مسمر، شارك فيها بنجامين فرانكلين ولافوازييه وغيوم غيّوتان، وخلصت إلى أن التحسن الذي شعر به المرضى لم يكن بسبب قوة حقيقية، بل نتيجة الإيحاء النفسي. كانت هذه الفكرة تتماشى مع الحس الميكانيكي للتجريب، لكنها افتقرت إلى الصياغة الرياضية الدقيقة، ولم تستند إلى براهين كمية حاسمة. لاحقًا، ومع تطور الميكانيكا الرياضية عند ديكارت ثم نيوتن، أُثبت أن الجاذبية قوة مستقلة ترتبط بكتلة الأجسام والمسافة بينها، لا بظواهر مغناطيسية.
ومثال آخر، واضح في بعض أعمال الفلكي الدنماركي تيخو براهي (١٦٠١م) الذي يُعد من أبرز علماء الفلك في القرن السادس عشر، عوُرف بدقته الفائقة في الرصد قبل اختراع التلسكوب. وأنشأ مرصده الشهير "أورانيبورغ" حيث جمع على مدى عقود كمية هائلة من البيانات الفلكية عالية الدقة عن مواقع الكواكب والنجوم، وهو صاحب النظام التيخوني نسبة اليه. غير أن قصوره في تطبيق المنهج التجريبي ظهر حين قيد ملاحظاته بالتصورات الكونية الموروثة، فابتدع نموذجاً وسطاً يجمع بين مركزية الأرض ومركزية الشمس، حيث أبقى الأرض ثابتة في المركز بينما جعل الكواكب تدور حول الشمس، والشمس بدورها تدور حول الأرض. هذا النموذج كان محاولة للتوفيق بين الموروث الأرسطي والبيانات الرصدية، لكنه فشل في تقديم تفسير منسجم مع الحقائق التي جمعها بنفسه. الفشل تجاوزه تلميذه يوهانس كبلر الذي اعتمد على بيانات براهي ذاتها لكنه تحرر من قيد الموروث الفلكي، فوضع قوانينه الثلاثة لحركة الكواكب، مثبتاً أن المدارات إهليجية وليست دائرية مثالية. فيوهانس كبلر بدأ محاولاته لفهم النظام الكوني وهو مشدود إلى الإرث الأفلاطوني الذي رأى في الأشكال الهندسية المثالية سرّ تناغم الكون. حاول في بداياته أن يفسر مدارات الكواكب عبر المجسمات الأفلاطونية المنتظمة، معتبرًا أن ترتيبها يحدد مسافات الكواكب عن الشمس. غير أن هذا التفسير لم يصمد أمام بيانات براهي الدقيقة، فواجه كبلر مأزقًا بين المثاليات الرياضية والمعطيات الرصدية. وجاءت لحظة التحول حين تخلى عن المثالية الهندسية واعتمد التجربة الحسابية على بيانات براهي، فاكتشف أن المدارات ليست دوائر كاملة، بل إهليجيتا، وهو ما شكل قطيعة مع قرون من التفكير الفلكي المثالي، ومثالاً على تجاوز القصور الأولي نحو تطبيق صارم للمنهج التجريبي.
وبالرغم من احتفائنا بإنجازات رينيه ديكارت في تطويره المنهج العقلي، إلا أنه طرح نظرية الدوامات، أو نظرية الأثير الدوار، وادخلها إلى الفلسفة والفيزياء، محاولاً تقديم تفسير ميكانيكي شامل لحركة الكواكب، وهي النظرية التي يمكن شرحها بوصفها للكون أنه مملوء بمادة دقيقة مستمرة في حركة دائرية، وتشكل دوامات ضخمة تحمل الكواكب في مداراتها. هذه النظرية، كانت عقلانية و أنيقة ومنسجمة مع تصوره الكوني، لكنها عانت من قصور المنهج التجريبي لأنها لم تُختبر بملاحظات دقيقة ولم تفسر الظواهر كما هي، بل كانت صياغتها وفق افتراضات عقلية مسبقة. فشلت نظرية الدوامات لأنها لم تستطع التنبؤ بمدارات الكواكب بدقة أو تفسير الظواهر الفيزيائية الجديدة، كحركة المذنبات وقوانين كبلر الثلاثة لحركة الكواكب، وقوانين الجذب العام، وقوانين التسارع أو وصف حركة الأجسام والتي تم تجاوزها لاحقًا بفضل نيوتن الذي اعتمد على التجربة والرياضيات لصياغة قوانين الحركة والجاذبية، مقدماً تفسيراً تجريبياً ورياضياً أدق وأكثر اتساقًا.
ويمكننا هنا ذكر غاليليو غاليلي، لإيضاح الإخفاق الذي وقف في طريق دراسته المد والجزر، وسنذكره أيضا في المجموعة الثالثة كأحد من كانت لهم مساهمات استثنائية خالدة، مع نيوتن وآخرين. غاليلي كان من أشد المدافعين عن مركزية الشمس، وقد طبق المنهج التجريبي ببراعة في دراساته لحركة الأجسام والسقوط الحر. غير أن قصوره برز في تفسيره للمد والجزر، إذ اعتبر أن المد والجزر ناجمان فقط عن حركة الأرض ودورانها، متجاهلًا تأثير القمر. هذا التفسير لم ينسجم مع الملاحظات الميدانية التي بيّنت انتظاماً مرتبطاً بدورة القمر، لكن غاليليو ظل متمسكًا به لأنه كان يرى فيه برهانًا إضافيًا على مركزية الشمس. فشل التفسير كان نتيجة تحيز فكري أكثر منه قصور تجريبي، وتم تجاوزه لاحقًا حين جاء نيوتن فجمع بين الملاحظة والحساب الرياضي وأثبت أن المد والجزر ناتج عن قوة الجاذبية المشتركة بين الأرض والقمر والشمس، مقدماً بذلك أول تفسير علمي متكامل للظاهرة.
وهنا الفيلسوف وعالم الرياضيات والفيزياء بليز باسكال (١٦٦٢م)، وهو صاحب كتاب الأفكار الذي ناقش فيه قضايا الإيمان والعقل والإنسان، وطرح فيه حجته الشهيرة المعروفة بـ رهان باسكال حول الإيمان بالله، وهو العالم الذي ترك بصمة عميقة في الفكر والعلم، حيث ساهم في تأسيس نظرية الاحتمالات بالتعاون مع عالم الرياضيات الفرنسي بيير دو فرما (١٦٦٥م)، كما وضع أسس الهندسة الإسقاطية، واخترع آلة حاسبة ميكانيكية عُرفت بـ"باسكالين" لتساعد والده في عمله بالمحاسبة، وأجرى تجارب رائدة حول ضغط الهواء والسوائل، وأثبت وجود الضغط الجوي، مكمّلًا أعمال توريتشيلي، ومبيّنًا أن عمود الزئبق في البارومتر يتغير ارتفاعه تبعًا للضغط الجوي. كما وضع ما يعرف اليوم بـ قانون باسكال في الهيدروليكا، الذي ينص على أن الضغط الواقع على سائل محصور ينتقل بالتساوي في جميع الاتجاهات، وهو الأساس الذي قامت عليه أنظمة المكابح الهيدروليكية والرافعات. ورغم قيمة هذه التجارب، إلا أن تعثر تعميم نتائجه على الغازات ليخرج بقوانين عامة للغازات، تمثل في محدودية الأدوات والقدرة على توسيع النتائج. فشل باسكال لم يكن في دقة ملاحظاته، بل في عجزه عن الانتقال إلى تعميم رياضي شامل يفسر سلوك الغازات كلها. وتم تجاوز هذا الفشل لاحقًا مع أعمال بويل وقانونه الذي ينص على أن حجم كمية معينة من الغاز يتناسب عكسيًا مع ضغطه إذا بقيت درجة الحرارة ثابتة، وقانون غي-لوساك، وهو أحد القوانين الأساسية في الغازات، والذي ينص على أن ضغط كمية محددة من الغاز يتناسب طرديًا مع درجة حرارته المطلقة (كلفن) إذا كان الحجم ثابتًا.
.
٣.٧.٢ النتاج العلمي المتواصل للعلماء بتطبيق المنهج التجريبي
من النظريات التي سادت في تلك الحقبة أيضًا فرضية التوليد التلقائي للكائنات، التي اعتقد فيها كثير من علماء الطبيعة، وهي أن الديدان والحشرات تتولد تلقائيًا من المواد العضوية المتحللة. كان هذا التصور قائمًا منذ العصور الوسطى، واستمر لفترة حتى مع ظهور المنهج التجريبي، لأن الملاحظات السطحية بدت مؤيدة له. إلا أن التجارب المحكمة التي أجريت لاحقًا، والتحليل المنطقي الذي يقتضي البحث عن سبب لكل ظاهرة، أثبتا أن هذه الكائنات لا تنشأ إلا من بويضات دقيقة لكائنات سابقة، ما مهد الطريق لنظرية التكاثر العلمي. ومن هذه التجارب يمكن ذكر الطبيب والعالم الإيطالي فرانشيسكو ريدي (١٦٩٧م) ،وهو من أجرى سلسلة من التجارب على اللحوم المكشوفة. حيث وضع اللحم في أوعية مفتوحة وأخرى مغطاة. ولاحظ أن اليرقات (الديدان الصغيرة) تظهر فقط في الأوعية المكشوفة، بينما لم تظهر في الأوعية المغطاة. هذا أظهر أن الديدان لم تنشأ تلقائيًا من اللحم، بل من بيض الذباب الذي يضعه على اللحم. وفي التجارب الدقيقة التي قام بها لويس باستور (١٨٩٥م) باستخدام ماء مغلي في قوارير ذات عنق طويل ملتوي لمنع دخول الغبار والكائنات الدقيقة، لاحظ أنه بعد تعقيم الماء وتركه معزولًا عن الميكروبات، لم يظهر أي نمو حيوي، بينما إذا أُتيح دخول الغبار، نما. هذا أثبت بشكل حاسم أن الكائنات الدقيقة لا تنشأ تلقائيًا من المادة غير الحية، بل تأتي من كائنات حية مسبقة. التحليل المنطقي وراء هذه التجارب كان البحث عن السبب لكل ظاهرة، فظهور الحياة أو الكائنات الدقيقة ليس نتيجة تلقائية للمادة، بل نتيجة لوصول بويضات دقيقة أو خلايا كائنات حية سابقة. هذه الطريقة، التي تجمع بين الملاحظة المحكمة، والتجربة المنضبطة، والاستنتاج العقلي المنطقي، مهّدت الطريق لاحقًا لفهم التكاثر العلمي، وفصلت علم الأحياء عن الخرافات القديمة عن "التكوّن التلقائي" أو الانبثاق التلقائي للكائنات الحية.
وهنا روبرت بويل وهو أحد أبرز من جسّد المنهج التجريبي البيكوني في القرن السابع عشر. فقد رفض التفسيرات الميتافيزيقية للخيمياء القديمة، وسعى إلى بناء علم كيميائي يقوم على التجربة الدقيقة والملاحظة المنهجية. في كتابه الشهير "الكيميائي المتشكك" (1661)، طرح بويل فكرة أن المادة تتكون من جسيمات صغيرة، وقدم نقداً لاذعاً لنظرية العناصر الأربعة التي كانت سائدة. لم يكن اكتشافه لقانون بويل، الذي يربط بين ضغط الغاز وحجمه، وليد التأمل النظري، بل جاء نتيجة سلسلة من التجارب المحكمة التي كررها للتأكد من صحتها، وهو بذلك رسّخ مبدأ بيكون في الانتقال من الملاحظات الجزئية إلى القوانين العامة. أثر بويل امتد إلى تأسيس الكيمياء الحديثة وإلى تعزيز قيمة المختبر كمصدر للمعرفة الموثوقة.
أما أنطوني فان ليفينهوك، فقد فتح آفاقاً جديدة أمام العلم من خلال اعتماده الكامل على الملاحظة التجريبية الدقيقة. كان حرفياً أكثر منه فيلسوفاً، لكنه صنع عدسات مكبرة متطورة مكّنته من اختراق عالم مجهري لم يكن معروفاً من قبل. اكتشافه للبكتيريا والكائنات الدقيقة في قطرات الماء جاء من مئات الساعات من المراقبة تحت المجهر، مسجلاً كل ما يراه برسائل مفصلة إلى الجمعية الملكية البريطانية. لم يبنِ ليفينهوك أفكاره على فرضيات مسبقة، بل على الشواهد البصرية التي كرر توثيقها، وهو ما يعكس التزاماً صارماً بالمنهج البيكوني. وكان تأثيره تعدى الاكتشافات، الى ترسيخ قيمة الأداة العلمية والملاحظة الدقيقة كأركان أساسية للعلم الحديث. فلقد قدّم ليفينهوك أول مشاهداته للكائنات المجهرية، مؤكداً أن التجريب ليس وصفاً، بل كشفاً متعمقاً لأسرار الطبيعة.
مثلت هذه الأعمال الوجه التطبيقي للمنهج التجريبي، في حين ظل المنهج العقلي يغذي بناء الفرضيات وصياغة الرياضيات. في السياق ذاته، برز روبرت هوك كمثال آخر على هذا الالتزام بالتجريب. ففي كتابه الميكروغرافيا (1665)، عرض رسوماً دقيقة لمشاهداته تحت المجهر، بما في ذلك اكتشافه الشهير لبنية الخلية النباتية. لم يكتفِ هوك بالملاحظة، بل حرص على إعادة التجارب ومقارنتها وتوثيق نتائجها بدقة، ملتزماً بالمنهج الذي دعا إليه بيكون في تنظيم المعرفة العلمية عبر الممارسة التجريبية. كما ساهم في صياغة قانون المرونة المعروف باسمه ( قانون القوة في الزنبرك)، مستنداً إلى بيانات تجريبية صارمة. إن إصرار هوك على أن الملاحظة المقترنة بالتجربة هي السبيل إلى المعرفة جعله من الأعمدة التي قامت عليها الثورة العلمية في إنجلترا.
وإلى جانب هؤلاء، شهدت تلك الفترة علماء آخرين مثل عالم الفيزياء والفلك والرياضيات الهولندي كريستيان هويجنز (١٦٩٥م) الذي أسهم بشكل كبير في فهم طبيعة الضوء، حركة الكواكب، والميكانيكا، وكان له إسهامات بارزة في تطوير علم الزمن والأجهزة الدقيقة، مثل الساعات البندولية. اعتمد هويجنز على المنهج التجريبي في العديد من أبحاثه، فقد أجرى تجارب دقيقة على اهتزاز البندول لدراسة الزمن، وعلى الضوء لدعم نظرية الموجة التي وضعها لتفسير الانكسار والانعكاس، ما يجعله مثالًا واضحًا على التطبيق الصارم للملاحظة والتجربة والتحليل الكمي. موقفه من المنهج التجريبي كان داعمًا، إذ رأى أن التجربة الدقيقة والملاحظة الدقيقة هي الطريق لفهم قوانين الطبيعة، لكنه دمج بين التجريب والرياضيات، فاستعمل المعادلات الرياضية لتفسير الظواهر الفيزيائية التي لاحظها، مثل قانون العدسات والانكسار، وتحليل حركة الأجسام في المدارات. بفضل هذه المقاربة، أثر هويجنز تأثيرًا كبيرًا على تطور البصريات والميكانيكا السماوية، ومهد الطريق للعلماء اللاحقين مثل نيوتن لتوسيع نطاق المنهج التجريبي مع التحليل الرياضي الدقيق. كما يأتي أنطوان لافوازييه (١٧٩٤م) الذي يُعد أحد أعظم العلماء في تاريخ الكيمياء، وغالبًا يُلقب بأب الكيمياء الحديثة. وهو الذي أسس منهجًا علميًا دقيقًا في دراسة المواد الكيميائية، معتمدًا على القياس والتجربة، وكان من أول من رفض فكرة العناصر الأربعة التقليدية (الأرض والماء والنار والهواء) وقدم مفهوم العناصر الكيميائية الحقيقية. ومن أهم إنجازاته، وضع قانون حفظ الكتلة الذي ينص على أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث، بل تتحول من شكل إلى آخر خلال التفاعلات الكيميائية، ما أرسى أساسًا لمعادلات التفاعل الحديثة. كما قام بتسمية العناصر المعروفة اليوم مثل الأكسجين والهيدروجين، ووضع نظامًا لتصنيف المركبات الكيميائية بطريقة منهجية، ودرس عملية الاحتراق وأثبت أنها تفاعل كيميائي مع الأكسجين، مما ساهم في دحض نظرية الفلوجستون التي قال بها جورج شتال، كما جاء قبل صفحات قليلة. إضافة إلى ذلك، شارك في أعمال قياسية حول تحليل المياه والهواء، وساهم في تطوير الكيمياء التحليلية من خلال طرق دقيقة لقياس نسب العناصر في المركبات. هذا التنوع في العطاء ، جعل لإرثه العلمي تأثير بالغ على تطور الكيمياء كعلم تجريبي قائم على الدقة والملاحظة والقياس، وما زالت مبادئه وأعماله المرجعية الأساسية للعلماء إلى اليوم.
فؤاد ٤ سبتمبر ، ٢٠٢٥
ونكمل المراحل السبعة المفصلية في المقال التالي
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ٤
لمواصلة الحديث عن تطور المنهج العلمي، حيث نبداء المقال القادم بمواصلة الحديث عن القسمين الإثنين الأخيرين من انجازات علماء هذه المرحلة، تمهيدا للحديث عن محاولات كانط إنقاد المنهج التجريبي من معضلة السببية التي أثارها ديفيد هيوم، وأكدها كانط نفسه، وهذه المحاولات ترجمت مساهمات من قبل إيمانويل كانط سعيا لدمج المنهج العقلي والمنهج التجريبي، ونتبع ذلك بالحديث عن أثرها وما وجه اليه من انتقادات مهدت لطرح كارل بوبر القابلية للتفنيد.
تعليقات
إرسال تعليق