تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ٢

"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر ،عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل، وصولا لإيمانويل كانط الذي أكد في كتابه نقد العقل المحض ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب في كتابه منطق البحث العلمي بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم ، ونفصِّل في أطروحاته ، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"
بعد الحديث في المقالات الأربعة ، تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على ما أنتجته الحضارات القديمة" الذي تركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. نكمل السلسلة بمقالات تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع" التي بدأت في المقال السابق، وهنا مقال رقم ٢ نتحدث فيه عن مساهمات فرانسيس بيكون وعلاقتها بمساهمات ابن الهيثم وروجير بيكون ومن ثم نتناول طرح رينيه ديكارت للمنهج العقلي.
فرانسيس بيكون يطرح آلته "الجديدة" بدلا من آلة ارسطو
الفيلسوف فرانسيس بيكون، الذي عاش في القرن السابع عشر (١٦٢٦م)، هو رجل الدولة الانجليزي الذي شغل منصب النائب العام واللورد المستشار في إنجلترا، والذي كان من مهامه الاشراف على القضاء والمحاكم العليا، وإدارة الشؤون القانونية للدولة، وتقديم المشورة القانونية للملك، ورئاسة مجلس اللوردات، كما ويُعد أحد أبرز المفكرين في عصر النهضة وأحد المؤسسين للمنهج العلمي الحديث القائم على التجربة والملاحظة والاستقراء. بنى مشروعه المنهجي في كتابه الألة الجديدة، وفي عنوان الكتاب إشارة واعية لمعارضة واستبدال كتاب أرسطو المعنون "الأورغانون"، ويعني الألة ، وكان يمثل المنطق القديم الموروث في العصور الوسطى، والمبني على القياس المنطقي، والذي لم يعد بيكون يراه صالحًا لتقدم المعرفة. ودعا في كتابه لضرورة الثورة ضد الأساليب الاستدلالية القديمة التي تعتمد على القياس المنطقي، وتأسيس علم تجريبي يقوم على استقراء دقيق منظم. و كتبتها هنا "جديدة"، وليس جديدة، لإلقاء الضوء على أمر غاية في الأهمية في سبيل إعطاء الحقوق الفكرية لأصحابها حتى وإن وجد حينها ما يمكن وضعها مبررات لتجاوز بديهيات نسبة المنتج والانجاز الى من أنجزه. فما دعا اليه فرانسيس بيكون لا يبتعد كثيرا في روحه وفكرته وكثير من تفاصيله، ان ابتعد، عنما قاله ابن الهيثم قبله بقرون ستة، عام ١٠١٥م تقريبا، وبعد أقل من ثلاثة قرون من ذلك، عام ١٢٦٧م، كرر روجير بيكون في رسالته للبابا كليمنت الرابع المعنونة الكتاب الأعظم، شبيها لما جاء في كتاب ابن الهيثم ، المناظر من أفكار متعلقة بالمنهج العلمي. ولاحقا عام ١٦٢٠م، حيث نشر كتابه الفلسفي الآلة الجديدة، لأول مرة، أعاد فرانسيس بيكون طرح تلك الأفكار التي دونها ابن الهيثم في المناظر، في الكتاب الأعظم، وأكد أن الملاحظة والتجربة هما أساس المعرفة العلمية وطرح بيكون منهجًا للبحث العلمي يقوم على الاستقراء بدلاً من القياس، أي جمع الملاحظات التجريبية والتدرج منها نحو القواعد، بدلًا من الانطلاق من مقدمات عقلية مسبقة. أراد بيكون أن يُؤسس لـ"منطق جديد" يمكنه أن يقود العقل البشري إلى المعرفة الحقيقية بالطبيعة، عبر التجربة المنظمة والملاحظة الدقيقة، بدلاً من الجدل العقيم والنقاشات المنطقية الشكلية. كما يُعرف الكتاب أيضًا بنقده الشديد والشهير لـ"أصنام العقل الأربعة" التي رأى أنها تعيق التفكير السليم، وهي: أصنام الانتماء (ويعني بها الأوهام التي تنشأ من الطبيعة البشرية المشتركة)، و أصنام الكهف (ويعني بها الأوهام التي تأتي من تجربة الفرد الخاصة، وتربيته، وميوله، وقراءاته المحددة)، وأصنام السوق (وهي الأوهام التي تنشأ من التفاعل الاجتماعي، وخاصة من اللغة )، وأصنام المسرح (وهي الأوهام التي تأتي من الأنظمة الفلسفية أو الدينية أو العلمية الموروثة). وتمثل هذه الأصنام أنواعًا من التحيزات النفسية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر في فهم الإنسان للعالم. وبالتالي فالأورغانون الجديد يُعد من الركائز التأسيسية للمنهج العلمي الحديث، وكان له تأثير بالغ في نشوء التفكير التجريبي في أوروبا الحديثة، ويمثّل نقطة انعطاف في تاريخ الفلسفة والعلم، إذ ساهم في تجاوز المنطق المدرسي وهو المنطق المستمد من فلسفة أرسطو ومفسّريه المسلمين والمسيحيين، مثل ابن رشد وتوما الأكويني. وكان يعتمد على القياس المنطقي، أي الانتقال من مقدمات عامة إلى نتائج خاصة من دون الاعتماد الكافي على التجربة. وبتجاوزه المنطق المدرسي السائد دشن عصرا جديدا من البحث العلمي المبني على المشاهدة والتجريب. ويعد فرانسيس بيكون في أوروبا أنه أول من نظّر بوضوح لخطوات المنهج العلمي الحديثة، من جمع البيانات إلى تشكيل الفرضيات فاختبارها. ومع أنه لم يذكر ابن الهيثم أو روجر بيكون صراحة أو تلميحا، فإن الرؤية التي طرحها تتناغم بشكل لافت مع منطلقاتهما، خاصة في تأكيده على أن "الطبيعة لا تُقهر إلا إذا أُطيعَت"، وهي فكرة كان ابن الهيثم قد أشار إليها عندما قال إن الباحث في الطبيعة ينبغي أن "يجعل غرضه الوقوف على الحقيقة لا الانتصار لرأيه."
بهذه المعطيات، يمكننا اعتبار أن ابن الهيثم هو أول من صاغ ملامح المنهج التجريبي العلمي بشكل ناضج، وبعد ثلاثة قرون، وجدت هذه الملامح طريقها إلى روجير بيكون الذي كرّس جهده لنقلها إلى بيئة لم تكن معتادة على مثل هذا النمط من التفكير وتدوينها بإيعاز من البابا كليمنت الرابع. وبعد ثلاثة قرون أخرى، أعاد فرانسيس بيكون صياغة المنهج العلمي وجعل من هذه المبادئ برنامجاً فلسفياً كاملاً للعلم الحديث. ومن اللافت أن الثلاثة جميعًا اشتركوا في التوجس من "السلطة" العلمية غير النقدية، ودعوا إلى تحرير العقل من القيود الموروثة عبر التفاعل المباشر مع العالم الطبيعي. وبذلك، يمكن القول إن تطور المنهج العلمي قد شهد تحولات أساسية عبر العصور، حيث إضافة لابتداعه من قبل ابن الهيثم، أسهم كل من روجير بيكون وفرانسيس بيكون في إرساء وانتشار المنهج التجريبي. ومع مساهمات نيوتن في الرياضيات التطبيقية، وداروين في تطور المفاهيم البيولوجية، تم إرساء مفاهيم دقيقة في طرق البحث العلمي الحديثة.
فرانسيس بيكون لم يأت على ذكر أعمال ابن الهيثم!!
ولابد من التوقف هنا لتبيان حقيقة واضحة، وهي أن ما أتى به فرانسيس بيكون هو نفسه ما كان قد أتى به ابن الهيثم قبله بستة قرون. وقد يكون من غير الانصاف إطلاق احكام بدون ادلة صريحة وواضحة في أي أمر من الأمور، ويكون الأمر في غاية الأهمية عندما يكون الأمر متعلقا بعلماء قدموا الكثير والمهم للساحة العلمية. لكن من الملاحظ والغريب أنه بالرغم من أن فرانسيس بيكون أتى بعد ابن الهيثم بعدة قرون، إلا أنه لا يوجد دليل على أن بيكون اطلع أو كان في مكان يوجد فيه أي من مخطوطات أو كتب ابن الهيثم. وهذا يجعلنا أن نعيد التأكيد على أن ابن الهيثم هو من أتى بالمنهج العلمي. كما يجعلنا أيضا نقول إن حقيقة قيام بيكون بتقديم أطروحة جديدة في المنهج العلمي، تبين لاحقا أنها نفس ما قام به ابن الهيثم، تلزم العلماء المهتمين بتاريخ العلوم والمهتمين بالمنهجية وبالبصريات وغيرها من مجالات مرتبطة بها، إعطاء كل ذي حق حقه بإرجاع الحق لابن الهيثم.
كما قد يكون من المناسب أيضا التسليم بوجود عوامل أخرى، قد تكون وجيهة، هي ما كان لها دور محتمل في غياب اسم ابن الهيثم عن مدونات فرانسيس بيكون، وندرج هنا، ما يتم تداوله في الأوساط المهتمة بهذا الأمر، مع التأكيد على أن ادراجها لا يعني تسليما بصحتها، ولكن لفتح الباب للاجتهادات الموضوعية والعلمية الأخرى، وعدم القطع بعدم صحتها في غياب الدليل الصريح على تعمد تغييب اسم ابن الهيثم، كما أننا سنضع بعض التعليقات السريعة على ما يتداول من عوامل. ويمكن اجمال ما يتم تداوله فيما يلي. عادة يكون الطرح أن بيكون عاش في أوروبا في القرن السابع عشر، بينما ابن الهيثم عاش في القرون الوسطى الإسلامية (١٠٤٠م) في بغداد ومصر. وأن أوروبا في عصر بيكون لم تكن على دراية واسعة بالإسهامات العلمية الإسلامية بشكل كامل، خاصة في مجال المنهج التجريبي. وأيضا، كان كثير من المعارف الإسلامية تُترجم إلى اللاتينية في العصور الوسطى، لكن الوصول إليها لم يكن شاملاً، وغالبًا ما كان ينظر إلى المصادر العربية على أنها غير مركزية مقارنة بالمراجع الأوروبية الكلاسيكية، مثل أرسطو. ولنا تحفظ على كل هذا، فالتداخل الثقافي والحضاري بين الشعوب والأمم، لا يخضع لقفزات زمنية، بل هو أمر متواصل، ويخضع لإيقاع زمني تحكمه أدوات التواصل والتنقل بين الأمم. وإذا كان مبررا توصيف الفجوة الزمنية بين فرانسيس بيكون وابن الهيثم بانها كبيرة ممتدة لستة قرون، فروجير بيكون (وهنا تشابه في الاسملء ، مع عدم وجود علاقة بينهما) كان قد اطلع على ترجمة كتاب المناظر من أعمال ابن الهيثم في القرن الرابع عشر، وهذا ليس فقط يقلص الفجوة الزمنية من ستة قرون الى ثلاثة قرون، إن تجاوزنا عدم واقعية القفزات الزمنية، بل أيضا يلغي أي فجوة جغرافية أو ثقافية بين فرانسيس بيكون، وأعمال ابن الهيثم كمبررات لعدم اطلاع بيكون عليها، فاطلاع روجير على الترجمة يعني وجود الترجمة في أوروبا وبلغة متاحة للعلماء الأوروبيين.
وعامل آخر يطرح أيضا، هو أن بيكون كان مهتمًا أساسًا بإصلاح المعرفة الأوروبية من خلال الاستفادة من المنهج التجريبي على أسس من التراث اليوناني والروماني. لذلك ركّز في مراجعته على الفلاسفة والعلماء الأوروبيين الكلاسيكيين واللاتينيين، ولم يكن هناك اهتمام كبير بالربط بالمنهج العلمي الإسلامي، رغم التشابه الكبير مع خطوات ابن الهيثم. ولكن مع الترجمات المتتابعة للأعمال من العالم الإسلامي، وتدارسها والبناء عليها، أصبحت جزء من التراث الأوربي سواء الأساس المترجم، أو المادة التي بنيت عليها. فيضعف بذلك حجة حصر الإطار الفكري والاهتمام بالتراث الأوروبي. ويطرح كذلك أن أعمال ابن الهيثم في البصريات والفيزياء لم تُعرف على نطاق واسع في أوروبا إلا بعد ترجمة مختصرة أو أجزاء منها، وغالبًا لم يُذكر اسم مؤلفها في كثير من المصادر، بل كان التركيز على المضمون العلمي فقط. لذا لم يكن من السهل لبيكون أو معاصريه أن يعرفوا أن هذا المنهج التجريبي له جذور سابقة عند العلماء المسلمين. نورد هذا بالرغم من عدم قناعتنا بدقته وصحته. فيظهر من بعض مقاطع روجير بيكون – لا سيما عند حديثه عن انعكاس الضوء وانكساره- أنه اطلع على اعمال ابن الهيثم، وتأثر بها بوضوح، كما أنه كان يعزو للفيزيائيين المسلمين السبق في هذا المجال، وخاصة في نقدهم لأرسطو وبطليموس. إضافة لذلك، وربما في دلالات أوضح من ذلك، أن أعمال ابن الهيثم قد تمت ترجمتها إلى أوروبا من خلال الترجمات اللاتينية. وترجمة جيرار الكريموني لكتاب المناظر بعنوان Perspectiva هي احداها، والتي قام بها في القرن الثاني عشر من طليطلة، مكان اقامته التي انتقل اليها، من مدينة كريمونا الإيطالية ( التي تسمى باسمها)، عام ١١٤٤م واستقر فيها لمدة ٤٣ عاما قضاها في الترجمة. فبالإضافة للمناظر، ترجم المجسطي لبطليموس، والأصول لاقليدس، وجداول طليطلة التي تعتمد على أعمال الخوارزمي والرازي والزهراوي وابن سيناء وربما غيرهم.
وأمر آخر يقدم مبررا لعدم ذكر فرانسيس بيكون لاعمال ابن الهيثم ، هو أن بيكون صاغ مفهومه للمنهج التجريبي بناءً على ملاحظاته وتجربته الذاتية، فحتى وإن كان مماثلاً لمنهج ابن الهيثم، فإن بيكون لم يكن واعيًا بالسابقة الإسلامية أو لم يهتم بالإشارة إليها، وهو ما حصل كثيرًا مع العلماء الأوروبيين في تلك الفترة مع الإرث العلمي الإسلامي. هذا ممكن أن يكون صحيحا مع غرابته الشديدة في أوساط العلماء وخصوصا المهتمين ومن لديهم سلطة وباع طويلة، ، ولكن لا دليل على ذلك الا غياب الدليل على ضده، وانتفاء الدليل على صحة الضد، ليس دليلا على صحة الأمر. كما أننا نتحدث عن شخصية بحجم فرانسيس بيكون في مكانته العلمية وفي مكانته الرسمية التي تعطيه باعا أطول وأفقا أوسع في تقديره الأمور ولا يمكن أن يغيب عن ذهن من في مثل موقعه كونه مستشارا للملك، بعض الأمور المرتبطة بالمنهج العلمي كتأثر سلفه روجيه بيكون، بابن الهيثم التي دونت ملامحها في بعض الترجمات الأوروبية، وهو العالم والفيلسوف في هذا المجال. كما لا يمكن أن يغيب عن ذهنه وجود حركة ترجمة لمخطوطات تم نقلها لأوروبا من بلاد المسلمين وتوزعت في بعض الجامعات والكنائس وهو الفيلسوف المرموق، كما وهو النائب العام واللورد المستشار في إنجلترا، والذي من مهامه الاشراف على القضاء والمحاكم العليا، وإدارة الشؤون القانونية للدولة، وتقديم المشورة القانونية للملك، ورئاسة مجلس اللوردات، كما ويُعد أحد أبرز المفكرين في عصر النهضة ومن المهتمين بالمنهج العلمي. وربما من الأفضل ترك مسألة إعادة اكتشاف المنهج العلمي في أوروبا عند هذا الحد من النقاش، فهذا ليس مكانه. لكن لابد من القول إن المنهج العلمي لم يكن فريدا ووحيدا في موضوع إعادة انتاجه أوروبيا بدون ذكر من قاموا بإنتاجه قبلهم بعدة قرون في الدولة العباسية. فالقائمة تطول وأكثر أسبابها لا يمكن الركون لعفوية وبراءة الفعل، بل إن التعمد له حضور أيضا، ولربما تتم معالجته في مكان آخر بحرفية ومهنية.
رينيه ديكارت: مرحلة رئيسية رابعة ودعوة لحصرية الوصول للحقيقة في العقل
على خلفية صعود الثورة العلمية التي دشّنها رصد عالم الرياضيات والفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (١٥٤٣م)، في كتابه حول دوران الأجرام السماوية، الذي نشره عام١٥٤٣م، وهذا نفس العام الذي توفي فيه. وينقل أنه خطط لذلك متعمدا لتفادي التصادم مع الكنيسة. وأطلع الفيزيائي والفلكي غاليليو غاليلي (١٦٣٣م) بشكل خاص، على ما توصل له من نتائج، واقتنع بها غاليلي، وأوصى أن تنشر بالتزامن مع وفاته. ولاحقا حيث قام غاليلي بالبوح بها وتدعيمها ببعض تجاربه، تمت محاكمته. طرح كوبرنيكوس، في كتابه، فكرة أن الشمس لا الأرض، كما يقول النظام البطلمي، هي مركز الكون، وأن الكواكب، بما فيها الأرض، تدور حول الشمس في مدارات دائرية. هذه الاطروحة مثّلت الشرارة الأولى لثورة علمية كبرى، وتغيرات علمية وثقافية ومواقف من الدين والكنيسة. كما أثرت لاحقًا في أعمال غاليليو وكبلر ولاحقا على أعمال نيوتن. بل ما حدث يعتبر تغيرا في النمط والإطار المفاهيمي والنظري والتقني والأدوات التي ترافق مع طرح بطليموس والتي كانت تحكم الفلك وما يرتبط بها، الى إطار جديد. كما أنه شكل نقطة الانطلاق لتحرير الفكر العلمي من هيمنة الفلسفة الأرسطية والعقيدة الكنسية التي تبنت لقرون النظام البطلمي للكون، ومع الزمن البسته الكنيسة لباس القدسية. فتداخل ما يفترض أنه علمي أو فلسفي في شرح وتوصيف الطبيعة، بما هو ديني وهذا الخلط كان عاملا في الدفع للمواجهة بين العلم والدين، على أسس وأسباب غير مبررة.
(وبمثل ما كانت الوقفة مع عدم ذكر ابن الهيثم في مدونات فرانسيس بيكون أو ذكر أعماله التي قام بها قبله ب ٦ قرون تقريبا، هنا وقفة أيضا في طرح كوبرنيكوس نظامه الشمسي الذي يقول بمركزية الشمس، وتدور حولها الأرض، في مقابل ما كان يقول به النظام البطلمي من أن الأرض هي المركز وتدور حولها الشمس. فكوبرنيكوس، وبرغم تشابه بعض رسوماته والأحرف عليها مع رسومات ابن الشاطر الذي اعتمد بدوره على الطوسي في مزدوجته للوصول للنظام الجديد، ورغم وجود مخطوطة الطوسي وابن الشاطر في مكتبة الجامعة التي كان فيها كوبرنيكوس، مما يعني أنه يرجح بدرجة كبيرة اطلاعه على أعمال ابن الشاطر والطوسي خلال دراسته في الجامعات الأوروبية، خاصة في جامعة كراكوف البولندية، والتي بدأ دراسته فيها عام 1491، وكانت المكتبات الجامعية تحتوي على مخطوطات فلكية مترجمة من العربية إلى اللاتينية، بما في ذلك أعمال الطوسي وابن الشاطر، الا أن كوبرنيكوس لم يأت على ذكر أي من أعمالهما.)
وعلى ضوء معطيات الثورة العلمية هذه، شهدت أوروبا بين القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تحوّلًا معرفيًا عميقًا جعل سؤال "من أين تستمد المعرفة يقينها؟" في صدارة الفلسفة. وتبلور جدل العقلانية والتجريبية، فهل اليقين العلمي ينهض على مبادئ عقلية قبْلية تنير الخبرة وتقومها، أم أن كل معرفة تبدأ بالحس وتنمو بالاختبار؟ ولم يكن هذا الجدال أكاديميًا محضًا؛ فقد مسّ بنية المناهج الجامعية وصياغة القوانين الطبيعية وطرائق الاستدلال ذاتها.
وشكل الجدل بين العقلانية والتجريبية، أبرز محاور الفلسفة المعرفية، إذ اشتدّ التركيز على المصدر الحقيقي للمعرفة. في هذا الجدل، دعم العقلانيون، مثل رينيه ديكارت، فكرة أن هناك معرفة يمكن بلوغها من خلال الاستبصار والاستنتاج العقلي دون الاعتماد على الحواس (مثل مبدأ "أنا أفكر، إذن أنا موجود")، وذهبوا إلى تأكيد أن بعض الحقائق، خاصة في الرياضيات والميتافيزيقا، لا يمكن للحواس أن تكتسبها. من جهة أخرى، تمسّك التجريبيون، بأن المعرفة لا ينالها الإنسان إلا من خلال التجربة الحسية والاختبار، معتبرين العقل ورقة بيضاء تُملأ من واقع الخبرة. هذا الجدل المعرفي لم يكن مجرّد نقاش نظري، بل غيّر مفهوم العلاقة بين الإنسان والعالم، وبلور مفهوم الثقافة الحديثة التي تُؤمن بالتحقق والبرهان. وهذا ما ذهب اليه باحث حركة التنوير البريطانية الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٧٠٤م) الملقب بـ"أب الليبرالية الكلاسيكية"، وواضع أسس نظرية المعرفة التجريبية، حيث اعتبر العقل عند الولادة صفحة بيضاء، وأن الأفكار تأتي من الخبرة، وله أثر كبير في الفكر السياسي عبر كتابه مقالة في الفهم البشري وأثرت أفكاره حول العقد الاجتماعي في الديمقراطية الغربية الحديثة. كما ذهب الى ذلك، زميله في حركة التنوير البريطانية، الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (١٧٧٦م)، وهو من أبرز ممثلي التجريبية والشك الفلسفي، وركز على فكرة أن كل معارفنا تأتي من الانطباعات الحسية، كما دونها في أشهر أعماله رسالة في الطبيعة البشرية.
وتبعا لذلك تمدد الجدل بين العقلانية والتجريبية في مجمل مواضيع الفكر المختلفة، ومن ضمنها موضوع المنهج العلمي. وشكل بذلك أحد أبرز المحاور التي تطور المنهج العلمي الحديث، فتمثلت العقلانية برينيه ديكارت في منهجه الذي يعتمد على الاستدلال المنطقي والبديهيات العقلية كمصدر رئيسي للمعرفة، بينما تمثلت التجريبية في جون لوك وديفيد هيوم وفرانسيس بيكون وبلورت اتجاهًا تجريبيًا صارمًا يقوم على الملاحظة والاستقراء. هذا الصراع لم يكن مجرد نقاش فلسفي، بل كان في صميم تشكيل الأسس التي قام عليها العلم الحديث في أوروبا، حيث حاول كل منهج أن يحدد الطريق الأمثل لاكتشاف الحقيقة وتفسير الطبيعة.
ديكارت ومنهجه العقلي
واعتُبر كتاب رينيه ديكارت مقال في المنهج، المنشور عام (١٦٣٧م)، أي بعد أن كتب فرانسيس بيكون كتابه الآلة الجديدة، ب ١٧ عاما، حجر الأساس للفلسفة الحديثة والعلم التجريبي، رغم الانتقادات التي وجهت له لاحقا لاعتماده المفرط على العقل المجرد، بتأكيده فيه أن العقل وحده قادر على الوصول إلى الحقائق اليقينية، مستخدمًا شكّه المنهجي للوصول إلى مبدأ "أنا أفكر، إذن أنا موجود" كحقيقة لا تقبل الجدل. واعتمد على الرياضيات، مجال اختصاصه العلمي، كنموذج للمعرفة الدقيقة، حيث يمكن استنتاج الحقائق من مبادئ أولية دون الحاجة دائمًا إلى التجربة. ومن الناحية العلمية، أدخل الرياضيات في صميم دراسة الطبيعة، وفسّر الكون باعتباره منظومة ميكانيكية يمكن فهمها بقوانين رياضية، بدلًا من الاعتماد على التأويلات الدينية أو الميتافيزيقية. أما تاريخيًا، فقد شكل حلقة وصل بين النهضة العلمية التي بدأها كوبرنيكوس وغاليليو وبين الثورة العلمية الكبرى مع نيوتن. وكان من أبرز إنجازاته تأسيس الهندسة التحليلية التي ربطت بين الجبر والهندسة، وجعلت الأشكال الهندسية قابلة للتمثيل بمعادلات جبرية، وهو ما أتاح لاحقًا تطورات واسعة في الرياضيات والفيزياء والهندسة. ودرس انكسار الضوء ووضع صيغة رياضية لقانونه المعروف اليوم بقانون سنيل–ديكارت، كما فسّر ظاهرة قوس قزح على ضوء المعرفة الأساسية بانكسار الضوء، ووضع تصورات أولية عن قوانين الحركة والزخم، مما مهد الطريق لاكتشافات نيوتن.
وعلى مستوى الفلسفة العلمية، صاغ ديكارت في كتابه مقال في المنهج أربع قواعد أساسية، اعتبرها الضمان للوصول إلى الحقيقة اليقينية. هذه القواعد شكّلت جوهر منهجه العقلي. أولها قاعدة البداهة (الوضوح والتمييز)، فلا يقبل شيئًا على أنه صحيح إلا إذا كان واضحًا ومتميزًا في ذهنه بحيث لا يمكن الشك فيه. وهذه القاعدة تعني رفض التسرع أو التقليد، وقبول الأفكار التي تفرض نفسها بوضوح للعقل. فعندما قال ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود"، استند إلى هذه القاعدة، لأنها فكرة واضحة ومتميزة لا يمكن الشك فيها حتى أثناء الشك. وفي اثبات وجود الله كمثال، ينطلق من مقولته هذه. فإذا كانت لديه فكرة عن كائن كامل، فلا يمكن أن يكون مصدرها هو وهو الناقص، إذن لابد أن يكون هناك موجود كامل، وهو (الله). وثاني القواعد هي قاعدة التحليل (التقسيم)، وفيها يقوم ديكارت بتقسيم كل مسألة إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء لتسهيل فهمها وحلها، ففي الهندسة والرياضيات، كان ديكارت يحلل المسائل المعقدة إلى أجزاء بسيطة، وهو ما ساعده في تطوير الهندسة التحليلية. وكمثال، ففي اثبات وجود الله، قسّم ديكارت البرهان إلى عناصر، فعند وجود فكرة عن كائن كامل، هذه الفكرة لا يمكن أن تكون وليدة ذاتي الناقصة، إذن مصدر الفكرة هو كائن كامل بالفعل (الله). وثالث القواعد، هي قاعدة التركيب (الترتيب) وفيها يتم ترتيب الأفكار، بدءًا من أبسط الأمور وأسهلها معرفة، ثم التدرج إلى الأكثر تعقيدًا، وعلى سبيل المثال، في برهانه على وجود الله في كتابه تأملات ميتافيزيقية، بدأ باليقين الأول (وجود الذات المفكرة) ثم انتقل تدريجيًا لإثبات وجود الله كأساس للحقيقة، وبهذا نظم التفكير، وابتدأ بالأبسط ثم تدرج للأكثر تعقيدًا، فبدأ بإثبات الذات باعتباره أبسط وأوضح ما يمكن.، وانتقل من فكرة الذات إلى فكرة الكمال، وبعد فكرة الكمال يصل إلى وجود الله. والقاعدة الرابعة هي قاعدة الإحصاء (المراجعة الشاملة)، وفيها يتم القيام بمراجعات كاملة للتأكد من عدم إغفال أي شيء، فديكارت كان يراجع خطواته التحليلية في المسائل الرياضية والفلسفية ليضمن الاتساق وعدم السهو. ويقوم ديكارت بإعادة النظر في الاستدلال كله، ويتحقق من أنه لم يترك أي فرضية غير مفحوصة، وأن الانتقال من فكرة الكمال إلى وجود الله قائم على مبدأ الوضوح والتمييز. إضافة لذلك، أبرز ديكارت أهمية الرياضيات في صياغة القوانين الطبيعية، كما فعل في البصريات حين عبّر عن علاقة زاوية السقوط والانكسار بمعادلة رياضية، كما ذكرنا سابقا، وهو ما مكّن لاحقًا من تصميم عدسات وأجهزة بصرية دقيقة. إضافة إلى ذلك، كان يؤكد على ضرورة التحليل والتركيب؛ إذ يبدأ بتفكيك الظواهر المعقدة إلى عناصر بسيطة، ثم يعيد تركيبها ضمن صورة شاملة، كما في تحليله لحركة الكواكب التي بنى فهمها من المبادئ الأساسية للحركة المستقيمة مع إضافة تأثيرات الجاذبية والدوران.
منهج واحد وقرآت متعددة يحكمها المعطيات
ديكارت اعتمد في منهجه على الشك المنهجي، أي التشكيك في كل ما قيل سابقًا ثم إعادة بناء المعرفة على أسس واضحة. ويمكن إيضاح تطبيق هذا المنهج الفلسفي لديكارت في مثال سقوط الأجسام وكيف تغيرت النظرة لهذه الظاهرة عنما كان معروفا عند أرسطو وما توصل اليه كل من غاليلي ونيوتن بتطبيق منهج ديكارت كل حسب ما تأتى له من معطيات علمية وادوات رياضية. فعند دراسة سقوط الأجسام رفض ديكارت التفسيرات الأرسطية الموروثة، وسعى إلى إعادة صياغة الفهم استنادًا إلى قوانين الحركة والرياضيات. فلقد كان أرسطو يرى أن لكل عنصر من عناصر الكون الأربعة (التراب، الماء، الهواء، النار) مكانًا طبيعيًا في الكون، فالتراب والماء يتجهان إلى مركز الأرض (الأسفل)، بينما الهواء والنار يتجهان إلى أعلى. لذلك فسّر سقوط الأجسام الثقيلة (التي تتكون غالبًا من عناصر الأرض) بأنه محاولة للوصول إلى مكانها الطبيعي وهو مركز الأرض. كما اعتقد أرسطو أن سرعة سقوط الجسم تتناسب طرديًا مع وزنه، وعكسيًا مع مقاومة الوسط الذي يسقط فيه، فحجر ثقيل يسقط أسرع من حجر خفيف، وإذا كان الوسط مائعًا (مثل الماء) فإن المقاومة تجعله أبطأ، واعتقد أن الحركة تحتاج إلى قوة دافعة مستمرة، ووفق أرسطو، لا يمكن لجسم أن يستمر في الحركة إلا إذا استمرت قوة تؤثر عليه. ففي حالة سقوط الأجسام، اعتبر أن الوسط (كالهواء) يدفع الجسم نحو الأسفل بعد أن يتركه الرامي، حتى يصل إلى مكانه الطبيعي. وهذا كان من المسلمات ومن العلوم المحترمة، بل وتصل لمستوى التقديس في الكنيسة، وفي المقابل يعتبر هذا في معظمه غير متوافق مع ما نعتبره الآن من المسلمات في العلوم بناء على ما قدمه غاليلي ولاحقا نيوتن. وهنا في الجدول ٣ استعراضا للفرق بين ما يقوله كل من ارسطو وغاليلي ونيوتن عن سقوط الأجسام بعد تطبيق كل من غاليلي ونيوتن للإطار الفلسفي الذي قال به المنهج الديكارتي.
وفي المقابل، مثّل فرانسيس بيكون (١٦٢٦م) النهج التجريبي الصارم، معتبرًا في كتابه الآلة الجديدة أن الملاحظة والتجربة هما أساس المعرفة العلمية. ودعا إلى جمع البيانات بشكل منهجي والوصول إلى تعميمات عبر الاستقراء، معتبرًا أن الطبيعة يجب أن "تُستجوب" بدلًا من فرض نظريات عليها مسبقًا. وجسّد غاليليو غاليلي (١٦٤٢م) الروح البيكونية عندما استخدم التلسكوب لرصد أقمار المشتري (التي أكتشف أنها تدور حول المشتري وليس حول الأرض) وتضاريس القمر (والذي أكتشف أنه حوى جبالا وتضاريس بينما كان نموذج أرسطو يؤمن أن سطح القمر املسا ولا يتغير)، وبذلك دمر غاليليو النموذج البطلمي للكون. لكنه أيضًا اتبع العقلانية الديكارتية حين صاغ حركة الأجسام رياضياً. ومع ذلك، كان تركيزه الأكبر على "قراءة كتاب الطبيعة" بلغة الرياضيات، مع إخضاع النظريات لاختبارات مادية. أما إسحاق نيوتن (١٧٢٧م) فقد جمع بين المنهجين بشكل ثوري في الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية. فاستخدم الرياضيات المجردة لصياغة قوانين الحركة والجاذبية، لكنه أصر على أن هذه القوانين مستمدة من "الظواهر" التجريبية وكما ذكرنا أعلاه أنه يؤكد رفضه للتخمين العقلي غير المبني على دليل مادي، واعتماده على حساب التفاضل والتكامل. وتجلى هذا التكامل في الفيزياء الحديثة، في أعمال ألبرت أينشتاين، حيث استخدم الفكر التجريدي (كالنسبية العامة) لكنه ربطها دائمًا بالتنبؤات القابلة للاختبار مثل انحناء الضوء حول الشمس. وعليه أصبح العلم يعتمد على هذه الثنائية: فالفيزياء النظرية تبنى نماذج رياضية مجردة (كفيزياء الكم)، بينما تؤكد المنهجية التجريبية على ضرورة اختبارها. هذا التزاوج هو ما يميز العلم الحديث عن سابقيه، حيث لم يعد الصراع بين العقلانية والتجريبية تنافسًا، بل أصبح شراكة ضرورية لتقدم المعرفة. وسنرى في المقال القادم ما سيقوله إيمانويل كانط عن ضرورة التقريب بين المنهجين التجريبي والعقلي وكيفية القيام بذلك، وما سيقوله كارل بوبر عن الحاجة لإدخال إمكانية التفنيد على المنهج.


فؤاد ٢٨ أغسطس ، ٢٠٢٥
ونكمل المراحل السبعة المفصلية في المقال التالي
تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ٣
لمواصلة الحديث عن تطور المنهج العلمي.
تعليقات
إرسال تعليق