في تحصيل العلم: هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!؟ - V

    تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ١                                                           

 

"هذه سلسلة مقالات تبدأ باستعراض الإنجازات العلمية والفكرية والفلسفية للحضارات القديمة، وصولا الى ما قبل النهضة في أوروبا. ثم نستعرض إنجازات المسلمين وبعدها نتحدث عن إنجازات أوروبا عصر النهضة وكيف تم تكريس المنهج العلمي منذ بدايات ابن الهيثم في كتابه المناظر ،عندما تحدث عن المنهج التجريبي وطبقه، وتثبيت فرانسيس بيكون له في كتابه الآلة الجديدة  في العالم الغربي كمنهج لتحصيل العلوم، وطرح رينيه ديكارت الأساسي في كتابه مقال في المنهج ، الذي يتمحور حول تطوير منهج عقلاني جديد للوصول إلى الحقيقة اليقينية في العلوم والفلسفة، مع رفض المناهج التقليدية المبنية على السلطة أو التقاليد، وحصر ذلك في العقل،  وصولا لإيمانويل كانت الذي أكد على ضرورة التوفيق بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية في اكتساب العلم، وكارل بوبر الذي طالب بضرورة القابلية للتفنيد لاحكام المنهج العلمي، ووصولا الى فيلسوف العلم النمساوي بول فايراباند المعاصر، في كتابه ضد المنهج، الذي رفع فيه شعار "كل شئ يمشي أو ممكن" في تحصيل العلم ، ونفصل في أطروحاته ، وفي مواقف المؤيدين والمعارضين له ومن ثم نصل لخلاصات في نهاية الحديث في آخر السلسلة"

كان الحديث في المقالات الأربعة السابقة، تحت عنوان فرعي "نظرة سريعة على مما أنتجته الحضارات القديمة" يتركز على منجزات حضارات بلاد الرافدين والهند والصين وبلاد فارس والاغريق والرومان وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية وحضارات المسلمين. ونكمل سلسلة المقالات تحت عنوان فرعي جديد هو “تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع" وهنا مقال رقم ١


المنهج العلمي وسبع مراحل مفصلية

السرد المطول في المقالات السابقة، الذي تعمدت أن يكون موزعا جغرافيا وزمنيا، ومتشعبا في أنواع العلوم والتقنيات والأفكار، ويستحضر الكثير من الأسماء والعديد من اهم الإنجازات المنوعة، والذي وان كان يبدوا طويلا، لكنه في حقيقة الأمر مقتضبا بالنظر لحجم الإنجازات الحضارية المتراكمة لجزء كبير وفاعل من البشرية عبر قرون طويلة، ومختصرا في تفاصيل كل إنجاز. وبالتالي يستلزم استحضار الغاية من استعراض هذه الإنجازات الإنسانية عبر القرون ليتضح لنا كثافة المعطيات العلمية المتوفرة في حضارات وادي الرافدين، ومصر القديمة، والهند، والصين، وفارس، واليونان، وأمريكا اللاتينية، بذكر عينات يسيرة منها. فما أنتجته هذه الحضارات من تراكم إنجازات يصعب أن يحصى كما ونوعا. فهو يغطي كل أنواع المعرفة الإنسانية والاجتماعية والروحية والدينية والعلمية والفلكية والطبيعية وغيرها، وتعدادها يكفي أن فكرة حصرها هي في حد ذاتها مخيفة. فكيف يمكن إيجاد تعدادها؟! في كل هذا السرد الذي طال، وهو غير كاف، أردت أن يتضح حجم النتاج الإنساني وتنوع السبل لإنتاجه والمشترك الأوضح في السبل التي انتهجت، هو أن لا منهجا موحدا كان يشكل مرجعية للإنسان الذي كان دوما يسعى لفهم الطبيعة والحياة والكون محاولا الإجابة عن ماهية الأشياء وغاياتها، كتمهيد للحديث عن الآلية والمنهج العلمي الحديث. فإننا في كل ذاك السرد،  لا نجد ما يدل بشكل مباشر أو غير مباشر، على وجود منهج متصالح عليه أو إطار عام متفق عليه يكون المرجع في اكتساب المعرفة والحكم في صوابيه المنتج العلمي، أو الفلسفي، أو غيرهما، أو منهجية مكتوبة، أو موروثة في البحث العلمي، على غرار ما نجده فيما أتى به ابن الهيثم وفي بعض أعماله، وخاصة في كتابه المناظر. وهذا، وبعد تقليب الصفحات الطوال المليئة بإنجازات الشعوب المختلفة، وعند استحضار ما ذكرناه في بداية المقدمة عنما نحن بصدده في هذ المسار من الدراسة، سيدفعنا للوقوف أمام احتمالين فلسفيين متعارضين لكن متكافئين في المعقولية. وبالرغم من وجود بعض الدراسات، التي عملت في بداية القرن العشرين وتبلورت آراء تحاول شرح كيف تمكنت الحضارات من إنتاج المعارف والتقنيات والعلوم المختلفة، وسنلقي الضوء على أهمها لاحقا، الا أن كل تلك الدراسات لا تتحدث عن وجود منهجية مرجعية موحدة كما هي قناعتنا في هذا الأمر. وعليه سنبدأ بالاحتمالين التاليين والتي نعتقد أنهما قد يشكلان مظلة أوسع لكلما تم تداوله بشكل أو بآخر في محاولات شرح تمكن الحضارات القديمة من انتاج العلوم.

 الاحتمال الأول يفترض غياب المنهج العلمي، قبل ظهور بدايات المنهج التجريبي عند ابن الهيثم، وهو ما يعززه الاعتماد المفرط على التأويلات الأسطورية والغيبيات والممارسات الحدسية، رغم تقدم بعض الملاحظات التجريبية. فالسحر الكلداني والتنجيم البابلي والكيمياء الهيلينية كانت تقنيات مشوبة بالخرافة، رغم ما فيها من تنظيم عملي. وحتى عند أرسطو، الذي أسس المنطق الصوري، نلاحظ أن تجاربه ظلت غالبًا وصفية وتأملية، دون التزام بالتجربة المحكمة أو التكرار القابل للفحص، بل ربما تعمد أن يضع بينه وبين الملاحظة الدقيقة والتجارب العملية مسافة تحفظ له مكانته الفكرية، ففي كتابه تاريخ الحيوانات، ذكر أن الرجال لديهم عدد أسنان أكبر من عدد أسنان النساء بدون أن يخضع هذا للملاحظة الدقيقة بالكشف على أسنان من يعيش بينهم.  وعندما نقول إن السحر الكلداني والتنجيم البابلي والكيمياء الهيلينية كانت تقنيات مشوبة بالخرافة، فنحن نعني أنها امتزجت بين عناصر عملية منظمة وأخرى غير علمية أو مبنية على معتقدات غير قابلة للتحقق. ففي السحر الكلداني جانب علمي. فالكلدانيون كانوا بارعين في الحسابات الفلكية، ورصد مواقع الكواكب والنجوم بدقة، ولكن الجانب الخرافي يتداخل مع هذا الجانب العلمي فقد اعتادوا على أن يربطوا هذه المواقع بأحداث بشرية مثل الحروب أو موت الملوك، دون دليل تجريبي يثبت علاقة سببية حقيقية. فمثلا، إذا ظهر كوكب المشتري في موقع معيّن، توقعوا ازدهارًا اقتصاديًا أو هزيمة عسكرية، وهو استنتاج مبني على معتقد لا على التجربة. والبابليون كانوا أقوياء في الجانب العلمي في تطوير جداول فلكية لحركة الأجرام السماوية، مما ساعد في تنظيم الزراعة (مثل تحديد مواعيد الزرع والحصاد)، ويتداخل الجانب الخرافي مع براعتهم في انتاج الجداول الفلكية باعتقادهم أن ولادة شخص تحت برج معيّن تحدد شخصيته ومصيره.، فإذا وُلد طفل أثناء وجود القمر في برج العقرب، اعتقدوا أنه سيكون محاربًا شجاعًا أو شخصًا منحوسًا، حسب التأويل. أما الكيمياء الهيلينية، فكانت تتبع التجريب على المعادن والمواد، ومحاولات مبكرة لفصل المواد أو تحسين خصائصها، وتنحى الممارسات منحى خرافيا عندما يتم البحث عن حجر الفلاسفة لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب أو إكسير الحياة لمنح الخلود. فيقومون بتسخين معادن وخلطها بطرق معقدة على أمل إنتاج الذهب، رغم أن ذلك غير ممكن كيميائيًا بالطريقة التي تصوروا. في المجمل، فإن هذه المعارف كانت مزيجًا من الملاحظة المنظمة والتطبيق العملي، لكنها اعتمدت على افتراضات غير مثبتة ومعتقدات أسطورية، مما جعلها مشوبة بالخرافة.


 أما الاحتمال الثاني فيفترض أن هناك قناعة بالحاجة لمنهج علمي. وقد يكون هذا موجودا لكنه غير متفق عليه بين المهتمين، ويأخذ أشكالا مختلفة (وهذا في تقديري، يقترب من مقولة بول فايرباند "كلشئ يمشي" التي ستأتي في المرحلة المفصلية السابعة عند الحديث عن تطور المنهج العلمي)، وطبق هذا في مجالات مختلفة، وهو غير مدوَّن، ولكنه استُعمل داخل المعابد، والمراصد، والمدارس الطبية والكيميائية القديمة، في مختلف بقاع الأرض، ولكن لم يُكتب له أن ينتقل إلينا بصيغة مفاهيمية أو تحليلية. ففي مصر القديمة مثلًا، أظهرت برديات  إدوين سميث و إيبرس الطبية معرفة تشريحية وعلاجية دقيقة، مما يشير إلى وجود نوع من الرصد والتجربة، لكن دون نصوص تنظيرية في المنهج. وكذلك الحال مع السومريين والبابليين في حساب الزمن والفلك، إذ وضعوا جداول حسابية معقدة استُخدمت قرونًا، لكننا لا نجد معها تفسيرًا نقديًا لمنهجهم الرياضي أو تصوراتهم الفلكية. أما اليونان، ورغم عظَمة أرسطو وأرخميدس، فإن المنهج عندهم ظل أقرب إلى الاستدلال العقلي والتأمل الفلسفي منه إلى التجربة المنظمة. 

ولكي تتضح الصورة في الممارسات المختلفة عند الأمم المتعاقبة، فسنقوم الآن باستعراض موجز لمشاركات من انشغلوا بالعلم عبر العصور الى زمن ابن الهيثم، ثم نختصر ذلك في جدول يعكس الممارسات المختلفة والغير متناسقة في انتهاجها منهج يمكن الحديث عنه.  

فبين القرن الرابع ق.م. والثالث ق. م.، عندما كانت اليونان القديمة منشغلة بالفلسفة والعلم وضع أرسطو (322 ق.م) أسس المنطق الصوري، مميّزًا بين الاستقراء والاستنتاج كأساس للمعرفة العلمية، مع تأكيده على الملاحظة كأساس لكل معرفة حقيقية. أرسطو شكل نقطة انطلاق رئيسية للفكر العلمي والفلسفي في العصور اللاحقة، وخاصة في الحضارة الإسلامية والأوروبية. في الشكل رقم ١ إيضاح لمراحل الملاحظة بالحواس، ومن ثم إعمال العقل للوصول لفكرة ويتم تعميمها والتنظير لها بمزيد من إعمال العقل والتأمل. تبعه إقليدس (300 ق.م) الذي طور المنهج الهندسي المبني على البرهان المنطقي، مؤسسًا نموذجًا صارما للبرهان العلمي الذي أثّر بعمق في العلوم الرياضية والهندسية. أما أرخميدس (212 ق.م)، فقد وسع دائرة المنهج العلمي ليشمل التجربة والقياس في الفيزياء والهندسة، واضعًا أسسًا للتجريب العملي المبني على المنطق الهندسي الأرسطي. وفي العصور الهلنستية والرومانية بين القرن الثاني والأول ق.م.، برز جالينوس (216 م) الذي طور المنهج التجريبي في الطب، حيث دمج بين التشريح الدقيق والملاحظة العملية والتجربة السريرية. استفاد من التقاليد الطبية اليونانية القديمة، وأسهم في ترسيخ مبادئ البحث الطبي التجريبي التي أثرت في العصور الوسطى الإسلامية والأوروبية.






وشهدت الحضارة الإسلامية من القرن الثامن الى القرن الحادي عشر الميلادي، نهضة علمية عظيمة في الفلسفة والطب والفلك والعلوم، حيث تفاعل العلماء المسلمون مع التراث اليوناني بشكل نقدي وبنّاء. فالكندي (873 م) كما أسلفنا الحديث عنه، والذي لقب ب "فيلسوف العرب"، دمج الفلسفة اليونانية مع المنهج العلمي الإسلامي، معزّزًا دور التجربة والملاحظة، وهو من أوائل من طوروا المنطق التجريبي، وأول من تحدث عن التعمية. أخذ من أرسطو وإقليدس الأسس الفلسفية والمنطقية وأدخل إليها روح التجربة والملاحظة التي ميّزت العلوم عند المسلمين. كان يؤكد أن العقل والتجربة معًا هما الطريق إلى المعرفة، وأن الاكتفاء بالنظريات المجردة لا يكفي. ففي أبحاثه في البصريات لم يكتفِ بتكرار ما قاله إقليدس وبطليموس، بل درس انعكاس الضوء وانكساره بالاعتماد على الملاحظة والتجربة وفي الطب والصيدلة شدد على ضرورة اختبار تأثير الأدوية في الواقع وعدم الاكتفاء بما يورده السابقون من آراء وهكذا جمع الكندي بين الفلسفة العقلية والمنهج العلمي التجريبي، مما جعله من رواد التفكير العلمي في الحضارة الإسلامية وممهّدًا للاحقين مثل ابن الهيثم والبيروني. ومحمد بن موسى الخوارزمي (850م)، كان له دورٌ محوري في مسيرة انتقال العلوم اليونانية إلى العالم الإسلامي. فإضافة لنقله لها، فسرها وجددها وأعاد صياغتها في صورة جديدة أثّرت بعمق في مسار المعرفة الإنسانية. فقد شارك في حركة بيت الحكمة ببغداد حيث تُرجمت مؤلفات إقليدس في الهندسة وأرسطو في المنطق، وأعاد تنظيم هذه العلوم لتناسب البيئة العلمية الإسلامية واحتياجاتها العملية. وإذا كان إقليدس قد وضع الأساس للهندسة الاستنتاجية القائمة على المسلّمات والبراهين، فإن الخوارزمي أخذ هذه الروح العقلانية ودمجها بالجانب التطبيقي، فابتكر طرقًا عملية في الحساب والمساحة والفلك. ومن أرسطو أخذ الطابع المنهجي والتحليلي للمنطق، وتجاوزه بابتكار علمٍ جديد هو الجبر، الذي تحرّر من هيمنة الهندسة اليونانية ليصبح علماً مستقلاً قائماً على العمليات الرمزية وقابلاً للتطبيق في مسائل الحياة اليومية كالبيع والشراء والمواريث. كما أدخل النظام العددي الهندي، بما في ذلك الصفر، فأحدث ثورة في الحساب لم يعرفها اليونان، وطوّر جداول فلكية دقيقة، وأعاد رسم خرائط الأرض موسعًا جغرافية بطليموس. وبهذا فالخوارزمي استوعب الميراث العلمي اليوناني، وحوله إلى منظومة علمية جديدة، كانت الأساس الذي نهلت منه أوروبا في عصر النهضة، حتى لقّبه بعض الدارسين الغربيين بـ"إقليدس العرب" و"أبي الجبر". وجابر بن حيان (815 م) أسس الكيمياء التجريبية، مطورًا أساليب التجربة المنظمة والتوثيق الدقيق، مما أثر لاحقًا في تطور العلوم التجريبية في أوروبا.  والرازي (925 م) طبق المنهج التجريبي في الطب، معززًا الملاحظة الدقيقة والتجربة السريرية، متأثرًا بالكندي وجابر. والفارابي (950 م) فطور منطقًا فلسفيًا منهجيًا وأكد على دور العقل في اكتساب المعرفة  ممهّدًا الطريق لابن سينا وابن الهيثم. فكان يرى أن المنطق هو آلة التفكير، أي أداة تضبط العقل وتحميه من الخطأ، تمامًا كما تحمي الموازين من الغش في الوزن، ولم يكتفِ بشرح منطق أرسطو، بل أعاد صياغته وصنّفه في مؤلفات مثل إحصاء العلوم والبرهان، حيث ربط بين المنطق والعلوم الأخرى وركّز على مفهوم القياس كوسيلة رئيسة لاستخراج المعرفة البرهانية، أي الانتقال من المقدمات الكلية إلى النتائج الجزئية، واعتبره الأداة المركزية للمعرفة البرهانية. وهذا استمرار للمنهج الأرسطي في المنطق، لكن مع تطويرات وتوظيف خاص في الفلسفة الإسلامية والعلوم. فعنده، القياس هو الانتقال من المقدمات الكلية اليقينية إلى نتائج جزئية أو خاصة، بحيث يكون الاستنتاج ضروريًّا إذا كانت المقدمات صادقة. فاذا قلنا أن كل جسم مادي حادث فهذه هي المقدمة الكبرى، وإذا قلنا أن العالم جسم مادي وهي المقدمة الصغرى، فنستنتج من ذلك أن العالم حادث. وهذا يمثل قياسا برهانيا يفضي الى نتيجة يقينية كونه قائم على مقدمات عامة مسلم بها. ويظهر التزاوج بين العقل والتجربة، عندما تكون مقدمتنا الكبرى تقول إن كل دواء مجرب ثبت أنه يزيل الحمى، فهو نافع في علاجه، والصغرى تقول إن هذا الدواء أثبت بالتجربة أنه يزيل الحمى، فالنتيجة هي أن هذا الدواء نافع في علاج الحمى.  كما أنه فرق بين البرهان (المعرفة اليقينية)، والجدل (المعرفة الاحتمالية)، والخطابة (الإقناع العام)، والشعر (الخيال). وابن سينا (1037 م) دمج المنهج التجريبي مع المنطق في الطب، مستفيدًا من أرسطو والفارابي، مؤثرًا في الطب والمنهج العلمي الأوروبي لاحقًا. أما ابن الهيثم (1040 م) فهو من يعد مؤسس المنهج العلمي الحديث، حيث دمج بين الشك المنهجي، الملاحظة الدقيقة، والتوثيق التجريبي، مؤثرًا بشكل مباشر على روّاد النهضة الأوروبية مثل روجيه بيكون.  وهنا في الجدول ١، ملخص لمسيرة عطاء العلماء والفلاسفة والمفكرين من أرسطو ومرورا بالكندي، ووصولا لابن الهيثم. 



ابن الهيثم مرحلة مفصلية
إذا اعتبرنا أن القرون التي مرت على البشرية قبل ابن الهيثم ، وما شهدته من إنجازات علمية وفلكية وفلسفية وغيرها، مرحلة ابتدائية، فإن المفصل الحاسم في مسألة تطوير المنهج العلمي، يعزى لابن الهيثم (١٠٤٠م) ومن انتهجوا منهجه بشكل أو بآخر وبنفس المستوى، وهو الذي قدَّم نقلة نوعية عبر المنهج التجريبي القائم على الملاحظة المنظمة، والفرضية، والتجربة المتكررة، والتفسير العقلي المرتبط بالبيئة الفيزيائية، ثم التحقق من النتائج وإمكانية نفيها أو تعديلها وبذلك يشكل ابن الهيثم مرحلة ثانية بعد المرحلة الأولى التي سبقته وامتدت طوال فترة الأمم القديمة. وفي كتاب المناظر، طبق هذا المنهج بدقة، وكتب:
 "نبتدئ في البحث عن خصائص الأمور المتكونة على الحسّ بالاستقراء، ونستعمل في ذلك التجربة، ثم نستنبط من ذلك ما نركن إليه في المعقول". 
هذا النص بمفرده يضع أساسًا لمنهج علمي صارم لم تبلغه أي حضارة سابقة بشكل منهجي مدوَّن، ويجمع بين النظري، والتجربة، والشك، والتحقق. ويمكننا القول إن ما قبل ابن الهيثم يعتبر المرحلة الأولي في مسار تطور المنهج العلمي، تلاها مرحلة طرح ابن الهيثم للمنهج العلمي كما ذكر أعلاه. لقد تبنّى بعض مفكري الغرب هذا الفهم، مثل روجيه بيكون وغاليليو لاحقًا، ممن قرأوا أعمال ابن الهيثم. ثم ترجموها إلى اللاتينية، كما أشار جورج سارتون في كتابه المدخل إلى تاريخ العلم إلى أن "ابن الهيثم هو أعظم عالم فيزيائي بين بطليموس ونيوتن". بل ذهب بعض المؤرخين إلى أن "من دون أعمال ابن الهيثم والرازي وابن سينا، لما كان هناك تمهيد حقيقي للثورة العلمية الحديثة."







ويشير أليستير كاميرون كرومبي ( ١٩١٥م) المؤرخ والعالم البريطاني–الأسترالي،  الذي يُعدّ من أبرز مؤسسي حقل تاريخ العلوم في القرن العشرين، إلى أن ابن الهيثم هو أول من وضع أُسس المنهج التجريبي الحقيقي. ويرى أن ما ميّز ابن الهيثم لم يكن فقط استخدامه للتجربة، بل منهجيته الدقيقة في الجمع بين الملاحظة، والافتراض، والاختبار التجريبي، والتحليل العقلي، وهو ما يقترب جدًا من صيغة المنهج العلمي الحديث.
" ابن الهيثم طوّر منهجًا علميًّا دقيقًا في القرن الحادي عشر يمزج بين العقل والتجربة، وهو منهج يقف على قدم المساواة مع ما جاء به بيكون لاحقًا"
ويكمل كرومبي، حديثه ليشرح بأن أسلوب ابن الهيثم المنظم في الشك في الفرضيات واختبارها هو ما جعل منه سابقًا لأوانه، ومميزًا في تاريخ العلم الإسلامي والغربي على حد سواء.
وأما غونتر روزنتال(٢٠١١م) وهو مؤرخ ألماني متخصص في تاريخ العلوم الإسلامية، تناول أعمال ابن الهيثم في دراساته، وكان معروفًا بإسهاماته في دراسة تاريخ البصريات والفيزياء في العصور الوسطى، واهتم بشكل خاص بتأثيرات أعمال ابن الهيثم في هذه المجالات، فيشير إلى أن ابن الهيثم كان من العلماء الذين أسهموا بشكل كبير في تطوير المنهج التجريبي في العلوم. وأبرز روزنتال كيف أن ابن الهيثم اعتمد على التجربة والملاحظة كأساس لفهم الظواهر الطبيعية، مما جعله رائدًا في تطبيق المنهج العلمي التجريبي. ففي كتابه "بصريات: لمحات من الأراضي الإسلامية"، يشير روزنتال إلى أن ابن الهيثم كان "أعظم فيزيائي مسلم وأحد أعظم دارسي البصريات في العصور الوسطى". كما يذكر أن كتابه "كتاب المناظر" كان له تأثير كبير على العلماء في العصور الوسطى، خاصة في مجال البصريات.
إضافة إلى ذلك، فهو يذكر في مقال بعنوان "التصنيف العلمي في الثقافات الإسلامية"، أن ابن الهيثم كان "أبًا للبصريات"، وأنه "أعظم فيزيائي مسلم وأحد أعظم دارسي البصريات في العصور الوسطى. كما يؤكد روزنتال في دراساته وأبحاثه، أن ابن الهيثم مثّل نقطة تحول في الفكر العلمي الإسلامي. وذهب إلى القول بأن التفكير العلمي كما نفهمه اليوم، ظهر أول ما ظهر عند ابن الهيثم.
❝ العلم عند المسلمين وصل ذروته مع ابن الهيثم، الذي كان أول من أدرك بوضوح أن العلم لا يقوم على التأمل العقلي فقط، بل على التجربة الحسية المتكررة والبرهان الرياضي ❞
كما يشير إلى أن ابن الهيثم لم يكن مجرد "فيزيائي" أو "باحث في البصريات"، بل نظّر لعلمية المعرفة، وكتب مقدمات فلسفية حول اليقين، وحدود المعرفة، ومفهوم البرهان، مما يجعله أحد المؤسسين الفعليين لنظرية المعرفة العلمية.

 الحضارة الإسلامية وبداية "علمية المعرفة"
إن غياب التدوين المنهجي في الحضارات السابقة لا ينفي أنها أنجزت علمًا، لكنه يجعلنا نميز بين "معرفة علمية" قائمة على التراكم والمهارة، وبين "علمية المعرفة" التي تتطلب المنهج والبرهان. وهنا يظهر بجلاء أن الحضارة الإسلامية، بدءًا من بدايات حركة الترجمة في بيت الحكمة مرورًا بعصر ابن الهيثم، قامت بتأصيل هذا الفرق، وأن ما تبلور عندهم لم يكن صدفة، بل كان نتيجة بناءٍ واعيٍ لمنهج علمي أخذ من الفلسفة، واستثمر في التجربة، وترك أثرًا عميقًا في الفكر الإنساني لاحقًا. وتطرح مسألة "وجود المنهج العلمي قبل ابن الهيثم" إشكالية فلسفية وتاريخية دقيقة، إذ تستدعي التمييز بين "المنهج العلمي" كمفهوم صارم ذي شروط عقلية وتطبيقية، وبين "تجميع المعارف" و"المهارات التقنية" و"الممارسات العملية" التي عرفتها مختلف الحضارات القديمة. قبل ابن الهيثم وبعده، هناك من العلماء والفلاسفة المسلمين من كان لهم عطاء وقول ومشاركة في التنظير أو التطوير أو التطبيق لجانب من جوانب المنهج العلمي التجريبي الذي دعا اليه وبشر به. ويجب الالتفات هنا الى مسألة وعلامة فارقة في العلوم التي تم انتاجها بعد ابن الهيثم (خلال الدولة العباسية) فهذه تختلف عنما تم انتاجه من علوم سبقت. فهذه العلوم تمت تحت مظلة منهج علمي وليد تحدث عنه وطوره ابن الهيثم، وشاركه العديد من العلماء اللذين أتو بعده متأثرين بأطروحاته، وهذا يستدعي التفريق بين العلوم مما كان منها قبل ابن الهيثم في الحضارات السابقة، وما أنتج خلال زمنه ومن أتي بعده في الدولة العباسية. وهنا في جدول ٢ ندرج أسماء العلماء في الفترة العباسية اللذين أتو بعد ابن الهيثم ولهم اسهامات في التأكيد على، أو تطوير المنهج العلمي. 






بعد  العطاء الاستثنائي والرائد الذي قدمه ابن الهيثم ، بثلاثة قرون تقريبا، تحدث روجيه بيكون (١٢٩٢م) ، عن المنهج العلمي في بداية القرن الثالث عشر بشكل نظري قبل الثورة الصناعية وقبل العلوم التي تتابعت في أوروبا. كان روجيه بيكون أحد أعضاء الرهبنة الفرنسيسكية، وهي جماعة رهبانية تركز على الفقر الاختياري، والتواضع، وحياة الزهد اقتداءً بالمسيح ع، وفق تعاليم القديس فرنسيس. فالاسم لا علاقة له بفرنسا، بل بالقديس فرنسيس. وكان شعارهم هو الحياة البسيطة، خدمة الفقراء، ونشر السلام.  ولذلك سنرى لاحقا أنه عندما قررت الكنيسة سجنه لمدة ١٥ عاما بسب أفكاره، سجن في أحد الأديرة الفرنسيسكية في أكسفورد. وتحدث بيكون عن المنهج العلمي، ربما لأنه تلمس الحاجة إلى تجاوز الاعتماد على السلطة والنقل، وهو ما كان سائدًا في أوروبا آنذاك، خاصة في الجامعات التي كانت تعتمد على شروح أرسطو دون اختبار أو تجريب. فبيكون رأى أن التقدم العلمي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الاعتماد على الملاحظة الدقيقة والتجربة العملية، وقد تأثر في ذلك تأثرًا واضحًا بأعمال علماء المسلمين، وخصوصًا ابن الهيثم، الذي وصلت بعض كتبه إلى الغرب مترجمة إلى اللاتينية، وأسهمت في تشكيل وعي جديد بطبيعة المعرفة العلمية. روجيه بيكون دعا إلى ما سماه العلم التجريبي scientia experimentalis، وميّزه عن العلم القائم على الجدل الكلامي، معتبراً أن التجربة لا تؤدي فقط إلى المعرفة، بل قد تفضي إلى البرهان والسبق العلمي. وهو في ذلك سبق عصره من حيث التأكيد على أولوية التجربة على النظر العقلي المجرد، وهو اتجاه نضج لاحقًا على يد فرانسيس بيكون في القرن السابع عشر.
صحيح أن الإنجازات العلمية الكبرى – مثل قوانين نيوتن، أو النظرية الذرية، أو الثورة في الكيمياء – لم تكن قد حدثت بعد، ولكن بيكون أدرك مبكرًا أن العلم بحاجة إلى منهج، وأن غياب التجريب والاكتفاء بالمنقولات يشكل عائقًا أمام تقدم المعرفة. وكان مما قاله: "بدون التجربة لا يمكن أن تُعرف الأشياء معرفة يقينية"، وهي عبارة تلخص جوهر رؤيته. وقد استخدم مثال البصر والمرايا والزوايا لإثبات كيف يمكن للتجربة أن تُنتج معرفة دقيقة، لا يمكن الوصول إليها بالقياس المنطقي وحده. إذن بيكون لم يكن يتحدث عن علم مزدهر في عصره، بل كان ينتقد واقع المعرفة الراكدة، ويدعو إلى تأسيس نهج جديد يمكّن أوروبا من اللحاق بركب المعرفة، خاصة وأنه يجوز لنا الافتراض انه كان على دراية – من خلال الترجمات اللاتينية – بالتقدم الكبير الذي حققه المسلمون في الرياضيات، والطب والبصريات والفلك. وهو ما جعله يُصنّف اليوم كأحد رواد المنهج العلمي التجريبي في الفكر الغربي قبل الثورة العلمية.
كليمنت الرابع (Clement IV) وهو بابا الكنيسة الكاثوليكية بين عامي 1265 و1268، واسمه الأصلي كان غي فوكوا (Guy Foulques)، وهو فرنسي الأصل، عُرف بدعمه للعلوم إلى حدّ ما مقارنةً ببعض من سبقوه، وقد كانت له علاقة مهمة مع المفكرين في عصره مثل روجيه بيكون، الفيلسوف واللاهوتي والعالم التجريبي الإنجليزي، الذي يعد من أوائل من دعا إلى المنهج التجريبي في أوروبا. البابا كليمنت الرابع كان مهتمًا بالإصلاح الكنسي وبالأفكار العلمية، ولهذا طلب من بيكون في رسالة رسمية إعداد دراسة شاملة عن المنهج العلمي والتجربة، وهو ما دفع بيكون إلى تأليف كتابه الأشهرOpus Majus  العمل الأعظم ، أو الكتاب الأعظم، الذي يُعد من أبرز الأعمال التي وضعت أسس العلوم التجريبية في أوروبا. هذا الكتاب تضمّن مقترحات لاستخدام الرياضيات والتجارب في البحث العلمي. وكتب رسالة للبابا كليمنت الرابع ومعها كتابه الأشهر هذا، وأكد في رسالته للبابا أن "التجربة وحدها هي التي تعطي اليقين الكامل الذي لا يمكن الحصول عليه بالعقل المجرد." ويضيف: "من لم يَختبر، لا يعرف شيئاً." هذا التأكيد الجازم على التجربة بوصفها طريقاً إلى المعرفة يقف على نقيض التقاليد السائدة في جامعات أوروبا اللاتينية آنذاك، التي كانت تعتمد على شرح المتون الأرسطية والفلسفة المدرسية دون اختبار أو مراجعة نقدية. فبعد وفاة البابا كليمنت الرابع، جاء بابا جديد هو البابا نيكولاس الثالث، وكان أكثر تشددًا تجاه الأفكار الجديدة التي اعتبرها خطرة على العقيدة، خاصةً أن بيكون كان ينتقد الجهل العلمي لدى رجال الدين ويدعو إلى إصلاحات فكرية كبيرة. فاتهم بيكون بالهرطقة وسُجن في دير الفرنسيسكان بين 1277 و1292 تقريبًا. أردت في هذا الاسترسال المختصر، استحضار موقف من مواقف الكنيسة في العصور المظلمة الذي لا يتناغم مع المشاع عن العلاقة المضطربة بين الكنيسة والعلم، بل والعداوة بينهما. فموقف البابا كليمنت الرابع من العلوم التجريبية وتشجيعه عليها، يمثل نقيض ما يتم التأكيد عليه أن الكنيسة كانت دوما في صراع مع العلم والأفكار الجديدة، وسوف نأتي على هذا بالتفصيل في غير هذا المسار المخصص للحديث عن "هل أَخَذَنَا "تَأليه" المنهج العلمي للمحظور!؟؟". ففي أحد المسارات المخصصة للنظر في طبيعة العلاقة بين العلم والدين سيتسع المجال للحديث عن طبيعة علاقة الكنيسة مع العلوم المتفاوتة بين أقصى التشدد والعداء للعلوم الحديثة وأقصى التبني والدعم لها. ونستحضر فيه أمثلة عدة على ذلك منها موقف البابا كليمونت الرابع وروجيه بيكون، واعدام جيرادانو برونو بسبب اعتقاده بلانهائية الكون، وكبريانوس القرطاجي الذي حاذر وناور مع الكنيسة فلم ينشر علومه الا مع وفاته تقريبا، ومحاكمة غاليليو ووضعه في الإقامة الجبرية بسبب اثباته تطبيقيا بتلسكوبه ما ذهب اليه كبريانوس في مركزية الشمس وليس الأرض، ومناقشته اطروحات كبريانوس في ندوات عامة. 

والأهم لدينا هنا الآن، هو التأكيد على أن ما قاله بيكون في القرن الثالث عشر يكاد يتطابق مع ما كتبه ابن الهيثم قبل ذلك بثلاثة قرون. فقد قال ابن الهيثم: "ليس لنا أن نأخذ بقول من تقدمنا، من غير أن نقف على ما قالوا، ونتأمل في ما أوردوا. فما من طريق إلى اليقين إلا التجربة والمشاهدة." بل إن مشروع ابن الهيثم في المناظر لم يكن مجرد دراسة للبصر، بل كان تأصيلاً للمنهج العلمي يقوم على الملاحظة الدقيقة، وفرض الفرضيات، واختبارها بالتجربة، ومراجعة النتائج. وفي مقدمات كتابه، كان صريحاً في نقده للمتقدمين ممن أخطأوا في المنهج، مع أنه لم يهاجمهم، بل احترم مسعاهم العلمي، وهو السلوك نفسه الذي اتبعه بيكون لاحقًا في انتقاد الفلاسفة المدرسيين دون أن يتنكر للتراث. التشابه في منهجية التفكير بين ابن الهيثم وبيكون لا يمكن تفسيره بالصدفة أو التقاء العقول وحده. فقد وصلت أعمال ابن الهيثم إلى أوروبا من خلال الترجمات اللاتينية، خصوصًا ترجمة جيرار الكريموني لكتاب المناظر بعنوان Perspectiva. ويظهر من بعض مقاطع روجيه بيكون – لا سيما عند حديثه عن انعكاس الضوء وانكساره – أنه اطلع على هذه الأعمال وتأثر بها بوضوح، حيث كان يعزو للفيزيائيين المسلمين السبق في هذا المجال، وخاصة في نقدهم لأرسطو وبطليموس.


فؤاد أغسطس ٢١، ٢٠٢٥

ونكمل المراحل السبعة المفصلية في المقال التالي 

                                                تطور المنهج العلمي في مراحله المفصلية السبع - ٢

للحديث عن مرحلة فرانسيس بيكون وما قدمه في المنهج العلمي.










تعليقات